«أقفاص فارغة»..عين الذات تُحدِق في الفاجعة
أسئلة حول معنى الكتابة، والعلاقة بين السرد الذاتي والتخييل الاجتماعي
تبدأ الشاعرة والأكاديمية فاطمة قنديل روايتها «أقفاص فارغة»، -الصادرة عن دار الكتب خان- بمخاطرة، إذ تتحدى فعل التذكر نفسه، أو على الأقل، تجعلنا نتشكك في «حقيقة» ما سوف نقرأه.
تحكي الراوية فاطمة، في صفحات البداية، عن علبة الشوكولاتة القديمة التي احتفظت في داخلها بقصائد المراهقة وأوراقها القديمة. العلبة الصدأة تدفع فاطمة إلى التخمين بشأن ما احتوته في الماضي. تخمن أن الشوكولاتة كانت محشوة بالبندق وطعهما جميل، وأنها لا بد قد شعرت بالحسرة وهي تتناول القطعة الأخيرة منها. تحاول أن تتذكر من أين أتت العلبة الأصلية الفاخرة، ومن أهداها إلى أسرتها، لكنها تقول: «لدي ذاكرة مثقوبة لم أعد أعبأ بترميمها».
تكمن المخاطرة في أن النقطة المفترضة للانطلاق، في الرحلة عبر الذاكرة والماضي، لا يُعول عليها. تقوض البداية إمكانية التعمق في الذاكرة والقبض على التفاصيل القديمة، لكن سرعان ما يتضح نقيض ذلك تمامًا؛ إذ يزخر النص بالتفاصيل الدقيقة والملاحظات الثاقبة حول أمور الحياة اليومية المتعلقة بتاريخ الأسرة والبيت والعمل.
الرواية هي سيرة ذاتية للكاتبة والشاعرة فاطمة قنديل، «اعتراف» صادق بأخطاء الماضي ومراراته، ومساءلة لأفكارنا عن الحياة والموت والكتابة.
تقول فاطمة: «أسوأ ما يمكن أن يحدث لي بعد موتي هو أن يأخذ الآخرون أقوالًا مأثورة مما أكتب الآن، أن تصير حياتي قولًا مأثورًا».
ونحن-«الآخرون»- كنا شهودًا من خلال القراءة على شجاعة السرد، شعريته، وقدرته على تعرية الألم، والتعبير عن مشاعر معقدة من الخوف والحزن والفقد.
لهذا لا نفكر في أقوال مأثورة بقدر تأملنا في الأسئلة التي تطرحها الرواية؛ أسئلة حول معنى الكتابة، والعلاقة بين السرد الذاتي والتخييل الاجتماعي، أو بين الخاص والعام، وأيضًا حول الأسلوب: كيف نحكي حياتنا؟ وكيف نفهمها؟
الذاكرة والجسد والهوية السردية
في البداية، ينبغي الإشارة إلى ضرورة التفريق بين فاطمة قنديل الشاعرة والكاتبة والأكاديمية، وفاطمة راوية «أقفاص فارغة». ربما كانت الشخصيتان متقاربتان حد التماثل بالفعل. لكننا في النهاية أمام نص روائي. و«فهم الذات هو عملية تأويل»، وتأويل الذات بدوره يتخذ من السرد مجالًا للفعل، كما يوضح بول ريكور. أما السرد فيجعل من تاريخ حياة ما قصة خيالية وحقيقية في آن. أي أنه توجد لدينا هوية سردية، سأشير إليها باسمها «فاطمة» أو «الراوية»، وهوية ذاتية، إن جاز التعبير، هي فاطمة قنديل، الكاتبة والشاعرة.

تذكرنا علبة الشوكولاتة في «أقفاص فارغة» بـ «كعك المادلين» الفرنسي في رائعة الكاتب العظيم مارسيل بروست «البحث عن الزمن المفقود». كانت رائحة الكعك إيذانًا بعملية تذكر عميق، رحلة طويلة يرجع من خلالها بروست إلى طفولته قابضًا على تفاصيل الزمان والمكان. لكن بينما كانت «لحظة المادلين» البروستية قائمة على معطيات حسية كالطعم والرائحة، كانت علبة الشوكولاتة الصدأة مثل صندوق بندورا لا يمكنه أن يقدم إلا التخمينات، والمزيد من الخيال.
تقول الراوية إن سبب الحفاظ على العلبة طوال سنين ربما يكون «الزهو» لا السعادة فحسب. الزهو الناتج عن زيارة تلميذتين سعوديتين من تلاميذ والدها خلال عام 1969، وتتذكر قدومهما في سيارة فارهة وإهدائهما شوكولاتة مستوردة إلى الأب.
في الوقت الذي يوحي السرد بأنه سيعتمد على المعنوي والحدسي أكثر من الجانب «الحسي»، فإنه لا يلبث أن يراوغنا. في إحدى فقرات الفصل الأول، تحكي الراوية فاطمة عن موت أمها. تقول إن الضمادة التي كانت تغطي جرح الأم قد ظلت لأيام بعد الوفاة مرمية في البانيو. تشجعت وقررت دفن الضمادة، آخر ما تبقى من الأم، في حديقة البيت. «حين حملتها بحنان يليق بضمادة جرح أمي، وجدت أشياء بيضاء تتحرك، حدقت فيها وكأن مسًا كهربيا ضرب جسدي، كنت أصرخ صراخًا هيستيريًا، وأنا أرى الدود ينهش ما تبقى من لحم الجرح على الضمادة».
وكما يعبر السرد عن الجسد في وهنه وتحلله، يعبر عنه أيضًا في عنفوانه. تقول فاطمة إنها تهيم عشقًا برائحة البسطرمة المقلية بالزبد منذ الطفولة. كانت تبكي وترفص في الأرض حتى تشتريها أمها لها. وتضيف: «ربما حتى اليوم، وبعد مرور كل هذا العمر، حين يراودني "الاشتهاء"، أي اشتهاء، حتى وإن كان لجسد آخر، تلوح لي صورة البسطرمة المعلقة، وأشعر برائحتها بين أنفاسي».
ومنذ تلك اللحظة السردية، نتعلم أن رحلة التذكر المضنية ستكون رحلة ذات طعم ولون ورائحة، رحلة في الزمان، وفي ذاكرة الجسد أيضًا. الجسد كخارطة للألم، وسجل لانتهاكات بدأت منذ الطفولة.
البيت مسرحًا للصراع والحميمية
يصف فالتر بنيامين عمل الذاكرة في سرد مارسيل بروست بـ «الذاكرة اللاإرادية». يقول بنيامين، مستلهمًا قوانين التذكر ضمن عمل بروست، إن «أي حدث خبره المرء هو حدث متناه، بينما أي حدث يتذكره المرء هو حدث لا متناه، لأنه لا يعدو أن يكون مفتاحًا لكل شيء جرى قبله وبعده».
هكذا تتذكر فاطمة أحداث حياتها. ورغم أن الأحداث والتفاصيل تبدو لا نهائية، فإن السرد يركز على التجربة الذاتية في علاقتها بالأسرة، ويتخذ من «البيت» مسرحًا للأحداث. تتقاطع الحكايات المتعلقة بـ«البيت» و«الأسرة» مع تجارب «الحب» و«العمل» و«الكتابة» لكن الأولوية كانت كتابة سردية «الأسرة»، كمأساة عادية، وكان «البيت» هو المكان الذي أرادت الرواية رسم تفاصيل العلاقة معه.
تتناول الرواية البيت كصورة شعرية. فهو المكان الذي «نحب» والذي «ينجذب نحوه الخيال»، ويرتبط بقيم الحماية والألفة والذاكرة.
يتتبع السرد البيوت التي أقامت فيها الأسرة، والكيفية التي انتقلت بها من بيت لآخر وما تحويه من منحنيات درامية، إخفاقات، أو تطلعات. من بيت الميلاد في السويس بـ«حي الأربعين»، إلى بيت السعودية خلال فترة إعارة الأب، ثم العودة إلى البيت في ميدان تريومف بمصر الجديدة، والانتقال منه إلى منطقة الألف مسكن، يليه بيت مدينة نصر، وأخيرًا إلى البيت الإيجار في النزهة- مصر الجديدة.
لا تقدر فاطمة على تذكر أية تفاصيل تتعلق بطفولتها إلا تلك التي جرت في منزلين: الألف مسكن ومدينة نصر.
حاول أن تفكر في ذكرى بعيدة، ستجد أن ما يتكون في عقلك/ذهنك هو الصورة. ربما تومض فجأة، وربما تنطبع على مهل كأنها في حاجة إلى التحميض. تحكي الراوية عن ذكريات سعيدة من طفولتها: مواقف مرحة مع أخويها، علاقتها بالحلوى وألعاب الأطفال، والهدايا من الأب والأم.
وتتخلق أيضًا من سيرة البيوت سيرة الأقارب والجيران، كأنها مرايا تنعكس عليها صورة الأسرة نفسها.
تبدو الفقرات السردية القصيرة كأنها صورة تتوهج من داخل الذاكرة. ومن خلال توهج الصور «يتردد الماضي البعيد بالأصداء»، كما يوضح الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار.
يتناول باشلار البيت بوصفه موضوعًا للخيال الشعري. ويطرح «جماليات البيت» لا كجماليات هندسية أو بيانية وإنما يقدم دراسة عما يسميه «صور الألفة». ومن خلال مركزية البيت داخل «أقفاص فارغة»، يطرح النص العلاقة الجدلية بين الذاكرة والخيال، وبين الذات والحدس.
ولا يتحقق ذلك من خلال سمات البيت الوضعية، أو بمجرد الحديث عن عيوبه ومنافعه، بل من خلال الأفكار والأحلام. فالنص يزخر بالتأملات في الحيوات السابقة التي عاشت بين جنبات البيت، ممثلة في الأب والأم والأخوة. كما تلعب الأحلام دورًا هامًا داخل النص.
تتحدث الكاتبة عن حلم السيارة الذي يتكرر دومًا. تختفي السيارة وتظل تبحث عنها ولا تجدها. وهناك أيضًا أحلام اليقظة، التي تتحول من رؤى الطفولة السعيدة إلى هواجس مؤلمة تعيشها الراوية بعد موت الأب، حيث تسمع دقات على باب حجرتها وتتوهم أن أباها يود الدخول، أو تظل تتخيل اللحظة المرعبة التي ستفقد فيها أمها. الرواية نفسها بمثابة كتابة لحلم يقظة ممتد.
لكن الرواية لا تقدم «البيت» ساحة للحميمية والألفة فقط، وإنما تصوره كبؤرة صراع أيضًا.
يكشف النص عن الكيفية التي يتحول من خلالها البيت، مع مرور الأيام وتبدل الأحوال، إلى مكان للكراهية المتبادلة. والصراع قد يكون صامتًا، حربًا باردة، كما يحدث خلال إجازات رمزي وفترات إقاماته مع زوجته وبناته داخل البيت، بعد عودته من السعودية. ينفرد رمزي وزوجته بالحجرة الكبيرة، وتتشابك مساراته وتتعقد مع مسارات فاطمة والأم. ويصير تدبير شؤون البيت مجالًا للشد والجذب أو الفتور والتواطؤ. في بدايات زواجه، تكتشف الأم أنه كان يتبول في زجاجات فارغة ويضعها أسفل سريره حتى يتجنب رؤيتها هي وابنتها فاطمة. كما كان يقفز من الشرفة إلى حديقة البيت كي يخرج دون أن يراهما.
وقد يكون الصراع حقيقة لا مجازًا. معركة مليئة بالضرب والتعنيف والتخريب. فبعد زواجها مرة أخرى، أقامت فاطمة في البيت مع أمها. بدأ الصراع بسيطًا بين الأم وزوج ابنتها، يتعلق بأمور الطبخ، حتى تصاعد بجنون. تعرضت الابنة للضرب والاعتداء من الزوج المجنون، وتكررت المشاجرات العنيفة إلى الدرجة التي تصفها فاطمة قائلة:
«لكن بذرة الجنون عادت تنمو من جديد، وحين وصل الأمر لـ (سكاكين) تشهر في وجهي، وجيران يطلون من الشرفات، كي يروا امرأة، تجري صارخة في الشارع ووراءها رجل يطاردها، وحين سمعوا أصوات تكسر زجاج متواصل في ذلك البيت الهاديء، الذي ظل غريبًا هناك، لثلاثين عامًا بطابقه الواحد... كانت النهاية بمبلغ مطلوب للطلاق».
ويصبح البيت نفسه مساحة للتدمير والنهب والخراب، أداة انتقام الزوج بعد الطلاق:
«حين عدت بعد اختبائي في بيت صديقتي رئيفة، بعد الطلاق، كانت أبواب البيت كلها مفتوحة، كان البيت خاويًا تمامًا، حتى من مفاتيح النور التي اقتلعت بعنف من الجدران، وبانت أسلاكها، كأحشاء مبقورة».
في الصفحات الأخيرة من الرواية نعلم أن فاطمة قد باعت البيت وأغلقت الباب إلى الأبد. تقول إن الأمر انتهى «دون ندم، دون ذاكرة». «خمس عشرة سنة مرت، كأن الحياة كلها بدأت هنا، في هذا البيت الذي أعيش فيه الآن، كأن الزمن هناك، أيضًا، قد تهدم وسقطت صخرته الأخيرة».
يمثل بيع البيت لحظة استعادة للفردية المفقودة. إنه فعل شديد الفردانية لكنه في الوقت نفسه يحقق الوجود الأصيل لفاطمة. ويبقى السؤال: كيف يمكن أن تكتب عن تلك التفاصيل الحياتية كلها في البيت الذي تقول إن ذاكرته اندثرت؟
ربما يساعدنا باشلار على الفهم حين يقول إن البيوت التي سكناها تعيش معنا طيلة الحياة لأننا «نعيش ذكرياتنا عنها، مرة أخرى، كحلم يقظة».
الأسرة: إرث المرارة
الرواية في جوهرها مأساة أسرية. وتنبع قوة المأساة من عاديتها، من احتمالية حدوثها داخل كل بيت. إنها مأساة كل عائلة. عبر رحلة التذكر المضنية نتعرف على أفراد عائلة فاطمة، أسرتها الصغيرة والكبيرة. تاريخ من الحب والمرارة والخسارات والأحلام المجهضة، والانتحار.
تحكي فاطمة عن أبيها وأمها وأجدادها. يعيش الأب، غريب، بمرارة تخليه عن حلم الالتحاق بكلية الهندسة بعد خسارة والده لتجارته وإعالته للأسرة، حتى صار أخيه الأصغر مهندسًا. أما الأم، سعاد، فابنة تاجر ثري تراكمت عليه الديون وتبدلت الحال، ثم أخذت حياتها منحنيات درامية مع الانحدار الطبقي، بعد زواجها من غريب، الذي أعاقه إدمان الخمر عن العمل المتصل والوفاء باحتياجات الأسرة. وكان مرضها بالسرطان خاتمة حياة من المعاناة والعوز وبداية فصل جديد من الخوف والألم.
وتمثل علاقة الأخوة ملمحًا أساسيًا في حكاية أسرة فاطمة. بين مأساة راجي، الأخ الأكبر المصاب بالاكتئاب، والذي يسافر إلى ألمانيا بعد فشله الدراسي ثم تنقطع أخباره ويغيب لأكثر من ثلاثين عامًا، ورمزي الأخ الذي تتحول علاقته بالأخت من المحبة والمساندة إلى نوع من الأنانية والخداع رغم محاولاتهما الإبقاء على الود بينهما.
تصف فاطمة إرث عائلتها قائلة: «لماذا لا أقبل إرثًا آخر، بالرحابة والمحبة نفسها، إرث هؤلاء الذين أضاعوا كل شيء.. تَقبُل أن تكون «مدانًا» و«موصومًا» من الجميع وأن يكونوا جميعهم ضحاياك؟! لا بل أكثر، أن تظل في ذاكرتهم دائمًا، كما ظل جداي في ذاكرة أمي وأبي، تبرر ما فعلوه معك، كل ذلك الظلام الذي يطفح في أعماقك».
لا أشرار في تراجيديا الأسرة. وربما تلك الحقيقة هي التي تفاقم الألم وتضاعفه. فمعظم الندوب المحفورة بداخلنا، بفعل الأهل والمُقربين، قد تكون آثارًا جانبية لإخفاقاتهم أو تطلعاتهم أو فردانيتهم. ربما يكون الأذى متعمدًا، كما حدث حين سافرت فاطمة إلى أخيها راجي في ألمانيا، وتحولت إجازاتها إلى جحيم من العسف والمهانة. أو يكون الأذى نتيجة رؤية الآخر للكيفية التي ينظم بها علاقته مع من حوله، كما في حالة رمزي، الذي شكلت أحوال الأسرة الصعبة، واهتمام أمه المتزايد براجي على حسابه، دوافعه لحياة تمزج الأنانية والتلاعب والمصلحة الفردية بالود والدعم وتحمل المسؤولية.
تتعدى الأسرة كونها «لب» الحكاية أو موضوعها، إذ تعمل على خلق علاقة فريدة بين الخاص والعام داخل الرواية، أو بكلماتٍ أخرى، تظهر العلاقة الجدلية بين التخييل السردي والاجتماعي.
تحتل الأسرة مكانة محورية بين الفرد والمجتمع. يبين الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني ماكس هوركهايمر أن نوع الأفراد الذين تخرجهم العائلة «يعبر عما يحتاجه المجتمع في مرحلة معينة من تطوره». فالعائلة عند هوركهايمر تعبر عن توترات المجتمع الواسع المتناقضة.
وفق مفهوم هوركهايمر عن «الفاعلية التكوينية» للأسرة، فإنها «تتولى أمر نوع الشخصية الإنسانية التي يحتاجها المجتمع»، ويوضح في مقالته الأساسية «السلطة والعائلة» بكلمات دالة: «توفر العائلة للكائن البشري قدرًا كبيرًا من التكيف الذي لابد منه مع سلوك سلطوي التوجه يعتمد على وجود النظام البورجوازي ذلك الاعتماد الشديد». تبدو كلمة «التكيف» وكأنها كلمة السر في ربطها بين الفرد/المجتمع، والسلطة/العائلة.
يبدو أفراد أسرة فاطمة إما غير قادرين على «التكيف» أو ممتثلين له. الخالة، مثلًا، نموذج للسلوك السلطوي والحزم. كانت تنتقد والدة فاطمة دائمًا بسبب «الدلع» في تربيتها لأولادها. وهناك رمزي، الذي طور قدرة على التكيف، فيعمل في السعودية طبيبًا، لا يرغب في عمل دراسات الدكتوراه ويفكر أكثر فيما يدر ربحًا ماديًا. يقوم بصناعة «الكريم» وتعبئته في عبوات، ويضيق بطلب المساعدة المالية من أجل نفقات علاج والدته. وتحلم الأم بيوم تخرج ابنتها وتعيينها في الجامعة كمعيدة والبدء في تحضير الماجستير ثم الدكتوراه. تشكل القدرة على التكيف رؤية أسرة الطبقة المتوسطة إلى الدراسة والعمل والترقي المادي.
في معنى الكتابة الذاتية
تسعى فاطمة قنديل إلى كتابة «ذاتها». حين تخبر زملاءها الذين يدرّسون النقد الأدبي ويكتبون روايات تجارية أنها تكتب مذكراتها، ينصحها أحدهم: «اكتبيها بضمير الغائب». ترفض «النصيحة» وتسخر منها قائلة:
«ظللت طوال اليوم أضحك من النصيحة الأخيرة، بضمير الغائب؟! أنا أريد أن أحضر كما لو أنني كنت غائبة دائمًا، الحضور الكامل هو كل ما أحلم به، اليقظة، التي لا تفوت ضوءًا واحدًا في جوفي إلا حدقت فيه».
وتضيف مستنكرة: «ضمير الغائب يا راجل ؟!»
لا تلجأ فاطمة قنديل إلى كاتب مفترض للنص تتقنع خلفه. تروي أحداث حياتها بضمير المتكلم، الـ«أنا»، ويمكننا رغم ذلك أن نتناولها كشخصية روائية، لأن «الاعتراف» يتخذ شكلًا روائيًا، و«الأنا» تُقدم إلينا في مقاربة شعرية، كما سنبين لاحقًا.
إلا أن المعنى الأوسع يكمن في «الأنا» كمفهوم عن الذات نفسها واشتباكها مع الظروف الاجتماعية، وليست مجرد ضميرًا بلاغيًا.
تبدأ «الأنا» في تقديم وصفًا «لنفسها عن ذاتها»، إلا أن فاطمة قنديل وجدت هذه الذات موجودة ضمنًا في «زمنية اجتماعية»، بتعبير الفيلسوفة والناقدة جوديث بتلر.
لكن الكاتبة تقاوم فرضية بتلر التي ترى أن «الزمنية الاجتماعية تتجاوز قدرة الأنا على السرد».
تقول بتلر في كتابها «الذات تصف نفسها»: «عندما تسعي الـ"أنا" لتقديم وصف لنفسها، وصف لا بد أن يتضمن ظروف نشوئها الخاص، فإن عليها بالضرورة أن تتخذ دور المُنظّر الاجتماعي».
تنجح فاطمة قنديل في رسم غالبية الظروف، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، المحيطة بنشأتها. وفي الوقت نفسه، لا تمتثل لضرورة التنظير الاجتماعي في سعيها لكتابة تلك الظروف والمعطيات.
فالرواية بعيدة عن تضمين أية استطرادات نظرية أو تحليلية، ورغم ذلك يقدم السرد لنا صورة معبرة عن ملامح عصر ما قبل النكسة وما بعدها، التحولات الطبقية للأسرة المتوسطة المصرية، وعن الهجرة وامتداد العمران القاهري.
كيف نجحت فاطمة قنديل في ذلك؟
كانت الغاية الرئيسية من وراء الكتابة، مثلما أوضحت فاطمة -الكاتبة/الراوية- هي سرد التجربة الذاتية، «الحضور الكامل»، مشاركة «الضجيج الساري» في روحها. وهذه الغاية تحركها معرفة واعية، تتمثل في الوعي بأن التجربة الذاتية تبنيها الترتيبات السياسية القائمة، وأنها بدورها تؤثر في تلك الترتيبات. أي أن «البنى السياسية والثقافية يعاد إنتاجها من خلال الأفعال والممارسات الفردية»، كما توضح بتلر. هكذا تتأمل فاطمة قنديل تجربتها الذاتية لا بوصفها حدثًا شخصيًا فقط بل «واقعة مشتبكة مع التجربة الأخلاقية والتاريخية حولنا». أو كما تصف بتلر تلك المعرفة في دراستها الرائدة قائلة:
«معرفة أن ألمي أو صمتي أو غضبي أو إدراكي ليس في النهاية ألمي أو صمتي أو غضبي أو إدراكي وحدي، وأنه يرسم حدودي في وضع ثقافي مشترك يمكنني بدوره ويمنحني القدرة بطرائق غير متوقعة».
اللوجوس والموت
يبدو سؤال الكتابة مرادفًا لسؤال الحياة نفسها. تتساءل فاطمة في أكثر من فقرة عن السبب وراء الكتابة، وعن معنى الشعر. تتشابه الأم مع ابنتها في علاقتهما بالكتابة. تقول فاطمة عن أمها:
«لم تنقطع علاقتها بالكتابة مطلقا، تطوي الكراسات وراء الكراسات، تملؤها بخواطرها، وفجأة في بداية مرضها بدأت تكتب رواية عن حياتها، ربما كي تتحرر منها، كما أفعل أنا، تماما، الآن».
أحيانا توصف رواية أو قصة بأن بها «روح الشعر»، وهي كلمة مُبهمة في رأيي. تتساءل فاطمة داخل النص: لماذا نكتب الشعر؟ . وتجيب: «لا لشيء إلا لكي نحتال على العقبات الصغيرة في حياتنا». لكن الشعر/الكتابة في «أقفاص فارغة» لا تتجلى كمجرد رغبة في التحرر من الألم أو مقاومة مصاعب الحياة، بل في المنظور الشعري للحياة نفسها. كأنه لا وجود حقيقي للحياة إلا بالكتابة. هنا يُخلق الشعر من العلاقة مع الحياة، والموت.
نقرأ في إحدى الفقرات عن الكيفية التي تسلل إلى فاطمة من أمها حليب «الأسى» أثناء فترة الرضاعة، الفترة التي رافقت حزن الأم على مرض الجدة ورحيلها. كأن الأم، سعاد، قد ورّثت ابنتها قدرها «المأساوي». هذه من التأملات الشعرية داخل الراوية، لأنها تمزج بين الحدس والشعور، بين الخيال والحقيقة.
تزداد أسئلة الكتابة/الشعر عمقًا كلما ارتبطت بـ«الموت». وتظهر الكتابة وكأنها وجهه الآخر.
من ضمن هذه التمثيلات، الإعلان عن أن «الكتابة هي الموت»، كما تقول فاطمة عن السبب وراء عدم كتابتها عن رئيفة، صديقتها الحميمة المخلصة. فهي لن تكتب عن رئيفة لأنها تكتب، بالأساس، عن الذين ماتوا، رحلوا عن الحياة أو ماتوا في قلبها، تكتب لتتخلص من رائحة الماضي العفنة، ولأن كتابة تستحضر الموت. تقول:
«كيف أفهمها ما علمَه لي الشعر: أن الكتابة هي الموت، وأنني لا أريد أن أكتب عنها، لأنني أرتعب من أن تموت».
كذلك فإن ارتباط الشعر بالموت يظهر في الإيمان بقوة «الكلمة» نفسها. «اللوجوس»، بالمعنى الفلسفي واللاهوتي، حيث الكلمة هي ضمان الحضور الكُلي في العالم. فمثلا، حين تضطر فاطمة إلى الكذب بناءً على طلب أخيها، وإرسال رسالة إلى كفيله السعودي تدعي فيها مرض الأم، فإن الأم تمرض بعدها بأيام قليلة. وتستخلص فاطمة مما حدث درسها الأثير: «شيئان تعلمت ألا هزل فيهما، المرض والموت، ما أن ننطق بأي منهما حتى تتلقف الصوت آذان الأثير، لا يعرف المرض والموت شفراتنا، ومجازاتنا، وأكاذيبنا البريئة، يستقبلان الرسالة "حرفيًا" وينفذان ما فيها».
كان يقينها هذا قد بدأ مع رحيل الأب الذي كانت تتمنى موته، سرًا وعلانية، بسبب لحظات الغضب أو العار.
كأن «الكلمة» هي ضمان الحضور، وهي أيضًا المؤذنة بـ«الغياب». هي عُملة الوجود، تحمل الوجهين معًا، الموت والحياة.
الإيقاع صورة الروح
كل المفاهيم السابقة لم تكن لتوجد دون أن تتحقق أسلوبيًا. يتضافر الإيقاع مع حركة العبارات ونمط الجملة نفسها مع طبيعة الفقرات، من أجل خلق الأسلوب «الشعري» للرواية.
تشكل الجملة داخل الفقرة نوعًا من العالم الصغير، محملة بأصدائها الصوتية والبصرية التي ترسم عالم الراوية. يلاحظ القارئ أن غالبية الجمل طويلة وتكثر بها علامة الفاصلة (،) بين كلمة وأخرى، كأن الرواية بأكلمها قد كتبت كلمة، كلمة.
تتنوع أنماط الجملة داخل سرد فاطمة قنديل بين نمطين: نمط الجملة «المتموجة»، بتعبير سوزان برنار، أي الجملة «الطويلة والمتعرجة التي تقدم نفس تعرجات أحلام اليقظة». جميلة طويلة تسير ببطء عبر فاصلات محسوبةi.
ونمط «الجملة الغنائية»، وهي جملة متصاعدة، «تتوافق مع المشاعر الحادة والتدفقات السعيدة أو الأليمة».
تمتد الفقرة التي تصور فيها الكاتبة موت أمها لأحد عشر سطرًا دون نقطة واحدة إلا نقطة النهاية. جملة واحدة ممتدة تصف خلالها الكاتبة حالة من السكينة بين النوم واليقظة، كأنها تعبر برزخًا من الحياة إلى الموت، وتنتهي بيقينها أن أمها ماتت.
تؤكد برنار على ضرورة أن تقترح حركة الجملة وتولد لدى القاريء حالة معينة من الروح تتوافق مع حالة الروح التي نشأت منها كتابة العمل.
فما هي حالة الروح عند كتابة «أقفاص فارغة»؟
تقول الراوية «كل ما كتبته على هذه الأوراق كان، مؤلمًا». وبما أن الإيقاع مستلهم من حركة الروح والحساسية؛ فإن إيقاع الرواية هو ما أسميه «إيقاع الألم». الألم الذي نتشاركه مع الكاتبة، وتعريه بداخلنا كما فعلت مع نفسها. هكذا يصير «الإيقاع صورة الروح»، كما تقول برنارii. وهكذا نتوحد مع العمل الفني.
جدل الذات ورحلتها
كانت فاطمة تقرأ لأمها بعضًا مما كتبته عن فترة العلاج في المستشفى. تحرجت في البداية حتى لا تؤلم أمها، لكن الأم أصرت، وكانت تهمس بعد الاستماع إلى فقرة ثم أخرى: «الله».
تقول فاطمة: «كأن الشعر يمنح الرحلة معناها، أو كأنها وثقت أن شيئا سيبقى لي، وعنها، بعد رحيلها».
ربما «الرحلة» المقصودة هي رحلة الذات، من العتمة إلى الضوء. ذات هيجيلية، تتفاعل مع مصيرها وصيرورتها، وتخرج باستبصارات جديدة بعد كل محنة، أو كما تقول بتلر «إن كل خداع يطلق مباشرة فهمًا أوسع للحقيقة». أليس ذلك ما حدث بين فاطمة وأخيها رمزي؟ فهي بعد كل فشل منها في التواصل الحقيقي معه، وبعد كل خدعة يسوقها إليها، تعيد ترتيب نفسها من جديد، وتدرك بشكل أعمق حقيقة حاضرها، ومحنة ماضيها.
لكن الذات التي تقدمها فاطمة قنديل ليست الذات التي يسرد علينا هيجل حكاية رحلتها، فلو كان السرد مقتصرًا فقط على هذه السمات الهيجلية لتمثلت لنا شخصية وهمية مثل «عوليس» من «الأوديسا» أو دون كيخوته، وليست شخصية فاطمة قنديل كما أرادت أن تكتبها.
هي ذات «عنيدة»، قادرة على تكوين عالم جديد وسط المعاناة، وهي أيضًا ذات «يحبطها المرض والمعاناة ويدمرها الفقد»، كما وصفها كيركجارد، والذي يُعارض مفهوم الذات كما صوره هيجل، ويرى أن «مثل هذه الذات لا وجود لها».
ربما هكذا يمنح الشعر الرحلة معناها، حيث يصير الوسيط بين صورتين من الذات، فاطمة بطلة الرواية -العنيدة- التي تتفاعل مع مفاهيم مثل القوة والوعي الذاتي واللغة، وفاطمة القلقة، صورة الذات التي يتنازعها «القلق»، صراع بين «الوجود» و«المثال»، بين «الزماني» و«الأزلي»، حيث الوعي «ليس كيانًا صلبًا منجزًا محققًا، بل هو مسرى مضطرب من الاختبارات الوجدانية والتمزقات الشعورية والتنازعات الروحيةiii. يمنحها الشعر الخوف من الحرية مع الرغبة في عيشها، والتصالح مع أخطاء الماضي.
*
تذكرنا «أقفاص فارغة» بقول نيتشه: «إن الحقيقة ليست نقيض الخطأ بل هي في كثير من الأحيان وضع الأخطاء في علاقة بعضها ببعض»، وبأن الكتابة كما ترتحل في الذاكرة فإنها تسعى إلى النسيان أيضًا، أو التحرر من الذاكرة بتعبير الرواية.
إذا تكلمت الفاجعة
كانت الكاتبة تترقب يد الموت وهي تمتد لتلتقط أمها إلى العالم الآخر، بعد أن انجرفت «صوب جحيم الألم». عاشت فاطمة على «شفا الفاجعة»، لهذا ترتبط الكتابة بمفهوم «الفاجعة» وشرط كتابتها كما رآه موريس بلانشو. الفاجعة، وفق رؤية بلانشو، تنحاز إلى النسيان، «النسيان الذي لا ذاكرة له»، إنها، بشكل ما «التذكر بالنسيان»، أو ربما من أجله.
تختتم فاطمة قنديل روايتها بقولها إنها تسمع دقات الموت ترن في قلبها كدقات المسرح، إثر حدوث ثلاث ميتات متسارعة في العائلة. «لقد تجاوزت الفاجعة الخطر»، ربما لهذا يولد الحزن مجهضًا كما تقول فاطمة، التي تشهد على الموت كـ«كومبارس» مُرتجل، أو تصبح هي نفسها، من فكرت في الانتحار قبل ذلك وأقدمت عليه بالفعل، «عاجزة عن الممات».
إنها كتابة الفاجعة في جوهرها، أو كما يقول بلانشو:
«لن تكون المتكلم؛ فدعِ الفاجعة تتكلم فيك، ولو بالنسيان أو الصمت».
هوامش
i يبدو استخدام الفاصلة موفقًا، فاستخدام النقاط (..) بدلا من الفاصلة يعبر عن ما يسميه الناقد الإنجليزي ديفيد لودج «التردد Aporia»، أي أن يعبر الأسلوب عن الاختلاف المحتوم بين «الأنا» التي تتحدث والـ«أنا» التي يجري الحديث عنها. ديفيد لودج، الفن الروائي، ترجمة ماهر البطوطي، المجلس الأعلى للثقافة، 2002.
ii لهذا تؤكد برنار، عند قراءتها كُتاب ما قبل الرومانسية، أن «الشعر الحقيقي يتواجد في الاعترافات والمذكرات الشخصية» لأن الأسلوب (من إيقاع وحركة عبارات) لا يستجيب لقواعد خطابية ولا ينتج انسجامًا شكليا بل «يتوافق مع أكثر حركات الإنسان عمقًا».
iii للمزيد من القراءة عن الفرق بين مفهومي الذات الهيجيلية والذات الكيركجورية، يمكن مطالعة دراسة شابحة بو عراب.وأيضًا مقال مشير باسيل بجريدة الإندبندنت العربية: الفيلسوف الدانماركي كيركغارد استجلى في القلق أبعاد المعنى الوجودي..
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
