أن تخونك الذاكرة في بطن الحوت
#جو عام
كما هو واضح من عنوانه فهذا الديتوكس الذي يكتبه محمد عبد الرازق علي عن خيانة الذاكرة، أما المقصود ببطن الحوت فهو مجاز لن تكتشفه إلا بالقراءة. وفيه نتعرف على سُبل التعامل حين يحدث ذلك، نغرق في الذكريات، أم نؤرشف حياتنا؟
#دليل
عندما صحوتُ، وأمسكت هاتفي لأتفقد رسائل الواتساب، كان ذهني مشوشًا، وكأن ذاكرتي معطوبة.
لا فرق بين رسائل العمل، أو رسائل مرضاي، أو حتى أختي الصغرى. كانت كلها مجرد كلمات على الخلفية القاتمة، وأنا لا أميز من هؤلاء الأشخاص، وما الموضوعات التي يحكون فيها.
جلستُ على طرف السرير ونظرت طويلًا إلى أصابع قدمي، وبعد الاستحمام، رددتُ على الرسائل بالتتابع، تخطيتُ بعضها، ثم توقفت عند رسالة أختي الصغرى. كانت تخبرني شيئًا عن حالة بابا الصحية، حاولت أن أستفهم منها، ثم باغتّها بسؤالي: هو بابا فين؟
في نهاية اليوم اتصلت بزميلي، طبيب المخ والأعصاب، وشرحت له حالة التشوش تلك، وكيف شعرتُ للحظة أن ذاكرتي ستنفلت مني تمامًا، أو أنني على أعتاب أن يمُسح عقلي بشكل فجائي. هدأني زميلي وأخبرني أنها حالة عادية بسبب الإجهاد والنوم المتقطع لفترات طويلة. كتب لي فيتامينات، وأوصاني بتدريب يومي قبل النوم، أراجع فيه ذهنيًا أحداث يومي وملامح الناس الذين أتعامل معهم.
واظبت على التمارين لثلاثة أيام بعدها.
- دش بارد.
- إطفاء كل الأضواء.
- التمدد على ظهري باسترخاء تام.
- تشغيل مزيكا هادئة، أو الاكتفاء بـ«وايت نويز».
- كر شريط أحداث اليوم، وتذكر تفاصيل ملامح من يمرون في خيالي وقتها.
في الأيام التالية، كنت أستيقظ من النوم أهدأ بكثير، ربما بفعل التمارين أو أقراص الفيتامينات، لكنني لم أتجاوز تلك اللحظة قط، أن تُثقب ذاكرتي بخرم بهذا الاتساع. ما زاد اضطرابي هو أنني راجعت كل الرسائل التي رددت عليها ذاك الصباح، واكتشفت أن إجاباتي كانت معقولة ومتزنة، عدا ردي على أختي. لم يكن منطقيًا أن أتساءل عن مكان بابا بعد كل سنوات حبسه.
لم أفتح الموضوع مع أختي، وإنما أرسلت لها رسالة في موضوع آخر، وحاولت أن أتجاهل عمدًا ذاك التساؤل المريع. لكن ما أضناني أكثر كان قصوري عن تذكر ملامح بابا بشكل مشبع في تمارين ما قبل النوم.
في المرات الأولى قلتُ لنفسي إنه شيء عادي بسبب مرور سنوات على غيابه من حياتي، لكن مع تكرار الأمر، والاجتهاد اليومي في عصر دماغي حد التعب لأتذكر وجهه، أو عدة مواقف جمعتنا، شعرت بأنني في أزمة جارفة. أرسلت إلى زميلي الطبيب أستشيره في مشكلتي، لكنه قال إن هذا النوع من النسيان المفاجئ لشخص واحد بالتحديد لا يعرف له سببًا.
كان بابا قد غاب بشكل شبه كلي عن حياتي منذ ثماني سنوات -تحديدًا في سبتمبر 2016- بسبب تعرضه للحبس السياسي. في أول الأمر ظننا أنها مرحلة قصيرة، لن تستمر عدة أشهر، لأنه -رغم كونه منتميًا للتيار الإسلامي- فقد تعرض للحبس بمصادفة شديدة العبثية، ولم يكن -وقتها- مُدرجًا على أي قضية على الإطلاق.
عكس ما توقعنا، طالت مدة حبسه لسنوات. اندهشنا جميعًا للفجوة المهولة التي تركها، ليس في حياتنا نحن فقط، وإنما في حياة العائلة الكبيرة ومعارفنا أيضًا. بعد السنة الأولى تقريبًا، وربما أكثر، كبرنا كلنا فجأة، تضاعف عمري كوني الأكبر بين إخوتي، وظهرت علامات السن على ماما، واشتد طول أخي الأصغر واخشوشن صوته، وخُطبت أختاي وتزوجتا، أما أنا فحدثت لي إصابة في العمود الفقري جعلتني أمشي منحنيًا وأدقق بنظري في الأرض. بعد تلك السنة، ولما استشعرَت ماما مرور الوقت بلا أمل، وأن الدوامة تبتلعنا، والحياة تسير بلا هوادة، قررت طباعة صورة من صور بابا -وهو في ريعان الثلاثينات- على لوحة كبيرة بالحجم الطبيعي، وعلقتها في منتصف الصالة. كانت صورة شديدة الرسمية، بزي عمله الأساسي، العمة والقفطان الأزهريين، ويميز منظره الرسمي نظرته العطوفة والمحبة، على خلفية بيضاء ناصعة. أرادت ماما مقاومة الفجوة التي تركها، ففكرت بتلك الطريقة لتضفي على البيت وجوده، حتى ولو من باب «الأب الكبير يراقبك»، لكنها كانت حركة رقيقة وموجعة في نفس الوقت.
ظللت لفترة طويلة أتجنب النظر مباشرة إلى تلك الصورة. كنت بذلك أرفض وجودًا افتراضيًا لأبي، وغاضبًا على تلك الحالة البرزخية التي دخلتها حياتي منذ ابتلعه الحوت. لم أستطع مداراة نقمتي على ما حدث، بسبب المشية العرجاء التي كانت تخطوها حيواتنا، وظهري المحني، مع انعدام الفرصة للشكوى أو البكاء داخل البيت.
تماشيتُ مع الوضع ببعض الفهلوة والقدرة على المرونة والتحمل، لكنني وصلت إلى نقطة الانفجار عندما فشلت أكثر من قصة حب ومشروعات متعددة للزواج بسبب وضعنا كأسرة تفتقد ربها. كانت أحيانًا تصلني رسائل الرفض، من الفتيات أو آبائهن، بشكل منمق وشديد الحرص على مشاعري، وأحيانًا أخرى على شكل «معايرة» وكأن ظرف بابا وصمة نجسة لا يمكن غسلها أبدًا.
تعاملت مع الماضي بقسوة، حاولت أن لا أذكره أو أتذكره، حتى فقت في اليوم الذي تسربت مني ذاكرتي ولو جزئيًا. نصحني زميلي باستشارة متخصص نفسي، ورشح لي صديقًا ثالثًا أعرفه. في أول جلسة سألني عن وجود بابا في كتاباتي. بلمت أمام السؤال لدقائق ثم أخبرته أنني لم أكتب عنه بشكل صريح سوى نص طويل نشرته مع «وزيز». أخرجت النص من هاتفي وقرأناه معًا، ثم أخبرني أن هذا ليس عن بابا بالضرورة وإنما عن الفشل في الحب. نصحني أن أعصر دماغي وأكتب عن أول ذكرى أتذكرها بيني وبين أبي، وأكد لي أنني لو قبضت على تلك الذكرى فلن يحدث تسرب للذاكرة مجددًا.
خلال الأيام الثلاثة الأولى واظبت على الجلوس أمام الصفحات البيضاء، ولكن بلا جدوى. ناورتني دماغي وكأنها تلاعبني استغماية. حاولت الاستعانة بهاتفي، كنت أعرف أن ذلك ضرب من العبث، لأننا لم نلتقط به صورة معًا قط. بحثت ضمن «صور جوجل» في الخاصية التي تفرز بها الصور حسب الوجوه والأحداث المهمة، وجدت عدة صور لبابا، ولكن كانت كلها مجمعة من صور فوتوغرافية قديمة، كنا قد سحبناها بالسكانر ورفعناها على الإنترنت، لأننا لم نجد له صورًا حديثة مُطلقًا. مررتُ على الأحداث الرئيسية في حياتي بسرعة مَن لا يريد الانتباه، حتى وأنا أواجه مخاوف تسرب الذاكرة، لا أريد النظر إلى الفجوات في الصور.
أغلقت الهاتف، وأمسكت ورقة فارغة، دونت أسماء عدة أماكن عامة جمعتني ببابا في صغري: المعهد الديني، معرض الكتاب، مديرية أوقاف البحيرة، ميدان التحرير، محطة قطارات رمسيس، جزيرة النباتات في أسوان، شاطئ النخيل في الإسكندرية. توقفت للحظات، ثم أضفت: بطن الحوت.
يونس في أحشاء الحوت
يا أحشاء كالتابوب
يونس حي ليس يموت..
- نجيب سرور
بعد أسبوع من محاولة استنطاق أول ذكرى أصيلة تجمعني به، كانت الورقة ما زالت فارغة. أخرجتُ رسائله التي بات يتواصل بها معنا مؤخرًا، ورحت أقرأها من غير ترتيب زمني، ثم أدون على الورقة الأشياء التي يذكرها باستمرار. كانت الرسائل تطول وتقصر، وتُكتب على عجل أو بحميمية جارفة، حسب المناسبة وحالته النفسية. في الأعياد تصير معلقة من معلقات التمني والرغبة في احتضان الأبناء والإخوة. وفي الأيام العادية -على افتراض وجودها في حالتنا- تصير بسيطة وقصيرة.
في مرة زارته عمتي الصغرى بعد عودتها من السعودية، ولم يكن رآها منذ عشر سنوات تقريبًا. بعد تلك الزيارة أرسل بابا رسالة في جملة واحدة: كلمات العالم لا تكفيني عن التعبير.. هكذا ظلت الرسائل هي وسيلته للاندماج في الأحداث التي تجري دون أن تتوقف له. رغم أنها دومًا ما تكون مثقلة بالسلامات المعتادة، ثم السؤال عن الأحوال وغيره. إلا أنها تمتد في الكثير منها إلى إسداء النصائح، وتقديم الآراء المفصلية، وأحيانًا دفعنا إليها دفعًا. كدت أضيق بهذا التدخل الغريب في بعض الأوقات، لكنني مع مرور السنوات بدأت أتفهم رغبة بابا ألا يُنسى، وكأنه حريص على تأثيث العالم الخاوي في سجنه، باستدعاء العالم الخارجي إليه، تأثيثًا يشبه ما اعتاده في الخارج، حتى يألف السنوات التي تمضي بلا توقف.
في الزيارات التالية بدأ يطلب مني صورًا لنا في التجمعات وغيره، أراد أن يصير مشدودًا إلى العالم الخارجي. أخذت الصور في عدة زيارات، وتفرجنا عليها معًا. كنا نحكي له حدث الصورة، بينما نجلس في الزيارة على مقاعد حجرية بيضاء، في قاعات طويلة بذات اللون. يبدو اللون الأبيض محايدًا لأول وهلة، لكنه مع تكرار الزيارات، يصير عالمًا فارغًا، يبتلعك بداخله، لا شيء سوى الحوائط والمقاعد، والانتظار. لا يكسر ذلك سوى الأبواب الحديدية السوداء، والتي تنفتح كأفواه، تلفظ المساجين خارجًا، ثم تنفتح مرة أخرى لتبتلعهم عند انتهاء الزيارة. ينحصر العالم في المدة الزمنية بين فتح الباب وغلقه، هذا هو الزمن الوحيد المعلوم لنا من غيبة بابا. كشفتُ له فيما بعد عن رغبتي في كتابة يومياته وذكرياته. أخبرته أنني سأحتفظ بها حتى يحين الوقت المناسب لصياغتها في مشروع كبير. بينما كنت أريد أن أقرأ منه عن حياته التي لم نتشاركها سويًا.
ظل مترددًا في كتابة يومياته، حيث إن الأيام في السجن معظمها يمر خاويًا، ولا يمتلك الزمن قيمة فعلية. ألححت عليه أنني أريد أن أقرأ يومياته. زادت رغبتي تلك مع تنوع الطلبات التي كنا نحاول أخذ إذن لإدخالها له هو وزملائه. كان بعضها من الملابس والأغطية، ثم تنوعت بين المفروشات وبعض الأشياء التي تساعد في الطهو وتخزين الأطعمة، كتأثيث مادي للإقامة الطويلة، يسير قدمًا بقدم مع التأثيث المعنوي. بعد مدة بدأ في إرسال تدويناته رويدًا رويدًا. في البداية كانت اليوميات عبارة عن شخابيط متفرقة، وتسجيل ذكرياته حول أحداث عابرة، لكنها بالغة التأثير مثل أعياد ميلادنا أنا وإخوتي وأولاد أعمامي، وانتفاضة الحجارة، وسقوط بغداد، وانتخابات مجلس شعب 2005. كتب بعض تأملاته عن آيات قرآنية، وخواطر جاءته في أثناء تريضه. ثم بدأ ينتظم في خط أحداث دقيق، بدأه بموت أبيه. قال إن ذلك حدث وهو لم يكمل الرابعة عشر بعد، فجأة مرض جدي ومات دون مقدمات. كتب في رسالته أنه ربما لم يعد يتذكر ملامحه، لكنه يتذكر ما علمه إياه في تلك السنوات القليلة التي صحبه فيها، وأنه كلما استصعب الحياة دون أب، تأمل صورتيه اللتين كان يحتفظ بهما، ليبرهن لنفسه أنه كان موجودًا في لحظة ما.
دفعني كلامه عن وفاة جدي -والذي كنت أعرفه لأول مرة- إلى البحث عن صورتي جدي اليتيمتين، وكذلك صور بابا في اللحظة التي فقده فيها. كنت أعرف أنه يحتفظ في حقيبته السمسونايت برزم كثيرة من الصور والألبومات. أخرجتها من الدولاب، ووضعتها على مكتبي، ورحت أقلّب فيها. أخرجت الصور، وفردتها أمامي. كنت قد تفرجت عليها مرات كثيرة، وحدي، أو بصحبة إخوتي، رغم أنها تتجاوز الخمسمئة صورة. لكنني أعود إليها هذه المرة كصانع فسيفساء، أحاول أن أشكّل منها، مع يوميات بابا، لوحة كبيرة تسد جوعي لوجوده معي. بدأت بترتيبها، لأكتشف أنه بدأ في تجميعها بها منذ نهايات الثمانينيات تقريبًا.
لم أعرف كيف حصل بابا على كاميرا، رغم تنشئة الفقر القاسية التي مر بها، لكنه احتفظ بصورة واحدة على الأقل لكل فرد من أقارب الدرجات الأولى والثانية، وأحيانًا الثالثة. مع التقدم في الزمن كانت تزداد الصور في العدد والجودة. في الثمانينيات والتسعينيات ظهرت صور دراسته، ورحلات متعددة مع رفاقه، وصور قليلة جدًا لأمي، ثم في الألفينات أخيرًا بدأنا نظهر نحن واحدًا تلو الآخر. استغرقت أيامًا في تفنيد الصور وتنظيمها، وكتابة على ظهر كل صورة أسماء الواقفين فيها، وتاريخًا تقريبيًا لالتقاطها، واستعنت في كثير منها بعمتي الكبرى وعمي الأوسط، وكأنني قررت بلا وعي أن أصنع تأريخًا شخصيًا لأبي.
في النهاية، نظمت الصور في أربع مجموعات. في الأولى وضعت كل صور الأقارب التي لم يظهر فيها أبي. كانت بعض الصور متآكلة بسبب قدمها، وكثير من شخصياتها غير معروفة بالنسبة لي، فاستعنت بعمي الأكبر لمعرفتهم وتدوين أسمائهم في الخلف. في الثانية وضعت كل الصور التي ظهر فيها بابا مع أقاربنا. بدأ يظهر بابا في الصور وهو مراهق، قرابة الخامسة عشر تقريبًا، في البيوت الطينية التي سكنوها قديمًا، وفي بعض الحقول، وبعض الأعراس، خاصة أعراس إخوته الأكبر، وبعض الصور النادرة التي تجمعه بأبنائهم في مراحل الطفولة المختلفة. وفي المجموعة الثالثة، أدرجت صوره مع أصدقائه. كان قد ازداد طولًا واخضرت ذقنه، كانت له صور طريفة مع أصدقائه، سواء في كلية الدعوة بجامعة الأزهر، أو مع بعض الأجانب في رحلاتهم في سفح الأهرام أو متاحف القاهرة. لم يبد بابا فلاحًا أغوته المدينة وإنما بدا عليه حب الاستكشاف والحركة الدائمين.
في المجموعة الأخيرة رصصت كل الصور التي تجمعه بنا -زوجته وأبنائه- بداية من صور الخطوبة والعُرس ثم صورنا المتفرقة والرحلات المختلفة. كان النصيب الأكبر في هذه المجموعة لرحلة طويلة إلى أسوان، في 2006، كنا سعداء في كل الصور، ونعشق الحياة كأي أسرة صغيرة لا يقلقها مرور الزمن. أعدت الصور المؤرشفة إلى الحقيبة السمسونايت. يبدو أنني محبوس في لحظة ما لا أستطيع تجاوزها مثلما لا يستطيع بابا تجاوز الجدران التي تقيده، رغم مقاومته ومقاومتي، بكل ما يمكننا.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن