استكشاف النمط الفريد |#1
#103| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
يقدم الأدب لنا جديدًا نكتشفه دائمًا. كل فترة يجد قارئ الأدب ما يدهشه، ما يبدل أفكاره أو ينعشها على الأقل. قد يكون جديد الأدب إعلانًا من الأكاديمية السويدية عن كتابة لم نقرأها من قبل مثل كتابات الفائز بنوبل، أو أدب نعرفه، لكننا لم ننتبه إلى نمطه الفريد. هذا الويك إند يستكشف أحمد الفخراني النمط الفريد في قصة محمد المخزنجي «رشق السكين» التي يراها مثالية للدلالة على الكتابة عن الشر، وننتظر منه المزيد من الاستكشافات في الويك إندات المقبلة.
#قراءة #استكشاف النمط الفريد
في الانبهار سم ما، فما بالك بالغرام.
قبل ثلاثة أشهر وقعت في غرام كتاب A swim In a pond in the rain للقاص الأمريكي جورج سوندرز والحائز على جائزة المان بوكر عن روايته الوحيدة «لينكولن في باردو». الكتاب عبارة عن محاضرات سوندرز في فن القصة القصيرة والتي حلل فيها سبع قصص لأربعة كتاب روس كبار: تشيكوف، تولستوي، تورجنيف، جوجول.
أغلب مقالات وكتب الحرفة تحكي قواعد إن اتبعتها ستنتج رواية أو قصة، لكن تلك القواعد تتجاهل أن تناقش قلب فكرة الكتابة: ملامسة الحقيقة، انظر بأسى إلى عدد الروايات المنشورة التي تعرف كيف تنجح دون هذا القلب، ليتحول هذا الفن العريق إلى ماراثون مهرجين وبائعي سلع، (لأن الانفصال تام عن حقيقة الذات، وبالتالي حقيقة الفن وشخوصه المُتخيّلة) هذا الكذب غير فني، بل أقرب لخطيئة، لا تعين تلك الروايات قارئها على اكتشاف حقيقة، بل تعيد تكرار ما سبق وأن عرفه. كما أن ثمة شهوة استعراض لا تكل لشيء ما تطغى على النص، إثارة القارىء والاستحواذ على انتباهه عبر مشاعر خفيضة صارت أهم من دفعه لتأمل أغوارها.
بعد أن انتهيت من كتاب سوندرز، اختبرت ما يرافق الغرام: التعاسة والأسى. قلت دون وعي مني لصديقة لي: سأوقف الرواية التي أعمل عليها، حتى أكتب عددًا من القصص التي تدور عن أشياء تشغلني، لأن ليس بإمكاني استكمال تلك الرواية إلا إن استشعرت الحقيقة في قلبي.
أؤمن أن حتى الكتابة الذاتية، لا تنتج فنًا إلا إذا نجح كاتبها في محو الذات أولًا، لذا رأيت أن القصة كفن خالص، ستساعدني على العثور مجددًا على ما أظن أني وجدته في نصوصي السابقة، لكني أفقده كلما جابهتني تلك الرواية تحديدًا والتي أحاول كتابتها منذ خمسة أعوام، وفي كل مرة أفشل في استكمالها، فتحديها هو أن شرارتها نشأت عن شخص أغضبني وآذاني بعمق في شيء يتعلق بما أظنه ولعي الأول: الأدب. ما يجعل كتابة تلك الرواية ملحة ليس الغضب بل لأني أرى في فكرتها ما هو أهم من مشاعري الشخصية، الجوهر الذي يدين للفن والحقيقة وإعادة التخييل، لكن كلما اقتربتُ من ملامسة ذلك الجوهر وتجسيده أزاحتني اليد الغاضبة لمشاعري ضيقة الأفق، التي ترفض أن ترى إلا بعين العمى. كان عليّ أن أتوقف.
أثر كتاب سوندرز؟ أم حمى الغرام؟
رغم أن مدخل سوندرز أيضًا هو الحرفة ونقل التقنية، إلا أنه يتجاوز ذلك لتقديم وعي أكبر بفن القصة وكاتبه، إضاءة تشتبك ضمنيًا -دون أن ينص على ذلك صراحة- مع سؤالين بسيطين في الظاهر، معقدين في جوهرهما، وتواجه بهما سؤالين زائفين:
كيف نقرأ بدلًا؟ من كم كتابا نقرأ؟
ما الأدب؟ بدلًا من كيف نعمي عين القارىء بألعاب نارية مبهرة؟
ناهيك عن تخيره لكتاب روس كلاسيكيين في مواجهة أفكار هوليودية شائعة عن الحبكة، وفتنة القراء المعاصرين بتوابل الإثارة وشكواهم من الملل (الذي يعني أن الكتاب يتحدى رغبتي في إنهاء أكبر كم من الممكن من الصفحات، ليس لأنه لم يلمس شيئًا داخلي)
الرحلة لم تكن أبدًا عن صياغة قانون أو معادلة عن كيف نكتب، بل خوض ووعد بملامسة نبع بصحبة مرشدين. أسلاف لا آلهة.
رغم أن سوندرز يقدم في كل قصة نمطًا عن آليات السرد، لكن الدرس الأساسي الذي نتعلمه هو كيف تكتشف بنفسك ومع كل قصة نمطها الفريد، كيف تذهلك قدرة الفن عندما تتجاور فيه الحقيقة بتناغم مع الاتقان.
هذه كتابة منبهر، مفتون، قد تقرأ الكتاب ولا تستشعر ما مررتُ به. العلة في كلينا. عليك أن تغرم أولًا وعليّ أن أتخلص من غرامي.
حسنًا، ما سأفعله هُنا بداية من هذه الحلقة، هو التخلص من أسر الكتاب، عبر ما يفعله أي طفل: محاكاة شخص أكثر خبرة، مع محاولة في كل مرة توسيع دائرة أفكاري وملاحظاتي الخاصة. هدفي هو أن أتمّ استيعابي للكتاب، التمكن في النهاية ودون عون منه، من استكشاف النمط الفريد لكل قصة أقرأها، وأن أعرف لمَ فشلت تلك القصة أن تكون جيدة ولمَ نجحت أخرى أن تكون عبقرية أو ممتازة، أليس بقتل الغموض، نتخلص من أسر الطاقة المبددة في الهوى والذي نفقد معه القدرة على النظر بموضوعية، لتنجلي قشرة الغرام الزائف ليظهر جوهر الغرام الحقيقي، الشيء الأكثر جدارة بكل لحظة افتتان وانتباه، ففي ذلك الغرام تتجلى حدة النظر ورهافته، تتعلم كيف ترى.
سأبدأ بقصة محمد المخزنجي «رشق السكين»، آملًا أن يجد مَن يقرأ تلك الحلقة، والتاليات لها، شيئًا قد يعينه أو يقدم له إضاءة ما، سواء كان كاتبًا مبتدئًا أو محترفًا، أو قارئًا.
وأنصح بقراءة القصة كاملة أولًا.
**
«لم أكن ولدًا مغفلًا وأنا منكفئ في الظل تحت تعريشة العنب أمام الدار، أجلو سكيني بقطعة صخر البازلت، وأرهف حدها بخليط التراب الناعم والماء، لا تلفت نظري خضرة الأوراق تكاثفت، ولا تغري لساني حلاوة الطعم تكتنزها العناقيد.»
ما المعلومات التي تقدمها تلك الفقرة: طفل في قرية (البراءة الهشة) وسكين (أداة قتل) خضرة وتعريشة عنب وتراب وماء (الطبيعة).
يحرص الطفل أن ينفي عن نفسه صفة الغفلة أي البراءة أو عدم الوعي، ينكب على جلو السكين حتى أنه لم يعد يرى الطبيعة من حوله، في الحقيقة يتغافل عن رؤيتها أي أن صفة الغفلة لصيقة به على عكس ما يسرده عن نفسه.
الأدب الجاد هو شق صدع في جدار الحقيقة اليومية، للنفاذ إلى حقيقة أعمق، وسيلة القصة لشق هذا الصدع هو خلق التوتر والصراع، وهو شيء مختلف عن الإثارة السطحية. وقد فعلها المخزنجي في فقرة واحدة بكلمات موجزة حد التقشف، فقد نشأ الصدع من خلال التوتر بين صوتين يتنازعان الولد: رهافة السكين في مواجهة رهافة الطبيعة.
بدقة مشرط، تختار كل كلمة بعناية وتكتنز داخلها ما يغني عن شروح أطول: «منكفئ» بدلًا من صب تركيزه على، «في الظل» حيث رغبة تنمو ببطء في الخفاء، والأمان الذي تمنحه الطبيعة، التي يختزل وصفها في ثلاث جمل «خضرة الأوراق تكاثفت، حلاوة الطعم تكتنزها العناقيد» وأيضًا «خليط التراب الناعم والماء»، الأرض وأيضًا الجسد البشري الذي ليس إلا ترابًا وماءً، فالطفل نفسه هو جزء من الطبيعة، لكن بدلا أن يترك نفسه للتماهي معها يستبدل ذلك بأن يغرس داخله فكرة السكين.
**
«لم أكن ولدًا مغفلًا ولمعة السكين تأخذني تشفي غليلي لامتلاك سلاح؛ لأن المرء -حتى في عُمر الطفل الذي كنت- لا يعدم الأعداء»
بعد أن اكتشف الصدع، عليه أن يمنح بطله سببًا ودافعًا:
للمرة الثانية يكرر: لم أكن ولدًا مغفلًا، وسط ما نعرفه عن إيجاز المخزنجي، لم يكن تكرارًا مجانيًا، بل للتأكيد أن الرغبة في تجاوز الغفلة أي البراءة بوصفها هشة وغير كافية للحماية، هي عصب أساسي في فهم القصة، بل أنها الغواية الأعمق والأهم من الرغبة في امتلاك سلاح التي تظل رغبة سطحية ككل شيء براق لا يغويه منه إلا «لمعة السكين»
توجز كلمة «غليلي» ما يعتمل داخله من حقد أو غضب وتطرح سؤالًا عما الذي تعرض له كي يحتاج إلى شفاء ذلك الغليل.
ما الذي نراه حتى الآن: طفل يجلو سكينًا يتغافل عن الطبيعة، ويملك دافعًا لاستخدام السلاح؟ ما الذي يثيره ذلك داخلنا من توقعات لمسار القصة.
يستعين جورج سوندرز في كتابة باستعارة ذكية، تشبه الكاتب بلاعب يقذف بضع كرات في الهواء (التوقعات)، ما تبقى من القصة هو أن يتلقف تلك الكرات (القرارات).
في أي نقطة من القصة، نستشعر أن كرات بعينها تحلق في الهواء، لو لم نفعل فالقصة لا تملك شيئًا لتقوله، وكذلك لو لم يلتقطها الكاتب في نهاية قصته، لا يجب أبدًا أن تتطابق توقعاتنا مع قرارات الكاتب، لكن باستشعار ذلك التحليق ندرك أن مسار القصة التي كانت احتمالاتها قبل أن نبدأ في قراءتها لا نهائية، أصبحت أضيق، وأن القصة صارت تتحدث عن شيء ما، سنواصل تتبعه عبر استكمال القراءة.
هكذا تخلق القصة الفضول والاهتمام داخلنا، وهو ما فعله المخزنجي في فقرتين غاية في التقشف.
ما الذي نتوقعه هنا من طفل يحمل سكينًا وله أعداء يشعر نحوهم بالغضب؟
أن يستعمل ذلك السلاح موجها ضدهم.
على الكاتب أن يأخذ التوقعات التي أثارها داخلنا بنفسه بعين الاعتبار، لكن دون أن يحققها، فلو فعل، فما الذي يتبقى للقصة لتكشفه لنا عن أنفسنا إذًا؟
**
ما فعله المخزنجي حتى الآن:
خلق الصدع، تحديد سمات الشخصية السردية، إيجاد الدافع.
كلما جعلت سمات شخصية محددة وخاصة أكثر، تزداد الإمكانية أمام القصة لخلق أفعال ذات معنى meaningful action، وهو التعبير الذي يفضله سوندرز على تسميتي حبكة أو بنية ويرى أنهما مصطلحين أقرب لعائقين أمام الكاتب.
الملحوظة هنا: أن إيجاز المخزنجي بالغ الدقة والاختزال لا يصلح لكل قصة قصيرة، التكثيف ضروري لا شك، لكن هدف المخزنجي ليس السرد عبر الوصف، بل أن يقبض على فكرته الفلسفية، ما يسعى إليه هو التجريد.
لاحظ أنه لم يذكر اسم الولد، ولن يذكر لاحقًا أسماء أعدائه، واكتفى بسمات قليلة تحدده، وحتى نهاية القصة لن نعرف شيئًا عن عائلته، إن كان فقيرًا أم غنيًا، متعلمًا أم أميًا. لا نعرف شكله أو ماذا يرتدي. إسقاط التفاصيل لا يصلح إلا في قصة بهذا الغرض: أن تجرد فكرة. تفاصيل الوصف المادي في نوعية أخرى من القصص سيكون لها دور أكبر في تصديق الكاتب الذي اختلق شيئًا لتوه.
مثال قد يقرب المفهوم عن القصة التي تنحو نحو التجريد، قريب، مع اعترافي بعدم دقته:
الفارق بين رواية ماركيز «مئة عام من العزلة» الملحمية الضخمة، ونوفيلا لويس سبولفيدا «العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية»، هو الوصف. عصب الروايتين هو تعرض قرية في العالم الثالث للحداثة، ماركيز يصنع كرنفالًا للحياة عبر الوصف وتعدد الشخصيات، بينما يميل سبولفيدا إلى تجريد الفكرة في بطل بعينه يتعرض لموقف أكثر تحديدًا.
وكذلك في مرحلة الواقعية الصرفة عند نجيب محفوظ التي تنتهي بالثلاثية، يميل إلى الوصف التفصيلي، لأن غرضه منافسة الواقع كسارد، لكن ما أن ينتقل إلى مرحلة الرمزية في روايات كـ«الطريق» و«قلب الليل» و«الشحاذ»، حتى يتحول الوصف إلى ضربات فرشاة سريعة متقنة، لأن تحديد فكرتها الفلسفية وتجريدها صارت تهمه أكثر من الواقع، بلغ محفوظ أقصى درجات التجريد في «أصداء السيرة الذاتية»، حيث يختفي العالم بأسره ويظهر النثر في أصفى حالاته.
لكن يظل المشترك في أي قصة قصيرة أو رواية، أن لا وصف دون ضرورة (وهو ما قد أتوسع في الكتابة عنه في حلقات أخرى)، لا استعمال لعنصر أو شخصية أو الإيحاء بفكرة دون أن يكون لها وظيفة داخل القصة، تبدو فكرة بديهية، لكن تلك البداهة تحديدًا هي ما يسقط من ذهن العديد من الكتاب. الاحتمالات التي تدفعها داخل ذهن قارئك منذ البداية هي ما يجب أن تقابل في باقي القصة.
**
«فالأعور الذي حاول إيذائي وأنا أصيد القنافذ من بين المقابر في ليلة البدر، ما زال في المقابر يَكمن، والجلف الذي ألقى بي من فوق شجرة التوت وأنا أجمع من ورقها الأخضر لدود الحرير طعامًا، ما زال تحت ذات الشجرة مع ثور الساقية يدور، والولد الشِّرير الأكبر مني في العُمر وفي الجثة، والذي دأَب على قهري بالضرب وسرقة أشيائي، ما زال بي يتربص، سكِّيني صارت جاهزةً، والمرء لا يعدم الأعداء، والتدرب على السلاح واجب.»
بعد أن ضيّق المخزنجي احتمالات القصة كي يخلق مسارًا ذا معنى، يخطو خطوتين هامتين مدمجتين في فقرة واحدة (في قصة أخرى لا تهدف للتجريد ستحتاج إلى أن تفصل كل خطوة في فقرات أطول)
الخطوة الأولى: إضاءة أوضح للموقف المجمل في الفقرة الأولى، فإن كان هناك طفل يفكر في ارتكاب الشر، فلا بد أن يكون قد تعرض لشر أكبر، يتعرض للإيذاء من الأعور أثناء صيده للقنافذ، يلقي به الجلف من أعلى شجرة توت وهو يجمع أوراقها لإطعام دودة الحرير، يُقهر من الشرير عبر الضرب وسرقة أشيائه دون سبب سوى أنه أضخم منه.
الثاني: هو دخول شخصيات إضافية، وهو دخول ليس مجانيًا، الشخصية أو الشخصيات التي تظهر في القصة بعد جلاء عقدة بطلها، غرضها هو أن تضاعف تعقيد الموقف أو تغييره، إن لم تفعل تخلص منها أو جد شخصية أخرى.
هنا الطفل، يكتشف شر الحياة للمرة الأولى في ثلاث صور «الموت، الغدر، القهر» وعبر الألفاظ الدقيقة يصنع ظلالًا وطبقات كثيفة للمعنى، «الأعور» الذي يمثل الموت «في المقابر.. يكمن» لأن هذا ما يفعله الموت كامن داخل كل حياة، الغدر «جلف»، «يدور» مع دوران الساقية أي مع ديمومة الحركة في الحياة، أما القهر فيمنح وصف «الشرير» لأنه شر خالص، ومعه يستخدم فعل «يتربص»: ينتظر ويترقب ينصب الكمائن.
لاحظ أيضًا واتساقًا مع تجريد القصة، لا أسماء، بل صفات: الأعور، الجلف، الشرير.
الطفل في طبيعته الغفل قاتل أيضًا، فهو «يصطاد القنافذ» (الأذى) «ويجمع ورق التوت لإطعام دود الحرير»، لكن عمليات القتل التي يرتكبها هنا هي أشبه بما تفعله الطبيعة بحكمة عندما تجدد حياتها عبر الفناء، حيث الافتراس ميلاد، والطفل في تلك الدورة جزء فعّال وحيّ منها، متوحد معها، مازال، لم تغادره البراءة بعد. لم يَنتهك ولم يُنتهك.
**
قبل أن أواصل عليّ أن أشرح كيف أفهم كتابات محمد المخزنجي ولمَ اخترت تلك القصة تحديدًا.
«رشق السكين» قصة تقل عن 350 كلمة، لكن كل كلمة تكتنز ظلالًا كثيفة، تتبدى فيها أغلب مفردات عوالم المخزنجي وتفسر في رأيي أغلب مشروعه: شخص وحيد في مواجهة ضغط الشر، حضور الطبيعة والأغوار العميقة للنفس البشرية، المظلم والمرعب منها تحديدًا.
فخلف جسد المخزنجي الهش، ذي الملامح طفولية الرقيقة والصوت المهذب الخفيض، يخفي كاتبنا عملاقًا. بالحيلة ذاتها يكتب الأدب، غلالة من الرقة والرهافة تبطن افتتانه الحقيقي: الشر. يحدق فيه بعين ثابتة لا تتلفت، يطارده تنكره في أشكال مختلفة، كالمرض، الموت، القسوة، غياهب الجنون، الوحدة القاصمة، بقلب جسور لا يخشى الخوض والفحص والمعاينة، قلب عملاق.
داخل غلالة الرقة، ربما ككبسولة الدواء التي تخدع مريضها كي لا ينتبه أن ما يتجرعه ليس سوى المرارة، يضع شخوصه في مواقف عنيفة ضاغطة، كابوسية، قاسية حتى تنحل عراها، فتتمكن العين الجسورة من فحصها.
الشيء الوحيد الذي يسرد عنفه دون أن يرى فيه شرًا حقيقيًا هو الطبيعة، لأن الطبيعة لا تمارس عنفها إلا عن حكمة، وحده هو الإنسان هو مَن يَنتهك ويُنتهك. كغافل أو ملعون.
لذا تمثل «رشق السكين» مركز أدبه القصصي، أكاد أقيم جودة قصصه عبر اقترابها أو بعدها من ذلك المركز، فعندما لا تخفي غلالة الرقة سوى الرقة، لا يتبقى سوى رومانسية متوسطة المستوى وتتوارى قوة عملاق فن القصة القصيرة والذي كاد أن يعيد ابتكاره، كما يفعل ببراعة مع اللغة. رغم أن ما يتعرض له بطل «رشق السكين» أقل عنفًا مما يتعرض له أبطال باقي قصصه، في المجموعة عينها وكذلك مجموعته الأحدث «رق الحبيب» تحفل بذلك الضغط الكابوسي.
**
ها قد اكتمل الموقف الأساسي، حتى الآن نحن أمام قصة تتحدث عن طفل في قرية يكتشف التناقض بين البراءة والشر، ويفكر في ارتكاب جريمة بعد أن حدد أعدائه.
الباقي: سلسلة من القرارات التي تقابل الكرات التي قذفها في الهواء، فعلى عكس الحياة في القصة يجب أن يحدث شيء وأن يكون ذلك الشيء ذا صلة بما قُدم في الفقرات الأولى.
«فكَّرت وقرَّرت: لتكن يا جذع شجرة العنب «شاخصًا» عليه أتدرب، ورُحت أتدرَّب: أقف على مبعدة، وأرمي بكل قوتي سكيني، تدور حول نفسها منطلقةً في الهواء، وفي لحم الجذع الطري المتماسك لشجرة العنب بطرْفها ترشق.»
التوقع الذي صنعناه كقراء يتماس مع قرار الكاتب لكنه لا يتطابق معه، فبدلًا من أن يواجه الطفل أعدائه بالسلاح يفعلها لكن عبر التخيل من خلال جذع شجرة العنب، بكلمة واحدة «شاخصًا» صارت الشجرة إنسانًا، وبجملة «لحم الجذع الطري» ولن يعود الجذع جمادًا مرة أخرى، بل لحم بشري تغرس فيه السكين، وتحول التدرب على القتل المتخيل إلى قتل حقيقي.
تعريشة العنب التي ظهرت في بداية القصة لم تكن اختيارًا عشوائيًا لتجسيد الطبيعة، الوصف المادي ضرورة لأي قصة، استخدامه الأولي هو أن يساعدنا على تصديق ما اخترعه الكاتب لتوه، لكن على ما استخدمناه في الوصف أن يكون عنصرًا أساسيًا في القصة، وأن يخدم معانيها المجازية، ولقد صارت تعريشة العنب بتحولها عدة مرات داخل القصة من وصف للمكان، إلى ظل تنمو داخله الرغبة والقرار، إلى مانح أمان ثم إلى ضحية ومسرح جريمة.
«ها هو ذا وجه الأعور يتراءى لي على الجذع، أرمي سكيني، في عينه الأخرى ترشق، يصير أعمى! وأنا بذلك أطرَب، وها هو ذا الجلف أخاله على الجذع يتسلَّق، أرشقه بسكيني، يهوي منهبدًا، فأتَهلَّل، وها هو ذا الولد الشِّرير، وكأنه من براعتي في رشق السكين صار يرتعد، يهرب مختبئًا في جذع العنبة، فأُعاجله بسكيني، يرتمي على الأرض مرشوقًا يزحف، وأنا في الهواء من فرط البهجة، أقفز وأَطير.»
بدا الشر في الفقرات السابقة ضروريًا ومُقنعًا نتيجة لما تعرض له الطفل، لكن إيقاع الكلمات يعكس العملية برمتها، هل نتعاطف مع مَن «يطرب بالعمى» و«يتهلل للسوط» و«يبتهج بإثارة الذعر»؟ ينقلب المجرمون في اللحظة عينها إلى ضحايا، ويصير المبتهج بانتصاره هو المجرم، يصير هو الأعور والجلف والشرير. الحيلة كلها كانت في تأخير الأفعال أطرب وأتهلل وأقفز وأطير، لو قدمها في بداية الجمل، لكانت سببًا لا نتيجة.
«أطير، أطير، ثم أَهبط، وعندما تلمس قدماي الأرض في يوم تالٍ، أصفر وأشهق، أصفر من الفزع، ومن شدة الحسرة أشهق: ما كان جذع شجرة العنب غير جذع لعنبة، وأنا من كثرة رشق السكين فيه ذَبحته، آه ذَبحته»
«ذبَحت الساق، فانقطع عن الأوراق والعناقيد العصير، صارت الأوراق هشيمًا أصفر تذروه الريح، فتعرَّت الأغصان، وذَبُلت - مُتعفِّنة - العناقيد، وانحسَر الظل عن رأسي، انحسر الظل؛ إذ ماتت العنبة، بينما الأعور ما زال في المقابر، والجلف تحت شجرة التوت، والولد الشِّرير يتربَّص بي.. لا يزال.»
تتكرر كلمة أطير ثلاث مرات، لأنه يخترق في كل مرة مسافة أعلى، ممهدًا ببطء للصعود، من الطرب ثم التهلل إلى البهجة التي تقفز به عاليًا. هكذا تكتسب كلمة «أهبط» معناها، فلا يمكن أن نستشعر عمق السقوط إلا من خلال التناقض الذي يصنعه علو الطيران.
الذي بدأ بنفي الغفلة عن نفسه مرتين، يكتشف أنه لم يغادرها أبدًا، لكن تلك المرة قد فقد براءته واكتسب وعيًا بخطيئته، لقد انتهك الدورة العادلة للطبيعة، فذبحها، لتنهار منظومتها، وبانحسار الظل، يعرى من أمانها وينكشف شر رغبته التي ظلت خفية كامنة، بينما الشر الذي ادعى محاربته، لا يُمحى، بل يترسخ وجوده في الخراب أكثر وأكثر.
ألسنا كلنا هذا الطفل الذي يغويه نزع الغفلة وارتكاب الشر باسم مواجهته.
ما يرتد إلينا هو النسخة الساذجة من توقعاتنا بالانحياز إلى حق الطفل في دفع الشر، يتجاوز المخزنجي فكرتنا ليرينا حقيقة أشد تعقيدًا، عصب القصة الرئيسي ليس الشرير المُعلن، بل الكامن، غواية التخلي عن البراءة في مواجهته، وقد قبض على المعنى المجرد عبر قصة تستبدل الأسماء بصفات عامة وبأقل وصف ممكن.
كلنا هذا الطفل.
ألا يذكرك ذلك بشيء، بطفل أراد أن يستعمل يد الكتابة في الانتقام لنفسه ظنًا أنه بذلك يدفع الشر، بدلًا من استعمالها كي تعينه على الفهم؟
لم يقدم المخزنجي حلًا، بل رؤية لمشكلة أزلية. يوضح سوندرز في كتابه مستعينا بتشيكوف «الجمال الحقيقي للقصة ليس في نهايتها الظاهرة، ولكن في التغيير الذي أحدثته في عقل القارئ خلال رحلة القراءة، قال تشيكوف ذات مرة: 'الفن ليس مضطرًا إلى حل المشكلات، كل ما عليه هو صياغتها بشكل صحيح' أو بمعنى آخر: أن يجعلنا نشعر بالمشكلة بشكل كامل، دون أن ننكر أي جزء منها.»
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن