أفلام مصرية في مهرجانات عالمية: اليأس والأمل ومساحات الحرية (1-2)
في 2025 شاركت عدة أفلام مصرية في مهرجانات عالمية مرموقة، تتنوع سمعتها في العوالم السينمائية بين مهرجانات كبرى مثل «كان» الفرنسي أو «برلين» الألماني ومهرجانات أقل توسعًا وأكثر استقلالية مثل «ترايبيكا» في الولايات المتحدة أو «وارسو» في بولندا. علاقة السينما المصرية بالمهرجانات العالمية أو بلفظ «العالمية» بشكل عام هي علاقة مرتبكة، مَثل الوصول إليها في فترات سابقة حلم للصناع وفخر قومي محلي للحصول على الاعتراف العالمي من عواصم السينما، أو من المهرجانات التي يقدسها محبي السينما ويرون أن دخول فيلم ضمن اختياراتها هو ضمان لجودة هذا الفيلم، لكن في السنوات الأخيرة صاحب تلك الأفلام التي تنجح في القبول وربما حصد الجوائز استنكارًا وتربصًا محليًا، واتهامات بتصميم الأفلام خصيصًا للأعين الغربية البيضاء أو حتى إظهار الواقع المحلي بصورة إشكالية.
يمكن تقسيم بعض الأفلام المصرية المشاركة في سياقات سينمائية عالمية العام الماضي لنوعين: أفلام تتسم باليأس وأخرى بالأمل، تحت المظلتين يمكن تحليل كيف تناولت تلك الأفلام موضوعاتها وتمثيلاتها المحلية وغيرها، أفلام مثل «عائشة لا تستطيع الطيران» لمراد مصطفى، و«كولونيا» لمحمد صيام، و«المستعمرة» لمحمد رشاد، تنتمي لشكل سينمائي قاتم، يسم نفسه بالواقعية ومحاولات إظهار العالم الداخلي كما هو دون تجميل، وهو ما يمكن تحليل مدى تحققه، فيما تتعامل أفلام أخرى مع قتامة الواقع بمسحة من الأمل وإظهار السحر في تفاصيل الحياة اليومية رغم قسوتها مثل «ضي» لكريم الشناوي أو «عيد ميلاد سعيد» لسارة جوهر. ما يجعل تقسيم الأفلام بتلك الصرامة ممكنًا من الأصل هو تركيزها على تصوير أوضاع شديدة القتامة، خاصة حيوات الأقليات العرقية أو الفجوات الطبقية الضخمة، تعمل بعض تلك الأفلام في مساقات مضادة للسينما التجارية المحلية، دون الرضوخ الكامل لرقابتها أو شركاتها المحتكرة، وتعتمد على إنتاجات موازية يمكن وصفها بالمستقلة، أو على الأقل مستقلة عن الشركات والكيانات السائدة، كما تعتمد على مجموعة كبيرة من صناديق الدعم والمنح الانتاجية وورش تطوير السيناريو وغيرها من أساليب التمويل التي تسمح بمساحات من الحرية مختلفة عن الانغلاق التام للإنتاج المحلي.
اليأس
يمكن النظر للأفلام التي تتسم باليأس ككتلة واحدة باعتبار أن كلها تدور في عوالم مغلقة تمامًا، وتتناول حيوات مهمشة تتضاد مع الشخصيات التي تميل السينما المصرية السائدة لتناولها مؤخرًا، فتستقل بذلك عنها، لكنها تتماهى مع شكل سينمات «العالم الثالث» أو منطقة إفريقيا والشرق الأوسط وشكل ظهورها عالميًا. تمثل أفلام هذا العام امتدادًا لأفلام أعوام مضت، في حالة يمكن وصفها بالنمط المتبع الذي تطرأ عليه تنويعات، فيمكن اعتبار «عائشة لا تستطيع الطيران» امتدادًا لـ«ريش» 2021 لعمر الزهيري الذي عرض في مهرجان كان في مسابقة أسبوع النقاد وفاز بجائزتها، كلا الفيلمين يتناول مناطق شديدة الفقر واليأس وتحول حيواني رمزي، كما يمكن استدعاء شبح الآباء المفقودين والانسحاق الطبقي والاجتماعي في البحث عن «منفذ لخروج السيد رامبو» 2024 لخالد منصور وإسقاطه على كل من «كولونيا» لمحمد صيام و«المستعمرة» لمحمد رشاد، لا تتعاطى تلك الأفلام مع موضوعاتها بالصيغة الأسلوبية أو السردية نفسها لكنها تشترك في بعض السمات الرئيسية منها الاقتصاد الشديد في الحوار والاستخدام المختزل للموسيقى والجماليات البصرية.
ربما يكون فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» هو الفيلم الأكثر إثارة للجدل بين تلك الأفلام التي لم تشاهد بالضرورة على نطاق جماهيري واسع، بدأ «عائشة» رحلته بالمشاركة في قسم «نظرة ما/ un certain regard» في مهرجان كان السينمائي. منذ يوم عرضه تعامل صناعه مع حقيقة كونهم في مهرجان كان باعتباره الإنجاز الأكبر، بسبب الطابع الأسطوري للمهرجان بين محبي السينما. تبنى الأبطال والصناع أبقنوغرافيا كاملة متعلقة بالمهرجان، في جلسة التصوير الصباحية التي يقيمها المهرجان، اقتبس زياد ظاظا المغني والممثل حديثًا وأحد أبطال الفيلم وضعية تصوير يوسف شاهين في كان 2004، فصعد على الطاولة متكئًا عليها في إشارة وتحية لأحد أشهر مخرجي مصر وأحد أكثرهم وصولًا للمهرجانات العالمية.
بعد عرض «كان» شارك الفيلم في مهرجانات أخرى، لكن ثقل المهرجان الفرنسي لم يتلاش بعد، ظهرت من خلاله ردود أفعال جماهيرية ونقدية مصرية وعالمية بعضها يرى الفيلم كفيلم جريء ومتميز يستخدم أساليب بصرية وسردية نادرًا ما ترى في السينما المصرية المحلية، خاصة في مدى جرافيكيته أو انفتاحه على العنف ورعب الجسد.

لم يكن الفيلم محط نقاش جماهيري داخل مصر حتى تم تسريبه بشكل مفاجيء في شهر أكتوبر 2025. في تلك اللحظة فوجئ صناع الفيلم بأن فيلمهم أصبح مكشوفًا ومفتوحًًا أمام الجمهور المحلي، ربما بالوسيلة الوحيدة الممكنة لذلك. بمشاهدة نسخة الفيلم المقرصنة يمكن رؤية أنه فيلم مصمم بشكل حريص ليكون غير متاح بالمعايير الرقابية والجماهيرية المصرية، فيلم لم يصنع لكي يشاهد داخل مصر بطرق رسمية أو غير ذلك. أصبح الحديث عن الفيلم متعلق برد فعل صناعه، مخرجه مراد مصطفى الذي شارك في سجالات وسباب لأفراد لم يعجبهم الفيلم أو وصفوه بألفاظ قوية، مبررًا هجومه على الآراء بأن الفيلم شارك في أكبر مهرجانات العالم، المهرجان الذي لا تستطيع أقدام الجمهور المصري العادي أن تطأه، فيما هدد أحد ممثلي الفيلم في دور ثانوي امرأة شاركت منشور يهاجم الفيلم باستخدام العنف الجنسي ضدها، مدافعًا في رسالته عن مراد مصطفى الذي وصل لما لا نستطيع جميعنا الوصول إليه. اعتذر مراد مصطفى لاحقًا بالنيابة عن نفسه وعن الممثل عن ردود الأفعال التصعيدية نظرًا للضغط الواقع على صناع الفيلم بعد حادثة تسريبه.
بعيدًا عن الجدال الخارجي حوله، يحكي «عائشة لا تستطيع الطيران» قصة عائشة (بليانا سيمون) مهاجرة سودانية إلى مصر في منطقة عين شمس. يتبع الفيلم أسلوب بريسوني -من روبير بريسون- في الأداءات التمثيلية، حيث يبدو على جميع الممثلين الوجوم والتصلب، يتلفظون بجملهم الحوارية بشكل أقرب للقراءة من الأداء. تقضي عائشة أيامها في خدمة المسنين، وتتعرض أثناء ذلك لكافة أنواع الاستغلال الجنسي والجسدي، عائشة شخصية موجودة فقط لتعاني بأسوأ الطرق. يعرض الفيلم فتات من السياق السوداني/المصري في نشرات الأخبار العابرة، ويركز على صراع بين عصابات مصرية وسودانية في عالم يبدو أبوكاليبسي تمامًا، وهو ما يجعل الفيلم عُرضة سهلة لاتهام السعي للقبول من الأعين الغربية أنه وعلى الرغم من محليته الشديدة -تصويره في المناطق الحقيقية، واستخدام شتائم الشارع الحقيقية دون رقابة- فهو يستعير بالكامل شكل المعاناة من مجموعة من التأثيرات السينمائية الشهيرة.
في «عائشة» يصبح التهميش خاصة العرقي سمة مستعارة وليست محددة بشكلها المحلي، سود البشرة في الفيلم يمكن أن يكونوا من أي بلد أو قارة في العالم، ليس تحديدًا من السودان-الممثلة الرئيسية من جنوب السودان- والعنف الذي يمارسه المهاجرين هو عنف بصري مألوف مستعار من أفلام مثل «مدينة الرب» البرازيلي، حيث يبدأ فجأة شباب سودانيين بإشهار أسلحة رشاشة ومدافع في حرب مصغرة بينهم وبين عصابة مصرية تستخدم السلاح الأبيض. يخلق مراد مصطفى أيقنوغرافيا إفريقية يمكن بسهولة إرجاعها إلى مصادرها، فيخرج الفيلم من محليته ليصبح أكثر سهولة في الهضم عالميًا، يقدم فرضياته بصريًا ببساطة: هكذا يمارس السود العنف، مثلما رأيتم في أفلام أخرى. لكن ما يجعل الفيلم غير حساس بشكل خاص تجاه شخصيته الرئيسية والعالم الذي يتناوله أنه يخلق حربًا أهلية وهمية -أثناء حدوث حرب حقيقية- بين المهاجرين السودانيين والمصريين القاطنين في المنطقة باعتبار أن هذا وضع المنطقة بشكل عام -الشرق الأوسط وإفريقيا- فيجعل الهروب من حرب مشتعلة هو بالضرورة الانتقال لحرب أخرى دون سياق أو مبرر واضح في نسيج الأحداث نفسها.

في وسط كل العنف الدموي نرى لمحات من الواقعية السحرية عندما تصيب عائشة حالة من التحول الحيواني كرد فعل على المعاناة الخارجية، يبدأ جسدها في إفراز الريش وكأنها في طريقها لكي تصبح طائر يحاول الهروب من واقعه. في عالم الفيلم من الباستيش (القص واللصق) يظهر تأثير بجعة أرنوفسكي السوداء في تفاصيل تحول جسد عائشة، لكن الفيلم لا يلتزم بتلك الرؤية السحرية للنهاية، لا يعطي الخيال حتى كرامة أن يكون حقيقة ولا الانتقامات الدموية ومنها أكل لحوم البشر مساحة إلا في التصورات والأحلام. ما يلتقطه الفيلم بشكل مؤثر هو انغلاق الأفق المصري التام، شكل من القتامة واليأس الذي يمكن لمسه بشكل مادي. يصور القاهرة كشبكة أسمنتية متداخلة من العنف والاحتجاز، كل الشخصيات محصورة في سياقات مغلقة سرديًا وبصريًا ولا يبدو في الأفق أي سبيل للنجاة من جحيم العيش اليومي.
في إطار بريسوني آخر يقع فيلم «المستعمرة» لمحمد رشاد وهو فيلمه الروائي الأول، عرض الفيلم في قسم «وجهات نظر/ perspectives» في مهرجان برلين وهو قسم للأفلام الروائية الطويلة الأولى، ثم عرض محليًا لأول مرة ضمن مهرجان الجونة السينمائي، الفيلم هو التجربة الروائية الأولى لمحمد رشاد بعد مسيرة وثائقية تضمنت فيلمه الأشهر «النسور الصغيرة» (2016). يتسم «المستعمرة» بشكل وصيغة اختزالية جدًا، يعرض فقط ما يراه ملائمًا لحدثه الرئيسي دون مسارات جانبية، يركز سرده بالكامل حول حسام (أدهم شكر) ومارو (زياد إسلام)، أخوان يعملان في مصنع في منطقة على أطراف الإسكندرية، يطلق عليها اسم المستعمرة. يعمل الأخوان مكان أبيهما الذي لقى حتفه في المصنع كتسوية، حتى لا يتعرض المصنع لمساءلة قانونية أو انتقام فردي. يقع الفيلم في مساحة تأثيرية بين روبير بريسون أدائيًا -الشخصيات تتحدث بثبات شديد وأداء محايد غير عاطفي- وبين آكي كوريزماكي باعتباره التأثير الأوضح في الأفلام التي تتناول الطبقات العاملة خاصة في المصانع وعلى هامش المدن الكبيرة. يتبع الفيلم الأخوين في مساحات المصنع والمنزل والطريق بينهما، وينغمس تمامًا في سياقه المحلي حيث يضع بطليه في رحلة بحث وانتقام خفي من قاتل أبيهما، لكنه لا يتعرض لنقد سياسي أو اجتماعي جلي، بل يبطن النقد في تراتبيات السلطة الداخلية في المصنع، وفي العنف المجرد الناتج عن تواصل الإنسان مع الآلة والسلطة التي تديرها.

يستدعي فيلم «المستعمرة» على الرغم من وقوع أحداثه في الحاضر شكلًا من الماضي الاشتراكي، يزرع ملصقات تبدو وكأنها وجدت في الستينيات وتخطت الزمن وعاشت إلى الآن، ويركز على معدن الماكينات المكتوب عليها صنع في الاتحاد السوفييتي. يخلق الفيلم عالمًا صناعيًا قاتمًا ومنغلقًا تمامًا على ذاته، يبدو وكأنه لا وسيلة للهروب منه، لكنه يعطي بطله حسام قصة حب بسيطة تستدعي أفلام كوريزماكي، في تواصل شبه جاف وصامت لكنه يمثل أملًا وحيدًا دافئًا وسط درجات الأزرق والرمادي، ويعطي مارو أخيه حسام. تؤطرهما الكاميرا بحميمية ورقة شديدة، في أحاديث يومية مقتضبة أو عناقات أخوية/أبوية.
يطارد الأخوان شبح الأب بشكل دائم، سمعته، ووراثتهما لتلك السمعة، وكلامه عنهما. ويمثل عملهما في المصنع امتدادًا لوجوده بشكل رتيب وتكراري يحاكي وجود الماكينات نفسها، ولا يكسر تلك الرتابة إلا الإقدام على فعل انتقامي عنيف. يتجنب رشاد العنف الجرافيكي المصور، يظهر نتائج العنف ويؤطر لحظات حدوثه لكنه لا ينغمس به أو يؤطره بشكل فيتيشي، لكن مع ذلك التجريد يستعمل سمات كل من بريسون وكوريزماكي دون أن يستغل قوتهما الأسلوبية، فالفيلم مثل الكثير من الأفلام المصرية المنتجة بشكل مشابه يستخدم البطء بدلًا من السرعة، والمشهدية بدلًا من تراتب الأحداث كوسيلة للاستقلال عن السينما السائدة، لكنه لا يوظف الغرابة المضمنة في الحديث المقتضب وفي العوالم الآلية، فيصبح استعمال الأسلوبية الجافة مجرد مدلل على طبيعة الفيلم لكنه يعطيه في الوقت نفسه شعور عام بانعدام الحيوية، بتوازي حركة الفرد مع الآلة التي يتعامل معها.
في سياق علاقة الآباء والأبناء كذلك يمكن قراءة فيلم «كولونيا» لمحمد صيام، حيث تتكثف العلاقة سرديًا بشكل أكبر من «المستعمرة» الذي لا يظهر الأب ويتركه يقبع كظل ثقيل فوق أبناءه. تقع أحداث «كولونيا» في إطار زمني مضغوط: يوم واحد تقريبًا، وعلى عكس «عائشة لا تستطيع الطيران» أو «المستعمرة» فهو يستخدم قوة النجوم ليوازن بين إمكانية العرض السينمائي الداخلي والخارجي، فيسند أدوار الأب لكامل الباشا الممثل الفلسطيني الشهير والابن لأحمد مالك الممثل المصري الذي يتصادف أنه في أوج شعبيته في الآونة الأخيرة. عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان وارسو في بولندا، قبل أن يعرض محليًا في مهرجان الجونة. مثل رشاد فإن خلفية صيام وثائقية وهذا هو فيلمه الروائي الأول، لا يتحرك صيام داخل المساحة المعتادة للأفلام الممولة بشكل بديل/مستقل، بل يترك الممثلين يمثلون بأساليبهم التقليدية، هنا لا يوجد جفاف بريسوني أو بطء يستدعي شانتال أكرمان، بل مشاهد حوارية ميلودرامية طويلة، وأغنيات ذات شعبية وتأثير عاطفي وثقل في الثقافة المصرية والعربية، ما يفرق فيلم صيام عن أفلام منتجة بالشكل السائد هو مزيج من الانفتاح والغموض في الوقت نفسه، انفتاح على اللغة والسباب والتعبير عن الغضب بألفاظ مصرية مألوفة، وغموض في مساحات سردية ربما تتدلل على موضوعات يستحيل تناولها في السينما السائدة، لكن ذلك الغموض الشديد يجعل الفيلم يبدو غير مكتمل أو يضعه في مساحة محافظة تحاول الموازنة بين العالمي والمحلي بمحاولة الإيحاء بتناول موضوعات تتعلق بالأقليات ولف ذلك التناول بطبقات من الاحتمالات وسوء الفهم.

تدور أحداث الفيلم في صباح وفاة عمر (كامل الباشا) أب لولدين: فاروق (أحمد مالك) وأخيه الأكبر، يقوم بدوره عابد عناني، ثم تعود الأحداث بمشهد استرجاعي طويل يمثل المساحة العظمى من مدة عرض الفيلم ليرينا الليلة الأخيرة في حياة عمر ووجوده في حياة فاروق. على مدار تلك المدة يخبرنا كل من الأب والابن أكثر مما نريد أن نعرفه عن علاقاتهما. يستخدم الفيلم الكشف الحواري المباشر والمتكرر لكي يرسم لنا صورة خلفية عن تلك العلاقة، نعلم أن فاروق مدمن وتاجر للمخدرات وأنه ترك أبيه في غيبوبة لأشهر، نعلم أن علاقتهما شديدة التعقيد وأنه لم يكن أبًا حنونًا أو حاضرًا، نعلم أيضًا أن علاقة الأب بالأم كانت شديدة التوتر وأحيانًا العنف الذي امتد للأبناء. تدور تلك الحوارات الكاشفة والمطولة في مساحات داخلية في منزل الأسرة، وأحيانًا تنتقل إلى مساحات خارجية لتكشف لنا وقوع الأحداث في الإسكندرية، البيئة الساحلية التي يدلل عليها الفيلم بصريًا بطغيان لون أزرق سماوي قاتم على كل بصرياته تقريبًا، إلا عندما تظهر الشخصية النسائية الرئيسية، سارة، والتي تقوم بدورها الممثلة مايان السيد، لتكون جزءًا آخر من أجزاء الكشف الحواري المطول. وجودها يخبرنا أكثر عن طبيعة فاروق، ويضفي بعضًا من الخفة والكوميديا على فيلم قاتم، فهي شخصية «فتاة شعبية» بشكل نمطي تقريبًا تلوك علكة بشكل دائم وتتحدث بصوت عال، وتظهر عكس ما تبطن -تعيش حياة مزدوجة خارج وداخل منزل أهله- مثل كثير من الفتيات في مصر.
مع تصاعد وتكثف الأحداث يحاول الأب أن يتخلص أخيرًا من عبء الإخفاء وأن يكشف عن أسرار أثقلته طيلة حياته وجعلته الشخص القاسي الذي هو عليه الآن، لكن ذلك الكشف يخفي أكثر مما يظهر، يتعمد الفيلم جعله شديد الغموض والتورية. هل كان فاروق مثليًا متخفيًا في زواج اجتماعي ظاهري أم هل كان خائن وكانت زوجته خائنة؟، بعد ساعة تقريبًا من الكشف الحواري الواضح يتعقد الفيلم هنا، يصبح غير قادر على الكشف ويفضل الإيحاء على استخدام مساحة الحرية لسرد قصة مغايرة ربما تفتح مجال لرؤية السينما المصرية بشكل أكثر انفتاحًا، لكنها أيضًا وبشكل متفهم ربما تعرضه لعدم العرض في مصر سواء في سياقات المهرجانات أو دور العرض التجارية.
تتحرك الأفلام المعروضة في سياقات خارجية داخل مساحات من الحرية والقدرة على التعبير سرديًا وأسلوبيا، تقتنصها من خلال العمل خارج النظام المصري السائد لصناعة الأفلام سواء على مستوى الإنتاج أو الرقابة والتوزيع، تستخدم الأفلام كلها تقريبًا تلك الحرية المقتنصة في أي شيء عدا النقد، النقد السياسي المباشر أو المجتمعي الداخلي (الممنوعات الحقيقية التي تمثل خطر على ممارسيها) يستخدم مراد مصطفى مثلا مساحة الحرية في إدراج مشاهد العنف الجنسي المفصلة والمزعجة، والتي تظهر في أشكال غير مسبوقة أو مطروقة في السينما المصرية تقريبًا، فيما يحاول محمد صيام في «كولونيا» خلق توازن بين الحرية الخارجية المكتسبة والقيم المحلية المحافظة فيأتي فيلمه هجينًا، يطأ المساحات غير المطروقة بخجل ويترك مساحة للفهم الشخصي المعتمد على الخلفية الذاتية للمتلقي سواء داخل مصر أو خارجها. كما يستخدم كل من مراد وصيام مساحة الحرية لتحرير الألسنة من الألفاظ المخففة المحافظة وتقريبها مرة أخرى من الشارع أو من الواقع.
تتعامل تلك الأفلام التي يمكن وصفها باليأس مع تمثيل المعاناة بشكل منفتح، باعتبار أن المعاناة أو الشقاء المتعلق بالطبقة أو الانتماء العرقي والجندري انضم لقائمة طويلة من الممنوعات الرقابية، ليست النظامية فقط بل أصبح مرفوضًا بشكل شعبي داخلي، إلا إذا غُلف اليأس بطبقة من الأمل في شكل آخر من الحياة أو أصبح الفقر جزءًا من سردية دافئة عن تقبل الأوضاع وانتظار المعجزات، وهو ما يتناوله النوع الثاني من أفلام العام، أفلام الأمل.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن