تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
“أولاد رزق” ومأساة الفنان “الفان”

“أولاد رزق” ومأساة الفنان “الفان”

كتابة: أنديل 7 دقيقة قراءة

من الأشياء العظيمة في الفنون عموماً، وفن السينما خصوصًا، هو قدرتها على منحك لحظات من التوحد مع شخصية أو موقف، يصعب جدًا اختبارهما في حياتك العادية. عندما تشاهد الرجل الوطواط يقفز من قمة ناطحة سحاب ليهوي بقبضة فولاذية على وجه شرير ما، ستشعر للحظة بنشوة كأنك أنت من فعل هذا الفعل البطولي. وكذلك الحال عندما يحرق الچوكر هرمًا من المال ويضحك في هيستيريا، ستشعر أيضًا للحظة -لو كان المشهد مصنوعًا بالدقة الكافية- أنك أنت من أحرقت هذا المال، رغم أنك في الحقيقة -غالبًا- تعاني من أزمة مالية طول الوقت وتفعل كل ما في وسعك للحصول على المزيد من الجنيهات القليلة التي تبقيك على قيد الحياة، وحرق هرم عملاق من ملايين الدولارات أبعد ما يكون عن مسار حياتك الطبيعي.

الجزء الأكثر تعقيدًا من هذه المعادلة هو الفيلم، لكونه عملًا استعراضيًا فنيًا، بالإضافة لكونه تجربة حياتية خيالية مسرودة، أو إيهامًا بمغامرة لم تحدث. فكما جنى روبرت دينيرو بعض الملايين مقابل قدرته الاستثنائية على إقناعك أنه "سام" في "كازينو" وليس روبرت دينيرو، جنى "مارتن سكورسيزي" أيضًا بعض الملايين والكثير من التقدير والأهمية مقابل قدرته على سرد قصة "كازينو" بشكل غير تقليدي، صادم وممتع، يغوص في مكونات صناعة الفيلم، صورة وحبكة ونصًا وسياقًا اجتماعيًا وسياسيًا وتاريخيًا، يفككها ويناقشها ثم يعيد تركيبها كقطع البازل، بسذاجة أحيانًا وبعبقرية أحيانًا، ليقدم لك مجموعة من الدقائق التي تقول شيئاً. الفيلم هنا جيد لأنه جيد الصنع، ليس فقط لأن "ما يحدث به" جيد.

ربما يكون لكل مخرج لقطة طويلة شهيرة مثل لقطة سبيلبيرج في "إنقاذ المجند رايان"، أو لقطة طويلة شهيرة من حين لآخر مثل لقطة أغنية "وو هو" في مشهد الأغنية في "اقتل بيل"، أو لقطة طويلة شهيرة في كل فيلم، أو فيلم كامل هو لقطة طويلة شهيرة مثل "الرجل الطائر" لإناريتو. عندما ينفذ "سكورسيزي" في "كازينو" لقطته الشهيرة الطويلة لغرفة عد النقود، مخاطبًا فيك كمشاهد قدرتك على استيعاب اللقطة، التي ينبهك أنها لم تنته عندما توقعت انتهاءها، ويعدك بالاستمرار في اللعبة حتى تكتفي منها، وفي النهاية يودعك وأنتما الاثنين سعداء. إن صنع هذه اللحظة مرهون باستعدادك أنت وسكورسيزي لخوض هذه التجربة سويًا، وأنت جزء أصيل من إنجاحها.

إذا كان استهلاك الأفلام بالنسبة لك مسألة تتخطى قتل الوقت أو الترفيه أو استكشاف ما يحدث في العالم من خلال قصص مروية، فربما يكون اﻷمر متعلقًا باختبار الفن أو الإحساس. ربما تكون مشاهدًا متعطشًا لألاعيب المخرجين أو المؤلفين والممثلين. تنتظر فيلمًا مليئًا بقرارات فنية مفاجئة تعيد تشكيل علاقتك بالعمل السينمائي بينما تشاهده. في ظروف ما شديدة الندرة تصنع بعض الأفلام حالات فريدة من التقمص أو التوحد، فبدلًا من أن تشعر أنك أنت بطل الرواية، وأن قفزاته البطولية من فوق ناطحات السحاب هي انعكاس لقفزاتك الحياتية، تتوحد مع صانع الفيلم وتشعر أنك أنت من صنع هذا المشهد، الكاميرا هي عينك وهي تنظر للأشياء تمامًا كما تريد أنت أن تنظر، ولو شاءت الظروف أن تكون أنت مخرج هذا الفيلم أو مؤلفه غالبًا كنت ستصنعه بنفس الطريقة بالضبط وستختار نفس العدسة للكاميرا ونفس الأغنية للموسيقى التصويرية. للأسف مثلما هو مستحيل على أغلب البشر أن يقفزوا من قمة ناطحة سحاب ويهووا بقبضة فولاذية على وجه الشرير، فشبه مستحيل أيضًا على أغلبهم أن يصنعوا الكثير من الأفلام التي يحبونها. ولذا، من حسن الحظ، يوجد فنانون مثل سكورسيزي وترانتينو وسبيلبرج وإناريتو، ليصنعوا أفلامنا بالنيابة عنا ويسمحوا لنا أن نتخيل للحظات أننا أبطال سينما خارقون.

لو أردت أن أختزل بشدة كل الأسباب التي جعلت هؤلاء السابق ذكرهم عظماء في سبب واحد من وجهة نظري، غالبًا سيكون القدرة على "الخلق". فكل هؤلاء الفنانين، والكثيرون غيرهم، جلسوا في منازلهم طويلًا يفكرون في مدى سخافة ما يحلمون بصنعه، ولكن القليلين فقط هم من نجحوا في الخروج من منازلهم وإقناع مجموعة كبيرة من البشر بالخروج من منازلهم في نفس اليوم والاشتراك معهم في تحويل خيالاتهم السخيفة إلى شيء حقيقي موجود في العالم المادي ويمكن مشاهدته وإدراكه. ربما تأثر سكورسيزي برواية "كازينو: الحب والشرف في لاس فيجاس" التي تواجدت في العالم المادي قبل فيلمه، ولكنه عندما صنع الفيلم خلق مجموعة من الأصوات والصور واللحظات التي لم تكن موجودة من قبل، ربما يكون بعضها إعادة صياغة للحظات سينمائية سبقتها، لكن اندماج كل هذه اللحظات في سياق الفيلم المعنون "كازينو" الذي شاهدناه جميعًا مرارًا وتكرارًا منذ سنوات، والذي نتحدث عنه الآن، هو نتيجة قرار أخذه مارتن سكورسيزي وفريقه بجعل هذا الفيلم يتواجد.

هناك الكثير من مُحبي السينما ممن لديهم القدرة على الحديث لساعات عن أعمال مخرجيهم المفضلين، كيف تطورت رؤيتهم السينمائية وما الفرق بين أول أعمالهم وآخرها. التشظي في أعمال تارنتينو وأفلامه كبوب آرت متمرد، معنى الزوايا في لقطات سبيلبيرج وكيف يصوّر الوجوه، هيتشكوك وكيف غيّر عادات المشاهدة عندما قتل البطل في أول ٥ دقائق أو ١٢، لا أذكر بالضبط، السرد الخطي في أفلام سكورسيزي وغياب الحبكة، إلخ إلخ إلخ. ساعات من المشاهدة والدراسة والقراءة، التوحد والتقمص والخيال، تنعكس في ثرثرة حماسية لا تنتهي يُشعها محب السينما في وجهك كبروچيكتور دار العرض الملتهب، ولا بد أن تشعر بنوع من الإعجاب أو الانبهار بمقدار الوقت الذي أضاعه هذا الشخص في اكتساب كل هذه المعرفة. ولكن، هل هذه المعرفة هي ما تخلق صانع سينما مثيرًا للاهتمام؟ هل كونك Fan أو معجب جيد بالسينما، كفيل بجعلك صانعًا جيدًا للسينما؟

هناك مئات الإجابات غير المفهومة عن سؤال: لماذا يصنع الفنان فنه؟ أغلبها مكرر وكليشيهي ومبتذل وبعضها متذاكٍ ولا يحاول إلا الاختلاف، تظل أقرب هذه الإجابات لقلبي أكثرها طفولية وبساطة: "أصنع الفن لأعبّر عن نفسي". العمل الفني الذي يصنعه كريستوفر نولان عام ٢٠١٧ سيظل بالنسبة لي يحاول صنع نفس حالة التواصل التي طمح لها فنان الكهف في عصور ما قبل التاريخ، عندما أراد تسجيل وجوده في الحياة من خلال رسمة على الحائط تُرِي الآخرين ما يراه حوله من أشياء، طامحًا أن يمر زملاؤه البشر، من القادرين على تمييز الفرق بين الفن والطبيعة، يومًا ما أمام الخطوط التي جمعها سويًا على جدار الكهف وينظروا للغزالة قائلين لأنفسهم: "كان هناك إنسان هنا."، أعتقد أن عدد البشر وقتها كان أقل بكثير من عدد البشر الآن، واحتمالية لقائهم وتواصلهم كانت أقل بكثير منها الآن.

المشكلة أن الواقع الذي نعيشه اليوم يقع تحت سطوة بناء ممنهج في اتجاهات شديدة التكرارية والملل، فنحن لم نعد نعيش في غابات مليئة بالأسرار، والعالم بالنسبة لنا -على اتساعه- مصمم بحيث نشاهد منه ما اتفق "الكبار" أن مشاهدته، وبكثافة جنونية، مهمة لنا. رؤية ڤيديو فيه غزالة -أو أي شئ آخر- لن تؤثر في مشاعرنا مثلما تأثر إنسان الكهف برؤية الغزالة لأول مرة في حياته. غالبًا يعيش الكثيرون ويموتوا دون أن يجربوا شعور رجل الكهف عندما شاهد الغزالة لأول مرة في حياته. إلا أن بعض لحظات السحر في الفن قادرة على صنع هذا الشعور.

القدرة على خلق "لحظة سينمائية جديدة" هي مهارة أكثر ندرة الآن بكثير. الاقتصاد يجعل المتتاليات الإحصائية تتحكم في مكونات وتركيب العمل الفني مضمون النجاح. هوليوود لها معايير يُبنى الفيلم بها بنفس الطريقة التي يُبنى بها الآيفون ويُصنع بها البرجر، طبخة دقيقة سهلة النسخ والتكرار. أعمال سكورسيزي بالكامل موجودة في تورينت ما على اﻹنترنت وبإمكانك مشاهدتها في يومين. العادي والمفاجئ اليوم ليس هو نفس العادي والمفاجئ منذ عشرين عاماً. القدرة على نسخ فيلم أمريكي أو مسلسل أمريكي أو برنامج أمريكي لا تعني أي شئ أكثر من أنك قضيت فترة طويلة من حياتك تشاهد هذه الأشياء وأنك تحبها.

يصنع الإنسان الفن، على ما أظن، ليقول للآخرين: "أنا موجود هنا، وأنا أرى هذه الأشياء، هل ترونها؟"، ربما يكون ما يراه الإنسان في هذه الحالة مجرد ملاحظات حول العالم فارغة من أي مضمون، وربما يكون ما يراه تعليقًا على ما يراه، وربما يكون ما يراه محض خيال وهلاوس وأفكار لا معنى محدد لها ولا يربطها إطار يمكن استهلاكه على نطاق واسع، ولا ضرر من ذلك. من المؤكد أنه بعدما رسم إنسان الكهف الغزالة، وشاهدها رجال ونساء كثر بعد ذلك، قلده الكثيرون ورسموا كل ما رأوه من غزلان. ومن المؤكد أنه لو لم يفعل كل الفنانين شيئًا سوى محاولة تقليد الغزالة التي رسمها اﻹنسان الأول بأكبر مستوى ممكن من الدقة لكنا الآن في عالم ممل للغاية. ممل مثل فيلم "أولاد رزق" الذي لم أستح من مشاهدته على الطائرة، على شاشة ضئيلة الحجم وبجودة صورة رديئة وسماعات لا يعمل سوى فرعها الأيمن، وعندما انتهت الرحلة لم يكن الفيلم قد انتهى ولم أشعر أبدًا بالرغبة في معرفة كيف انتهى.

الفيلم انتهى بعد أن جعلني أفكر في أشياء أظنها أكثر أهمية منه بكثير، ومع ذلك وضعت اسمه في العنوان ليقرأ الناس المقال، لأنه هكذا تعمل المتتاليات الإحصائية، وهكذا يعمل الاقتصاد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن