تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أوبنهايمر والقنبلة الذرية.. كيف تعلّمت السينما أن تحبّ القنبلة (2-2)

أوبنهايمر والقنبلة الذرية.. كيف تعلّمت السينما أن تحبّ القنبلة (2-2)

كيف استجابت السينما لخطر التدمير الكامل للبشرية بأيدي البشر أنفسهم؟

كتابة: محمد صبحي 13 دقيقة قراءة

يُعرض حالياً فيلم «أوبنهايمر» للمخرج كريستوفر نولان، المخصّص لسيرة وحياة مَن يُعرف بـ«أبو القنبلة الذرية» واختراعه، الذي حوّل سيناريو الرعب المتمثل في تدمير البشرية احتمالًا حقيقيًا. منذ إسقاط القنبلة الذرية الأولى، كانت السينما حاضرة لتعكس هذا التطوّر. يتتبّع محمد صبحي سيرة أوبنهايمر و«قنبلته» عبر تاريخ السينما، على جزئين:

الأول، «أوبنهايمر قبل نولان»، وفيه نلقي نظرة على تاريخ«القنبلة» والأسلحة النووية في السينما.

 الجزء الثاني، «الحياة والموت مع القنبلة»، نتابع كيف استجابت السينما لخطر التدمير الكامل للبشرية بأيدي البشر أنفسهم، وكيف طوّرت الولايات المتحدة واليابان، على وجه الخصوص، مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات للتعامل مع مركّبات الخوف والألم والذنب التي أفرزها خطر القنبلة الذرية.

2: الحياة والموت مع القنبلة

«مايك، استمع إليّ. استمع جيدًا. سأقول بضع كلمات. كلمات غير مؤذية. مجرد مجموعة من الأحرف مختلطة معًا. لكن معناها مهمّ جدًا. حاول أن تفهم ما تعنيه: مشروع مانهاتن، لوس ألاموس، ترينيتي". – من فيلم «قبّلني بحرارة» (1955، روبرت ألدريتش)

اهتمت السينما بشكل أكبر بعواقب اختراعات مختبر «لوس ألاموس». وسريعًا أصبحت «القنبلة» و«هيروشيما» (أكثر بكثير من ناجازاكي) استعارات عالمية لدمارٍ شامل وتهديد بنهاية العالم من صنع الإنسان. كانت عواقبهما على الثقافة الشعبية والسينما ذات شقين: من ناحية، لعبت القنبلة الذرية دورًا رائدًا في العديد من الأفلام كتهديد للنظام القائم. كان التهديد يأتي دائمًا من الخارج، ولكن بشكل متزايد أصبح يأتي من الداخل أيضًا. بالنسبة إلى «القنبلة»، التي أُوجدت في البداية لاحتواء وتوفير الأمن ضد الخطر المفترض من «الآخر» -النازيون واليابانيون أثناء الحرب، ثم الاتحاد السوفييتي والشيوعية أثناء الحرب الباردة- كان يُنظر إليها وتوصف في الوقت نفسه كخطر، كعامل من عوامل انعدام الأمن.

وهكذا، بينما وقف العدو في البداية في الخارج، على حافة الستار الحديدي، سرعان ما توغّل، خصوصًا في الأفلام، داخل الغرب نفسه، وفي مقدّمته الولايات المتحدة. مرئي في البداية، ثم غير مرئي بشكل متزايد. لكن الأفلام الأمريكية أصرَّت على أن جواسيس موسكو، و«الطوابير الخامسة» المتسلّلة إلى أمريكا، و«المُرشّحين المنشوريين»، والمواطنين «المغسولة أدمغتهم».. لا يزال من الممكن كشفهم. مثل الفضائيين الذين يهاجمون البلاد في أفلام الخيال العلمي. من ناحية أخرى، الإشعاع الذرّي نفسه غير مرئي وفي أفضل الأحوال يمكن التعرّف عليه من خلال نتائجه. ولهذا كانت الكائنات «المتحوّلة» تعبيرًا واضحًا عن الخوف من مخاطر النشاط الإشعاعي في العديد من الأفلام الأمريكية في تلك الفترة. بدءًا من  «هم!» (1954، جوردون دوجلاس)، و«رتيلاء» (1955، جاك أرنولد)، و«هجوم وحوش السلطعون» (1957، روجر كورمان)، وحتى «البهيموث العملاق» (1959، يوجين لوريه)؛ على سبيل المثال لا الحصر ولذكر بعض النماذج اللافتة والممثّلة لعشرات أفلام غيرها لعبت على الثيمة ذاتها.

بالمثل تقريبًا، جاء تصوير الزومبي (الموتى الأحياء) هؤلاء الأشخاص الذين لا يختلفون بشكل واضح من الخارج، ولكنهم في داخلهم كائنات غير إنسانية «محاكية» أو«موتى أحياء». في هذه الحالة، تقول الأفلام الأمريكية إنه لا يمكن تمييز «غزو خاطفي الجسد» هذا إلا من خلال الملاحظة والدراسات السلوكية الدقيقة، تماشيًا مع الطفرة الحاصلة في علم «السلوكيات» آنذاك في خمسينيات القرن الماضي.

العديد من هذه الأفلام عبارة عن قصص رمزية واضحة وصريحة، ليس فقط عن لوثة «مطاردة الساحرات» المكارثية وإنما أيضًا عن الخوف غير المعلن من الصراع بين الشرق والغرب وخطر الحرب النووية الذي رافقه. وهذا يشمل الخوف من الترسانة النووية الخاضعة لسلطة وتصرّف فرد واحد من مجانين الحكم، والعواقب غير المتوقعة لتجارب القنبلة الذرية، والحوادث المحتملة، والأعطال، وسوء الاستخدام؛ وكل هذه المخاوف جرى تصويرها وتضخيمها واللعب عليها بشكل متزايد في الأفلام الأمريكية منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي.

وخير مثال على ذلك «قبّلني بحرارة» (1955، روبرت ألدريتش)، وهو فيلم نوار (Noir) يتعيّن فيه على بطله، المحقق الخاص الساخر مايك هامر، أن يناور بين تهديدين، كلاهما مرتبط مباشرة بالتكنولوجيا النووية: عصابات مافيا تتاجر في مواد نووية غير مشروعة، فيما تحاول الدولة نفسها التستّر على مخاطر الطاقة النووية. تحفة معبّرة عن البارانويا السائدة في خضم الحرب الباردة.

سينما الاحتواء

دارت الثقافة الأمريكية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حول «الاحتواء». هذا المصطلح، القادم من النظرية السياسية، يختصر جيدًا الوضع العالمي في العصر النووي. فهو يفترض أنه لم يعد من الممكن هزيمة النظام السياسي الخصم من حيث المبدأ بسبب إمكانية الإبادة النووية المتبادلة. وبالتالي، فالخيار المتاح يتمثّل في إمكانية احتوائه وإبقائه تحت النظر. تنطبق حتمية الاحتواء هذه أيضًا على المفارقات والتناقضات المنطقية والأخلاقية الداخلية لفلسفة نظرية الردع. سيستغرق الأمر بضع سنوات فحسب حتى تُأخذ هذه الأمور إلى مستوى عالٍ من العبث في الأفلام الأمريكية في الستينيات.

في الأثناء، هناك فيلم مثل «على الشاطئ» (1959، ستانلي كرامر)، أحد أوائل الأفلام الأمريكية التي تصوّر بجدّية عالم ما بعد الحرب النووية وحياة الناس مع يقينها بقرب موتها الوشيك. وهو يحكي عن آخر الناجين الذين فرّوا إلى أستراليا (آخر مكان آمن) في العام (المستقبلي آنذاك) 1964، بعدما طاردتهم سحابة من الغبار الإشعاعي القاتل. هؤلاء الأشخاص، الذين لعب أدوارهم جريجوري بِك، وآفا جاردنر وأنتوني بيركنز، من بين آخرين، لديهم خمسة أشهر للاستمتاع بما تبقّى من حياتهم والاستعداد لنهايتها.

في الفيلم، المستند إلى رواية بالعنوان نفسه لنيفيل شوت صدرت عام 1957، لا أحد يتحمّل مسؤولية بدء الحرب النووية (على عكس الرواية)، وتُنسب الإبادة العالمية إلى خوفٍ معولَم فاقمته الصدفة أو سوء التقدير. منقوعًا في أجواء ميلانكولية عميقة، يقدّم الفيلم حسابًا للطبقة الوسطى الأمريكية غير المسيّسة (أو الكارهة للسياسة) وأخلاقها البرجوازية، في مشاهد رثائية رائعة بالأبيض والأسود بكاميرا جوزيبي روتونو، الذي عمل مع فيسكونتي، ودي سيكا، ولاحقًا مع فيلّيني.

للمفارقة، حين جاء العام 1964 (في الواقع) أصبح عامًا مفتاحيًا بالنسبة للسينما الأمريكية عند التفكير في القنبلة الذرية وعواقبها. شهد ذلك العام إصدار فيلمين هزّا الاعتقاد المسلّم بضرورة هيمنة الفكرين والنظامين العسكري والعلمي المتوازيين، والذي كان سائدًا حتى ذلك الحين بفعل الحرب وطول أمدها. وعلى الرغم من اختلافهما جذريًا في مواقفهما، إلا أنهما يمتلكان أوجه تشابه مذهلة في الحبكة والعمل. الأول، فيلم «فشل آمن» (1964، سيدني لوميت) وهو تشويقي سياسي مثير وجاد ومخيف جدًا. بسبب عطل ناتج عن خطأ في الكمبيوتر، تطير قاذفة قنابل نووية من أسطول «القيادة الجوية الاستراتيجية» الأمريكية محمّلة بأسلحة نووية حيّة، صوب موسكو، دون أي احتمال لإيقافها أو عودتها.

يأخذ الفيلم شكل مسرحية الغرفة، حيث تنشأ دراما الأحداث بشكل أساسي من خلال نقاط الضوء المتحوّلة في شاشة التحكّم على الحائط. في المركز يوجد رئيس الولايات المتحدة (هنري فوندا) الذي يجب أن يقرّر ما إذا كان سيثق بالسوفييت بما يكفي لمنحهم معلومات «سرية للغاية» لإسقاط الطائرة الخارجة عن السيطرة. ينتهي الفيلم بعاقبة حمقاء بقدر ما هي منطقية: التضحية بمدينة أمريكية بأكملها لإقناع السوفييت بأنه لم يكن في الواقع هجومًا على موسكو، بل خطأ ميكانيكيًا.

الفيلم الثاني، والأشهر من جميع النواحي هو «دكتور سترينجلوف، أو كيف تعلّمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» لستانلي كوبريك. ينجح كوبريك في ضبط النغمات والمقادير لأفلمة إبادة العالم ككوميديا، مستخدمًا المبالغة العبثية لصياغة الحقائق بوضوحٍ نادر. يأخذ هذا الفيلم الكوميدي القاتم والتهكمي اللاذع، الجنون النووي واستحالة الهروب منه إلى أقصى الحدود، بحيث لا يمكن تمييز الهجاء والسخرية عن الوصف المعتدل والالتزام بالحقائق؛ لأن الظروف نفسها ساخرة وعبثية. تمكّن الفيلم من السير على الحبل المشدود السياسي والأخلاقي، بعد أقل من عشرين عامًا من نهاية الحرب، لربط قيم وممارسات الاستراتيجية النووية الأمريكية، بما في ذلك رؤى مجتمع ما بعد الحرب، مع الأيديولوجيا النازية وجرائمها. في المقابل، يصوّر فيلم «فشل آمن»، رغم كل انتقاداته، القيادة السياسية والعسكرية للولايات المتحدة على أنهم أشخاص جادّون يتصارعون مع معضلات أخلاقية ويتصرّفون في نهاية المطاف بأخلاق عالية؛ وللمفارقة يبدو هذا التصوير ساذجًا بالمقارنة مع فيلم كوبريك ذي الروح العبثية.

حقّق «دكتور سترينجلوف» نجاحًا سريعًا وكبيرًا مع الجمهور وانتقل مباشرة إلى الثقافة الشعبية. كان الفيلم أيضًا بمثابة تنفيس ثقافي، ما جعل من المستحيل الاستمرار في أخذ منطق الردع وأُسسه العلمية العسكرية على محمل الجدّ. وبذلك، انضمّ العلماء النوويون وصانعو القنابل أيضًا إلى بقية علماء السينما والتاريخ الثقافي الآخرين، مثل الدكتور فاوست، الذي عقد ميثاقًا مع الشيطان، ومثل بروسبيرو، الذي أمضى حياته منبوذًا بعيدًا عن المجتمع.

أطفال هيروشيما أو سينما الهيباكوشا

تحتلّ «القنبلة» مكانة أكثر أهمية في السينما اليابانية منها في السينما الأمريكية، لأسباب واضحة. تعمل السينما، مثل غيرها من النواقل الثقافية الأخرى، كوسيط مركزي لمعالجة ما لا يمكن فهمه وإدراكه من تجربة «هيروشيما وناجازاكي» وعواقبهما. في الوقت نفسه، كانت ردود الفعل المبكرة على هذه التجربة بالكاد ممكنة في اليابان، لأن البلاد عانت من رقابة عسكرية واسعة النطاق حتى عام 1952. حاولت الأفلام اليابانية -أكثر من الأمريكية، التي ركّزت على المنطق العسكري والعلاقة بين الأفراد ومؤسسات الدولة- التفكير بعمق في معاناة وعواقب «هيروشيما».

مباشرة بعد انتهاء الرقابة العسكرية الأمريكية، التي حظرت تناول الضحايا العسكريين والمدنيين اليابانيين في اليابان، أٌنتج فيلمان مهمّان حول هذا الموضوع. الأول، «أطفال هيروشيما» (1952، كانيتو شيندو)، دراما مؤلمة تتناول الآثار طويلة المدى للقنبلة الذرية. ينصبّ التركيز على مدرّس عائد إلى هيروشيما في إجازة بعد أربع سنوات من الحرب. يلتقي بصبي يتيم يرافقه، وعلى عكسه يجسّد البراءة والمستقبل. يُظهر الفيلم، المنضبط والمبتعد عن الميلودراما، الدمار الهائل الذي لحق بالمدينة، ولكن أكثر من ذلك يظهر العواقب الجسدية والعاطفية على الناجين، المعروفين باسم «هيباكوشا». إنها تلك المشاهد الهادئة والمبتذلة للوهلة الأولى تملك التأثير الأقوى هنا: لدى رؤيته طائرة ذات شعاع فضّي في السماء، يتوقّف تاكاكو، الشخصية الرئيسية، للحظة، فيما يحدّق الصبي بحماسٍ في السماء. استذكارٌ مفجع لطائرة «إينولا جاي»، التي نظر إليها سكّان «هيروشيما» بذهولٍ مماثل في السماء الصافية صباح يوم 6 أغسطس 1945: كان غريبًا أن الطائرات الأمريكية لم تظهر في تشكيلات قاذفة كبيرة كالمعتاد، وإنما ظهرت بشكل فردي. لم يتصّوَر أحد أن طائرة واحدة يمكنها أن تحمل سلاحًا يجلب كل ذلك الدمار اللاحق.

والفيلم الثاني، «هيروشيما» (1953، هيديو سيكيجاوا)، تسجيلي رائع يعتمد أكثر على التصوير الواقعي للأحداث وعواقبها. يركّز الفيلم على معاناة الضحايا والعواقب الصحّية طويلة المدى للتلوّث الإشعاعي، ويُظهر شيئًا لم يُفهم تمامًا في الغرب حتى يومنا هذا: لا تُعامل القنبلة في اليابان كنتيجة للحرب أو لقرار فرد بعينه أو كذنب أخلاقي. على عكس الحرب، هي شيء لا سلطان لأحد عليه، ولا يمكن فعل أي شيء لردّه. مثل قضاء الله.

هذا الموقف المتمثل في الخضوع للقدر والتسليم لأمره من المرجح أن يقاومه سينمائي مثل أكيرا كوروساوا. فالبطريرك العجوز الذي جسّده توشيرو ميفون في فيلمه «أحيا في خوف» (1955) ستٌعلنه عائلته مجنونًا خوفًا من أن تدفعه «مخاوفه الوهمية» إلى الدمار. يدور الفيلم حول مالك مصنع ياباني مسنّ يشعر بالرعب الشديد من احتمال وقوع هجوم نووي لدرجة أنه يصمّم على نقل عائلته الكبيرة بأكملها إلى ما يتخيّله ملاذًا آمنًا في البرازيل. وراء قناع الرجل العجوز الغاضب والمتأفّف، يقود الخوف شخصية ميفوني. وموضوع الفيلم واضح: «هل نحن، من يمكنهم البقاء هادئين في عالمٍ مجنون، المجانين فعلًا؟»، يسأل أحد الشخصيات. في مشهدٍ آخر، يسخر الصهر الشاب من الدمار النووي المزعوم، وكممثّل لجيل الشباب الذي لم يعاصر إلقاء القنبلتين، لا يستطيع فعليًا إدراك التجربة وهولها: «أبي، إذا كنت خائفًا جدًا، فلماذا لا تنتقل إلى كوكبٍ آخر؟». عاد كوروساوا إلى ثيمة الحياة هذه مرتين لاحقتين قرب نهاية حياته: في «أحلام» (1990) و«رابسودي في أغسطس» (1991).

بعد عقود، سار فيلم «مطر أسود» (1989، شوي إمامورا) على نهج ومقاربة كوروساوا. يروي الفيلم قصة عائلة نجت من القصف الذرّي على «هيروشيما» لتواجه من بعدها العواقب الصحّية والاجتماعية للإشعاع.

لا عودة إلى الطبيعية

على أن هناك مثالان للسينما اليابانية بمثابة حالات خاصة: شخصية الوحش الأيقونية «جودزيلا»، الواقعة في مكان ما بين الرعب و«اللطافة» المحبّبة، والتي جرى تفسيرها دائمًا من زاوية المخاوف والتجارب الجماعية للعصر النووي منذ ابتكارها في 1954 في فيلمٍ حمل اسمها  للمخرج إيشيرو هوندا. مثّلت جودزيلا القوة التدميرية للقنبلة الذرية، استعارة للعواقب المدمّرة للأفعال البشرية، ولكن بامكانها أيضًا توفير الحماية اللازمة.

هناك أيضًا العديد من الطرق لمعالجة «هيروشيما» في النوع الياباني الأشهر، أفلام الرسوم المتحركة. أحدها يمكن العثور عليه في الاقتباس السينمائي للرواية المصوّرة (الأولى تاريخيًا) والمعنون باسمها ذاته، «جين الحافي» (1983، موري ماساكي)، والذي يدور حول الوضع الإنساني المتدهور في مدينة هيروشيما بعد إلقاء القنبلة النووية على المدينة اليابانية.

لكن أشهر أفلام القنبلة الذرية وأكثرها شاعرية جاء بعد هذا التاريخ بخمس سنوات: «قبر اليراعات» (1988، إيزاو تاكاهاتا). قصة الفيلم مأخوذة من رواية بالاسم نفسه للكاتب أكايوكي نوساكا استندت على أحداث حقيقية عاشها الكاتب زمن الحرب العالمية الثانية ونشرها عام1967، كاعتذار لأخته بعدما اعتبر أن إهماله لها كان السبب الرئيسي في وفاتها. بالرغم من عدم احتواء الفيلم تصويرًا صريحًا للقنبلة الذرية، إلا إنه يُظهر آثارها ويحكي قصة مؤثرة لطفلين وأقاربهما يكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية بعد قصف مدينة كوبي. لاقى الفيلم نجاحًا كبيرًا وصدى إيجابيًا لدى النقاد، ووصفه الناقد السينمائي روجر إيبرت بأنه من أقوى الأفلام المناهضة للحرب تأثيرًا.

في العام نفسه، أظهر فيلم الخيال العلمي «أكيرا» للمخرج كاتسوهيرو أوتومو المزيد من التصوير الرمزي لمجتمع ما بعد الهجوم النووي وخبراته المؤلمة وإجهاده. قبلها بأربع سنوات، كشف سيّد الأنيمي الياباني هاياو ميازاكي عن أول سيناريوهاته العديدة لما بعد «الكارثة» ونهاية العالم مع فيلمه «ناوسيكا أميرة وادي الرياح»، الدائرة قصته بعد ألف عامٍ من حريق السبعة أيام ونهاية الحضارة البشرية، حيث أصبح البشر يعيشون في مستوطنات منفصلة ومعزولة.

هذه الأفلام وغيرها حافظت على الموضوع حاضرًا بشكل ملحوظ في الثقافة الشعبية والشبابية اليابانيتين، ولكن دون الانغماس في سرديات الخوف من جانب واحد. في الواقع، تدور هذه الأفلام بشكل أكبر حول الوعي بتمزّق الحضارة أو الانفصال الحضاري: لا حالة طبيعية في ما بعد النووي، ولا عودة إلى ما قبل «هيروشيما».

رقية للتروما

في عام 1959، قدّم الفرنسي آلان رينيه حالة طبيعية في حياة ما بعد النووي كانت رائعة بقدر ما كانت مروّعة وفريدة من نوعها في السينما، مع فيلمه "هيروشيما حُبّي" من تأليف مارجريت دورا. قد يرجع نجاح الفيلم أيضًا إلى حقيقة أن معظم المشاهدين في الغرب في ذلك الوقت لم يكونوا على دراية بصور العواقب البشرية لاستخدام القنبلة الذرية والتدمير الفوري. نجح رينيه في شحن الحدث التاريخي-العالمي عاطفياً في لقاءٍ حميمي وكوني لامرأة فرنسية ورجل ياباني، مثلما مزج الفيلم الوثائقي مع الميلودراما، دون تبسيط للكارثة. يصطدم الفيلم، بتسلسله الزمني وبنيته المتقطّعة الشبيهة بالتروما، بأذهان المشاهدين مباشرة، ويعمل مثل جلسة لطرد الأرواح الشريرة للتروما المرتبطة باستخدام الأسلحة النووية وإمكانية استخدامها في النزاعات المستقبلية.

النظير الياباني لهذه المقاربة يكمن في فيلم «أسرار خلف الجدار» (1965، كوجي واكاماتسو)، وهو غير معروف تقريبًا حتى لمحبّي هذا المخرج الياباني الكَلْتي. لفترة طويلة، في ضوء الكليشيهات المعروفة، لم يُنظر إلى الفيلم إلا كمثال على الأحكام المسبقة الغربية عن «الجنس في اليابان»، رغم إنه ربما كانت الإمكانات الاجتماعية النقدية للفيلم بحدّ ذاتها ثورية للغاية بالنسبة لمجتمع ما بعد الحرب في أوروبا الغربية آنذاك. نرى زوجين يمارسان الجنس، الرجل مصاب بجروح إشعاعية متقيّحة، وهناك لمحات متكررة لصورٍ من «هيروشيما» وانفجارات القنبلة الذرية. يُظهر الفيلم أيضًا، على غرار رينيه، الكساد وانعدام التواصل في المجتمع البرجوازي الحديث وحياة البشر في ظلّ «هيروشيما» والحرب الباردة.

خيال الكارثة

تظلّ القنبلة الذرية والنووية موجودة بلا انقطاع في حاضر ومستقبل السينما. وتشهد على ذلك سرديات ما بعد نهاية العالم (التي كانت القنبلة ذاتها أحد أسباب رواجها وتكاثرها)، لا سيما سلسلة أفلام «تيرميناتور» ومسلسل «مانهاتن» (راجع الجزء الأول من المقال). أو حتى فيلمًا طازجًا مثل الألماني «نظرية كل شيء» لتيم كروجر، الذي سيُعرض في مهرجان فينيسيا القادم، ويدور حول فيزياء الكمّ، والانشطار النووي، والتقنيات الذرية وعواقبها الاجتماعية والسياسية، في لحظة حاسمة من زمن الحرب الباردة: وقت أزمة الصواريخ الكوبية في خريف 1962. وهذا يثبت أهمية الموضوع، طالما مثل هذا الفيلم لا يزال ضروريًا بعد «أوبنهايمر» نولان، مثلما يكشف عن قوة الدعاية لفيلم نولان وسطوة الإنتاجات الأنجلوأمريكية على ما عداها حتى وإن تناولت القصص نفسها.

طالما كانت الكوارث ودمار العالم ونهايته موضوعات رئيسية في سينما الخيال العلمي. ومنذ فترة طويلة، لاحظت سوزان سونتاج (في مقالها من العام 1965 عن «خيال الكارثة» الذي استعرضت فيه أفلام الخيال العلمي بين عامي 1950 و1965)، أن هذه الأفلام «تقف في علاقة متواطئة مع المرعب/ الرهيب، تحديدًا عبر تحييده». وهذه الملاحظة تنطبق أيضًا على القنبلة الذرّية في السينما. فالأفلام التي تتحدث عن القنبلة الذرية هي دراسات حالة للتفكير في ما لا يمكن تصوّره ووصف ما لا يمكن وصفه، كما تسمّيه سونتاج. في هذه الحالة، ليس كموضوع حسابي جاف، كما هو الحال مع استراتيجيي نظرية الضربة النووية المضادة، بل كموضوع خيالي؛ خيال إبداعي وفضولي من الناحية الجمالية، حتى لو بدا في بعض الأحيان مشكوكًا فيه من وجهة نظر أخلاقية. يتعلّق الأمر بكوابيس وترومات جماعية لا يمكن نفيها أخلاقيًا أو فكريًا أو حتى «إدارتها»، ولكن يمكن تحمُّل مكابدتها جماليًا وفنيًا.

أو كما قالت الممثلة في فيلم آلان رينيه: «استمع إليّ. أتذكّر شيئًا آخر. سيبدأ من جديد. 200 ألف قتيل و80 ألف جريح في 9 ثوان. هذه هي الأرقام الرسمية. سيبدأ من جديد. ستكون درجة حرارة الأرض 10 آلاف درجة. سيقول الناس إنها 10 آلاف شمس. سيحترق الإسفلت. ستسود الفوضى. مدينة بأكملها سترتفع عن الأرض ثم تسقط رمادًا».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن