تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أن تنطق عن هوى

أن تنطق عن هوى

سلوان #5

كتابة: نورا ناجي 11 دقيقة قراءة
  • #جو عام

«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون في السلسلة، التي تحررها سلمى الديب، خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين بنشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي هذا العدد تكتب نورا ناجي عن صعوبة الكلام عن الحب حين يُفقد، ومشاعر العجز عن التعبير، ألا تملك صوتًا ينطق ومقاومة ذلك بالكتابة. وتكتمل ضفيرة سلوان عن الحب بكتابة أمل إدريس هارون دليلًا عن سيرته وفلسفته من زاوية غير شخصية. 

في «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه. 

#سلوان 

ماتت قطتي من أيام ولم أخبر أحدًا. تاركة نفس الفراغ الذي يخلفه كل ما/مَن يرحل. فراغ بعينين واسعتين متجمدتين، ينظر لي أينما ذهبت، ويلوّح دومًا بفراغات عديدة لا تزال تنتظر دورها للظهور أمامي.

كلما فقدت قطًا كتبتُ نصًا. عشرات النصوص كتبتها عن القطط الميتة، قطط البيت والشارع وحتى صفحات الفيسبوك التي تندد بقسوة البشر على الحيوانات. ثمّة بشر قادرون على قتل قط ببساطة ضغطهم على زر إضاءة. ببساطة خذلانهم لحبيب، ببساطة لحظات القسوة التي تظهر فجأة من العدم؛ فراغ يظهر من العدم.

ماتت القطة بعد احتضار طويل ومؤلم ولم أتمكن من فعل شيء، دفنتها في الأرض الفارغة بجوار بنايتي التي تنتظر حفر أساساتها وغرس أعمدة خرسانية وصب الأسمنت ورفع قوالب الطوب لتتحول إلى مكان مفعم بحيوات كثيرة. بناية مبنية على عظام القطط والكلاب والعصافير والأحلام وربما البشر. فكل مكان مات فيه شخص، وكل أرض دُفن فيها أشخاص.

لا أحب اختفاء شخص وهو على قيد الحياة. أحيانًا أفكر بأن الموت أجمل فقد، لأنه يمنحني بشكل ما خاتمة نهائية، لا أفقد الموتى فعلًا، يظل طيفهم ماثلًا أمامي. أما القطيعة، فقد الحبيب أو الصديق يثير جنوني، كيف يتلاشى شخص وهو على قيد الحياة؟ شخص كنت أراه بعينيّ، وألمسه بأصابعي، أشم رائحته وأسمع صوته، يبهت مثل لون مائي خفيف على فرخ ورق رخيص. يتحول إلى ظل، أخاف جدًا، من تلك اللحظة التي أبدأ فيها بنسيان صوته، ورائحته ولون عينيه. وأشعر بأن ثمّة سكين في قلبي، يشبه السكين الذي ينغرس في كل مرة أفقد فيها قطًا، أو كوبًا، أو كشكولًا يضم كتاباتي المفضلة، أو قرطًا فضيًا أو شعورًا ناعمًا بالمحبة.

أراكم كل فقدٍ في ذاكرتي حتى تحولت إلى مخزن لكراكيب شبحية، تثقلني وتثقل حركتي. لكنني لم أعلم أن ثمّة فقد أكبر، هو فقد نفسي. أقول: فقدت قطتي. وأنا أعلم جيدًا، أن كل نص كتبته عن قطة، كنت أحيل فقدها إلى نفسي. لأنني ومع تلاشي أي شيء/شخص، أفقد جزءًا من نفسي. لهذا أخاف الفقد، وأقبل بالمساومة، أقبل بالقسوة والخسارات حتى لا أفقد جزءًا من نفسي. لم أفهم قط أنني بذلك أفقد نفسي كلها مرات متتالية.

في الشهور الماضية، كنت أنظر إلى مرآتي فلا أتعرف على وجهي. بدا لي أنني نسخة لا أعرفها من نفسي. وجه باهت وعينان منطفئتان. عجزت عن اختيار صورة مناسبة لي لنشرها على الفيسبوك، لأن كل صوري القديمة لم تعد تشبهني. كنت شخصًا آخر لا أحبه، لا أحب ملامحه ولا صوته ولا تسريحة شعره ولا نظرات عينيه. واكتشفت أنني بتلك الحرب التي أخوضها حتى لا أفقد حبًا، كنت أفقد كل ما هو أكبر.

في كل مرة أتنازل فيها عن فكرة، عن إيمان، عن موقف، كنت أشعر بجزء مني يتلاشى، لا أستطيع حتى دفنه، يتلاشى فقط في الهواء، أفقد حتى قدرتي على الكلام والكتابة، عن تجميع الكلمات إلى جوار بعضها. عرفت أنني فقدت الكثير عندما اكتشفت أنني لم أعد قادرة على كتابة نص. كأن الكتابة هي بالفعل ما تشكلني، وما تجعلني أنتبه لفقد شبحي لا يمكن الشعور به، لأنه لا يحدث ألم واضح في نفس اللحظة، بل هو أشبه بحكّ الجلد في مقبض باب مكسور، يكشط طبقة سطحية صغيرة، لا تؤلم إلا عندما تتعرض لهواء وتبدأ في تكوين قشرة جديدة.

أحب الكتابة الذاتية، أومن أنها انكشاف واضح وجريء، لكنني بينما أكتب هذا النص بالذات، أشعر بأن ثمّة عائق يمنعني من التعبير عما أرغب فعلًا في قوله، أحتمي في القطط، والعصافير، والكلاب، والكائنات التي لا تملك صوتًا، ربما لأنها مثلي، لا تستطيع الدفاع عن نفسها، لا تستطيع أن تبوح بما حدث. القطة وهي تموت لا تفهم ما الذي يحدث لها، والجرو يظل يتطلع لتربيتة عطف من صاحبه دون أن يفهم أنها الأخيرة، لعل ذلك هو أكثر ما يؤلمني، قسوة الموت على كائن لا يفهمه.

ثمّة عائق في التعبير عن فقد حب لم يعد حبًا. ربما لأنني لم أستوعبه بعد، وربما لأنني لست قادرة بعد على النظر بشكل واضح إلى الصورة كاملة، من تبني كل التفاصيل التي صنعته. ومن إدراك أخطائي كذلك. من المشاعر المُلتبسة بين الرغبة الكبيرة في نسيان كل شيء، من إهالة التراب على السنين الماضية، ودفنها في قطعة الأرض المجاورة كما أدفن قططي، لتقوم عليها أساسات حيوات جديدة، وبين الرغبة في التذكر. ثمّة أشياء لا يجب تذكرها، أو الإشارة إليها، أو تأطيرها في نص، أو كشفها بكتابة ذاتية. ثمّة حزن وخجل في البوح، وثمّة أيضًا خوف كبير من كل شيء، من الهشاشة التي تخلفها الذكرى، ومن الشماتة في الفشل. ومن جميع البشر حولي، البشر المزيفون الذين ينتظرون لحظة سقوط واحدة لرميي بالحجارة. وثمّة شجاعة أيضًا، في أخذ قرار مثل الاعتراف بفقد نفسي، مثل الاعتذار عن فقد نفسي.

اكتشفت أنني خائفة من نشر أغنية سمعتها وأعجبتني على الفيسبوك. لأنني أخاف أن يؤولها الناس تؤيلاتهم القاسية. أخاف نشر أغنية حزينة فيتحسرون عليّ وعلى خيباتي. أو نشر أغنية سعيدة، فيتهمونني باتهامات أخرى لا تقل شناعة. نشر أغنية بات مهمة مستحيلة، لأنني لم أعد مجرد امرأة خرجت من علاقة مثل أيّ امرأة تخرج من علاقة، بل بت شبحًا فاقدًا لهويته، مجرد قشرة لامرأة كانت موجودة ذات يوم ثم اختفت.

كان عليّ من أجل أن أكتب، أن أذهب إلى مكان بعيد لأجد نفسي. أن أركب القطار وأجتاز المسافات وأتأمل العالم وهو يبتعد خلفي من النافذة. نافذة القطار مثل شاشة تلفزيون تعرض مشاهد خيالية لسماء قاربت على الاختفاء في السواد التام، وأشجار متتالية، وطيور غريبة تقف على البيوت الصغيرة المبنية من الحجارة والقش داخل الحقول. كنت متيمة بتلك البيوت. تستهويني الفراغات الصغيرة.. الدواليب المغلقة والرقاد أسفل السرير. الخيمة التي اعتدت صنعها من الملاءات وإيشاربات أمي الملونة، أشد أطرافها وأعقدها في أيّ شيء ثابت ثم أسدل أطرافها حولي وأجلس داخلها، مثل شرنقة تحيطني وتعزلني عن أصوات العالم وضوء النجف الساطع. لا يتسلل من القماش الخفيف إلا بقايا ضوء تبدد الظلمة وتهدئ روحي. أظل مكاني ساكنة، وأشعر أنني -بشكل ما- أعيد تكوين نفسي من جديد.

كنت سعيدة في القطار، الكابينة الضيقة التي تشعرني بأنني قادرة على التحكم بعالمي. سعيدة لأنني قررت أخذ هذا النص عن الفقد إلى مكان آخر وهواء آخر ومناظر أخرى تمدني بالشجاعة. لكن هناك، في هذا المكان البعيد، كنت على موعد بفقد آخر، لكنه ربما منحني القدرة على الفهم.

عندما وصلت إلى محطة وجهتي البعيدة، اضطررت إلى طلب سيارة أوبر حتى لا يخدعني سائق التاكسي العادي في الأجرة، لكن سائقي التاكسي ماكرون ويعرفون الطرق الأسرع، ويجيدون تفادي الكلاب الصغيرة الهائمة في الظلام. أما سائق أوبر فهو مسكين لا يعرف الطريق، ولم يتوقع أن ينحرف حول الناصية فيصدم كلبًا. جرو صغير يجري خلف قطيع من الخراف. في الظلام، رفعت عينيّ من شاشة الموبايل الذي تمسكت به طوال الرحلة، فرأيت طريقًا داميًا. سمعت غثاء خراف وصرخة كلب صغير. شعرت بجسده يرتطم بمقدمة السيارة ثم يبتعد. ورأيت أذني السائق تحمران. سمعت شخصًا يصيح. ثم لا شيء.

انطلق السائق مُبتعدًا ولم ينطق بحرف. لم أقل شيئًا أيضًا، لكنني شعرت بهيكل السيارة البارد يرتطم بصدري. برد جسمي وازداد الظلام ظلامًا. ثم وصلت إلى النور. الهوستيل الأزرق على جانب الطريق أمام النيل، فعدت إلى زمني الحالي.

في ليلتي الأولى، لم أنم.. كان الأمر أقوى مني، أستعيد كل شيء في مشاهد معتمة، الكلب الذي لم أره، لكنني عرفت من صرخته الخافتة أنه جرو صغير، والضربة التي تلقاها في جانبه، بالتأكيد في بطنه، شعرت بها في بطنه. تخيلت شكله، كلب أصفر بأذن أصغر من أذن وذيل مبتور، بشعر ناعم وعينين دامعتين، عينان مسكينتان، عيناه تتساءلان لماذا أنا هنا، ولماذا أنا كلب يجري خلف خراف، ولماذا أعبر في الظلام ومن ظلام إلى ظلام؟

في اليوم التالي ذهبت إلى نفس المكان سيرًا على القدمين، كانت الشمس مضيئة جدًا، لم أعد بالزمن، بل بدا وكأنني انغرس في الحاضر. بحثت في كل حارة على جانب الطريق، بحثت عن جثة جرو أو تراب متكوم يغطيها، أو جزء فارغ من القمامة الكثيرة، ربما دفنه الرجل الغامض أمس أسفله، أو أنه عاش؟ ربما صدمت السيارة قائمته فقط؟ ربما بات اليوم أعرجًا، لكنه حي. ثم أستعيد صرخته، والألم في صدره، وأعرف أنه مات. السيارة التي كنت فيها قتلته. أو ربما أنا مَن فعلت.

لو كنت رفعت عينيّ عن الهاتف، لو كنت أستطيع الرؤية في الظلام، كنت سأصيح في السائق أن ينتبه، أفعلها كثيرًا عندما تظهر قطة أمام سيارة عابرة أو سيارة أنا فيها، أحيانًا تعيش وفي بعض الأحيان تموت بين يديّ. لكنني أراها وهي تموت، تصدمها السيارة ولا تتوقف. أنا أتوقف، وأرفعها من وسط الطريق، أمددها على الرصيف وأجلس بجوارها، وأربت على جسدها الذي يبرد شيئًا فشيئًا حتى تتجمد.

هذه المرة لم أر الكلب، لم أربت عليه أو أمنحه نظرة أخيرة يغادر معها الحياة وهو يشعر -ربما- أنه ليس وحده. مات كلب خفيّ في الظلام، أو ربما عاش.

ذهبت إلى نفس المكان، فحصت تراب الشوارع، وتأملت أكوام القمامة، نظر إليّ الناس بدهشة، سألت الواقفين في الأكشاك الضيقة على كلب ميت فهزوا رؤوسهم. لا كلاب في هذه الشوارع. فقط بشر، أطفال باكون ورجال غاضبون ونساء صامتات وشيوخ منسيون. لا كلاب ولا قطط ولا خراف ولا جثث. ربما توهمت صوتًا، وضربةً، وألمًا. ربما هذا صوتي، صرختي، ظلامي.

لكن ثمّة شيء مات.. ثمّة شيء مات في الظلام.. أنا فقط لا أعرف ما هو..

أو ربما عرفت..

سأتذكر.. نعم.. عليّ أن أتذكر..

عليّ أن أتغلب على الفراغ داخلي..

عليّ أن أتوقف عن الارتعاش، وعسر التنفس، ونوبات الفزع. وهذا الثبات الغريب للأفكار. أشعر بمخي ثابتًا مكانه، لا يصدر أوامره لعضو في جسمي، لا يفكر. كنت أتخيل مخي يقف ناحتًا الأفكار على جدار جمجمتي الداخلي بقلم مدبب. يحفر الأفكار بالسن الحاد فينزف جدار جمجمتي دماءً. لكن الفكرة تظل ثابتة داخلي. اعتدت حفظ جدول الضرب، ومعاني الكلمات الإنجليزية، وأسماء الفلاسفة والعلماء ومحافظات مصر وأسباب حدوث ثورة 19 بهذه الطريقة، بحفرها على جدار رأسي الداخلي المدمى. اليوم عليّ أن أكتب بنفس الطريقة، أن أحفر الكلمات على جلدي، أن أحفرها بأعصابي، أن أستخدم دمائي وعظامي وأسناني وبؤبؤي عينيّ في الكتابة. أن أقرر مواجهة العالم بشجاعة. أن أعترف بكل شيء أخفيه، لأنني أخفي الكثير. نعم أخفي الكثير جدًا.

لا أحد يعرفني فعلًا، لم يعرفني أبواي ولا شقيقتيّ، ولا أولاد عمومتي ولا الجيران ولا أصدقائي، ولا طبيبي النفسي ولا زوجي السابق ولا الرجل الذي أحببته. لمَ أجمل صورتي؟ حتى أمام نفسي؟ أنسى فعلًا مواقف كاملة، وأشخاصًا حقيقيين مروا عليّ كأنهم لم يمروا. أنسى أخطائي الشنيعة، وتصرفاتي الخاطئة، وأحتفظ بصورة الملاك. لست ملاكًا، فعلًا. لا أحتفظ بصورة ملاك، بل بصورة لطيفة عن ذاتي. حتى تصرفاتي المُضحكة الساذجة في مراهقتي أنساها. أو أرفض الاعتراف بها، أُقصي كذلك الأيام السيئة، والشوارع التي أكرهها، وحوادث التحرش. أقصي يوم ما انقطع سروالي من الخلف في امتحان الثانوية العامة ولم أستطع التحرك حتى همست بالأمر للمراقب فناولني حقيبة ظهري المتروكة خارج اللجنة لأخفي بها الثقب وأتمكن من العودة إلى البيت. أنسى كل المرات التي سعلت فيها سعالي الخشن المرتفع مثل سعال العجائز المدخنين، والذي كان يدفع الجميع للنظر نحوي بدهشة وأحيانًا بتأفف. عليّ أن أنسى. أن أنسى أيام الألم والقسوة، وأيام الحاجة والذل، وكل الأشخاص الذين تجاهلوني، والذين أهانوني، والذين منحوني وعودًا لم يفوا بها، والذين اعتقدوا أنني مجرد امرأة تافهة، كاتبة عادية، كاتبة يكتب لها آخرون. وكأن الاعتراف بكوني «كاتبة» سيؤذيهم، سيخدش كبريائهم، سيشعرهم بالضعف.

وعليّ أيضًا أن أصمت. لأن الكلام لن يجدي شيئًا، أشعر أحيانًا أن لا صوت لي، وكأنني في كابوس قاتم، كابوس أسير فيه حافية على الأسفلت لا أجرؤ على الصراخ، كابوس أتوه فيه بين غرف واسعة لبيت لا أعرفه، كابوس يطاردني فيه حبيب سابق تحول بشكل ما إلى عدو، أركض بقدمين ثقيلتين، لا أستطيع النطق، لا أستطيع الدفاع عن نفسي، أغوص أكثر في قشعريرة ساخنة تجتاح جسدي كله وتمنعني من الحركة، من الكتابة، من الكلام، من الابتسام.

ثمّة ألم عميق في البوح، في استعادة كل اللحظات التي انكشف فيها قلبي وكأن جسدي يشف، وكأنني أتحول إلى وعاء زجاجي تظهر عليه خدوش كل كلمة، كل اتهام، كل رميّة حجر. ثمّة لحظة أتمنى فيها لو خسرت كل شيء، وتحولت إلى محض هامش، وثمّة لحظات أكره فيها نفسي وأتمنى لو اختفيت، لأنني لن أنجو، حتمًا لن أنجو. الرغبة في نيل محبة الجميع رغبة ساذجة، والعيش في صحبة الكراهية يُشظي روحي، لا أريد أن تنقسم روحي إلى أجزاء كثيرة، لا أريد أن أتحول إلى محض مسخ.

الكتابة ثقل، للمرأة فقط، أما للرجل فهي بالفعل طوق نجاة. الكتابة عند المرأة هي أحجار فرجينيا وولف في جيبي معطفها، وهي سور شرفة أروى صالح، وهي فرن سيلفيا بلاث، وهي حبوب عنايات الزيات، وهي كل شيء نزع من مي زيادة الروح، وهي اللون الأبيض العميق الذي ذابت فيه هان كانغ، وهي هوية إلينا فيرانتي المطموسة.

عليّ أن أحول كل ذلك إلى كتابة. سأنتقم لنفسي بالكتابة من كل فقد، وسأنسى أيضًا بها، لأن الأفكار المنحوتة على جدار جمجمتي، الذكريات، والمعلومات، والتواريخ، والأسماء، وقصص الحب المؤلمة، تُنسى عندما تنتقل إلى الورق، عندما يقرأها الجميع، عندما تتحول إلى مشاع رخيص لا قيمة له.

على الكتابة أن تمنحني اليوم الخلاص الذي أتمناه، من كل ما يثقلني ويجذبني إلى الأرض. ثقل الحب الذي يتحول، وثقل الكراهية التي تعشش في القلب، وعليها أيضًا أن ترمم نفسي، أن تعيدني إلى نفسي لأتمكن من التعرف على وجهي في المرآة، ومن نشر الأغاني التي أحبها على الفيسبوك دون خوف. من التحرر من الرعب الذي يصاحب في كثير من الأحيان انتهاء حب مسموم.

الاعتراف بفقد النفس هو الأصعب، لكنه في نفس الوقت، الفرصة الأخيرة لاستعادتها.

وسلام.

كمّل ضفيرة سلوان بقراءة «الحب وسيرته» هنا.

عن الكاتب

نورا ناجي

صحفية وروائية مصرية، صدرت لها: رواية «بنات الباشا» عام 2017، ورواية «أطياف كاميليا» عام 2020 الفائزة بجائزة يحيى حقي، وكتاب «الكاتبات والوحدة»، ومجموعة «مثل الأفلام الساذجة» الحاصلة على جائزة الدولة…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن