أن تحكي رواية إدريس علي
هذا النص ضمن العدد 10# من «مُنتهى الأدب»
انتمت جميع حكايات جدتي، الحقيقية منها والأسطورية، إلى بلاد النوبة الغارقة خلف السد. وبعد إطلاق بث القناة الثامنة سمعتُ في برامجها حكايات مشابهة على ألسنة متخصصين في التراث والناس العاديين. كرّس أيضًا ما قرأتُ من المُتاح من الأدب النوبي والأنشطة الثقافية في الجمعيات النوبية والأسر الجامعية لتلك الصورة المثالية عن الحياة في بلاد النوبة القديمة؛ عالم بعيد في المكان والزمان بحيث يبدو أسطوريًا لا يمكن الانتماء إليه، أو حتى تخيله بعيدًا عن عالم الحواديت، وتحديدًا حواديت قبل النوم. التصديق الشديد لتفاصيل هذا العالم كان دافعًا للتمرد عليه مع الوقت، ومع تكوين عقلية ناقدة لكل ما نسمع وخاصة من الكبار.
لم تكن بذور العقلية الناقدة نبتًا شيطانيًا في رأسي، بل كانت بسبب ما يتسرب من حديث جدتي عن شعورها بالامتنان لوجود صنبور للماء في بيتنا، أو دخول الغاز الطبيعي لشقتنا، أو لالتحاقنا بالتعليم المدرسي والجامعي، أو حتى عودتنا ليلًا من الخارج سالمين. تلك الأشياء التي أتعامل أنا، النوبي المولود في القاهرة، كمقومات أساسية للحياة دون أي ميزة. ما معنى أن يحتفي أحد مواليد الفردوس المفقود بصنبور مياه متاح في المنزل وكنز معرفي جديد في بداية الألفية الجديدة باكتشاف الإنترنت! وهو اكتشاف فشلت في شرحه لجدتي، فالنوبة والإنترنت حتى عام 2003 لم يجمعهما سوى عنوان عرض مسرحي على مسرح الهناجر اسمه «نوبة دوت كوم».
العرض بدأ بظهور شخص نوبي يجلس على مقدمة يمين خشبة المسرح على مكتب أمام جهاز كمبيوتر يعمل على إنشاء موقع إلكتروني عن النوبة. بينما تتوالى الأحداث بين الماضي والحاضر في عمق خشبة المسرح. حل مسرحي من ابتكار المخرج ناصر عبد الرحمن لتفسير ما هو الإنترنت بصريًا، تمنيت لو كانت جدتي معي لتشاهده. العرض كان مستوحى من ثلاثة أعمال أدبية للكاتب النوبي، إدريس علي، وهي: النوبي، دنقلة، واللعب فوق جبال النوبة. لم أكن قرأت أيًا منها، وفوجئت بوعي النص الشديد بالتفرقة بين شعور الحنين للنوبة الغارقة والوعي بمشكلات الحياة الناتجة عن شظف العيش هناك حتى قبل بناء الخزان والسد. وهو ما خلق لدي فضولًا لقراءة أعمال إدريس علي، بل وتبديل أدوار المشهد الكلاسيكي لطقس حكايات قبل النوم بين الجدة والحفيد، لأحكي لها عن إقليم الكنوز الذي ننتمي إليه مثل الكاتب، لعل تغيير قواعد تلك اللعبة ينتج لنا معرفة جديدة بحقيقة عالم حواديت ما وراء السد!
كانت جدتي في تلك الأيام شديدة الحنين للبلد القديم وحكاياته وشخصياته، بل وكانت تنادي في أثناء نومها على أقارب لها تجمعها بهم ذكريات هناك، ولكنهم رحلوا منذ زمن بعيد. عرضت على جدتي أن أحكي لها حكاية قبل النوم من كتاب حكايات كتبه أحد أصدقائي. سألتني عن ماذا تحكي تلك القصص، فأخبرتها أنها عن البلد القديم. فوافقت بحماس ودعتني إلى حجرتها قبل موعد نومها لأحكي لها الحكاية. لم أقرأ لها القصة بالفصحى، بل بسطت مشاهد القصة بعامية مصرية مُبسطة تتخللها بعض الكلمات النوبية القليلة التي أعرفها. بطل القصة هو طفل يسميه أهله بـ«إبليس» -بسبب شقاوته الزائدة منذ مولده- وهو يحاول إقناع أهله بمغادرة البلد القديم إلى الشمال.
تحمست جدتي لهذا المدخل ظانة بأنها أمثولة أخلاقية عن عاقبة تمرد الصغار على كلام الكبار. فماذا يمكن أن يحدث لبطل قصة اسمه إبليس سوى أن يُحرق في النار في نهايتها! لم تنزعج من تماديه في الشكوى من شظف العيش في النوبة القديمة، بل ضحكت معه بالتواطؤ اتفاقًا معه على صعوبة العيش، ولكنها كانت تسبه أيضًا تنفيسًا عن الشعور بالذنب لقول ذلك علنًا وتشكيكه في أسطورة الفردوس المفقود. إلا أن سير الأحداث لمصلحة إبليس أشعر جدتي بربكة، ثم امتعضت وتململت من القصة قبل أن توقفني وتطلب مني تغيير هذه القصة بقصة أخرى. أخبرتها أنها القصة الوحيدة الموجودة هنا في الكتاب. فمدت يدها طالبة مني إعطائها الكتاب وهو ما فعلتُ. قلّبت فيه قليلًا ربما بحثًا عن صور، ثم سألتني عن اسم الكاتب وعن قريته وقبيلته، وإن كان قد أعطاني النسخة الوحيدة من الكتاب، فقلت لها إنها واحدة من آلاف النسخ التي طبعت تحت شعار القراءة للجميع، وباستطاعة من يملك سعرها الرمزي أن يمتلك نسخة ويقرأ محتواها، فصعقت وظلت تكرر «جِرسا جِرسا!».
الجِرسا بكسر الجيم المعطشة هي النطق النوبي لكلمة «جُرسة» العامية بضم الجيم غير المعطشة والمشتقة من طقس التشهير بالمذنبين الذي يعود إلى عصور قديمة، عندما كان يوضع المذنب مربوطًا على حصان أو حمار جالسًا بالمقلوب ومعلق في عنقه جرس يرن كلما تحرك وهو يجر بالشوارع في موكب ليصبح عبرة لمن يرى ويسمع. سألتني كيف تعرفت على الكاتب، فأخبرتها عن المسرحية ولقائي به بعد العرض وتقبله بصدر رحب ما ذكرته من انتقادات للأداء التمثيلي النمطي -المقلد لعلي الكسار- في المسرحية مع إعجابي الشديد بالسرد. ثم أخبرتها بدعوته لي لحضور لقاءات دورية في جمعية التراث النوبي بحي عابدين. وكيف وجدته رافضًا بشكل واضح جميع الدعوات المطالبة في ذلك الوقت بالعودة للعيش في بيوت وقرى التعويضات، وبيعه للمنزل الذي مُنح له تعويضًا عن التهجير بمجرد استلامه، دون أن يتخلى عن انتمائه للثقافة النوبية واعتزازه بها.
هنا تعجبت جدتي لأنها كانت تظن أنه من عمري وليس من عمرها هي ممَن شهدوا التهجير! لكن تلك المعلومة أعادتها إلى الكتاب مرة أخرى، ناظرة إلى سطوره بنظرة أقل تحفزًا عن ذي قبل، ربما بحثًا عن أسباب لرفض إدريس علي لأسطورة الفردوس النوبي المفقود!
لم يكن في نيتي وقت قراءة الرواية لجدتي سوى تحدي أسطورة الفردوس المفقود، لكني عندما أقرأ الرواية اليوم أجد أن هذه الأسطورة بالنسبة لإدريس علي لم تكن أكثر من وسيلة تعويضية لإحباطات الأقليات المُنغلقة. فهي تشبه ألاعيب التفوق العرقي التي تمارسها قطاعات من شعبنا المطحون ضد بعض كالأصل التركي والشركسي والبحر متوسطي والانتساب إلى آل بيت رسول الله. وهي رد فعل طبيعي تجاه التهميش والشعور بانتهاك الحقوق الأساسية للعيش. أدرك ذلك إدريس علي بمجرد انتقاله إلى القاهرة ومعاناته للحصول على مكانة في مكانه الجديد. وقد وجدت ذلك فيما بعد بقراءة أعماله الأولى التي خرجت مشحونة بذلك الوعي. كأنه يقول عبرها: أنا لستُ حالة خاصة، بل أنا مهمش مثل كل تلك الفصائل، ولن أنسى أنني أتيت هربًا من جحيم في الجنوب إلى جحيم آخر في الشمال. فكتب قصص مجموعتي «المبعدون» و«واحد ضد الجميع» عن عوالم ملغزة المكان والزمان للتأكيد على أننا جميعنا في الهمّ سواء، باستثناء قصة «ذئب الجنوب الكاسر» التي أفصحت عن نوبيتها بشكل غير مباشر بذكر أسماء مثل ذهبية وكنود وعثمان وبعض عناصر الطبيعة النوبية كالنيل والنخيل. وكانت تلك القصة بروفة جيدة لكتابة رواية النوبي، بعد محاولة غير موفقة تسببت له في مشكلات نابعة من سوء الفهم في رواية دنقلة، عندما لم يستطع البحث عن اللغة الروائية المناسبة التي تعبر عن جموع المهمشين بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية والعرقية والثقافية.
يبدو أن إدريس استعد جيدًا لهذا التحدي. فاختار لحظة التهجير نفسها لتكون مسرح معظم أحداث الرواية. من بداية النوبي وحتى قبل الفصل الأخير وحّد إدريس علي الجميع ضده. أعلن عن موقفه الرافض للتهجير القسري ولجفاف الحياة في الجنوب وصعوبتها ولأسطورة الفردوس المفقود خلف الخزان، ولسرديات نوبيي السودان عنها، والموقف الرسمي الجاهل بطبيعة البلاد وتاريخها ولغتها وثقافتها، وللموقع السيئ الذي قُدم كوطن بديل للنوبيين. ثم عاد في الفصل الأخير وقدم موقفًا متفهمًا لكل موقف رفضه طوال الرواية.
وجد إدريس علي في تقنيات الأدب ما يجعل قارئه يستمع إليه حتى النهاية. فتت مركزية الحكاية التي اعتمد عليها في أعماله السابقة، واعتمد على تعددية الأصوات بفرص شبه متساوية بطول الرواية. فـ«إبليس» بطل الرواية شاب صغير يحلم بترك البلد القديمة والانتقال إلى القاهرة أو أسوان المدينة للدراسة والعيش هناك. وبالإضافة إلى تجنيده من قِبل منظمات الشباب الحكومية التي اعتمدت على شباب بلاد النوبة لإقناع أهليهم بضرورة الانتقال إلى البلد الجديدة، كان لديه الدافع الشخصي لذلك. شعر بالحنق فقط عندما وجد نفسه عاجزًا عن الإتيان بكلبه على متن العبارة تنفيذًا للتعليمات.
أما جده فكان رافضًا لفكرة التهجير برمتها، مفضلًا الاختباء والعيش بعد ذلك بمفرده مواجهًا الطوفان ومعتصمًا بالجبال كي يظل قريبًا من النيل الذي يقدسه، ولكنه يوافق في النهاية لو سُمح له بالذهاب إلى البلد الجديد سباحة. ظلت جدتي متحدة مع الجد في موقفه هذا ونعتته بـ«الراجل العاقل والراجل المحترم»، حتى ظهرت شخصية حفيدته أخت البطل المتمردة والتي كانت توكل إليها جميع المهام الشاقة كالإتيان بالماء من النهر بمفردها، ثم ملء الأزيار والقلل والسبل، ثم الجلوس صيفًا بالساعات أمام الأفران لإشعال الوقود دون مساعدة من أحد، وعندما همّ إبليس بمساعدتها أوقفه الجد بأن هذه ليست مهام الرجال، فقالت الأخت: نعم فمهام الرجال أكبر وأهم كلعب السيجة والسباحة في النهر! ضحكت جدتي كما لم تضحك من قبل على هذا المشهد، وأصبحت تنتظر ظهور هذه الشخصية مرة أخرى، وهي الوحيدة التي تفهمت جدتي سعادتها البالغة بالتهجير إلى الدرجة التي دفعتها ليكون تحطيم الأزيار في طريقها إلى العبارة هي آخر ذكرى لها في الفردوس المفقود!
في الأيام السابقة للتهجير يكشف لنا إدريس علي مواضيع الساعة التي تشغل سكان هذا الوادي المنعزلين عن العالم. فداخل تلك التركيبة السكانية المنتمية في معظمها إلى نفس العرق، يمارس نوع آخر من التمييز العنصري عن طريق الأنساب، فهناك قبائل أرقى وقبائل أدنى. يحكي إدريس لنا عن «كنود الأرمود» الذي يهزأ منه الكبير والصغير لعودة أصوله إلى قبائل من خارج الوادي، من كردفان أو دنقلة. تزداد المفارقة عند وصول القرية ضيف على أعلى مستوى يحمل الجنسية الإنجليزية يسأل عن نفس ذلك الكنود ويحضر له الهدايا ويعرض عليه أموالًا نظير الحصول على صندوق أثري يحتوي على تذكارات عائلية.
الأصل السوداني لذلك الضيف الإنجليزي يشحن أهل القرية ضده وضد كنود، ويزداد الأمر سوءًا عندما يحدثهم عن نوبيين آخرين يدعي أنهم أكثر أصالة منهم يسكنون جبال النوبة في الجنوب. يعرض إدريس علي هذا التنابز بالأنساب كعرض لمرض العزلة والانغلاق. ويضع صورة أخرى في مقابل تلك بعد التهجير عندما يندمج الجد النوبي مع سكان النجوع شمالًا من الصعايدة والجعافرة في فطيرة ودراو وسلوة، حيث يخرج كل فصيل أفضل ما عنده ليقابل به الآخر. يقابل كبيرهم الجد في أول لقاء: «زمان ذهب أجدادنا إليكم فنوبتوهم، والآن جئتم إلينا وسنعربكم». فيرد الجد «أنتم تلقنوننا العربي ونحن نعلمكم الرطانة (اللغة النوبية) فمن تعلم لغة قوم أمن مكرهم».
- لا مكر عندنا.
= ولا نحن.
- صافي يا لبن؟
= حليب يا قشطة.
- الفاتحة.
= الفاتحة.
نفس الملامح. كبيرهم مثل عمدتنا. وجدي يتكرر في عشرات الملامح. بعد هذه الوليمة صرنا كأننا أهل أو قبيلة تفرقت وتشتت فتاهت عن بعضها ثم تجمعت فكانت الفرحة.
تلا هذا المشهد مشهد بطولي للجد استطاع فرض شخصيته على قبائل العرب برأيه الصائب وحكمته البالغة في حل أحد النزاعات. وهو ما نصبه عمدة وحاكمًا فعليًا للبلاد الجديدة. قاطعتني جدتي هنا للمرة الأخيرة لتذكرني بجدي -أبيها- عمدة قريتنا وحكت لي بعض مآثره التي تشبه بطولات جد الطفل بطل الرواية. وتركتني أحكي لها باقي أحداث الرواية بسلام حتى بعد تطرقها للحر الشديد والجفاف الذي كاد يذهب بعقول أبطال الرواية دون أن يقضي عليهم، بل استطاعوا التكيف معه كي يعيشوا في هذه الظروف الصعبة بكرامة وحب كبير للحياة.
وتوتة توتة فرغت الحدوتة. كومّا آشري ولا غرّي؟
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن