تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أنطولوجيا جز الشعر»

«أنطولوجيا جز الشعر»

قراءة شخصية في أحد فصول كتاب «في أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال

كتابة: هبة كمال 9 دقيقة قراءة

ما زال أبي يرقد في غرفة العناية المركزة بمستشفى النيل بدراوي على كورنيش النيل بالمعادي. انتهت الزيارة الأولى في الثانية ظهرًا، وأصبح لدي بضع ساعات حتى السابعة، وهو ميعاد الزيارة الثانية. أقضي تلك الساعات في المشي حتى أصل إلى حد الإنهاك، أتوجه بعدها لمقابلة ابنة عمتي لأشرب كأسًا من النبيذ. أنتظر هذا الكأس طوال اليوم، عيناي مرهقة من البكاء، لا أنام سوى ساعات قليلة كل يوم، ساعات ممتلئة بالكوابيس والألم والندم. لم أكن أقوى على تناول الطعام، يتخلل تأثير الكحول بعد أول رشفة، يسري خدر محبب إلى جسدي، أشعر بالخفة وكثير من الهشاشة ولكنني لا أمانع، أضحك على ذكريات كانت تجمعني مع أبي، كانت معظمها مأساوية عندما تشكلت، والآن أضحك عليها من كل قلبي.

في اليوم الثالث وبعد مغادرتي المستشفى وجدتني أتصل بمصفف الشعر اللبناني المفضل لي، لأعلمه بقدومي لزيارته. «شيله كله، عاوزة أبتدى على نضيف» أقولها بثقة. قد أندم بعد ذلك، فقد أمضيت آخر سنتين في محاولات مستميتة لاستعادة شعري الطويل المموج، وها قد وصل إلى منتصف ظهري الآن. يسألني عن ما بي، فأخبره بمرض أبي، يتمنى له السلامة، فأرد ببرود بأنه يحتضر فلا داعي لتجميل الأشياء.

أقرأ - بالتزامن مع السنوية الثانية لأبي -كتاب إيمان مرسال «في أثر عنايات الزيات». تصف إيمان قرار عنايات بتغيير شكلها قبل انتحارها بأنها «تحضر غضبها وجرحها الداخلي والهلع الذي يسيطر عليها إلى ما تراه أمامها، إلى وجهها في المرآة، أمسكت مقصًا وجزت شعرها، إنه شعرها على أي حال، جزء من هويتها». تستطرد مرسال وتتساءل لم لا تؤرخ لحظات اليأس وجز الشعر، أو «أنطولوجيا جز الشعر» كما وصفتها هي.

«… لحظة مواجهة المرآه وتجسد الخواء، لحظة الرغبة في تغيير الذات بعقابها وتشويهها والتخفف من أحد ملامحها، تمر اللحظة، تشعر المرأة بعبث ما فعلته، يزداد غضبها، تهدأ، تدخل مرحلة اليأس المستتب وتكون هي نفس المرحلة التي يحتاجها الشعر لينمو» (في أثر عنايات الزيات).

تنتابني مشاعر مختلطة حين أقرأ هذا الجزء. فهو بالتأكيد يصف ما أشعر به بدقة شديدة، قد أستعمل نفس المصطلحات والتشبيهات إن كنت أملك تلك المهارة في اللغة. ولكنه أيضًا يعيد إنتاج صورة المرأة التي تمر بأزمة شديدة فتجري على المقص لتشوه نفسها. صورة كان معظم من كتبها أو أخرجها على الشاشات رجال. تحكي لنا إيمان تاريخًا مصغرًا من أنطولوجيا جز الشعر، فتحدثنا عن ملك حفني ناصف وجز شعرها بسبب معايرة نساء قبيلة الرياح بالفيوم لها بأنها عاقر. ولطيفة الزيات وجزها شعرها اكتئابًا، ودرية شفيق وجزها شعرها بيدها احتجاجًا. يرتبط جز الشعر عند النساء دائمًا بالضعف أو التشوه أو الاعتراض. ألا يجز الرجال شعورهم أيضًا «على الزيرو» في تلك اللحظات؟ ربما..

 تدعونا إيمان لتوثيق تلك اللحظات، نحن، النساء بأيدينا لتتبع آثارها. لنخلق أنطولوجيا تصفها إيمان بأنها «لا تحتفي بإنجازات الجدات ولا تطمح إلى صنع شجرة نسب أمومية تؤرخ للآلام ولقدرات الروح الإنسانية على تحدي العقبات» ، بل أنطولوجيا نكتبها نحن، «نخلق شيئًا عجيبًا» تشبهه بكتب التراجم العربية الكلاسيكية. فنؤرخ بطريقة كتابها تجاربنا، نخرج عن الموضوع تارة ونرجع مرة أخرى. فتحكي أقلامنا عن شعورنا وعنا وربما عن من سبقونا أيضًا.

image.jpeg

أفكر بأنني أتخلى عن شعري ليقيني بأنه سينمو مرة أخرى، أمر بمرحلة «اليأس المستتب» حتى يبدأ شعري في التعافي. أخبر الجميع بثقة عن رغبتي في شعر طويل مرة أخرى، ثم أفاجئهم بشعر مجزوز قبل حتى أن ينمو بضع سنتيمترات. كان حبيبي يرى أن جزي الدائم لشعري عقاب للذات. تؤلمني ملاحظته وأنتقدها وأرجعها للصورة النمطية عن المرأة وشعرها، ألم يقم هو نفسه في بعض الأحيان بحلاقة شعره «على الزيرو» لنفس السبب.

أتصالح بعد سنوات مع الفكرة.أتذكر تعليق صديقة لم تعد مقربة عندما قمت بقص شعري بيدي «ليه كده، إحنا ما صدقنا وشكلك ابتدى يبقى حلو». أسترجع فيما كنت أفكر حينها، أردت فعلًا إيذاء نفسي، إيذاءً مؤلمًا لكنه غير دائم، سطحي، والأهم أنه لن يترك علامات. أتذكر الآن وأنا أنظر إلى عيني في المرآة لأخبرها «لو هتفضلي شايفة نفسك وحشة فأنا هخليكي وحشة بجد»، وقمت بقص نصف شعري الأمامي. جريت بعدها باكية لمصفف الشعر أرجوه أن ينقذ ما يمكن إنقاذه. بالتأكيد قررت لحظتها التضحية بشعري عوضًا عن التضحية بشرايين يدي. لا أعلم إن كنت سأقدم على تلك الخطوة إن لم يكن  لينمو مرة أخرى، هل كنت سأتجرأ على جزه في كل تلك المرات؟ فرصة نادرة يعطيها لنا شعرنا؛ التخلي والولادة من جديد، فهو دائمًا «مسيره يطول».

كنت أتمتع في الماضي بشعر مموج طويل يصل الى آخر ظهري، لا أعتني به، أتركه على حريته فلا ألتفت إليه كثيرًا. أتذكر حين علمت بحملي في ابنتي الوحيدة، وهلعي لكونه حملًا لم يكن مرتبًا له، قررت قص شعري لاقتناعي التام بأن هذا المخلوق الغريب الذي ينمو بداخلي سيأخذ كل الغذاء وسيتساقط شعري الطويل ببطء، فأقرر أن أفقده قبل وقوعه.

بعدها بسنوات تصف إيمان مرسال هذا الإحساس فتتحدث في كتابها «كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» عن الصراع بين الأم ومولودها. على حسب مرسال فإن هذا الصراع خاص جدًا بعملية الحمل والولادة قبل أي شيء. تلك العملية البيولوجية التي ينمو خلالها كائن صغير، يعيش ويتغذى على ومن الأم. أعود إلى الكتاب الآن لأجد الخطوط التي وضعتها تحت بعض العبارات التي وجدتها تتحدث لي «ترفض الأم أن تكون بيضة يشرخها المولود في طريقه لحياته، يكمن هنا رعب التهديد وجديته». أضحك من نفسي بعدها حين ألاحظ كيف أصبح شعري أقوى وأصح.

image.jpeg

بعدها بثلاث سنوات تنتابني إحدى لحظات البدء من جديد وأنا بصدد اتخاذ إجراءات الطلاق من والد طفلتي. أهرع مرة أخري لنفس مصفف الشعر الذي أذهب إليه منذ تسع سنوات الآن، أقول له تلك المرة بأنني أبحث عن شيء غير مألوف، فأنا على مشارف بداية جديدة أستعيد نفسي فيها. تتوالى لحظات جز الشعر على يديه لسنوات، من الواضح أن استعادة نفسي عنت لي التخلص مرارًا وتكرارًا مما يحمله شعري من آلام و مشاعر ودروس مستفادة. ينتابني في كل مرة إحساس بالخفة الشديدة، أتلمس رقبتي وأذناي الظاهرتين، وتنتابني نشوة غريبة. كيف توصلت إلى تلك الفكرة عما يحمله شعري من ألم ومشاعر وذكريات. كيف تصقل تلك الخلايا المسطحة المكونة من طبقات صدفية وبروتين وكرياتين، هذا الكم من المشاعر. في الطب النفسي يقولون كيف يحمل الجسد الذاكرة والتروما وننسي أن شعرنا جزء من هذا الجسد.

تدفعني كتابة هذا النص إلى البحث عن «جز الشعر عند النساء» فأقرأ حُكمًا على أحد المواقع بأنه «اختلف الفقهاء حول قص المرأة لشعر رأسها فمنهم من كرهه، ومنهم من أجازه بشرط ألا يكون في ذلك تشبّه بالرجال، أو بالكافرات والفاسقات».

أتساءل لمَ يهتم الفقهاء بشعر المرأة وطوله. أتذكر مشاعري في آخر يوم لي قبل ارتداء الحجاب حين كنت في العشرين، فقد ارتديته لمدة سنتين تحت ضغط عاطفي وصل إلى حد الابتزاز من أمي. وعندما جاء اليوم الموعود للنزول للتسوق لملابس تليق بالحجاب قضيت يومي كله أشعر بالخزي والعار من تلك الكتلة فوق رأسي، وددت لو أن تختفي، تتساقط، لو أنا كلي يختفي. مع كل نظرة من رجل كنت أشعر بالخزي والعار، شعرت فعلًا بمعنى أن تكون المرأة عورة، يومها فقط بسبب شعري. يبقى هذا اليوم عالقًا في ذهني، مفسرًا غضبي من الأديان لهوسهم بالمرأة وبشعري.

«كنت تعبانة جدًا، وعندي ألم نفسي فظيع، كنت محتاجة أحس بأي حاجة فدخلت الحمام، جبت المقص وقصيت شعري» حكت إلي مرة إحدى صديقاتي، وصفت بدقة ما أشعر به خلال نوبات الهلع والقلق التي تزورني كثيرًا، بسبب معاناتي مع الاكتئاب. أكتفي بجز شعري، و إن لم يكن بيدي في معظم المرات. أحيانًا أخرى كنت أدرك بأن شعري وان كان امتدادًا لجسدي إلا أنه لا يحمل أي خلايا عصبية، في مرات عديدة كنت أجذبه بقوة لأشعر ببصيلات الشعر، وهي تقاوم لتبقي ملتصقة بفروة رأسي وأشعر أنا بالألم المرغوب.

أتذكر رغبتي في جز شعري مرة أخري بعد نجاتي من محاولة انتحار، ساذجة وفاشله في عيون الآخرين، لكن حقيقية بالنسبة لي. لكن تلك المرة لا أقدم على الخطوة، أعتقد إنني أردت الاحتفاظ بجزء من الألم والتجربة معي لأجد نفسي بعدها بسنتين أهرع للصالون، تاركة أبي في غرفة العناية المركزة، باحثة عن بداية جديدة والتخلص من بعض الألم أو ربما ألهث وراء إحساس أقوى به. أتساءل إن كنا نحمل شعرنا ما لا طاقة له به.

أقرأ ورقة بحثية لإليزابيث جتير 1984، تصف ما يمثل شعر المرأة في الأدب والفن الفيكتوري وكيف تتحقق أسطورتها وحيويتها جزئيًا من خلال شعرها الذي يعبر عن قوتها السحرية، فهي تستخدمه لخنق عشاقها أو إيوائهم تارة وتحيك مؤامرات تارة أخرى، لتعلن بذلك ألوهيتها ومجدها. ثم تقع عيناي على الإنترنت على مقال في الهافينجتون بوست يتحدث عن شعر المرأة وما يمثله لها، فهو رمز الأنوثة، الجمال، الهوية والتحرر.

نحن أيضًا محاطات طوال الوقت برسائل تحثنا على الاهتمام بشعرنا والعناية به. نتشجع للحصول على إطلالة جديدة كلما أمكن، إطلالة الكريسماس ورأس السنة، إطلالات الصيف، فاللون الأحمر مناسب جدًا للشتاء أما الأشقر والبني الفاتح فللصيف قطعًا. إن كان الأمر محير فيمكنك الآن الحصول على شعر بلونين أو حتى شعر بألوان قوس القزح جميعًا.

كيف يتجاور الشعوران، ما يحمله الشعر من تجارب وألم، وما تحمله عملية جز الشعر من أمل وبداية وكون الشعر أداة تجميلية؟ ترى هل علينا اختيار نمط العلاقة أم يحدث ذلك لا إراديًا في لحظات جز الشعر.

بالنسبة لبعض النساء الاختيار محسوم، فالعوز والحاجة لا يتركان لأيا منا أي خيارات حقًا، فتجز نساء الهند الفقيرات وفتيات شرق أوروبا الأقل حظًا من مثيلاتهن في الغرب شعرهن ويبيعهن في مقابل بعض المال. في حين تهديه أخريات كـ«نَدْر» أو أضحية في المعابد عند الدعاء من أجل شيء معين، نوع آخر من العوز والحاجة.  أجلس على الكرسي وأنا أشاهد تساقط شعري السريع على أرض الصالون، كأنه لم يكن جزءًا مني منذ دقائق، أنفضه عني بتعالي ثم أنظر لتلك الكومة على الأرض بتعاطف وحب. أنظر إلى ساعتي في قلق، فعليّ الإسراع إن كنت أريد شرب كأس النبيذ قبل الزيارة الثانية. أقابل ابنة عمتي لكي نذهب معًا، تتفاجأ حين تراني بشعري المجزوز. أري صديقًا آخر بالصدفة فيعلق على أنني أبدو كشخص آخر، فقد رآني آخر مرة بشعر مموج طويل يصل إلى منتصف ظهري. أتبادل أنا وابنة عمتي الضحكات حين نفكر فيما ستقوله عماتي عند رؤيتي «سابت أبوها في المستشفى وراحت للكوافير».

كانت تلك آخر مرة يفتح أبي فيها عيناه، فسيدخل في اليوم التالي في غيبوبة ويتوفى بعدها بيومين. ينظر إلى بدهشة وابتسامة كبيرة أستطيع رؤيتها رغم كل أجهزة التنفس التي تخبئ نصف وجهه. أقول له ضاحكة بأننى أشبهه الآن أكثر، ولا أقوى على مواجهة نفسي بحقيقة أنني فقط استعد لمرحلة جديدة، بدونه، لأبدأ «على نضافة». فقد خيل لي في هذه اللحظة أن موته وجز شعري بما يحمله من ذكريات معه يفتح لي بابًا للمضي قدمًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن