تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أفيونة الحنين

أفيونة الحنين

#127 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: تامر فتحي 9 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

دون أن ندري، وبلا إرادة منّا، يحلّ رمضان مشعلًا عبر طقوسه حنيننا. وفي الغربة، يصنع المغترب طقوس رمضانه منفردًا، هكذا يفلت الحنين من مكمنه، ما يستدعي ضبط مستواه للسير بالحياة الجديدة هناك قُدُمًا، مثلما يكتب تامر فتحي في هذا الديتوكس.

#دليل #قراءة 

دعاني زميلي في الجامعة التي أدرّس فيها لصعود الجبل المتاخم لمدينة منتون، جنوب شرق فرنسا، سيرًا على الأقدام، أو ما يُعرف بـ «(الحَرْكَلَة) تَعْرِيبُ مصطلح Hiking»، وفق مجمع اللغة العربية الافتراضي. ورغم تجربتي المريرة في الحركلة على جبل سانت كاترين صعودًا وهبوطًا والمبيت ليلة على قمته، فقد طاوعتُ زميلي على اعتقاد أن ليس بعد سانت كاترين مشقة، وعلى أمل في صناعة تفصيلة جديدة تكسر نمطية الأيام التي نحياها.

صعدنا في ثلاث ساعات ونزلنا في أربع. الخَضار بكل درجاته القاتمة والخفيفة تتجلّى في الأفق الممتد على طول الجبل وعلى امتداد النظر. شجر كشجر الغابات وشجيرات وعشب ومياه جوفية تنزل في جداول صغيرة في الصخر يتوقف عندها المتحركلون للشرب، طعمها الرائع يذكرني بماء الطرمبة في قرية جدي.

جدي مرة أخرى. منذ سافرتُ إلى فرنسا وجدي يطاردني. إنها ليست المرة الأولى التي يظهر لي فيها. فقد كنتُ أتعمد أن أتوقف عند مخبز المنعطف المطل على الصيدلية الرئيسية في المدينة، لأن رائحة الخبيز تذكرني بالخبيز في دار جدي. بل إنني في صعودي للجبل وجدت بقرًا يرعى وماشية وحمير لمزارعين يقطنون المنطقة وشممتُ رائحة روث البهائم وتأمّلت الأرض الترابية التي نمشي عليها فعدّتُ إلى قرية جدي.

الشارع المجاور لمنزلي في مدينة منتون، اسمه شارع «سيدي إبراهيم»، اسم جدي الذي كنا نناديه بلقب «سيدي» كعادة قرى الدلتا. الشارع أُطلق عليه هذا الاسم تخليدًا لمعركة سيدي إبراهيم التي دارت بين الجزائريين بقيادة الأمير عبدالقادر الجزائري، وقوات الاحتلال الفرنسية عام 1845. كنت لا أعرف وقتها هذه المعلومة، فاعتبرتُ، رغم أني توقفت منذ فترة طويلة عن التصديق في العلامات، أن جدي يخبرني أنه في الجوار. لكن هل هو في الجوار فعلًا . أم أنه الحنين يا معلم؟

ربما هو الحنين بالفعل. فالجدّ هو الجذر، ولو أننا فروع في شجرة، ففي التفكير في الجذر حنين للأصل، لنقطة البداية والانطلاق. أنت المنطلق كفرع شجرة، مشدودٌ من الخلف بالجذر. وتحت تأثير عمل الذاكرة التي تضيف وتحذف دون إدراك تام بالعملية، لا تعيش اللحظاتٍ حقيقية كما هي، بل تعيش أخرى غير حقيقية، أو نصف حقيقية نصف متخيلة. 

«أحنُّ إلي خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي» أدرّس لطلبتي في الجامعة جزءًا من قصيدة محمود درويش. أشرح لهم الفعل «أحنُّ»، أقول: أنا في فرنسا وأحنّ إلى مصر، أحنُّ إلي عائلتي، إلى أصحابي، إلى الكشري، إلى الشاي مع الشيشة. يضحك الطلبة. أبحث معهم في المعجم: حَنَنْتُ، أحِنُّ، حِنَّ، والمصدر حَنِينٌ. أَحِنُّ إلَيك: أشتاق إليك، حَنَّ العُودُ: صَوَّتَ عند النَّقْرِ، حَنَّت الناقةُ: أحدثَتْ صوتًا وهي تمُدُّ عنقها شوقًا إلَى وليدها، وحَنَّ الرَّجُلُ: صوَّتَ طَرَبًا أو توجُّعًا. ويُقال ولدٌ حَنٌّ : أي به جُنُون.

كثيرًا ما يتهيّأُ لي وأنا أمشي في شوارع منتون القديمة، أنني أسمع صوت راديو إذاعة القرآن الكريم أو موسيقى أغاني مصرية، وسرعان ما أتمسخر على الحالة التي وصلت إليها. لكنني ذات مرة هُيّأ لي، وأنا أمشي في الشارع الطويل، وهذا هو اسم الشارع بالمناسبة Rue Longue، سماع صوت عدوية يغني «راحوا الحبايب بقالهم عام والتاني». يومها قلتُ: تهيؤات، لكن الصوت كان مسموعًا بالفعل، نظرتُ لأعلى فوجدتُ أحد عمال البناء من جذور عربية على سقالة يشغّل أغنية عدوية. ساعتها وددتُ لو أنني تركت حقيبة التسوّق ورقصت.

عندما يستبد بيَّ الحنين، أود لو أنني أرقص. مرة وأنا في سوق بقطاع غزة، وكان لي ستة أشهر لم أنزل فيها إلى مصر، سمعت أحد محلات الأحذية يشغّل أغنية شفيقة «أنا مش راح أنسى».  دخلتُ المحل كالمسحور وتصنّعتُ أنني أبحث عن حذاء وأغمضتُ عيني وتركتُ صوت شفيقة يغمرني، وهممت أن أرقص في منتصف المحل.

لكنني لم أرقص، توقفتُ في اللحظة التي أدركتُ فيها أنه الحنين. لقد تعلّمتُ منذ سافرتُ من الإسكندرية واستقررْتُ بالقاهرة، في 2006، كيفية قتل الحنين، علمني هذا ميلان كونديرا في روايته القاسية «الجهل».

يكتب كونديرا: «أتخيل انفعال كائنين يلتقيان بعد سنوات. قديمًا تعاشرا، فيظنان إذن أنهما مرتبطان بنفس التجربة، بنفس الذكريات. نفس الذكريات؟ هنا يبدأ سوء الفهم: ليس لديهما نفس الذكريات، كلاهما، يحتفظ من لقاءاتهما باثنين أو ثلاثة مواقف صغيرة، لكن لكل منهما ما يخصه منها، ذكرياتهما لا تتشابه، لا تتقاطع، وحتى كميًّا ليست قابلة للمقارنة: أحدهما يتذكر للآخر أكثر مما يتذكر الآخر له، أولًا لأن قدرة الذاكرة تختلف من شخص لآخر، وكذلك أيضًا لأنه ليس لأحدهما لدى الآخر نفس الأهمية.»

في تلك الفترة، شاهدتُ فيلم «سينما باراديسو»، والتصق بذهني المشهد الذي أمسك فيه ألفريدو العجوز بـ «توتو» الشاب الراحل عن بلدته الصغيرة، وهو يقول له: «لا ترجع، لا تفكر فينا، لا تنظر للوراء، لا تكتب لنا، لا تغرق في الحنين إلى الماضي، انسى كل شيء، وإن حدث وعدت، لا تأتي لزيارتي»

كنت قاسيًا وقتها أقتل الحنين قتلًا كي لا أعود إلى الإسكندرية، وكي لا أتوقف عن صنع حياة في القاهرة. كنت أعتقد أن الحنين شلل، تمامًا كالإفراط في قراءة كتب الفلسفة. لا تقف للتذكر، بل اصنع ذكريات جديدة. مع مرور السنين واختلاف التجارب، صرت أميل لتجنب القسوة مع نفسي، تعلّمتُ ترويض الحنين وتحويله لأفيونة أتعاطاها تحت وطأة الأيام المتشابهة. فقليل من المخدر يصلح ما تفسده الليالي.

أتعاطى الحنين بحذر، عند التسوق، وعند المشي على البحر. أختلس بعض من رائحة الخبيز عند مخبز المنعطف المُطل على الصيدلية، وأضع السماعات على أغنية «بالهدواة يا حبيبي بالهداوة، حبّ واشبع بالهداوة، هو حد يحط سكر على الحلاوة» ثم عند حد معين أُمسك لأنه عليَّ متابعة الايميلات ودفع الفواتير والتأمينات فضلًا عن العمل والتحدث بلغة جديدة. أحتاج إلى ذهن شبه خالٍ من الحنين. 

زوجتي الحبيبة، شيماء صالح، تتعاطى الحنين بكثرة لدرجة جعلتها تحترف خَبْز العيش البلدي على الطاسة، وصنع كحك العيد، والدخول في دائرة من الأحلام تمتد من فرنسا إلى القاهرة إلى قرية بلانة وأفراد عائلتها وأحيانًا في مدن مختلفة، لكنها مؤخرًا بدأت تحلم بنفسها وهي تتحدث الفرنسية.

وعادة ما نتعاطاه معًا بعد نوم علي، ابننا، باجترار ذكرياتنا المشتركة في القاهرة، وعلى مقهى غزال. نركز على هذه الفترة، وما عداها من ذكريات تنحسر إلى النسيان.   

يكتب كونديرا: «يعيش فردان في الشقة ذاتها، ويريان بعضهما في جميع الأيام، وفوق ذلك، يحب أحدهما الآخر، فإن أحاديثهما اليومية تضبط ذاكرتيهما: برضا ضمني ولاشعوري، يهملان في النسيان مناطق واسعة من حياتهما ويتحدثان من جديد عن الأحداث نفسها التي يحيكون منها الحكاية ذاتها»

الحنين عند كونديرا نابع من معاناة الجهل، أنت بعيد وتجهل كيف هي بلدك وأهلك. لكن وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، صرنا نعاني لأننا نعرف أكثر. الحنين ناجم في لحظتنا الراهنة من معاناة معرفة أن ما نحنُّ إليه ما عاد موجودًا. 

جدي مات من عشرين عامًا، وبيتُه هُدَّ وأُقيمَ مكانه منزلٌ جديد من الخرسانة ذو ثلاثة أدوار، وقريته ما عادت كما كانت، أختي تخبرني أن لمّات العائلة في الإسكندرية قلّت، والرفاق سمعنا منهم أنهم قلما يجتمعون، وأن مقهى غزال ما عاد مبهجًا كعهده القديم، الكل يقول: إنها الكورونا وفور أن تنتهي سنعود، ونقول: ونحن أيضًا بمجرد أن تستقر أوضاعنا في فرنسا سنعود ونجلس. ولا أننا نعرف أنه ليس كمثل جلساتنا الأولى، ينتابنا حنين لا طائل من ورائه سوى لذة الاشتياق.

وأمام هذا الإدراك العدمي، كان علينا أمّا أن نستسلم للانخراط التام في سياق جديد، أو أن نجتر الحنين كمحاولة يائسة لطمس فتور الأيام الذي يتسرّب إلى دواخلنا. 

على حواف  المياه الجديدة، نحاول أن نمّد أرجلنا. ومن حين لآخر يستلب عقولنا اعتقاد أن ما عشناه على الضفة لن يأتي مثله ولو نزلنا الماء، وأن مصيرنا العودة إلى الضفة. أقول كثيرًا في محادثاتي الهاتفية مع الرفاق أن ما ينقصنا هو وجودهم، وأن الحياة هنا ينقصها حياة، بينما أفكر في استئجار مسكن أكبر قليلًا لأن علي يكبر، وأواصل دورات اللغة الفرنسية المكثّفة. 

يسألني آلان، أول مَن درّسني الفرنسية: متى تتناول وجبة الفطور؟ أقول: في العاشرة أو الحادية عشر.  إذن متى تتغدى؟ في الرابعة أو الخامسة. وماذا تأكل في الفطور؟ فول وبيض. يتعجب: فول وبيض في الفطور؟

يبدأ الفرنسيون يومهم صباحًا بالفطور الصغير petit dejeuner، قهوة وخبز بالزبدة، ثم بعد ذلك الفطور dejeuner من الثانية عشر والنصف إلى الثانية.

في البداية كنا نهتم بوجبة الفطار، نشتري علب الفول أو ندمّسه، والبيض المدحرج، والخبز البلدي والجرجير وبعدها كوب الشاي المغلي. كنا نفعل ذلك بشكل يومي، لكننا سرعان ما بدأنا في الجنوح إلى الفطور الصغير، كما يفعل الفرنسيون، تخلينا عن الفول لقلة الحصول عليه ولأنه مهما فعلنا لا يمكن الوصول لطعم فول عربية «عم حمدي» الموجودة في آخر الفلكي مع شارع صبري أبو علم. كما تخلينا عن الخبز البلدي، وجعلناه في المناسبات، بعد أن اكتشفنا الخبز المنتوني التقليدي المقارب في طعمه لخبز جدي، وفي قوامه الداخلي للعيش الشمسي.

إننا نأكل الذكريات، لا الطعام. عندما وجدت المحل اللبناني الذي يبيع منتجات «بسمة»، شعرت بسعادة بالغة، وأخذ الرجل يضحك لما سمعني أقول وأنا أشاهد أكياس البامية والملوخية: «أنا في غاية السعادة». كما وجدت عنده علب الكنافة المجمدة، يومها شعرنا ونحن نأكل في المغربية طاجن البامية والملوخية ونحلي بالكنافة أننا في رمضان. 

أيام الإغلاق الصحي في موجات كوفيد الأولى، كان منظر السيارات المتكدسة في الطرقات عند عودتها قبيل موعد حظر التجول في السابعة مساءً، يذكّر بتكدُّس السيارات قبل موعد المدفع.

رمضان هو الشهر الذي يخصنا تمامًا نصنع طقوسنا كاملة. يصبح بيتنا الصغيرة قطعة من بيتنا في مصر. وتصبح عودتنا من الخارج، حيث لا يوجد رمضان، إلى البيت، وكأنها العودة إلى داخلنا، كأنه الدخول في فقاعة من الحنين. 

فقبيل رمضان نذهب إلى المحل اللبناني نشتري ما يكفينا للشهر، تصنع شيماء القطايف، ونحضّر التمر باللبن، تفتقد هي الأبريه، المشروب الرمضاني النوبي، وأفتقد الخروب، مشروبنا الرسمي في رمضان بالإسكندرية. 

في موعد الإفطار، نشغّل آذان المغرب بصوت محمد رفعت، ونجهّز الحلقة التي سنشاهدها من المسلسل الرمضاني ونعدّ المائدة. يستمر معنا طقس مشاهدة المسلسلات حتى في غير أيام رمضان.  قبيل الإفطار أحيانًا أجلس أنا وعلي ونشاهد بوجي وطمطم.

وفي صباح العيد، يكتمل الطقس مع تحضير الشاي بلبن مع طبق كحك العيد الذي صنعته لنا شيماء، وارتداء الملابس الجديدة ثم الخروج. لكن لا عيد في شوارع منتون، إنه يوم عادي كأي يوم، لكنه في رؤوسنا عيدٌ، نمشي في المدينة الصغيرة التي اعتدناها وكأن فيها بهجة العيد، وكأننا ونحن نتحرك في الأماكن نمشي داخل فقاعة شفافة من الحنين. وقد يصادف أن أرى مسئول الأمن في محل «كارفور»، جزائري الأصل وهو يتمشّي هو الآخر مع زوجته وطفله ويرتدون الملابس الجديدة ويمشون داخل فقاعتهم أيضًا.

هل يمكن التخلص من الحنين تمامًا؟ لا أظنّ. أخبرتني أمي أن جدي إبراهيم، وهو على فراش الموت، كان ينادي على زوجته الأولى التي ماتت بالكوليرا. الحنين جزء من حياتنا القصيرة،  كالخوف والسعادة والاكتئاب، لا بد من التعامل معاه حتى النهاية.

و#سلام.

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن