أين تذهب النساء بغضبهن؟ عمّا نستلهمه من الأمومة
هذا النص ضمن العدد 11# من «مُنتهى الأدب»
أتيتُ من نسل نساء قويات، غاضبات، يشعرن بالأسى دومًا، ويقدمن تضحيات بالغة. أخبرتني جدتي، وأمي، وخالتي الوسطى والصغرى أنهن «أمهات» بالطبيعة، هذا ما عرفنه عن أنفسهن منذ الصغر. شاهدتهن يقدمن تضحيات مستمرة في ممارسة الأمومة. هل كانت هذه طريقتهن لكسر حلقات الأسى أم أن التضحية تتماهى مع تجارب الأمومة حتى نكون أمهات حقًا؟ الأم العذراء بلا خطيئة الثكلى التي تبكي المسيح؟ الأم التي ضحت بابنها من أجل خطايا العالم واستسلمت للفقد والبكاء. أتذكر ترنيمة فيروز التي تغنيها على لسان العذراء، وكأن الأمومة تتقاطع مع العطاء، والفقد، والتضحية، والبطولة.
أستمع إلى الترنيمة، أتفهم البكاء والفقد، أشعر بهما دومًا في حلقي. ولكن أتساءل هل لم تغضب العذراء إثر صلب وحيدها ظلمًا؟ أين تذهب النساء بغضبهن؟ ماذا نحاول أن نقول بالغضب؟
الغضب النسوي ليس عاطفة أحادية، هو تجربة مُعاشة تخبرنا أن هناك شيئًا خاطئًا، شخصًا متألمًا، هناك ظلم مؤسسي. ومع ذلك بسبب الآليات الاجتماعية والثقافية التي استُخدمت تاريخيًا لإنكار شرعية معاناة النساء، ولتقليص غضبهن إلى مجرد هستيريا تمنعهن من أن يكن من يريدن، لا يزال يُنفى الطابع التواصلي والمعنوي للغضب النسوي. تترك النسوة للبكاء، بينما يعتبر الغضب امتيازًا ذكوريًا.
أقف في غضب، أفكر في غضب، وأبتسم للمارة وأؤدي دوري اللطيف بامتياز -كعادة النساء التي لم يسمح لهن بممارسة الغضب-. لكنني أفكر في أمي، وجدتي، ونساء فلسطين، وأمهات المعتقلين والمعتقلات في مصر مثل ليلى سويف، والمختفيات في سوريا، وبنات وزوجات وأمهات المختفين والشهداء، ونساء السودان وأجسادهن التي استباحتها قوات الدعم السريع. أفكر حتى في الأم التي صادفتها خلال عملي الإغاثي السابق. كانت أمًا لطفل ذي إعاقة، حملته سيرًا على الأقدام تارة، وفي سيارات التهريب تارة أخرى، لتعبر به من السودان إلى مصر. يطاردني بكاؤها في نومي، وأفكر: هل يمكن أن تكون الأمومة ممارسة ثورية؟ متى أنقذتنا الأمومة والرعاية؟
في السادس عشر من مايو، خلال مؤتمر نظمته أسر المعتقلين في القاهرة، صعدت العديد من الأمهات، والأخوات، والزوجات لمعتقلين حاليين ومختفين قسريًا، ليلقين بكلماتهن. النساء سردن قصصًا عن أحبائهن، ومشاعرهن، وخوفهن الدائم، ورغبتهن في حياة كالحياة. بينما كانت كل منهن تشدد على أن خروج المعتقلين والمختفين قسرًا هو مساحة لتدارك المصلحة العامة. في حديثهن يتقاطع كل شيء: الفقد والغضب وإمكانية خلق مشاع وزمن لا نُقمع فيه كل يوم. ألتمس ذلك في خطاب ليلى سويف حينذاك قائلة: «إحنا مش هنسيب ولادنا. ولو واحدة فينا خافت، غيرها مش هيخاف… وبعدين إحنا في بلد 100 مليون، مش هتعدم 10.000 بني آدم مش هيخافوا. ومش هيخلص إن إحنا نموت على فكرة. لإن الموت هو الآخر صوته عالي».
***
تثير الأمومة، بصيغتها اللاهوتية، غضبي حين تُقدَّم كقالب جامد تُوضع فيه النساء ليكن أمهات مضحيات فقط. في كتابها عن المرأة المولودة: الأمومة كتجربة ومؤسسة، تحاول أدريان ريتش أن تفكك بنية الأمومة كما تُمارَس وتُفرض تحت سلطة النُظم البطريركية. هذه النظم تصوغ للنساء صورتين متناقضتين تسيران جنبًا إلى جنب: في الأولى، تصور الجسد الأنثوي كجسد فاسد، قذر، يرتبط بالدورة الشهرية والإفرازات، وتُعدّه خطرًا على الرجولة، ومصدرًا للتلوث الأخلاقي والجسدي، حتى إنه يُصوَّر كـ«بوابة الشيطان». أما الصورة الثانية، فهي التي تُمجّد المرأة حين تصبح أمًا، فترتفع إلى مرتبة الطهر والنقاء واللاعنف، وتُجرد من جسدها الجنسي لتصبح كائنًا مكرّسًا للرعاية والتغذية، لا قيمة له خارج قدرته على الإنجاب؛ الإنجاب الذي يُختزل كهدفها النهائي ومبرر وجودها.
تبنى هذه الصور على مجموعة من الافتراضات المسبقة حول الأمومة بلا مساءلة أو مراجعة، والتي غالبًا ما تُؤخذ كحقائق مسلم بها. من بينها، أن «الأم الطبيعية» دينيًا وثقافيًا هي امرأة بلا هوية خارج أمومتها، تجد إشباعها الكامل في التواجد مع أطفالها الصغار، وتنسجم مع إيقاع حياتهم المتقلّب بين البطء والتسارع. كما يُفترض أن عزل الأمهات مع أطفالهن داخل المنزل أمر طبيعي، بل وضروري، حيث تُحاصر النساء في المجال الخاص بينما يتحرك الرجال مختالين في المجال العام بفاعليتهم السياسية. في هذا السياق، يُفترض أن يكون الحب الأمومي صفري الذات، وأن تقدم الأم حبًا غير مشروط ومطلق، كما تصوّره لنا الصور النمطية والرموز الثقافية التي تروّج لفكرة أن الأمومة هوية تبتلع الذات وتلغيها.
من هذا المنطلق، ورغم العلاقة المتكررة بين عمل الأمومة وعمل الرعاية، فإن وظيفة الرعاية تختلف جذريًا باختلاف التوجهات السياسية. إذ إن النشاط الأمومي التقدّمي يتأسس على مفهوم الرعاية الجذرية، القائمة على العدالة والمساواة الجماعية، لا على التضحية الفردية المفروضة. وهنا تبرز أعمال الباحثة أندريا أورايلي، التي تضيء على الافتراضات التي تقوم عليها الأمومة الأبوية؛ أمومة تنطلق من أدوار جندرية تفترض أن الأمومة هي الهوية الأساسية للنساء، وتحبسهن داخل المجال المنزلي، أو ما يُسمى بمجال النساء.
في هذا النموذج الأبوي، يُتوقع من المرأة أن تمارس أمومة مكثفة داخل أسرة نووية فردانية تنعزل عن المجتمع، تكرّس نفسها بالكامل لأداء العمل الرعائي، بينما يتولى الرجل/الأب دور الإعالة من خلال العمل المأجور. وتُقدّم هذه الأمومة الأبوية باعتبارها «طبيعية»، عبر الادعاء بأن النساء يعتمدن على الغريزة لا المهارة في التربية، حتى مع استمرار الضغوط التي تُمارَس عليهنّ لاتباع تعليمات خبراء تربية الأطفال. وهكذا، تُفصل الأمومة عن أي بعد سياسي أو اجتماعي، وتُختزل في علاقتها البيولوجية بالطفل.
وتتقاطع هذه النظرة البيولوجية مع صورة الأم في الخطاب اليميني القومي، حيث تُصوَّر المرأة بوصفها المسؤولة عن إنتاج الأسرة النووية وإعادة إنتاج الأمة ثقافيًا وبيولوجيًا. فالأم، وفق هذا المنظور، ليست فقط مسؤولة عن تماسك العائلة، بل أيضًا عن تماسك الدولة القومية، من خلال ما يُعرف بـ«عمل الأم».
طبعًا الأم مدرسة، إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق، بحيث تصبح القيمة الأساسية للأمومة هي إعادة إنتاج النظام القائم دون أن نسأل من يعد الأم أن تكون أمًا؟ وأي منهج يجب أن تتبعه الأم في رحلتها لتتحول إلى بناء مدرسي مؤسسي؟
في كتابها «التفكير الأمومي: نحو سياسات السلام» تتناول سارة روديك فكرة أن الدولة، رغم اعتمادها الكبير على عمل النساء في الحياة اليومية، فإنها في الواقع تُقصي النساء من مواقع القوة وتعتبرهن تهديدًا ضمنيًا، تُشير الكاتبة على لسان الفيلسوفة الفرنسية، جوليا كريستيفا، إلى أن المرأة -بحكم موقعها خارج دوائر السلطة- تُعتبر دائمًا في موقع المعارضة، فهي منفية عن مركز القرار، وغالبًا ما يُنظر إليها ككائن غريب أو حتى شيطاني، مثل «الساحرة». لكن الكاتبة تُضيف أن المرأة، وخاصة الأم، لا تكتفي بموقع المعارضة، بل تحمل في داخلها أيضًا دورًا تقليديًا في الحفاظ على النظام. فهي المسؤولة عن إعادة إنتاج السلطة البطريركية داخل أسرتها.
على الناحية الأخرى بقراءة كتاب «رحم العالم: أمومة عابرة للحدود»، اعتمدت شيرين أبو النجا في تفكيكها للأمومة على الأدبيات السابقة لإعادة فهم الأمومة الأبوية واستشكال الأمومة بصورتها المعهودة. في الأدبيات السابقة تحدثت أغلب الباحثات عن الأمومة باعتبارها ساحة لضبط النساء، بحيث تصبح أجساد النساء مدعاة للعار، لكن أجساد الأمهات خاضعة لصور نمطية للقداسة، بحيث تتحول أجساد الأمهات لأجساد طيعة يمارس عليها الضبط والقهر وتعيد إنتاجه من خلال التربية لضمان ثبات النظام. تحلّل الباحثات في الشمال الأمومة ضمن أنظمة ليبرالية حديثة، حيث القمع يتخذ شكلًا بنيويًا ناعمًا من خلال أدوار النوع الاجتماعي، والتقنيات النفسية، وآليات السوق. الأمومة تُقدَّم بوصفها مؤسّسة أيديولوجية تُنتجها الرأسمالية الأبوية، لا كضرورة بيولوجية.
لكن تحاول شيرين أن تعيد استشكال الأمومة في سياق الجنوب العالمي تحديدًا وذلك من خلال قراءة تجربة النساء الفلسطينيات في رواية «مخمل» التي تتناول وضع النساء في مخيمات اللجوء، ورواية «عشر نساء» التي تتناول وضع النساء التشيليات تحت الديكتاتورية، وبذلك تسلط الضوء على الأمومة كما تتشكل في سياقات استعمارية واستبدادية، وبالتالي تتعامل مع الأمومة كنتاج عنيف لبُنى سلطوية تمارس القمع السياسي والجسدي والاجتماعي على النساء. تحت هذه البنى تتعرض الأمهات لأنواع قهر متداخلة.
في مواجهة هذه البنى، تنبثق أمومة بديلة، الأمومة الأمومية، تسعى إلى خلق مشاعات ومجتمع وعدالة جماعية. في هذا السياق، تجسّد العديد من الأمهات الناشطات قوة جماعية، حيث يتنقلن بين أدوارهن كأمهات ومناصرات، إما عبر تحدٍ أو إعادة صياغة جوانب من الأمومة الأبوية كما تصفها أورايلي. وفي كل تجربة من هذه التجارب، تتخذ الرعاية طابعًا سياسيًا واعيًا، وتسعى ليس فقط إلى تلبية احتياجات فردية، بل لضمان النجاة الجماعية.
***
في بحثها «الأمومة الراديكالية كمحاولة للتحرر»، تنتقد ويليامز إريك فورم في كتاب الهروب من الحرية. حيث يميز فروم بين نوعين من الحرية: «الحرية من» أو الحرية السلبية، والتي تعني التحرر من القيود الاجتماعية والسلطات، و«الحرية لـ» أو الحرية الإيجابية، التي تتجلى في قدرة الفرد على تحقيق إمكانياته والعيش بحرية ونشاط. بحسب فروم، فإن الاكتفاء بالحرية السلبية قد يؤدي إلى شعور الفرد بالوحدة والعزلة والضياع، ما قد يدفعه إلى البحث عن الأمان في أنظمة سلطوية جديدة. لذلك، شدد على أهمية الانتقال إلى الحرية الإيجابية بعد تحقيق التحرر من القيود.
هذا التصور، رغم إسهامه المعرفي، يبقى قاصرًا أمام واقع مجتمع قائم على الفردانية المفرطة. ومن هنا، تقترح ويليامز تصورًا ثالثًا للحرية: «الحرية معًا»، أو التحرر المُشترك، والذي لا يُضاف كمرحلة لاحقة، بل يُفهم كأساس لتجربة الحرية نفسها، حيث تتكوّن وتتغذى الحريات من خلال العلاقات المتبادلة وشبكات الرعاية. الحرية هنا ليست استقلالًا، بل نوع من الاعتماد المتبادل، حيث يصبح الارتباط والرعاية والتكافل مقومات أساسية للحياة.
ماذا لو كانت الحرية تتجسد في العلاقات لا في الفرد المنعزل؟ ماذا لو تمكنا من إعادة تصور المجتمع انطلاقًا من الروابط والعلاقات، كعلاقة الأم بالطفل، والراعية بالمُعتنى به؟ ماذا لو اعترفنا بأن بقاءنا مرتبط بشبكات الرعاية، وأن تجاهل هذه الشبكات أو تدميرها يهدد حياتنا نفسها؟ ألانا أبفيل تقدم مفهوم «المشاعات» بوصفه شكلًا بديلًا من العلاقات الاجتماعية التي تُبنى من خلال مشاركة مجتمعات الرعاية، وتُدار بمنطق مضاد للرأسمالية، يقوم على التعاون، والمساعدة المتبادلة، والاحترام، ويهدف إلى خلق بدائل للحياة تحت الأنظمة التنافسية. فـ«الأمومة الثورية» تُعيد تعريف الرعاية كجزء لا يتجزأ من النضال، لا كواجب خاص ولا كفعل فردي، بل كممارسة جماعية تسهم في تغيير العالم.
في السادس عشر من مايو 2025 رأيت ليلى سويف بجسد هزيل، ووجه شاحب، ترتدي كوفية فلسطينية، بظهر منحني وخُطى بطيئة تتكئ على عصاها صعودًا على المنصة في مؤتمر «مكانهم وسطنا». أضربت ليلى عن الطعام منذ سبتمبر الماضي احتجاجًا على عدم إطلاق سراح ابنها، علاء عبد الفتاح، رغم انتهاء مدة الحكم عليه. تُمارَس السياسة بالجسد وعليه في آنٍ واحد، وبذلك يكون الإضراب عن الطعام هو فعل للمقاومة السياسية بالجسد. على عكس التصورات التقليدية للسياسة، يُظهِر هذا الجسد المحتج أن الفرد السياسي هو في جوهره كائن متجسِّد. وعلى النقيض من التصورات التقليدية للجسد باعتباره كيانًا بيولوجيًا ثابتًا ومفصولًا عن السياسة، يُثبت الجسد المضرب عن الطعام أنه يحمل قدرة إبداعية هائلة؛ فهو يُسهم في السرديات والممارسات والاحتجاجات السياسية التي تشكّله بدورها.
بقراءة التقاطع بين الجسد كأداة للمقاومة ورفض التشكل بالقوة الضبطية الخاصة بالدولة وجسد الأم تحديدًا، يمكن أن نفهم رمزية إضراب الأمهات عن الطعام. برفضها الطعام، لم تود ليلى أن تؤذي جسدها، لكن أن تستخدمه كموقع مرئي للألم والظلم الواقع عليها وعلى سائر أمهات المعتقلين والمختفين قسريًا تحت سطوة النظام الحالي. بذلك فهي ترفض أن تغذي نفسها، وتغذي الحياة تحت سطوة هذا النظام.
وتكمن قوة هذا النوع من المقاومة في أنه يستخدم الصورة المثالية التي يرسمها النظام للجسد الأمومي، كجسدٍ مغذٍ، مضحٍ، ولا يُقرأ كجسد سياسي. ففي الإضراب عن الطعام، يصبح الجسد الأمومي سياسيًا. رفض الأكل هو رفض للامتثال، رفض للتطبيع مع حيوات تقتل فيها الحرية. وحين يصدر هذا الرفض عن أم، فإن المفارقة تكون هائلة: «مانحة الحياة» ترفض البقاء على قيد حياة ظالمة بالضرورة.
تلقي ليلى خطابًا لمدة ربع ساعة تقريبًا. تتحدث فيه عن كل شيء، لم تتحدث حصرًا عن ابنها علاء، بل تحدثت عنه ضمن قائمة طويلة من المقموعين، المختفين، ضحايا الحروب، وقتلى رأس المال.
كان خطابها شديد الوضوح: «نحن تحت سطوة نظام عالمي قمعي، يشارك في إبادة قطاع غزة، يشرعن الاستعمار، يسمح بتراكم الثروة في الشمال حتى يغرق الجنوب، بينما يتجاهل كارثة بيئية محققة، يدعم الديكتاتوريات في المنطقة العربية التي تعتقل ابنها وتخفي الكثير والكثير قسرًا. كل المعارك متقاطعة، بين صرخات المعتقلين في صيدنايا بسوريا سابقًا وعويلهم في سجن بدر2 بمصر حاليًا، بين شهداء محارق الاحتلال في غزة وبين شمال العالم الذي يمنع مواطن الجنوب أن يشاركه الهواء».
يدفعنا القمع للمقاومة باقتحام مستوطنات المحتل في السابع من أكتوبر أو بإضراب أم عن الطعام تحاول أن تعانق ابنها، يمكن للمقاومة ألَّا تسعى إلى تغيير العالم، بل تسعى إلى زعزعة التطبيع مع العالم كما هو عليه.
في كتابها «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها»، فرّقت إيمان مرسال بين نوعين من الأمومة: أمومة المتن التي تمثل الصورة المثالية المفروضة على الأمومة، وأمومة الهامش التي لا تتسق مع معايير الأمومة التي تحددها النظم البطريركية. أمهات المعتقلين يعشن أمومة قاسية، يومية، مشروخة بالحزن والفقد، ومشدودة بين الانتظار والخوف، والإحساس بالعجز تجاه مصير الأبناء. هذه الأمومة لا يُحتفى بها ولا تُروى، لأنها لا تتماشى مع تصور «الأم القوية المتفانية» التي ترسمها الدولة، التي تحمي وتُضحي دائمًا وتُحسن التربية وتبتعد عما هو سياسي. تشعر الأمهات المهمشات بالذنب نتيجة لانفصال تجربتها عن سردية «أمومة المتن». يُنظر إليها كأم «لم تضمن مستقبل ابنها»، أو «تركت ابنها يُعتقل»، أو «تُحرّض» على السياسة، بدل أن تكتفي بالدور المنزلي الرعائي.
لكن ردًا على الوصم الذي يسائل الأم بدلًا من الدولة، والنظم التي تحاول أن تخلق حتمية لليأس، تقول ليلى: «لا تيأسوا! مش عشان علاء. علاء الكتاب بتاعه العنوان بتاعه أنت لم تهزم بعد. الحقيقة إنه بعد غزة كلنا مهزومين. بعد ما شوفنا الإبادة الجماعية والشباب في أرجاء الأرض شال وحاول ومقدرش وما زال مش قادر. ولكن الاستسلام للهزيمة يجعل الهزيمة أبدية. متخلوش هزيمتنا تبقى أبدية. وكمان لازم نؤمن بقدراتنا، إحنا مش قادرين نغير مسارنا، ولكن وده حاجة طول الوقت إحنا عارفين نعملها، عارفين ننكد عليهم. نخليهم ميحسوش بالراحة ويستمتعوا بثمار النصر. عارفين نعمل دور الشبح في المأتم».
كما تُلاحظ مرسال، فقلة مشاركة الأمهات لتجاربهن تعود إلى خوفهن من الإدانة من الانحراف عن أمومة المتن، وهذا ينطبق بدقة على أمهات المعتقلين: فكثير منهن يخشين الحديث عن الحزن، والضعف، والانهيار في أثناء مقاومتهن، لأن ذلك قد يُفسر كـ«أم غير قوية»، أو «غير جديرة بالتعاطف»، في مجتمع يُمجد نموذج الأم الصابرة الصامتة دائمًا. الذنب هنا لا ينبع فقط من الفقد، بل من الإحساس بأن الدولة والمجتمع واللغة قد انتزعوا من الأم حقها في الضعف وفي قول الحقيقة. أم المعتقل تدور في دوامة من الشعور بالذنب، لأنها في هامش اللغة، وهامش السلطة، هامش الزمن، وهامش التصور المثالي للأمومة.
أتذكر أخت أحد المختفين قسريًا في المؤتمر التي قالت إن الحياة توقفت حين تم إخفاء أخيها. قالت إن أمها قررت أن تتوقف عن النوم على الأسرَّة لأنها تعرف أن ابنها يفترش الأرض. توقفت عن أكل بعض الأكلات التي تعرف تمام المعرفة أنه لن يأكلها حيث كان. حتى إن أمها منذ تاريخ إخفاء ابنها تضع هدية عيد مولده أمام باب غرفته في كل عام، تختبر حينها الأم الزمن من الهدايا المتراصة والغرفة الفارغة.
أقف أمام المنصة باكية. أقف في غضب، أفكر في غضب، ولا أبتسم. أنا حاضرة في هذا الزمن، ولكن أمهات وأخوات المعتقلين المتحدثات عالقات في زمن آخر، لا يمر بنفس السرعة، بل أحيانًا لا يمر على الإطلاق.
***
يعيش الأسير/المعتقل في الزمن الموازي كما يصف الأسير الشهيد وليد دقة «أنا أكتب لكم من الزمن الموازي، وفي الزمن الموازي حيث ثبات المكان، لا نستخدم نفس وحدات زمنكم العادية كالدقائق.. والساعات، إلاّ حين يلتقي خطا زماننا وزمانكم عند شبك الزيارة، فنضطر أن نتعامل مع هذه الصيغ الزمانية. فهي على كل حال، الشيء الوحيد الذي لم يتغير في زمانكم وما زلنا نذكر كيف نستخدمها».
لكن كيف يمر الزمن على أمهات الأسرى والمعتقلين؟
تختبر الزوجات والأمهات نوعًا من الزمن المعلّق. تتمحور الحياة حول غياب القريب المسجون. لم يعد الزمن يُعاش بشكل خطّي، بل يدور حول الترقّب والانتظار المفتوح دون أفق واضح، لزيارات السجن، أو قرارات المحكمة، أو في النهاية الإفراج عن الأسير أو المعتقل. كثيرًا ما تجد النساء أنفسهن محاصرات في دوامة من الانتظار، بلا يقين أو نهاية، مما يؤدي إلى إنهاك عاطفي وإحساس بأن حياتهن تُهدر. تعتبر هؤلاء النساء أن حياتهن مسجونة هي الأخرى مع أبنائهن. روتينهن اليومي يتشكّل بفعل هذا الاعتقال، من خلال السفر المرهق لزيارات قصيرة، أو الانخراط المستمر مع المؤسسات القانونية والأمنية. الزمن لم يعد ملكهنّ، بل تفرضه إيقاعات السجن وبيروقراطيته وعنفه. وهنّ بهذا المعنى، يقضين عقوبة أيضًا، لكنها عقوبة غير معترف بها من قِبل النظام.
في مصر تختبر الأمهات الزمن بإحداثيات مختلفة عن سائر المجتمع. في حالة أمهات المحبوسين احتياطيًا يختلف إيقاع الزمن منذ اللحظات الأولى من الاعتقال والإخفاء قسريًا حتى يتم عرضهم على نيابة أمن الدولة للمرة الأولى. عادة ما يتم تجديد الحبس تلقائيًا لمدة أسبوعين على مدار خمسة أشهر، ويبدأ حينها عرض المحبوس احتياطيًا كل 45 يومًا على المحكمة في غرفة المشورة. في كل هذه الفترة تحسب الأمهات الزمن بإحداثيات جديدة، وتفهم مرور الأسابيع من خلال مرور الزيارة، وتنتظر الأعياد والمناسبات الخاصة للزيارات الاستثنائية، تقف أمهات المعتقلين والأسرى في الشعور بالزمن بين محورين: محور يسير وفق الإحداثيات المتعارف عليها، فتتعاقب فصول الصيف والشتاء، والأعياد، والأفراح، والمآتم، ومحور آخر حيث يتوقف الزمن منذ لحظة القبض على ذويهم، وتبدو الحياة منذ ذلك الحين على أنها امتداد للحظة شعورية من الفقد، والخوف، والقلق، والثبوت.
في ورقتهن البحثية «حياتنا سجن: الأسر الثلاثي لزوجات وأمهات الأسرى السياسيين الفلسطينيين» تشير المؤلفتان ريتا جياكامان وبيني جونسون إلى «الاحتجاز الثلاثي» الذي تعاني منه النساء الفلسطينيات: (1) تحت الاحتلال الإسرائيلي والنظام العسكري، (2) داخل الأعراف الأبوية التقليدية التي تُحمّلهن أعباء الرعاية، و(3) تحت وطأة نفسية ناجمة عن اعتقال ذويهن. يُتوقع من النساء أن يكنّ رصينات ومُربيات، إلا أنهنّ يُحرمن من الاعتراف بعملهن العاطفي ومعاناتهن. إن طول هذه التجربة وتكرارها، كالانتظار في طوابير، وتحمل عمليات التفتيش المهينة، وأداء الأدوار الأبوية أو الزوجية تحت المراقبة يعيدان تشكيل الزمن إلى دورات من الصدمة تارة والمقاومة في أخرى.
تحاول سلطة الاحتلال حرمان النساء من أمومتهن بكل الطرق، باعتبار أن أطفال فلسطين «ثعابين صغيرة» كما قالت النائبة في الكنيست الإسرائيلي، أيليت شاكيد. أفادت إحدى المشاركات من زوجات الأسرى الفلسطينيين في ورقة بحثية بعنوان «التحكم الحيوي في أجساد زوجات المعتقلين السياسيين الفلسطينيين وأمومتهن» بالآتي: «أنا بقول هذه السياسة ما بدهم إيانا انخلف لأنه لما بكون الأب مناضل، معروف الابن شو مصيره، ولما الابن بشوف أنو الاحتلال بعملوا هيك في أبوه هيك، معروف شو راح يصير أكيد مش مش راح يتصالح معهم وهو انحرم من أبوه، فهم عاملين إلنا تحديد نسل لحالهم أنا بحكي عن تجربتي مستحيل أرجع أفكر بإني أخلف مستحيل أنا بقشعر بدني إني أرجع أتذكر التجربة الأولى، على طول هيك بقشعر بدني».
هكذا، تتحول الأمومة إلى ساحة مناورة ومقاومة بين أمهات تحاول أن تنتج الحياة، وسلطة تحاول قتل الحياة. تتحول الأمومة إلى معركة سياسية تذكرنا بضرورة التخلي عن تجربة الأسرة النووية الفردانية. النضال جماعي، النجاة جماعية، والغضب والتعاطف يوحد هشاشة أمهات الشعوب المقموعة.
أقف في غضب، أفكر في غضب، في ليلى، وأمي، وجدتي، والأم السودانية في عملي السابق، والأمهات المتراصة اللاتي رأيتهن أمام سجن طرة تحقيق تربتن على أكتاف بعضهن البعض، أفكر كيف نعلق في زمن القمع المفروض من قِبل السلطة التي تنتهك أجسادنا وأجساد مَن نحب بالتعذيب، والتحرش، والاغتصاب، والسجن، والإخفاء القسري، والفقد.
الفقد الذي أشعر به بجانب العذراء في حلقي.
لكن أين تذهب النساء بغضبهن؟
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن