تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
استكشاف النمط الفريد| #3

استكشاف النمط الفريد| #3

#107| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد الفخراني 21 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

كل فترة يجد قارئ الأدب ما يدهشه، ويبدل أفكاره أو ينعشها على الأقل. الأدب مادة لا تعمل إلا حين تُقرأ، مع القراءة تحيا، وعملية الإحياء هذه تحدث في رأس القارئ، خاصة إن كان هذا القارئ مشغولًا بالأدب، ويكتبه أيضًا. مسترشدًا بكتاب الأمريكي جورج سوندرز الذي يحلل سبع قصص كتبها الروس تشيكوف وتولستوي وجوجول وترجينف، بدأ أحمد الفخراني استكشاف النمط الفريد في القصص، مراكمًا الاستكشاف وراء الآخر. وهذا الويك إند يستكشف نمط نجيب محفوظ في «دنيا الله».

#قراءة #استكشاف النمط الفريد

 تبدأ قصة نجيب محفوظ «دنيا الله» (1963) بفقرة يظهر فيها فراش يُدعى إبراهيم في مكتب خالٍ من موظفيه، وبدخوله حجرة المحفوظات قبلهم تدب الحياة:

دبت الحياة في إدارة السكرتارية بدخول عم إبراهيم الفراش. فتح النوافذ واحدة بعد أخرى، ومضى يكنس أرض الحجرة الواسعة بلب شارد ودون اكتراث. واهتز رأسه بانتظام وبطء، وتحرك شدقاه كأنما يلوك شيئًا. فقلقت تبعًا لذلك منابت الشعر الأبيض في ذقنه وعارضيه، أما صلعته فلم تكن بها شعرة واحدة. وعاد إلى المكاتب ينفض عنها الغبار ويرتب الملفات والأدوات، ثم ألقى على الحجرة - الإدارة - نظرة شاملة، ثم نقل بصره بين المكاتب وكأنما يرى شخوص أصحابها، فلاح الارتياح في وجهه حينًا والامتعاض حينًا ومرة ابتسم، ثم ذهب وهو يقول لنفسه: الآن نذهب لإحضار الفطور.*

بعد تلك الفقرة مباشرة ينسحب حضور إبراهيم المركزي من المشهد، لصالح وصف سبعة موظفين، حتى نظن أنهم أبطال القصة، وأن إبراهيم لاعب ثانوي فيها، حتى عندما نعرف أنه سيسرق مرتباتهم ويختفي، وبعد أن يصل بنا إلى قسم شرطة، يواصل محفوظ تتبع ردود أفعال الموظفين على السرقة وتفكيرهم في النجاة من الأزمة، سيرتقي الفراش في أذهاننا درجة، من لاعب ثانوي إلى محرك للصراع، لكنه حتى الآن ليس بطل القصة، التي تكاد أن تنتهي، ثم ندرك بعد انسحاب الموظفين السبعة من المشهد وعودة إبراهيم ليحتل ثلث القصة الأخير بأكملها، وحتى النهاية، أنه البطل الرئيسي، والمعني بكل هذا، والصراع الذي تستهدفه القصة يدور داخل روحه، ويراهن على مصيره. 

عندما أقرأ قصة، أبحث بشكل اعتيادي في فقراتها الأولى عن الصدع الذي ينشأ في حياة بطلها وتكون في الأغلب بين رغبة مزيفة وأخرى حقيقية على وشك اكتشافها.

قلب «دنيا الله» وصدعها وصراعها عن رجل يسقط في الخطيئة، كي ينال ما لم ينله طيلة عمره، لحظات زائلة من السعادة، ولما ييأس منها ينتهي إلى حالة الكشف والتساؤل: إن كانت الدنيا بشهواتها التي تدفعنا إلى الزلل من صنع الله، فما ذنبنا؟

لمَ رتب نجيب محفوظ عناصر السرد إذن بتلك الطريقة؟

لماذا أخّر كشف الصدع الرئيسي بعد مرور أكثر من ثلثي القصة، لمَ استعرض شخصيات لأكثر من ألفي كلمة في قصة لا يتجاوز طولها ثلاث آلاف كلمة، نظن تلك الشخصيات أبطال القصة، ثم تختفي فجأة ونكتشف أنها مجرد شخصيات ثانوية؟ هل كان يستطرد؟ هل أخطأ أول مَن أدخل فن السرد كصنعة تتطلب الاتقان إلى الوطن العربي، والذي نعرف عنه دقة كميزان ذهب؟

ما الذي نفعله عندما نقابل قصة لا تقدم لنا الجانب القياسي الذي اعتدنا عليه للسرد؟

ننتظر.

طاقة القراءة

عندما نقرأ السطر الأول في قصة فرانز كافكا «التحول»: «استيقظ جريجور سامسا ذات صباح بعد أحلام مزعجة، فوجد نفسه قد تحوّل في فراشِه إلى حشرة هائلة الحجم»، فإن أغلبنا لا يقذف الكتاب بعيدًا، صارخًا بتأفف: لا لم يفعل، فتحوّل الإنسان إلى حشرة شيئًا مستحيلًا.

هناك أمثلة أخرى غير الحدث الخارق للعادة يكسر فيها الكاتب الجانب المُعتاد للقصة: لغة عالية أو شاعرية أو عامية أو بها شيء من الركاكة بشكل ملحوظ، أو ما يبدو لنا لأول وهلة كاستطراد طويل قبل الانتقال إلى قلب القصة، كما فعل محفوظ في دنيا الله.

القارئ الطبيعي يتسامح مع جميع حالات القراءة، حتى التي تبدو سلبية كفترات الملل والحيرة، والفترات التي يكره فيها شخصية معينة أو لا يفهم موقعها، فقط يتساءل: عما إذا كان الكاتب يعرف ما يفعله، يخبر القارئ كافكا: سأسمح لك أن تحول إنسان إلى حشرة، بشرط أن تثبت لي أن تجاوزي عن تلك المبالغة أمرًا سيؤتي ثماره لاحقًا.

عندما نواجه هذا الإفراط في خرق النمط المعتاد، ندخل مع الكاتب في علاقة تبادلية مؤقتة ومشروطة.

ما سيحدث بعد أن نتجاوز عددًا من الفقرات، هو أننا نشك ونقاوم، وتنخفض طاقة القراءة المتسامحة لدينا، لكن إذا لم تفشل القصة في النهاية في إقناعنا، وإذا رأينا لاحقًا أن كل هذا كان جزءًا من خطة الكاتب، حينها نكتشف أن ما بدا فشلًا، لم يكن إلا براعة منه. القصة الجيدة وحدها هي التي إن خلقت نمطًا من الإفراط في تجاوز أو كسر الجانب المعتاد، هي التي تحول تلك التجاوزات إلى مزايا.

إحدى طرق تقييم جودة قصة ومدى فعالية التقنية المستخدمة داخلها، هو أن تسأل نفسك أين قلب القصة؟ أو أن نسأل أنفسنا ما الذي يرغب الكاتب أن يخبرنا إياه، لماذا يزعجنا بكل تلك التفاصيل؟ هل كل جزء فيها كان يحتاج أن يكون في ذلك الموضع؟

إن لم تملك القصة إجابة فهي قصة سيئة، والكاتب قد أخطأ.

إجابتي عن سؤال إذا ما كان محفوظ قد أخطأ في اختيار طريقة السرد، هي طبعًا لا، فهو يستحق كل صبر، وكل إنصات، وكل لحظة انتباه.

كل سطر في «دنيا الله»، كان موجهًا -بمهارة وإتقان إلى قلب القصة، ولدعم سطر النهاية وشحنه بالمعنى.

عربة الملاحظات

في كتابه «A swim In a pond in the rain» الذي كانت قراءته شرارة ملهمة للكتابة عن فن القصة، يقول جورج سوندرز:

«عندما نقرأ قصة، نحن كمَن يجر معه عربة تسوق للأشياء التي لم أستطع منع نفسي من ملاحظتها، سأسميها عربة الملاحظات.

وهي أشياء عادة ما تكون على مستوى السطح: كالحبكة (يبدو أن روميو يحب جولييت) اللغة (استعارات ومجازات كثيرة في الصفحة الأولى) سمات البنية (السرد يتقدم إلى الأمام أم أن الراوي يلجأ إلى الفلاش باك) وجهة النظر التي تروى منها القصة وإذا ما تغيّرت أما لا) وأيضًا الأشياء التي تفرض نفسها على انتباهنا، كمبالغة أو إفراط الكاتب على شيء بعينه.

قد لا يحدث ذلك بوعي في القراءة الأولى، بل نلاحظ على حسب معرفتنا وقدرتنا على الانتباه وهي عملية تختلف من قارئ لآخر، وقد يحدث ألا يكتمل إدراكنا للقصة إلا بعد الانتهاء من القراءة الأولى، عندما نحاول تحليل ما قرأناه.»

دعني- بعد ذلك الاستطراد- أفصّل لعبة محفوظ في «دنيا الله» وأسبابه خطوة بخطوة، وفق ما جمعته في عربة ملاحظاتي. 

ما نلاحظه -رغمًا عنّا- من الفقرة الأولى عن إبراهيم أنه شخص كبير في السن، ومسؤول عن التنظيف وتجهيز الفطور، وبالنظرة المتنقلة بين المكاتب الخالية كأنما يرى شخوص أصحابها مطلقًا حكمًا مبدأيًا، على كل منهم، الارتياح حينًا... الامتعاض حينًا، لكنه يبتسم لواحد منهم، ولا ندري سبب الابتسامة قبول أم تشفي، نعرف أنه يملك أحكامًا على تلك الشخوص.

في القراءة الثانية أفكر، ومع الثالثة أيضًا:

اسم القصة «دنيا الله» أي أن الدنيا هي موضوعها وكذلك الله، وذلك الذي بدخوله تدب الحياة يبدو كمَن يفتح أعيننا على عرض مسرحي على وشك البدء، وهو ما يظهر بطريقة أوضح عندما نشاهد دخول سبعة موظفين، وطريقة إدارة الحوار بينهم، كأنها شخوص تؤدي وفق نص محكوم سلفًا من قِبل مؤلف.

عقب الفقرة الأولى يتتابع دخول الموظفين في وصف موجز وكاشف:

 السيد أحمد: كاتب المحفوظات، جاء بكاهل ينوء بخمسين عامًا ووجه نُقش على صفحته امتعاض ثابت كأنه سجل لقرف الزمن.

السيد مصطفى: الكاتب على الآلة الكاتبة، صفته الأهم: يضحك كثيرًا لكنه ضحك متوتر يداري به همومه اليومية.

سمير: الرجل الغامض كما يُدْعَى في الإدارة.

الجندي: ينم تطلق أساريره على أنه لم يخرج من نعمة الطفولة.

السيد لطفي: أنيقًا ذهبي الخاتم والساعة ودبوس الكرافتة... دخل يتبختر.

ولحق به، حمام: رقيقًا نحيفًا منطويًا على نفسه.

وأخيرًا، السيد كامل: سيادة مدير الإدارة، محوطًا بهالة من وقار، وفي يده مسبحة.

بعد اكتمال الحضور، يستبدل وصف دبيب الحياة، بالضجيج، الخشخشة، دون أن يشرع أحد في عمل، كأن فعل الحياة والحركة في جوهره ينطوي على فراغ.

ما يستعرضه محفوظ في إيجاز ومهارة: 

الدنيا متجلية في سبعة شخوص لكل منهم موقعه منها وحظه ورد فعله تجاهها: واحد ينوء بأعبائها ورد فعله الامتعاض، والثاني مثله، لكن رد فعله هو مدارة الهم بالضحك، الثالث يجد منفذًا له في التقرب من السلطة، الرابع في عدم النضج، الخامس في المال والأناقة وتدليل الذات، السادس في أن يكون تابعًا وأن يطوي غضبه على موقعه من الدنيا داخل نفسه، السابع في سلطة الدنيا والتمسك بما هو شكلي في الدين، فأول فعل له في القصة هو مغازلة امرأة في مكالمة هاتفية.

الحوار أيضًا لا يبعد عن الدنيا، ولو للحظة، أول ما ينطق به، هو وصف لها:

فانية

ستكون السنة نهاية العالم…

..وهل يخفى القمر؟ علامة قيام الساعة التي ظهرت بالفعل.

كدح

لماذا نشقى بالزواج والأبناء؟

صراع وجرائم قتل

ها هو شاب يقتل أباه تحت بصر أمه.

المرض

ما فائدة كتابة روشتة إذا كان الدواء غير موجود بالسوق، وأيضًا إذا كانت الدنيا داءً، فما فائدة كل ما وصفات النجاة منها. 

لذة وانشغال

مكالمة المدير التليفونية لمغازلة امرأة. شرود الجندي وراء لذاته متابعًا في العمارة المواجهة ممرضة ألمانية شقراء. الجميع ينهمك في الطعام بنهم وتلذذ دون أن يرفعوا أعينهم عن أعمدة الصحف أي اليومي والفاني.

 صدقوني، نهاية العالم أقرب مما تتصورون..

ووضع المدير يده على السماعة وقال لحمام آمرًا:

جهز الملف 1 - 3 /130 عامًا.

هناك إلحاح أو إفراط، على عرض شيء بعينه «فناء الدنيا ولذاتها والشقاء الكامن في زمنها القصير»، حتى أن اسم الملف بأرقامه المكررة، يوحي لنا بالتواريخ التي تثير فينا رعب نهاية العالم.

إفراط يوجهنا بمهارة كي نحصر مسار القصة من إمكانية أنها تتحدث عن كل شيء إلى شيء محدد. 

نعرف عن إبراهيم الفراش الذي لن ينطق بحرف حتى ثلث القصة الأخير معلومتين:

1- يراقب الآكلين بنظرة غريبة تمهيدًا لفعل كامن أو تفكير، إدراك لتناقض ما، كما أنه مراقب دون مشاركة وهو ما سيتأكد لاحقًا.

2- ليس فقط المسؤول عن ترتيب الحجرة وتنظيفها وتجهيز الفطور، بل أيضًا هو المسؤول عن تسلم مرتباتهم.

يستعرض محفوظ بشكل أوضح الجانب الثاني من الدنيا: اللذة. فبعد الطعام الذي يؤكل بنهم، يدخل الحجرة: بائع كرافتات وروائح عطرية. ثم بائع سمن، يطالب بديون قديمة مستحقة، لكن السيد مصطفى يخبره «انتظر حتى يرجع عم إبراهيم.»

مطاردة الملاك

طيلة قراءتي للقصة يطارد ذهني شيء واحد بإلحاح؛ ملاك.

وفق ما نعرفه عن عالم محفوظ فإنه يمتص بمهارة التصورات الدينية الكلاسيكية، ويضعها في مواجهة مع عالم أسئلته الفلسفية.

كل شيء معلق بعم إبراهيم الفراش كأنه ملاك موكول بجلب الرزق، متفرج ولا يشارك ويملك أحكامًا، يهيئ الحجرة للمنخرطين في الدنيا، لكنه ليس منها.

ما تستفزه «دنيا الله» داخل عقلي، حكاية شهيرة من التراث الإسلامي والعهد القديم، ووردت في تفسير ابن كثير عن ملاكين هبطا إلى بابل قديمًا ليثبتا لله أنهما، حتى لو حملا شهوات ابن آدم سيتفوقان على الإنسان في عبادة الله وطاعته، لكنهما يخضعان لحب امرأة، وباسم هذا الخضوع يرتكبان كل شهوة حتى الشرك بالخالق.

لا أنسى تلك القصة، لأنها بدت في ذهني كدفاع من الله عن الإنسان. قصة تتجاوز الفكرة المُبسطة للدنيا، كما يرويها رجال الدين، كأفعال مقسمة بصرامة إلى خير وشر، أما «دنيا الله»، فبدت كدفاع مماثل من نجيب عن الإنسان وتجديدًا لسؤال: إن كانت تلك الدنيا الجميلة والشريرة التي ليست إلا فناءً وكدحًا ومرضًا ولذة وانشغالات من صنع الله، فما ذنب الإنسان؟

ذلك الملاك، سيقفز -رغمًا عني- في عربة ملاحظاتي، ليعيد تشكيل دلالة القصة داخلي في كل قراءة. سيقودني مرات إلى حقيقتها ويضللني مرات أخرى. ما الذي ننتظره من ملاك ساقط؟ لكنه عندما يضللني فإنه يدفع بي إلى الحقيقة أيضًا، والتي ربما لم تكن في ذهن كاتبها، أو ربما كانت بالضبط ما يقصده كاتبها.

ما يخبرني إياه ملاكي اللعوب والشرير، أنه بالتحاور كقارئ مع نص ثري يجيد لعبة البوح والإخفاء، فإن الدلالات تختلف باختلاف القارىء ونوع ملاكه الذي بعد أن خاض تجربة السقوط أدرك كشأن كاتب عظيم أن الخير والشر أمر أكثر تركيبًا وتعقيدًا، وأن الأحكام النهائية في الأدب، كالجريمة، لا تفيد.

قد لا يكون ملاكًا في النهاية، بل مجرد بشري مثلنا يملك فضولًا تجاه الدنيا التي حمى نفسه منها، ويخفي ذلك الفضول عبر أحكام سابقة طالما لم يتعرض للتجربة.

لا تنتهي الحقائق في النص الثري عن التوالد.

***

يستمر الموظفون في النشاط اللاهي في ظل ثقتهم بأن الرزق مازال مضمونًا، بائع السمن في تلاوة مستمرة، الآلة الكاتبة تنقر بنشاط، سمير يواصل تقربه من السلطة، الجندي مازال يتبع لذاته بمواصلة النظر إلى الفتاة الألمانية في العيادة بالعمارة المقابلة.

يرتفع القلق تدريجيًا من تأخّر الفراش عبر تكرار السؤال عن تأخره ثلاث مرات، لكن في كل مرة تستجد صفة هذا المتأخّر: الرجل ثم المخرف فالمجنون.

نعلم أن إبراهيم قبض مرتبه لكن من خزينة «الخدم» وهو دليل أنه ملاك، ولا يستبعدون أن يكون قد ذهب للتسوق قبل أن يسلمهم الماهيات، لأنه «يأتي كل يوم بجديد» تمامًا كما يتقلب الرزق أو النصيب من الدنيا الذي يتحول في تقلبه من عاقل متزن إذا انتظم، وإلى مخرف ومجنون بانقطاعه وتبدله، وأحيانًا بتعجبنا من طرق توزيعه.

يبدأ القلق مكتومًا من خلال ضحكات فاترة، ثم تتصاعد وتيرته، لكن أكثرهم قلقًا أحمد. ما الذي جمعناه عن أحمد في عربة ملاحظاتنا؟ 

وجه نقش على صفحته امتعاض ثابت كأنه سجل لقرف الزمن.. كاهل ينوء. مُثقل بكدر الدنيا ومصائبها كغالبية البشر، رزق ونصيب محدود.

الشخصية الوحيدة التي تسأل مدبر الكون والأرزاق لانقطاع حيله، الوحيد الذي كان وجهه سجلًا لقرف الزمن. ورغم أنه سيؤجل استعراض سُبل باقي الموظفين في التحايل على الرزق إلى مقطع لاحق، إلا أنه كان عليه أن يتخير واحدًا منهم في المقطع نفسه مع شخصية أحمد، كي تستشعر حجم ما ينوء به كاهله، فيخبرنا سريعًا عن حيلة لطفي الذي يتزوج من امرأة غنية من أجل مالها، مضحيًا بكرامته ومتقبلًا التعرض للإذلال منها.

***

يتوصلون في النهاية إلى إبلاغ البوليس والذهاب إلى قسم الشرطة.

يبدو قرارًا منطقيًا، لكنه يهدف إلى ما هو أبعد. إذا كنا استعرضنا الدنيا في جانبها العادي واليومي وشبه الآمن، فعلينا أن نرى العالم السفلي حيث الصراع أكثر دموية، وكعادته يرسم محفوظ ذلك العالم على هيئة لوحة مكثفة بضربات فرشاة متقنة لرسام: نسوة جالسات القرفصاء، تتقدمهم شرذمة من رجال متعاركين مخضبين بالدماء يسوقهم عسكري. ثم يتعالى وراء باب مغلق صراخ أليم واستغاثات: خلاصة الألم الإنساني وجوهره، كما أنه أيضًا باب الجحيم الذي يُعاقب فيه الذين سقطوا بحسابات الدنيا، من أجل التحايل على الحصول على نصيبهم منها، مصير إبراهيم المُنتظر.

نعرف معلومات إضافية من الموظفين الذي يدلون بشهادتهم عنه بالقسم:

  • فراش في الخامسة والخمسين. في نهاية حياته، مرة عبر الوصف في المرة الأولى، ومرة عبر إثبات السن بالأرقام.
  • دخل خدمة الوزارة وهو في العاشرة عاملًا بالمطبعة، ثم نُقل فراشًا لتطاوله على رئيسه. التمرد وارتكاب فعل بحجم سرقة المرتبات والهرب، يجب أن يُمهد كفعل كامن في قلب الشخصية، تم كبته، بعد أن سقط بسببه درجة، من عامل إلى فراش.
  • وقال عنه موظفو السكرتارية إنه كان طيبًا وإن يكن به شذوذ محتمل كأن يشرد أحيانًا حتى وهو يحدثك أو يتدخل فيما لا يعنيه أو يتطوع بذكر ملاحظات عامة في السياسة دون مناسبة. من جديد ثمة أصل لهذا التمرد، وتأكيد لأن مكانه الطبيعي هو الفرجة لا المشاركة، وهي رغبة أخرى مكبوتة تليق بملاك على وشك السقوط، أو حتى بشري كبت داخله طويلًا الرغبة في الحصول على نصيب أكبر من الدنيا، في الحالتين نحن أمام تناقض يضاعف من أثر لحظة السقوط ويجعلها مفهومة، ثمة فضول كامن لتلك الدنيا التي لم يُخبر من لذتها شيئًا.
  • ولم يسبق له أن سرق أو أتى ما يستوجب الشك في ذمته، إذن الأمر أكبر من مجرد سرقة دافعها الإجرام.

 بالضغط على الموظفين كشخصيات بعد أن ألقوا بورقتهم الأخيرة بإبلاغ البوليس، تتكشف طرق تحايلهم على الدنيا لجلب الرزق، بعد أن عرفنا مقايضة لطفي لكرامته بالاعتماد على زوجة غنية.

يجد المدير وسيلته في القمار.

السيد مصطفى في الاقتراض من مرابين بفائدة فاحشة.

 يعود الجندي طفلًا كحقيقته التي وصفها به محفوظ في المرة الأولى، فيعيش في كنف أبيه، تقبلني هذا الشهر وكأنني ما زلت طالبا.

يستعد حمام الضعيف والتابع لإخراج ما انطوى في نفسه من حقد وغضب، بالضغط على زوجته مهما كلفه ذلك من سباب وعراك وبكاء.

سمير القريب من السلطة، عبر الرشوة.

أما أحمد، كأغلبنا جميعًا الذي ظن الزملاء أن النهار لن يطلع عليه. مضى يتخبط في الطريق بلا أدنى وعي، لكن ما أن يدخل منزله يائسًا حتى تخبره امرأته أن عم إبراهيم قد جاء إلى المنزل وترك له مرتبه.

لم يفعلها مع الباقيين، لأن أحمد الوحيد الذي بلا حيلة حقيقية، والذي سأل إله الكون. كما أنه يؤكد مرة أخرى الدافع ليس ارتكاب جريمة، بل شيئًا أعقد في تركيبه من الخير والشر، كما ينبهنا دائمًا كبار الكُتّاب.

***

بكبس البوليس على بيت إبراهيم الفراش، يُجاب على السؤال الدائم لكل قصة ما الذي نرغب في معرفته أكثر؟

بيته: حجرة أرضية بحوش بيت قديم مهدم، ليس بالحجرة إلا مرتبة متهرئة وحصيرة وكانون وحلة وطبق صاج.

زوجته: امرأة عجوز عوراء.

أولاده: عامل يعمل في منطقة القنال منقطع الصلة بهم منذ سنوات. وآخر قُتل في حادثة ترام وهو في العاشرة. وبنت تزوجت من عامل بناء ذهب بها إلى أقصى الصعيد فاختفت من حياتهم كأخيها بالقنال.

محروم من لذات الدنيا، المال والجنس، وعمليًا، حُرم من البنون زينة الحياة الدنيا بعد المال، كشأن بشري نصيبه محدود، وكملاك.

ما الذي تغيّر؟

تقول الزوجة:

كان في مطلع الحياة زوجًا طيبًا. تغير تغيرًا خطيرًا في حياته في الأشهر الأخيرة، وبعد أن بلغ أعقل العمر، إذ ترامت إليها أنباء عن تعلقه ببائعة ناصيب [هكذا في الأصل لتقارب كلمة نصيب] عند قهوة فؤاد.

وما الذي تمثله الدنيا أكثر من بائعة نصيب.

كالمخبرين الذين سينقضون على قهوة فؤاد، نلتقط كقراء طرف الخيط:

البنت التي تعلق بها هي في الأصل جامعة أعقاب أي كل فانٍ وحقير، في السابعة عشر، ذات خصلات ذهبية وعينين زرقاوين، لعوب، لها علاقات خاصة بجميع مَن في المقهى، كشأن الدنيا، حتى ذوي النفوس المتواضعة منهم.

وسنعرف أن المرة الأولى التي رآها فيها عم إبراهيم، فعلها كعابر سبيل لا شأن له بما يحدث في الدنيا، وبعد أن يهيم بها سيقدم إليها وعد الغافل: الزواج أي الاقتران الأبدي في حياة سعيدة خالية من الهموم، وهو ما لم تمنحه الدنيا أبدًا. لكنه الأمل الساكن في كل نفس.

كان يجلس في الأشهر الأخيرة في آخر كرسي في الممر المتفرع عن الطريق العام. ويرنو إلى الإنجليزية [لقب بائعة النصيب.] يتحدث عنه رواد المقهى ويصفونه، كمَن يرونه لأول مرة: يبدو كأحدنا، لأنه ليس كأحدنا، لكنه سيصير، أما البنت / الدنيا فتصفه كرجل غني، لأنه مستغني عنها، ومنذ تلك اللحظة وحتى يختفيا معًا، لن يصير.

كأنه هبط إلى دنياهم للمرة الأولى، مرة أخرى يقودني الملاك إلى الحقيقة ويضللني كي يصل بي إلى حقيقة أخرى.

***

ببساطة الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، يرسم محفوظ صورة السعادة في الدنيا كلذات متصلة بلا كدر، لا يرى إبراهيم الفراش سوى البحر، وخصلات «ياسمينة المتطايرة في مهب النسائم» التي تجلت نضارتها كالماء المقطر، حليق الذقن، يستر الصلعة التي وصف بها في الفقرة الأولى تحت طاقية بيضاء كالحليب.

سعادة له وحده، يرسمها محفوظ بحيلة ذكية، يذهب في أبريل، شهر الغبار والأكاذيب، كما علمنا في «اللص والكلاب»، حيث المكان شبه خال من المصيفيين، وأصحاب البيوت من اليونانيين بعيدون عن الشاطئ. الحب يرفرف راقصًا في عينيه نظرة تشوف ودهشة كأنه يستقبل العالم لأول مرة في طفولة بريئة. لم يجاوز أعتاب القاهرة طيلة حياته. تزداد أدلتي في عربة الملاحظات الخاصة بي على أنه ملاك ساقط أم تزداد أدلتي على أنه بشري سقط؟ ما الذي يهم؟ في الحالتين أصل.

ساحل مترام، بحر مصطخب سماء ملفعة بسحب بيضاء في صفاء الورد… لا شاغل له إلا الحب والمشاهدة والتدخين، والأكل والشرب والأحاديث. وأنفق في أسبوع ما لم ينفقه من قبل في عام، ولم تكن المحبوبة تكف عن الطلب، وما أسرع ما كان يلبي طلباتها، وكانت غريبة الأطوار فحتى الخمر والمخدرات طالبت بها.

لكننا نعرف شيئًا آخر هامًا، لقد تخيّر هذا المكان من السيد لطفي الموظف، الغني والمدلل. وعبر الحكايات عن جمال المصيف، امتلأ به خياله، ما يدعم أن التمرد كان يشق صدعًا داخل نفسه من فترة طويلة قبل أن يتجسد كفعل مباغت. فجاءه مزودًا بما يحتاجه شهر العسل من ثياب وأدوات زينة وهدايا ولوازم المزاج والكيف، جامعًا لذات الدنيا في سطر.

لكن من أين للذة أن تستمر بلا كدر في وجود ضمير وسؤال:

من أين لك بالنقود؟ تسأله الفتاة فيجيبها أنه من الأعيان، لكن الدنيا التي صاعت وخبرت كل شيء كما قدمها كجامعة أعقاب، تخبره: أنا فاهمة، ليس فيك إلا أربع أسنان، واحدة فوق وثلاث تحت.

كلما أهانته سيضحك، لأنه صمم على السعادة، بل يكشف لنا محفوظ إدراك إبراهيم أكثر من غيره أنها زائلة، ويحدد طموحه بأن يعتصر كل لحظة فيها وألا يُقبض عليه حتى تنتهي دعائم تلك السعادة المرتبطة بانتهاء المال الذي سرقه، حتى آخر مليم.

وفق التصور الديني الذي سيوضع في مواجهة السؤال الفلسفي يدرك إبراهيم مصيره، سيُعاقب بالقبض عليه، وأن لذات الدنيا زائلة، رغم ذلك، وما يذكرنا به الفراش، أن لا أحد منّا يملك أن يكف عن الأمل في زواج أبدي من تلك الدنيا، في ذلك الصدع نحيا جميعًا.

بعد أن كان لا يرى من الدنيا إلا التراب والطين كالملاك، ولا يرى إلا الشواغل والهموم كبشري فقير، لا يستطيع أن يملك حظه من الدنيا إلا بسرقة حظوظ الآخرين الآن يرى جمالها الآخذ، يتصاعد وصف الدنيا في تلك الفقرة تحديدًا إلى منتهاه؛ رأى الفجر في طلعته السحرية والغروب في عجائب ألوانه التي تنساب عن الشفق. ورأى النجوم الساهرة والقمر الساطع والآفاق اللامتناهية. رأى ذلك كله بقوة الحب الخالقة حتى عجب كيف يوجد بعد ذلك النكد.

لن تستشعر أسر السقوط إلا بعلو بالطيران، عقب تلك الفقرة سيبدأ النكد، مع أوائل يونيو اقتراب الجحيم ممثلًا في بداية قيظ الصيف يشعر بالقلق ودنو الشقاء مع قدوم أول أسرة للتصييف فلا يزيده ذلك إلا إصرارًا على السعادة المُتاحة. تحتاج إلى وصف وحركة يجسدان إصرارًا ممزوجًا بالقلق؟ حسنًا يشعل سجائره تباعًا فليحترق بلذاته للنهاية. 

بعدها يلمح لطفي الذي عرّفه على ذلك المكان من قبل، لأن على المكان أن يكون حكرًا على الغني، والآن يستعيد ما كان له كنصيب، فما أن يجوب لطفي الشاطئ بالطول والعرض حتى لا يبقى له هو مكان.

يشكر السعادة التي وهبتها لها محبوبته التي لا يلومها على وقاحتها، الدنيا التي تخبره ببساطة واستعباط محبب إلى النفس: أن لا أحد لها في الدنيا. ويتساءل من أبوها، من أمها (من صانعها) تعرف المكان الذي يخبئ فيه نقوده، يفكر أن يهبها «وقود سعادته، الأموال» ويسّرحها، لكنه يتشبث بما بقي له «لم تزل لي أيام.»

لكنها تحاول سرقة ما تبقى من أيامه، أحس بشيء يلمسه كثعبان في الظلام، وبتعجبه هو الذي لم يرفض لها طلبًا، يرى للمرة الأولى جانبها الوحشي، تعضّ يده بوحشية بإضاءة الحجرة المظلمة، يُضاء الوعي: معصم ملطخ بالدم، وسؤال: صغيرة وبك هذا الشر كله؟

يهبها ما تبقى له من مال في الصباح لأن لا مطمع له في أكثر مما نال، من البداية وهو يدرك أن سعادته زائلة، ما كان يقاومه هو اليأس من دوامها، وها قد استسلم واعيًا.

ما الذي يتبقى بعد أن تقفر أبو قير، مكان جنته، بعد زوال سعادة الدنيا واليأس منها؟ الله.

في جامع أبي العباس يصلي ركعتين، ثم يجلس موليًا وجهه نحو الجدار بـ«حزن جليل ويأس رائع»، مناجيًا الله، وقد دخلت الشخصية مرحلة الكشف محملة بأسئلتها، أسئلتنا المكبوتة جميعها، التي أسقطها الاعتياد والتسليم:

لا يمكن أن يرضيك ما حصل لي ولا ما يحصل في كل مكان، صغيرة وجميلة وشريرة أيرضيك هذا؟! وأبنائي أين هم؟ أيرضيك هذا؟! وأشعر وأنا بين الملايين بوحدة قاتلة.. أيرضيك هذا؟ ويجهش بالبكاء، وعندما يبتعد عن الجامع يناديه صوت: عم إبراهيم. مَن يناديه ليس سوى مخبر، لكن محفوظ سيصفه بـ «جبار يتقدم منه في ظفر وتشف» فيتحوّل المخبر إلى واحد من زبانية الجحيم، كيف فسرتها هكذا؟ لأن في عربة ملاحظاتي سبق لمحفوظ أن قدم القسم كجحيم للعصاة.

يدور بينهما حوار سريع، يختم القصة:

- أتعبتنا في البحث عنك.. الله يتعبك..

ولما وجده - وهو يسوقه أمامه - مستسلمًا محمر العينين قال:

- تقدر تقول لي ماذا دفعك إلى تلك الفعلة وأنت في هذا العمر؟!

- الله..

ندت عنه كالتنهدة.

***

عودة للسؤال الذي طرحتُه في البداية: لماذا رتب محفوظ القصة بتلك الطريقة بتأجيل الصراع الرئيسي إلى ما بعد ألفي كلمة، لما كان ذلك الجزء يحتاج أن يكون في ذلك الموضع بالضبط؟ ستجد إجابة مع سطر النهاية، من اللحظة الأولى وهو يوجه طاقة القراءة إلى قلب القصة، لم يلتفت قيد أنملة. بحرمان إبراهيم الفراش الطويل من المشاركة في مسرح القصة/الدنيا، يسقط عن الأفعال التي سيرتكبها لاحقًا، عادية البداهة، وتصير لكل لذة يستقبلها أثناء رحلته القصيرة مع السعادة، أثرًا قويًا ومدهشًا.

هذا المهمش الذي بفعله تدب الحياة، لكن لا نصيب له في أي شيء مما تعتمد عليه حيوات الموظفين، يصير بطل القصة بعد أن يرتكب فعله المتمرد، إنه لا يكتسب أي أهمية إلا في لحظة سقوطه.

الأشخاص الثانوية، لم تكن أيضًا كذلك، بل مرآة عاكسة للدنيا، وصراعنا معها وطرق تحايلنا عليها من أجل الحصول على السعادة، قائمة بالشهوات التي ستضغط على بطلها.

لم يكن للقصة أن تصنع تأثيرها وقوتها إلا بعد أن تمر على ما ظنناه في البداية تشتيتًا عن الهدف أو استطرادًا بلا معنى، لم يكن لسؤالها أن يكون عميقًا: إن كانت تلك الدنيا، هي دنيا الله، فما ذنبنا إذا ما سقطنا في غوايتها؟ ولا أن يضع يدنا من جديد على اعتراض الإنسان الأساسي الذي دونه لن يبقى له سوى يقين لا يدفعه إلى التفكير، بنزع تلك البداهة، يُشق صدع، يُدرك تناقض، نفكر في كل شيء بجدية. 

من الاعتراض الجوهري على القدر، يتحقق فكر الإنسان، العدمية قد تكون ملجأه، لكن مَن قال إنها قد تكون ملجأه الوحيد إذا سأل، الانتهاء إلى الكفر ليس حتميًا، ربما ينتهي إلى إيمان سيكون أجل شأنًا، لأنه جاء بعد تفكير، ربما ينتهي إلى التسليم لكن بعد تساؤل، سيجعل من ذلك التسليم إجابة لا استسلامًا. إدراك أعمق لمعنى الإله، الذي ربما كانت تلك بالضبط رغبته، لأن شرط القص العظيم هو إخفاء فكرة ودلالة. السرد أحيانًا قد يمنحنا موقع الإله، ككتاب وكقراء مطلعين، لأننا نعرف معلومات أكثر، سنتعاطف مع إبراهيم رغم جريمة السرقة، ربما لأن الله يعرف عنّا أكثر، يتمكن من حبنا.

لذا شغلت محفوظ طويلًا حكاية سقوط آدم، يؤتى الجنة لكنه يقرر أن يرفضها، فيُلعن، لكن عبر تلك اللعنة يتحقق وجوده، اللعبة التي كررها بمختلف الطرق كي يستوفي شكه منها، كان لحكاية آدم أن تكون قصة لا تُقرأ، قصة سيئة، بلا شق أو صدع أو توتر أو صراع، في جنة المأوى لا تنشأ القصص، لا حدث محفز، لا تصاعد، لا ذروة، لا كشف ولا قرار، لكن كل قصة عظيمة تأتي من الطرد منها، إنها بحق أم القصص.

ربما هذا ما أراده الإله وخبره الملاك، والكاتب الذي تجاوز تبسيط فكرة الخير والشر. فكما نعلم دون سقوط آدم، تخليه عن جنة المأوى والأمان والبداهة، لن تكون هناك أي قصة عظيمة، و#سلام.

*الكتابة بالخط المائل مقتطفات من قصة نجيب محفوظ «دنيا الله»

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن