«أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»: ما معنى كل هذا التاريخ؟
صدر هذا العام عن دار تنمية كتاب «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي» للكاتب والباحث كريم جمال. الكتاب على ضخامته (حوالي 600 صفحة) ليس غريبًا على ظاهرتين برزتا في الحياة الثقافية المصرية في السنوات الأخيرة، أولهما انتشار كتابة سير حياة مشاهير «زمن الفن الجميل»، فمن شادية إلى مديحة كامل، ومن محمد فوزي إلى هاني شنودة.. إلخ. وثانيهما، موجة المراجعات التاريخية العديدة لهزيمة يونيو 1967 بعد مرور 50 عامًا عليها، التي توجها المؤرخ، خالد فهمي، بسلسلة حلقات «هزيمة يونيو المستمرة» أذاعها على موقعي يوتيوب وفيسبوك في الصيف الماضي.
لكن، ما يميز كتاب كريم جمال أمران: اﻷول أنه يسرد سنوات بعينها من حياة أم كلثوم، وهي سنوات مساهماتها في إعادة بناء الجيش المصري بعد هزيمة يونيو 1967، بينما تتناول غالبية الكتب اﻷخرى حياة الفنان بأكملها تقريبًا، بالطبع قد تركز على سنوات رحلته الفنية وشهرته، لكنها عادةً تغطي فترة تقرب من المهد إلى اللحد، واﻷمر اﻵخر أنه يركز على النشاط الفني-السياسي ﻷم كلثوم في تلك السنوات تحديدًا.
الكتابة عن أم كلثوم أمر يكاد يكون اعتيادًا، ثمة مؤلفات لا حصر لها تتناول حياتها وفنها، كتبها كتاب وكاتبات من أشهرهم: رجاء النقاش ومحمود عوض ونعمات أحمد فؤاد ورتيبة الحفني، وآخرها -قبل كتابنا هذا- كتاب «بوب آرت أم كلثوم» للكاتب محمد الحجيري، عن منشورات الجمل في 2021. وهذا أمر مفهوم، لأن رمزًا عربيًا كبيرًا بحجم أم كلثوم سيظل تتناوله اﻷقلام ما دام حيًا في الذاكرة العربية، تلك الذاكرة شديدة التعلق بالقرن العشرين.
ثمة دلائل كثيرة تقول إننا غير قادرين على ترك القرن العشرين خلفنا، وأولها أن «الحنين قتّال»، وكلٌ يبكي على ليلاه القتيلة، فهناك من يبكي المَلَكية، وهناك من يبكي الناصرية، وهناك من يبكي المباركية، كلٌٍ بحسب وعيه واختياراته اﻷيدولوجية، وأم كلثوم تكاد تكون ليلى كل تلك العصور الغابرة، بدءًا بمن يبكي أعمالها مع القصبجي وزكريا أحمد في أيام المَلَكية، قبل أن تنتقل للعمل مع بليغ حمدي ومحمد عبد الوهاب في اﻷيام الناصرية، إلى من يحن إلى المحاولات المباركية في استنساخ أم كلثوم (وشعبيتها) في حفلات دار اﻷوبرا ومسلسلات التليفزيون المصري وأفلامه، وبالطبع «ليلى لا تقر لهم وصالًا».
لكن التاريخ ليس هو الحنين، وإننا لا نكتب التاريخ إلا لكي ننظر قدمًا. حتى ذلك المؤرخ الذي يكتب عن -لنقل مثلاً- تاريخ الإسكندرية الحديثة، ويحن إلى عصرها الكوزموبوليتاني الذهبي، نعلم كلنا جيدًا أنه يستبطن أيديولوجيا عنصرية بيضاء بداخله تأمل في عودة ليالي الاستعمار اﻷوروبي البائدة. وقد كان السؤال الذي راودني من قبل قراءة الكتاب هو «ماذا يعني أن نكتب عن أم كلثوم بعد هزيمة 67 اﻵن؟».
يملك كتابنا أساسًا تأريخيًا قويًا، فهو يعتمد على مصادر متعددة ومتنوعة بين الكتب والمجلات والصحف يلحقها المؤلف بنهاية كل فصل، كما أنه يتبع تسلسلًا زمنيًا منطقيًا ومرتبًا، حيث يدور كل فصل فيه تقريبًا حول جولة من جولات أم كلثوم في المدن المصرية والعربية واﻷجنبية، عدا فصول قليلة في أول الكتاب وآخره، مثل فصل وطنيات الهزيمة الذي يقطع السرد التاريخي من أجل إحصاء مجمل أغاني الوطنيات التي أطلقتها أم كلثوم في تلك السنوات1. يسهب مؤرخنا في تتبع أدق تفاصيل رحلات أم كلثوم وحفلاتها خلال تلك الفترة بأسلوب رشيق، كي يعايش القارئ تلك اﻷحداث بصدق خالص، كما يستعرض ردود اﻷفعال الصحفية والجماهيرية على تلك الرحلات والحفلات، ناقلًا إلينا لا صوت أم كلثوم فقط، بل أصوات عاشقي غناء الست ومعجبيها كذلك.
لكن، هذا المقال لا يهدف إلى مراجعة الكتاب بالتحديد، بقدر ما يهدف إلى قراءة ما وراء هذا التاريخ من معانٍ ودلالات. يتعلق المعنى اﻷول بطبيعة الدور السياسي ﻷم كلثوم في الحقبة الناصرية. أما الثاني، يتعلق بالمراجعة التاريخية لهزيمة حرب يونيو 67 وما تلاها. فإذا أردنا أن نعرف إجابة السؤال أعلاه، علينا الاشتباك لا مع الكتاب في حد ذاته، بل مع ما يمثله الكتاب.

أم كلثوم معكم في المعركة.. أم معهم في السلطة؟
تكفينا قراءة الفصل اﻷول من الكتاب كي نعرف موقع أم كلثوم في معركة يونيو 67، وكذلك في السلطة، فهي ليست قادرة على الجلوس مع المشير عبد الحكيم عامر في القيادة العامة للقوات المسلحة «كي تطمئن على الوضع العسكري» فحسب (ص.30)، بل قادرة على تسجيل نداءات إذاعية حماسية إلى الجنود في الجبهة اﻷمامية قبل الحرب أيضًا. وكي لا نخطئ الظن بها، فإن مؤرخنا لا يستنكف عن وصفها في الصفحة اﻷولى من الفصل اﻷول من الكتاب بأنها «استطاعت خلال سنوات الثورة اﻷولى.. تصدير صورة جديدة عن نفسها كسيدة مصر اﻷولى».
عادةً ما تحتفظ زوجات رؤساء النظم الجمهورية حول العالم بلقب السيدة اﻷولى، وهو تقليد أمريكي على وجه الخصوص، لكن اﻷجيال الناصرية لا تذكر أن تحية كاظم أدت ذلك الدور السياسي مطلقًا، أو على اﻷقل كما أدته جيهان السادات وسوزان مبارك، لذا يمكننا اعتبار التصوير المذكور صورة حقيقية، وليس مجرد تشبيه: كانت أم كلثوم بالفعل هي السيدة اﻷولى لمصر الناصرية، حتى وإن لم تكن زوجة فعلية لجمال عبد الناصر. وما ينبني على ذلك أن الموقع السياسي الحقيقي ﻷم كلثوم يجعل منها التجسيد اﻷصدق لمصطلح «نسوية الدولة»، وهو مصطلح يعبر عن النسوية التي توافق عليها الدولة، وعادة ما تتضمن تنفيذ برنامج معين، وفي حالة أم كلثوم كان دعم المجهود الحربي هو ذلك البرنامج.
لم تكن الصناعة والتجارة والمجال العام وحدهم فقط ما أممته الدولة الناصرية في الستينيات، بل القضية القومية والنسوية أيضًا، وإن كنا نعرف حال القضية اﻷولى مع هزيمة النظام الناصري في السبعينيات، فقد يخفى علينا حال القضية الثانية، فقط ﻷنه بدا متقدمًا سياسيًا مع حصول المرأة المصرية على حقها في الترشح والانتخاب، واجتماعيًا مع ارتفاع معدلات تعليم النساء وعملهن، أي خروجهن إلى المجال العام المؤمم، لكنه في المقابل أبقى على جسدها وهويتها في ذمة الرجل المصري في المجال الخاص، ومن ثم حقق بعض أهداف الموجة اﻷولى من الحركة النسوية، كي يقطع الطريق على تقدم الموجة الثانية منها -كما سنرى في نموذج درية شفيق لاحقًا- مما أدى بالطبع إلى تعطل الحركة كلها لعقود طويلة بعده وتشوه نجاحاتها.
سنرى في أم كلثوم 1967 خير مثال على ذلك، فهي توجه كل طاقاتها وجهودها في خدمة القضية الوطنية دون مراجعة لمسارها السابق في ظل النظام القائم، وكأن دولة يوليو وليدة اﻷمس، ولم يكن مر على وجودها عقد من الزمان، ولم تفقد شرعيتها بنفس الدعوى التي أسقطت بها شرعية الحكم الملكي بعد نكبة فلسطين عام 1948. كان حل اﻷزمة بالنسبة إلى أم كلثوم هو الحل المثالي بالنسبة إلى النظام: كامل الدعم والتضحية والتفاني واﻹخلاص بلا مساءلة أو نقد، والنتيجة: صوت أم كلثوم في خدمة المعركة ﻷن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
لقد اكتسبت أم كلثوم سلطتها ﻷنها امتثلت إلى الدور النموذجي في البنية اﻷبوية للدولة، وهو دور اﻷم المصرية الأصيلة التي تساند زوجها مهما واجه من صعاب -وارتكب من أخطاء!- فتدب يدها في صدرها وتخرج منها المصاغ والنقود إنقاذًا له من اﻷزمة التي قادته قدماه إليها، ثم تُطمئن اﻷبناء أن ما زال في البيت رجلاً قادرًا لا يعجزه شيء -رغم أن كل شيء أعجزه بالفعل!- ثم تخرج إلى العمل وتدفعهم أيضًا إليه كي تسد دينه، وبالتالي لا وقت لها لمعرفة الحقائق وتحليلها، ﻷنها أمور تخرج عن الدور المنصوص عليها.
تتجلى صورة أم كلثوم اﻷمومية في الكتاب في كلمة الغلاف الخلفي المنقولة عن مقدمة مؤرخنا التي تشبهها باﻹلهة المصرية «إيزيس»، لكن كي تكتمل أطراف اﻷسطورة حقًا: أكان «أوزوريس» هو الشعب حقًا كما وصفه مؤرخنا، أم كان هو عبد الناصر وجيشه بينما الشعب هو حورس؟ إن أسرة الدولة الناصرية مقامة على أساس علاقة ثالوثية اﻷقطاب ومُشكلة طبقًا للبنية اﻷوديبية البرجوازية من أب (أوزوريس/ناصر) وأم (إيزيس/أم كلثوم) وابن (حورس/الشعب المصري)، حيث يمثل اﻷب فيها وجه السلطة السافر باحتكاره للعنف المباشر (كما ظهر في استجابته لمظاهرات فبراير ونوفمبر 1968)، وتمثل اﻷم قناع السلطة الخفي بوسائل الهيمنة والقوة الناعمة (كما ظهر في حفلات المجهود الحربي)، أما الشعب فيمثل الذات اﻷوديبية التابعة في مجتمع الدولة الناصرية، وبالتالي يمكننا أن نرى مدى انطباق العلاقات اﻷسرية اﻷبوية مع العلاقات الاجتماعية الهرمية في تلك الفترة.
تكمن هنا الخطورة الحقيقية في الحنين إلى الوجه اﻷمومي السياسي ﻷم كلثوم، ﻷنه ببساطة يمثل تراجعًا عن التقدم الذي حققته الحركة النسوية المصرية بعد ثورة 25 يناير، وما تواجهه من صراع اجتماعي عنيف في السنوات اﻷخيرة. لقد أطلقت ثورة 25 يناير موجة نسوية جديدة تأخرت كثيرًا بسبب عقود من تأميم الدولة للحركة النسوية (نسوية الدولة)، موجة جذرية فرضت تعريفات جديدة لعلاقة النساء بالرجال والمجتمع والدولة ككل، فطرحت أسئلة دينية وعلمانية لم تكن مطروحة من قبل حول حقوق المرأة الجندرية والجنسية، وخاضت معارك حول المعاني الاجتماعية للأنوثة والذكورة واﻷمومة.. إلخ. ولم تكن صورة أم كلثوم غائبة عن هذه الجدالات والصراعات المعاصرة، فقد قدم الكاتب العراقي الشاب، موسى الشديدي، المتخصص في قضايا الجندر والجنسانية، مراجعة لحياة أم كلثوم الجندرية في كتابه «جنسانية أم كلثوم» الصادر عام 2019. يحمل الكتاب ضمنيًا سؤالاً شديد اﻷهمية: إذا كان صوت تلك المرأة قد ساهم في تشكيل تصوراتنا الجمعية عن العلاقات العاطفية بين الرجال والنساء، فما حقيقة المرأة التي تكمن خلف هذا الصوت جندريًا وجنسانيًا؟2
نستطيع تلمس آثار هذه الموجة النسوية في أشكال البحث التاريخي في العقد اﻷخير، يعد أشهرها كتاب «في أثر عنايات الزيات» ﻹيمان مرسال، حيث تتبع مرسال سيرة كاتبة من زمن الستينيات وروايتها الوحيدة وسر انتحارها في عمر مبكر. وأحدث تلك الأشكال، بحث راوية صادق الفني عن درية شفيق، رائدة الحركة النسائية المصرية في النصف اﻷول من القرن العشرين، التي ينسب لها الفضل في حصول المرأة المصرية على حق الانتخاب والترشح في الدستور المصري عام 1956، لكنها رغم مسيرتها الطويلة من النضال والعمل السياسي أقصيت من الحياة العامة بعدما شجبت ديكتاتورية النظام الناصري في 1957 الذي وضعها تحت الإقامة الجبرية وقتها وأوقف مجلتها وحركتها حتى انمحى أي ذكر لها، وكان انتحارها في عام 1975 (عام وفاة أم كلثوم أيضًا!). وأخيرًا بحث المؤرخ محمد سعيد عز الدين حول أروى صالح، المناضلة اليسارية التي تشكل وعيها السياسي بعد هزيمة يونيو مباشرة، فأصبحت إحدى قيادات الحركة الطلابية المصرية في السبعينيات، وقدمت نقدًا كاشفًا لجيلها وللمثقفين المصريين في كتابها «المبتسرون» قبل انتحارها هي اﻷخرى في التسعينيات. وقد يبدو في قراءة ما أن انتحار الثلاث (عنايات، درية، أروى) يمثل رفضًا عنيفًا للنظام الاجتماعي السياسي الذي أفرزته ثورة يوليو. تفتح هذه اﻷبحاث وغيرها باب المراجعة التاريخية لوضع المرأة المصرية الاجتماعي والسياسي في الستينيات الناصرية وما بعدها، ومدى تقدمه الحقيقي بعيدًا عن تمجيد النسوية الأمومية للدولة المصرية.

معنى أن نتذكر 67
منذ عام 2017، لم تزد المراجعات التاريخية لحرب يونيو 1967 وما تلاها فحسب، بل تمت استعادتها بشتى اﻷشكال، نذكر منها -على سبيل المثال لا الحصر- الكتاب البحثي «في تشريح الهزيمة» (2017) والكتاب الصحفي «ملف 67» (2019) وفيلم «الممر» (2019)، وأحدثها رواية «قبل النكسة بيوم» وبرنامج «هزيمة يونيو المستمرة» وأخيرًا وليس آخرًا «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي».
تنقسم هذه المراجعات إلى نوعين: اﻷول هو الانغماس في تلك اللحظة من أجل الوقوف على معرفة أسبابها وحقيقة أحداثها وطبيعة نتائجها، والثاني هو تخطي تلك اللحظة سريعًا إلى ما بعدها من رفض للهزيمة ونضال من أجل استعادة اﻷرض المسلوبة. ينتمي جميع ما ذكرناه إلى النوع اﻷول، عدا فيلم «الممر» وكتاب «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، اللذين ينتميان إلى النوع الثاني. ثمة جوانب كثيرة تفرق بين هذين العملين بالتأكيد، لكن الشيء الوحيد الذي يجمع بينهما هو التكريس للمكرس بالفعل.
لكن، بدلًا من تعليق أنظارنا نحو المكرسين سياسيًا وفنيًا بالفعل، ربما علينا الاستماع إلى المهمشين الذين سقطوا من صفحات التاريخ الرسمي، لأنهم قادرين على جعلنا ننظر إلى التاريخ بأعين جديدة حقًا. قبل حلول الذكرى الخمسين لحرب يونيو بستة أشهر، قدمت المؤرخة، علياء مسلم، محاضرة «طب وبعدين: قصص نضال المستبقين في السويس 1967-1974» في مركز الصورة المعاصرة كي تقص بعضًا من حكايات أغاني السمسمية التي جمعتها -عن طريق التأريخ الشفهي أثناء بحثها لرسالة الدكتوراه- ممن بقوا في مدن القنال بعد الهزيمة لتكوين مجموعات المقاومة الشعبية والدفاع الوطني، ومن استمروا في التسلل لمدن القناة والنضال من أجل حقهم في البقاء خلال تلك السنوات. تخبرنا مسلم أن أصعب اللحظات بالنسبة إليهم لم تكن لحظات مواجهة العدو، ولا المعارك غير المتكافئة بين جيش العدو والمقاومة الشعبية، بل كانت تلك الليالي الطويلة في الخنادق السويسية عندما تسلل إلى قلوبهم السؤال الأصعب «طب وبعدين؟»: إلى متى يستمرون في البقاء والمقاومة؟ وهل من فائدة من عملياتهم الصغيرة على الجبهة؟ وإذا رحلوا هل سيتبقى هناك ما يعودون إليه؟ وإننا نعرف جيدًا إجابات أسئلة المستبقين في دورهم البطولي في الدفاع عن الجبهة المصرية أثناء حصار السويس عام 1973.
لم تتوقف مسلم عند لحظة الهزيمة، بل رأت «النكسة كبداية»، ﻷن التاريخ لا يجب له أن يتوقف عند لحظة واحدة، لا هزيمة يونيو ولا انتصار أكتوبر ولا حتى ثورة يناير، لكن بعكس ما يبدو تمامًا من أن الانغماس في لحظة الهزيمة هو توقف للتاريخ، تكمن أهمية المراجعات التاريخية النقدية للحظة هزيمة 67 في أنها ليست منفصلة عن رؤية حقيقة لحظتنا الحالية، فإرث دولة يوليو وهزيمتها ما زالا قائمين مهما قيل أننا نعيش اﻵن في ظل جمهورية جديدة، فكأنها تنذرنا بهزيمة جديدة، وكأن لسان حالها «والله لتحصل بدال النكسة ميت نكسة» بحسب نبوءة الشاعر نجيب سرور.
لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء، فلن نكون تعلمنا من التاريخ شيئًا. لندع من يريد أن يغرق في الحنين يبتلعه بالهناء والشفاء، فما هو إلا فخ محفوف بأوهام الماضي وأساطيره الملحمية، ولدى مؤرخينا مهمات أكبر من ذلك إن كانوا يريدون أن تظل قراءة التاريخ متصلة بحاضرنا، أو كما يقول ستيفان موزيس، «ما نسميه تاريخ يولد في كتابة التاريخ. كتابة التاريخ ليست استعادة الماضي، إنها خلقه انطلاقًا من حاضرنا»3.
هوامش
1 يمكن للقارئ العجول أن يرجع إلى مقال ياسر عبد الله في موقع معازف «صوت الوطن ونكسته: أم كلثوم ومجهودها الحربي»، حيث يقدم ملخصًا سريعًا للمرحلة ونموذجًا أوليًا للكتاب.
2 الحقيقة أنها ليست المرة اﻷولى التي يطرح فيها سؤالاً كهذا، بل أنه بحسب كتاب كريم جمال، طرح قبلاً أثناء صناعة فيلم سيرتها الذاتية «ثومة» في عام 1969، عندما اعترضت أم كلثوم على رغبة سعد الدين وهبة في تناول حياتها العاطفية الخاصة داخل الفيلم قائلة، «ما عنديش مانع بس بعد ما أموت!» (ص. 411).
3 مقال «ملاك التاريخ» لستيفان موزيس، ترجمة راوية صادق ودينا علي، عن كتاب «أصداء والتر بينامين: حول التراث والتاريخ والثورة«، تحرير فؤاد حلبوني وإسماعيل فايد، دار هن 2019.
تقارير ذات صلة
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
البحث عن الأدب في الحدث الكبير أو العكس
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن