استعادة الكاتب الساحر من الموت
هذا النص ضمن العدد #02 من «مُنتهى الأدب»
عندما يموت كاتب شاب إنتاجه محدود من حيث الكم، سيوضع في خانة من اثنتين: إما الموهبة التي كانت ستشتعل في المستقبل، وإما أن موته هو سبب الهالة التي صُنعت حوله. هكذا يتعامل الوسط الأدبي مع الفجيعة الأدبية عادة، لكن ماذا عن كاتب قرر أن يداعب الموت، أن يكوّن علاقة مع الموت بمختلف أشكاله، بل أن تكون حياته الأدبية أصلًا تأملًا طويلًا في الموت برصيدٍ أدبي قليل. أقرأ إرثه الأدبي الآن، أكثر ما لفت انتباهي في قصصه وروايته الوحيدة كان يقين وائل عن كونه كاتبًا، ليس هناك أي قلق من جانبه بأنه سيكون غير ذلك. كتب في بداية ومنتصف عشريناته، مثل عُمري الآن، ولكن الفارق بيننا أنه تمتع بشجاعة أن ينكشف، ويقدم كتابة متمردة في زمنه دون خوف.
اختار وائل رجب استخدام لغة تتحرر من أي استعارات أو مجازات، لغة تبحث عن فهم ذات كاتبها للزمن الذي مرّ به، لغة لا تبحث عن الخلود ولكنها خُلدت. ترك كتابة تعلن صرخته الشخصية، وتكتشف هذا العالم عبر اللغة التي تنتجها، وتحاول أن تفهم عملية الموت عبر الكتابة نفسها.
مثلًا في قصة «الدود والديدان» من «خيوط على دوائر» والتي تصور عمليتي الميلاد والموت، عبر تصور الكاتب عن نفسه كمتمرد من لحظة تكونه الأولى كجنين يدفع بقدميه ليخرج من بطن أمه، ويظل متمردًا حتى لحظة موت الأب، بعدها يتساءل عن معنى هذا التمرد.
وفي القصة المشتركة مع هيثم الورداني، «سكك حديدية خطرة»، لا يمكن تمييز أي جزء كتبه أي منهما، ولكن يمكن افتراض أن وائل الذي كتب مثلًا «تُرى ماذا يحدث عندما أرحل؟ لا بد أن يحدث شيء أثناء غيابي» ثم نجد مباراة مع الموت بشكلٍ آخر في الرواية.
يمكن اختصار «داخل نقطة هوائية» بأنها تأمّلات في تحولات الزمن عبر الموت، مثلًا يبدأ الزمن السردي فيها عند لحظة فقد محمد يوسف لأخيه أبو العينين، هنا لا يكتفي وائل باستعادة زمن ما قبل الموت، بل يقدم أثر موت أبو العينين في قرار أخيه بأخذ صورة جديدة لنفسه، لأن الصورة المعلقة في بيت محمد يوسف لم تعد تعبر عنه بعد الموت. ونرى في هذا القرار تصور وائل عن التصوير وكونه يسجل مثل الكتابة آثار الفقد.

الموت دائمًا شرارة البداية للوعي بالزمن عند وائل، والكتابة محفز على صناعة علاقة جديدة مع الميت، في الرواية يتشكل وعي جديد لدى بيب ابن عبده، لحظة مرض الأخير بالسرطان، وعقب وفاته تنغلق عدسات الكاميرا على زمن بيب الذي ما زال تائهًا حيال هذا الموت.
كل ما كتبه وائل فيه رائحة الموت، مثلًا في شذرات كتبها، خلال سفره إلى باريس، يقول: «أنت الساحر الذي يخرج من جيوب معطفه الواسع كتبًا عن الموت». لكن الشذرات المكتوبة بعد الرواية، خاصة التي كتبها بعد إصابته بالسرطان، وإقامته في فرنسا وحصوله على دبلومة الترجمة من السوربون عام 96 وعمله في مكتب مكسيم رودنسون، وكأنه يدرك أن مشروعه قارب على الانتهاء.
وفي واحدة من هذه الشذرات يكتب: «سوف يرى على الأرجح أن الحياة لم تتكون من لحظات حسابية، وإنما لحظة ميتة لا عقلية قد تسقط فيها كل شعاراته ويظل فقط ما هو حقيقي/ الآن بدأ يعرف عن قرب حقيقة الزمن النفسي. فهو يكتب لكي يستريح وربما أيضًا (منعًا للقسوة) لكي يمضي الوقت الثقيل الذي كان يمر فيما مضى بشكل مختلف وكان يحاول بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة كالعرقلة من الخلف، أن يعرقل هذا الزمن المتحرك بسرعة لكي يصل به إلى اللحظة القاسية».
ربما اللحظة القاسية المقصودة هنا ليست موته الشخصي، بل موت كتابته نفسها واختفائها، بالفعل نفدت الأعمال، وبالصدفة وجدتُ نسخة من «داخل نقطة هوائية» على إحدى صفحات فيسبوك للكتب المستعملة، والكتاب الجماعي في إحدى مكتبات الكتب المستعملة، ثم حصلت على أعماله الكاملة من أخيه الذي سمح لي بزيارة مكتبة وائل الموجودة في شقة الأسرة بشارع قصر النيل قرب ميدان الأوبرا، كل ما يخصه متروك هناك في هذه الشقة، بمجرد دخولها تجد روايته متروكة فوق إحدى دواليب الشقة. وفي أثناء التقليب في مكتبته ووسط أوراقه، وجدنا في أوراقه «دعاء الطريق» ليس نصًا أدبيًا ولا يحوي أي شيء مميز، عشر نقاط، كأنه يخاطب نفسه عبرها، ضمن النقاط العشر لا تحضر الكتابة بشكلٍ مباشر، بل يذكر العملية التي تخلقها أي القراءة.
في النقطة السابعة تحديدًا يكتب: «كل فترة تيجي تعمل شوية قراية». أتذكر في أثناء مروري من الممر الضيق الذي يصل بي إلى غرفته، صورة معلقة له كانت على يساري وكنبة ضيقة للغاية مع إضاءة خافتة حولها، وعلى يميني مكتبته متروكة على حالها منذ لحظة غيابه، هي أقرب إلى دولاب عن كونها مكتبة. تحوي كتبًا مثل أعمال توفيق الحكيم وميخائيل رومان وصلاح عبد الصبور، بالإضافة إلى سارتر وقصيري، مؤلفات الأخيريْن بالفرنسية.
ربما الـ«قراية» هي التي سهّلت عبوره من الغرفة الضيقة والممر الأضيق، لأن «أي مساحة لا تتقبله من لحظة ميلاده» كما كتب في «الدود والديدان»، لذا أدرك وائل أن عليه الانتقال من نقطة إلى أخرى، وهو ما جعله يلاعب الموت عبر طريق ضيق تحرره من ضيقه الكتابة والقراءة. يكتب كتبًا عن الموت، لتنفد طباعتها في المستقبل ولا يفكر أحد في إعادة طبعها. ربما أدرك وائل في لحظة ما أن حياته كلها لحظة ميتة يُعاد تكرارها سواء موت أبيه، أو لحظة إصابته بالسرطان، أو لحظة وعيه بأن ما ملكه في حياته حيًا فعلًا كان الأدب، سواء عبر الكتابة أو القراءة، وكان يستخدمه أيضًا في إدراكه للموت، لنأتي بعد 27 عامًا من رحيله ونتذكره هو ولعبته مع الموت.
يمكنكم قراءة «وائل رجب وأصدقاؤه» لعلاء خالد هنا، وتقليب آخر في هذا الأدب من العدد نفسه هنا.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن