أنفاس تُدَرِي الأدبية
#124 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في هذا الديتوكس يستلهم يوسف رخا، بشكل ساخر، صورة الكاتب كما جسدها فؤاد المهندس في مسرحية «حواء الساعة 12» (1968) ليكشف، بسلاسة وذكاء، مشاكل معاصرة تخص الأدب، وذلك انطلاقًا من تجربة ذاتية بدأت -كالعادة- من اللغة، ثم سعت أمورًا ومعوقات أخرى.
#دليل #قراءة
يوم قررتُ أن أكتب رواية كبيرة بالإنجليزية في بداية عقدي الرابع على الأرض، لم أشعر بحاجة إلى تبرير نفسي. الإنجليزية هي الأخرى لغتي، وبشكل أو آخر هي لغة من لغات القاهرة: موضوع كتابتي خلال العقد السابق على ذلك، في الفترة من 2006 إلى 2016 مثلًا، والتي أنجزتُ خلالها تقريبًا كل رصيدي الزائل من الأدب.
قبل وأثناء هذه الفترة، بالتوازي، كنت أعمل في الصحافة الثقافية. لسنين كانت معظم كتابتي الأدبية بالعربية ومعظم كتابتي الصحفية بالإنجليزية. وهكذا. الإنجليزية معي منذ المهد.
ومنذ قررتُ أن أكون كاتبًا أثناء دراستي الجامعية في إنجلترا، دونما أفكر لحظة لا في أكل عيش ولا في جمهور قراء، وأنا أقرأ وأكتب باللغتين. خلال عقد من النشاط الأدبي المتواصل كنت أنجزتُ كتاباتٍ أدبية كثيرة بالعربية، بما فيها رواية كبيرة اشتغلتُ خلالها باللغة كلغة. لكن أهم شيء: أدركتُ أني لن أكتب أبدًا لجمهور معين.
في الجامعة ربما كنت سأصبح أحد تلك المخلوقات الخرافية: مؤلفًا مشهورًا له جمهور واسع. لكن الآن لم يبق في رأسي مثال على ذلك الشخص إلا المرحوم فؤاد المهندس في دور سامي الباجوري، كاتب القصص الذي يجلس إلى مكتبه على خشبة المسرح ويصيح، عن بطل روايته، «وقال تُدَري»، ثم حين يُعلِم ناشره عبد الله فرغلي بعنوان الرواية، «ماشي كده وعينه مني»، يبتهج الأخير بشدة ويظل يقول «الله» ونحن نفطِس ضحكًا.
لا أنكر طموحي في أن أُقرأ وأشتهر بل أكسب جوائز تعمل لي رصيدًا بنكيًا، لكني لا أكتب إلا لأفعل ما يفعله الأدب (حتى لو كنت أفشل في ذلك). أكتب لأنقض الواقع بالضاد وليس لأنقده فقط، لأتجرأ على التاريخ والمسلمات وكل ما هو نائم في مكانه. وأنطق بما لا يقال.
وليست هذه مثالية وحركات في الحقيقة. كل الحكاية أني لا أكسب عيشي من الأدب، ولا أحب الأدب الذي يُكسب عيشًا. خلال النصف الثاني من الألفينيات (وبالذات بعد 2011)، كنت تعلّمت أنه لكي يكون على كتابتي إقبال واسع لا بد من سبب أو أكثر. والحقيقة أني مهما حاولت لن أستطيع أن أحقق هذه الأسباب.
أنا لستُ معنيًا بالشروط الثابتة لطريقة كتابة أو نوع أدبي لا يُسمح لي بالمنافسة على جوائز معينة ما لم أمارسه. لستُ معنيًا بتسلية قارئ عابر عن طريق تقليد مسلسلات التلفزيون، أو فتح خط إنتاج أشياء ممضوغة إن لم تكن منقولة يباع منها بـ«الهَبَل». ولستُ معنيًا بتحويل الأدب إلى بروباغندا (مهما كانت راقية) في خدمة مشروع سياسي أو مشروع مضاد.
لكن -وهذا ما لم يخطر لي يوم قررتُ أن أخوض تجربة رواية بالإنجليزية- لستُ معنيًا بالهجرة إلى حيث تُنشر كتب مهاجرين أمثال خالد حسيني أو فيت ثان نوين غايتهم تأكيد عظمة المكان الذي هاجروا إليه في مقابل بشاعة المكان الذي هاجروا منه. لذلك، حتى يوم قررتُ أن أكتب بالإنجليزية، ظللتُ على خيبتي.
هذه الفكرة المتوارثة عن شخص يؤلف قصصًا ينشرها فتُباع بما يُتيح له حياة كريمة ويجعله عَلَمًا في محيطه: يبدو لي اليوم أنها ليست فقط ساذجة ولكن فيها تضليل متعمّد، وتصدير استباقي للإحساس بالفشل إلى كل مَن يريد أن يكتب شيئًا فريدًا أو خاصًا أو لم يُكتَب من قبل.
وليست القضية قضية «كتابة جادة» أو صعبة في مقابل تسلية أدبية أو «بست سيلر». القضية قضية هياكل دعاية وتوزيع قد يساهم «الذوق العام» في إنتاجها كشرط استهلاكي ضمن شروط أخرى لكنها -في ما يخصني على الأقل- تظل أقرب إلى جيوش الاحتلال منها إلى الصديق الحميم الذي أحلم به كقارئ. وأظن أن تجاهلها في صميم علاقتي بالكتابة.

المسألة تفاقمت وتعقدت خلال العقد الذي مارست فيه نشاطي بالذات، والذي تبنى فيه المجتمع النسق الاستهلاكي الغربي أكثر فأكثر، وبدأت الأشياء المعنوية تُقَيّم حسب قدرتها على توليد ربح من خلال معادلات مالية مجردة تطبّق لصالح كيانات احتكارية.
انقرضت عمليًا الصحافة الثقافية التي هي مهنتي، وتحول ناشرو الأدب من مثقفين يلعبون دور الوساطة بين الأدباء ومحيطهم الاجتماعي والاقتصادي إلى بقالين مهووسين بالجوائز وحقوق الملكية، وانحسر قراء الأدب المغامرين، الصابرين على تطور ذوقهم لصالح مستهلكي كتابة يتعاملون مع الأعمال الأدبية على «غودريدز» كما لو كانوا يقيّمون خدماتٍ مدفوعةً تقدمها شركات هادفة للربح.
وكلها أمور تطورت وتسارعت وتيرتها بعد آخر ضربة وُجّهت إلى الدولة المركزية والمجتمع الشمولي سنة 2011. لكن مع فرحي بتلك الضربة وإن ضل الحراك طريقه أو هُزم، يبدو لي أنها كانت إيذانًا باستعمار المجال الأدبي من جانب رأس المال.
فعلى عكس ما يُقال لنا، ليل نهار، عن حرية واتساع العالم الديمقراطي في مقابل تخلف العالم الإسلامي، مثلًا، أو لا-إنسانية التجارب الشيوعية، وَجَدتُ أن آليات العولمة الفاعلة في الأدب الخارج من بُلداننا استشراقية فعلًا، وهي بهذا المعنى مؤدلجة أكثر من آليات المجتمع الشمولي أو مصر قبل العولمة.
في التسعينيات على الأقل كانت هناك هوامش للتجاوز والاختلاف بمعانٍ حقيقية وليس كاختيارات استهلاكية داخل فضاء قيمي موحّد يحول حتى الثورة إلى علامة تجارية. كانت هناك مساحة وإن ظلت هامشية للأدب كطاقة إبداع وتغيير، وليس كمنتج آمن «قد يحتوي على مكسرات».
اليوم في ظل اقتضائنا الواعي وغير الواعي بالغرب، ليست «عقدة الخواجة» وحدها، أو الشركات العابرة للقارات وحدها، أو الانبطاح السياسي المجاني وحده، ولكن، وبالأخص، الافتراض الدائم، المتناقض والكسول، أن الصواب والحق وحتى الجمال هناك لا بد أن يكون صوابًا وحقًا وجمالًا هنا – تقلصت مساحة البحث عن أنفسنا داخل ثقافتنا نفسها.
ضاقت المجالات التي يمكن أن نولّد من خلالها مساهمة تخصنا في التجربة الإنسانية. وكما حدث في الغرب أيضًا بات نجوم الأدب عندنا شيئًا وهميًا بالمعنى الحرفي للوهم.
حتى إن وُجدوا فهم إما آثار أزمان غابرة أو هم «ماركة» تُستخدم في بيع أكبر كمية في أسرع وقت بغض النظر ليس عن جودة البضاعة ولكن أصلًا عن ماهيتها، أو هم شخصيات عامة دورها تأكيد المبادئ القائمة والمسلمات، وليس طرح الأسئلة وتخريب الثوابت أو خلق لغة إن لم يكن دنيا جديدة.
لم أشعر بحاجة إلى تبرير نفسي. ولم أشك في أن المشروع الجديد خارج من نفس المكان، من فهمي للكتابة كنشاط يصعب أن يكون له استخدام: أن يعبّر عن موقف ما من موضوع ما أو أن يباع منه عدد نسخ معين أو أن يكون ملحقاً لدور يمثّله الكاتب، وليس من مكان طموح عملي.
على الأقل هكذا فكرت. وهذه المرة أيضًا لم أسأل نفسي عن المردود المادي للساعات التي سأمضيها جالسًا إلى مكتبي أقول «وقال تدري» ولا للعبقرية الكامنة وراء عنوان مثل «ماشي كده وعينه مني». ولا أعرف لماذا افترضت أني سأجد مساحة ما هناك -في أمريكا أو إنجلترا- مثل تلك الضيقة، الهامشية التي وجدتها هنا.
لعلني تخيلت أن الحرية الشخصية والكلام عن ضرورة الانفتاح على الآخر سيوفران من اتساع الهوامش ما يمكن أن يدعم كتابتي، لكني اصطدمت بنفس المأساة يا أخي. هذه أعراف تجارية إن لم تستبعدني تمامًا فهي جاهلة بتاريخي وجغرافيّتي، وهي شديدة السعادة بجهلها.
إنهم لا يريدون صوتًا أدبيًا من مصر يتعامل بعمق أو شفافية مع خبرته المصرية بقدر ما يريدون إيماءات أو ألوانًا إن لم تكن في صورة ترجمات لبعض أكثر النصوص المصرية سطحية وأقربها شبهًا إلى صورة مصر كما تظهر في نشرة الأخبار (إن ظهرت) فيفضّل أن تكون لأبناء مهاجرين لا يتميزون عن سواهم بغير لون البشَرة وشعور بالدونية باتت تجارته مربحة.
يريدون نفس الحكاية عن تفوق الغرب وانتصاره للحرية والحضارة. ويريدون أشياء كغيرها لا تدهش أو تغضب أحدًا، ولا تقول لأحد إلا ما يعرفه.
هذا كله اكتشفته تدريجيًا، ومن أول وجديد، في السنوات الأخيرة. كنت نسيتُ ما حصل معي أيام الجامعة.
هناك في الثامنة عشر مثلًا كان تجاور لغتين يلوّن علاقتي بالعالم ويُعقّد نظرتي إلى أي شخص أوجه له كلامي، دعك من قارئ أو جمهور. فالتفاصيل والأخلاق والأعراف وقراءتي لها تختلف من مكان إلى الثاني ومن لغة إلى لغة. قد أنتظر هنا ما لا يوجد إلا هناك أو أتوقع هناك ما تعوّدتُ على وجوده هنا. وطول حياتي بهذا المعنى سأشعر بدرجة أو أخرى أني إنسان مترجَم، وهو ما سيفاقم الغربة الوجودية التي تغذّي كتابتي.
لكن كانت هناك غربة أصعب لم يخطر لي أبدًا أني سأعود أحسها في معرض ممارسة نشاطي الأدبي كرجل فوق الأربعين.
أكثرَ من الغبن العنصري أو الوَحدة والفقر والارتباك، كان أصعب شيء في تجربة إنجلترا هو الإحساس بأنني غير ذي صلة أو خارج على الموضوع، زائد على الحاجة. أن تفاصيل حياتي وتاريخي والأشياء التي أعرفها هي آخِر ما يمكن أن يشغَل المحيطين بي أو أن علي، لكي ألفت انتباههم، أن أتشبه بهم أو أمثّل دور شخص يعنيهم على نحو ما.
وكان الإحساس هو أن الناس لا تهتم بما عندي أو ما يمكن أن أقدمه ليس نتيجة صفاتي الشخصية ولا حتى لوني أو لكنتي ولكن -وبالتحديد- نتيجة المكان الذي فيه بيتي.
سيعود هذا الإحساس ويتكرر في أكثرَ من سياق وموقف أثناء السنة التي أمضيتها أعمل في الخليج.
وسيعود أيضًا، وبصورة تثير الغضب أمام النضال العربي المعاصر، حيث استُبدل بالانتلجنسيا التقليدية نشطاء تقتصر معارفهم ومناهجهم على عالم افتراضي محكوم بالقيم الغربية نفسها التي أتعبتني في إنجلترا وأبو ظبي، وحيث المقولات السياسية والأخلاقية تُستورد كما هي دونما حتى تُبحث بالرجوع إلى واقع مختلف عن الواقع الذي أنتجها.
خلال نصف عقد أكملتُ فيه الرواية على مرحلتين وحفيتُ فيه بحثًا عن وكيل أدبي وما إلى ذلك من بروتوكولات مفتعلة وسخيفة صُمّمت بافتراض أن الكتابة تجارة مربحة -الرواية ما زالت لم تنشر!- كان الدرس الأقسى هو أن لا مكان لي في المجال الأدبي الإنجليزي. ليس فقط للأسباب السابقة: كون كتابتي أعقد قليلًا من روايات عبير أو أكثر التباسًا من تقارير المنظمات الحقوقية.
ليس لي مكان أيضًا -وأساسًا- لأني هنا ومن هنا وأكتب عن هنا، في ذلك المكان الذي فيه بيتي. لعل هذا ما قاله تُدَرِي، وكما واصل «الأستاذ سامي»؛ «قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة»:
فكما أن القضية ليست قضية «كتابة» في مقابل تسلية، كذلك السؤال ليس سؤالًا عن الجمهور أو الذوق العام. السؤال سؤال وجودِ آخَرَ مستقلٍ فعلًا عن الذات المتسلطة، المصممة على نفيه، أو صوتٍ له سيادة: هوية إنسانية معاصرة ومركبة، وليس نغمة سطحية ضمن لحن يعزفه شخص لا يشبهني. ولا أريد أن أكونه.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن