احتجاجات المغرب.. جيل يعود للواقع وجرس إنذار لا يتوقف منذ 2011
حوار مع الصحفي والناشط المغربي عمر راضي
فجأة ودون مقدمات، شهد المغرب في الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر الماضي، احتجاجات مناهضة للحكومة امتدت إلى أكثر من 11 مدينة في البلاد، انضم لها مئات الشباب المغاربة مطالبين بتنحي رئيس الوزراء، عزيز أخنوش، وحكومته، التي اتهموها بالإخفاق في إنجاز ملفاتها والإنفاق على البنية التحتية لكرة القدم على حساب الإنفاق على الصحة والتعليم.
أشعل شرارة الاحتجاجات وفاة ثماني نساء حوامل في قسم الولادة بمستشفى الحسن الثاني بمدينة أجادير، منتصف سبتمبر الماضي. بعدها بأيام، وتحديدًا في 27 سبتمبر، انطلقت المظاهرات ليلًا استجابة لدعوة قناة «جيل زد 212» التي تتخذ من منصة التواصل الاجتماعي ديسكورد مساحة للنقاش، وتضم أكثر من 185 ألف عضو على قناتها.
واجهت الشرطة المغربية الاحتجاجات بالقمع، حيث تداول نشطاء مغاربة فيديوهات لدهس المتظاهرين واعتقال العشرات منهم، وقٌتل ثلاثة متظاهرين في الأسبوع الأول.
عمر راضي، الصحفي والناشط المغربي، تحدث لـ«مدى مصر»، في محاولة لوضع سياق للاحتجاجات الحالية، ومقارنتها بما سبق، والسياق السياسي العام الذي انطلق منه الحراك اليوم.
ديسكورد.. من تكتيكات الألعاب إلى شوارع المغرب

انطلقت دعوات الاحتجاج بعد وفاة ثماني نساء ذهبن إلى مستشفى عمومي في مدينة أغادير جنوب المغرب بغرض الولادة، وذلك بسبب نقص الإمكانات واليد العاملة في المستشفى. تسبب الحدث بغضب كبير في المدينة؛ كان هناك تحقيق داخلي على مستوى وزارة الصحة، لم تنشر تفاصيله، وانتهى بطرد بعض المسؤولين على مستوى مديرية الصحة التابع لها المنطقة. لم يكن هناك تحقيق مستقل في الواقعة، ولكن مصادر طبية مطلعة على التحقيق سربت معلومات عن انتهاء صلاحية أدوات التخدير، حسبما يقول راضي.
انتقل الغضب من الحادث إلى منصة ديسكورد، التي كانت في الأصل منصة تحظى بشعبية بين الشباب والمراهقين من محبي ألعاب الفيديو وكرة القدم، تحولت إلى نقاشات غاضبة من إنفاق الحكومة أموال طائلة على البنية التحتية لكرة القدم منذ إعلان المغرب استضافة كأس العالم 2030 مع أسبانيا والبرتغال، بالإضافة إلى أموال طائلة أنفقتها الدولة في حملات تسويقية. لذلك، رفع الشباب لافتات خلال المظاهرات قالوا فيها: «نريد مرافقنا الصحية بمستوى ملاعب كرة القدم، واتهموا الحكومة بإنفاق أموال -لا نتوافر عليها أصلًا- على أشياء لا نحتاجها»، يقول راضي.
وكانت منصة ديسكورد أكثر جاذبية للجيل الأصغر من منصات التواصل الاجتماعي الأكثر تقليدية (فيسبوك، انستجرام.. إلخ) لأنها تمنح المستخدمين حرية أكثر في التحكم بالمساحة الافتراضية، فتعطي المستخدم مساحة مفتوحة (سيرڤر) يمكن فتح عدة قنوات من خلالها للتواصل مع المشاركين. كما تضم المنصة خاصية الحفاظ على هوية المشاركين، على عكس المنصات التقليدية التي تفرض على المستخدم الكشف الكامل عن هويتهم.
أجادير.. «آش خاصك ألعريان؟ قال له: خاتم أمولاي»
يستشهد راضي بمثال مغربي يقول: «آش خاصك يالعريان؟ قال له: خاتم يامولاي»، ويرى أنه ينطبق على وضع مدينة أجادير التي انطلقت منها الاحتجاجات الحالية. أجادير مدينة سياحية، تقع على الساحل، وتعتبر من الأماكن التي يلجأ إليها المغاربة في الصيف كوجهة للسياحة الداخلية. تتمتع المدينة أيضًا بنشاط زراعي تصديري تشتهر به مناطقها، حيث تصدر الطماطم والموز والبرتقال، إلا أن المردود الاقتصادي من تلك الأنشطة لا ينعكس على ساكنيها، حيث تستهلك الزراعة الماء في مدينة تعاني أصلًا من جفاف غير مسبوق، فيما تعفى أموال الحاصلات التصديرية من الضرائب وفقًا للقانون المغربي، مما يحجب المنفعة عن عموم الناس، إذ لا تساهم الزراعة في التنمية بقدر ما تساهم في دفع فواتير الوقود المستورد. لذلك تعاني المنطقة الجبلية بمدنها الصغيرة من فقر شديد.
ومنذ عامين، تعرضت المنطقة لزلزال الحوز الذي شرد مئات من السكان. بعدها بأشهر، انتهت الحكومة من بناء ملاعب لكأس العالم قبل أن تبني بيوتًا لضحايا الزلزال الذين لا يزالون يعيشون في خيام رغم قسوة المناخ بعد عامين من الحادث.
20 فبراير وحراك الريف إلى «Genz»
شهد راضي ثلاثة حراكات خلال الـ15 سنة الماضية. ويرى أن الفارق بين الاحتجاجات الحالية والسابقة يكمن في المطالب.
كان راضي ضمن حركة 20 فبراير في 2011، «مثل جميع دول المنطقة، كان مطالبنا السياسية بامتياز تنطلق من مفاهيم كبرى هي الحرية والعدالة الاجتماعية، مثل مصر وتونس، وكنا نستنبط منها مطالب أكثر دقة مثل المساواة واستقلال القضاء والإعلام وتعديل بعض القوانين. كانت هناك فرصة للدولة أن تستجيب لجزء من تلك المطالب، لكن بما أن الدولة لم تستجب إلى تلك المطالب التي انخرط فيها منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، انطلقت عملية انتقام لكل من تحرك ونشط في 2011 وزاد القمع حدة مع السنوات إلى أن تفجر حراك الريف.
الريف هي منطقة في شمال المغرب تاريخيًا تعيش تهميشًا كبيرًا. انطلقت شرارة الاحتجاجات بها في 2016 بعد وفاة الشاب المغربي، محسن فكري، الذي قتل طحنًا في شاحنة نفايات، بعدما رمي رجال الشرطة أسماكه في شاحنة النفايات بحجة أن السمك الذي صاده ممنوع بيعه، ما دفع الشاب إلى إلقاء نفسه في الشاحنة احتجاجًا على مصادرة سلعته. وقتها، دعت النقابات إلى إضراب عام في المدينة، ونجح 100%. كان هناك في حراك الريف تطورًا ومراكمة في الخبرة مقارنة مع احتجاجات فبراير 2011 التي لم يكن لها قيادة. كان لحراك الريف اجتماعات تقريرية سرية. وبعد اعتقال نشطائه، لجأ النشطاء السياسيين إلى حراك افتراضي خوفًا من تكرار قمع أي احتجاجات على الأرض. وقرر المغاربة مقاطعة منتجات رأسمالية كبيرة بما فيها شركات فرنسية مرتبطة بالحكم في المغرب، وكان هناك دعوات على الإنترنت نجحت بشكل كبير إلى حد أن بعض الشركات الكبرى فكرت في بيع أسهمها والخروج من السوق المغربي.
فك الارتباط
خلال تلك السنوات، عملت الدولة على فك الارتباط والمراكمة في التجربة بين الجيل الحالي والجيل السابق سواء جيل الربيع العربي فبراير 2011 أو في حراك الريف في 2016، لكي لا يعلم الجيل الحالي بما وقع من احتجاجات سابقة. الرسالة التي أرسلتها السياسة القمعية في المغرب منذ عشر سنوات هي إن أتيت إلى الاحتجاج إلى الشارع يمكن أن تذهب إلى السجن مددًا طويلة، مثل نشطاء احتجاجات الريف الذين يواجهون عقوبات في السجن تصل إلى 20 سنة.
حركة 20 فبراير كان عمودها الفقري الشباب الذين تربوا في منظمات المجتمع المدني والأحزاب اليسارية أو في الفصائل الطلابية الإسلامية في الكليات. لذا، عملت الدولة بعدها على إبطال النوادي الحقوقية في المؤسسة التعليمية، وحاربت الفصائل الطلابية والعمل النقابي والسياسي داخل الجامعة، وامتد الأمر إلى منع دائم للتجمعات والندوات، وبالتالي «البيئة التي كبرنا فيها نحن وارتبطنا من خلالها بالشأن العام، وقضايا حقوق الإنسان، لم يعشها الجيل الحالي».
لكن رغم المخاطر المرتبطة بالنزول إلى الشارع، خرج الشباب بشكل شجاع يواجه القمع ولا يخاف. كان هذا الأمر ملفتًا لراضي. رأى ملامح شباب كان في عمرهم عندما انضم إلى الاحتجاجات في فبراير 2011، وصدمته درجة الشجاعة التي يتحدثون بها، فمثلًا يواجهون ممثلي النيابة العامة وهم يضحكون، ويتحدونهم: أنت تأتي بي هنا لتتهمني بالعصيان، ولكن إن كنت تعتبر أن مطلبي بخدمة صحية في مستوى تطلعاتي هو عصيان فأنا عاصي.
من العالم الافتراضي إلى الواقعي
في الخيال العام، يصوّر جيل z، المولود بين 1997 إلى 2012 باعتباره جيل فردي إلى حد الأنانية، كل ما يشغله الترفيه، يعيش في عالم موازي للواقع ربما، عكس ما نراه الآن في المغرب. عندما انضم راضي للمظاهرات، رأى أن الجيل عاد إلى الواقع، بمعنى أن الارتقاء الاجتماعي المرغوب فيه لن ينعم به الجميع، فقط قلة قليلة من الذين يعتمدون على الربح المادي من التأثير عبر شبكات التواصل الاجتماعي يرتقون اجتماعيًا، ويحققون تلك الأحلام من امتلاك بيوت وسيارات فارهة وهم في منتصف العشرينات ومهمتهم فقط التأثير على الإنترنت. وهذه الأحلام عانقها جيل z في العالم كله، لكن الأغلبية الساحقة لا تتحقق أحلامها تلك. في المغرب، خرجت هذه الأغلبية للشوارع.
فجأة، يأتي الواقع ويعطيك ضربة على رأسك، خصوصا أن جيل z هو الجيل الأكثر متخلى عنه، والأكثر هشاشة بالنظر إلى تراجع السياسات الحمائية. «لا أظن أن جيل z سيكون لديه معاش للتقاعد مثلًا أو تغطية صحية بالنظر إلى كل التراجعات في الاستثمارات الموجهة إلى الخدمات الاجتماعية. وبالتالي في لحظة من اللحظات كان هناك عودة من الافتراضي إلى الواقعي، ورجوع الوعي المادي بأن الأحلام ليست متاحة للجميع. هناك منا من سينجح لكن الأغلبية ستواجه الحقيقة».
يرى راضي أن الاحتجاجات في الشارع لا تزال ضعيفة جدًا حتى الآن مقارنة بحجم الغضب الذي يشعر به المغاربة. لكن احتمال تطور الاحتجاج عدديًا يعد كبيرًا جدًا، ومع الأسف الدولة تشعر وتعي بذلك، أكثر من المعارضة وأحزاب اليسار «المحتشمين» حتى الآن، والذين يرون أن الاحتجاجات يقف عليها مجموعة من الشباب غير المسيسين، لذلك يكتفون بالمراقبة.
فلسطين حاضرة دائمًا
بجانب الأزمات الداخلية، يشير راضي إلى غضب آخر منتشر في الشارع المغربي، وهو تفريغ لضغينة كانت مخزنة من بعد قرار المغرب بالتطبيع مع إسرائيل ديسمبر 2020، حيث يرى المجتمع أن هناك حكومة تتصرف عكس إرادة وإيمان شعبها بعدالة القضية الفلسطينية، رغم كل النقاشات الحكومية التي دارت مستعرضة أن التقارب من إسرائيل هو لصالح المغرب، أو يأتي في مقابل اعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء، التي يجري فيها نزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو المسنودة من طرف الجزائر.
تقارير ذات صلة
تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور
خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء
مواطنون في غزة يبيتون في الطوابير لضمان لقمة العيش
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن