تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أفلام مصرية في مهرجانات عالمية: اليأس والأمل ومساحات الحرية (2-2)

أفلام مصرية في مهرجانات عالمية: اليأس والأمل ومساحات الحرية (2-2)

كتابة: رحمة الحداد 9 دقيقة قراءة

استكمالًا للجزء الأول عن الأفلام المصرية المشاركة في مهرجانات عالمية في عام 2025، ننظر هنا إلى صيغة أخرى من الأفلام، تتناول مثل السابقة مجموعات مهمشة سواء أقليات عرقية أو طبقية، لكنها لا تنحو إلى غلق الأفق في وجوه شخصياتها، ولا تميل إلى صناعة عوالم مغلقة مصمتة أو ذات طابع أسلوبي مرتبط باستدعاء السينما الأوروبية الفنية، بل هي أفلام تتماس مع الأفلام التجارية المنتجة بشكل رسمي وسائد.

أفلام هذه المرة تستهدف الخارج والداخل في الوقت نفسه عبر قوالب درامية وسردية وحتى شكلية متاحة وأكثر انفتاحًا أمام الجمهور العام من رواد السينما، كما تترك لنفسها مساحة من التحفظ الرقابي لكي تحظى بإمكانية إتاحتها في دور العرض المصرية بعد جولات عالمية، في تلك المساحة حيث يمكن إيجاد الأمل في قلب اليأس تقع أفلام مثل «ضي: سيرة أهل الضي» لكريم الشناوي، و«عيد ميلاد سعيد» لسارة جوهر.

2- الأمل 

عٌرض فيلم «ضي» من إخراج كريم الشناوي وكتابة هيثم دبور ضمن فعاليات مهرجان برلين في قسم بعنوان أجيال، وهو قسم مخصص للجمهور من صغار السن، الفيلم من إنتاج سعودي مصري، تحمل بطاقته التعريفية عدة كيانات إنتاجية كبرى منها «سينرجي» وصندوق دعم بيج تايم. عٌرض الفيلم بعد ذلك في مهرجان البحر الأحمر بالسعودية، ثم بشكل جماهيري موسع في دور العرض المصرية.

يقع فيلم «ضي» في مساحة مغايرة للأفلام التي تصل عادة إلى مهرجانات خارج مصر، فهو فيلم رسمي تمامًا، مصمم ليرضي الجميع، بدعم من كيانات رسمية في كل من السعودية ومصر، ليس في خطر أن يجري نبذه بعرضه الأول في مصر مثل فيلم «ريش» (2021) مثلًا وما تعرض له من حملة هجومية قادها ممثلون مصريون ضده، وليس مصمم لكي يستحيل عرضه في مصر مثل فيلم «عائشة لا تستطيع الطيران» (2025)، لكنه مصمم ليكون فيلم «عربي»، أو فيلم من هذا الجانب من العالم. يجمع ممثلين من جنسيات عدة يؤدون أدوارًا من جنسيات وأعراق أخرى، وحبكته مليئة بالأمل والضحك، كما يوظف عشرات من «ضيوف الشرف» من الممثلين والمشاهير المصريين ذوي الثقل المحلي.

تدور أحداث «ضي» في قرية بالنوبة، حيث يعيش ضيّ (بدر محمد) مع والدته التي تؤدي دورها الممثلة السودانية إسلام مبارك وأخته ليل (حنين سعيد)، وخارج أسرته يتعامل مع معلمته صابرين التي تؤمن به، تلعب دور صابرين الممثلة السعودية، أسيل عمران، وهي شابة من المنيا مسيحية -هوية مهمشة مزدوجة- وتعيش حياة مرتبكة، في مكان لا يتقبلها تمامًا لكنه ليس عنيف تجاهها بطبيعة الحال. يبرز ضيّ داخل بيئته بسبب اختلاف لون بشرته، وسط اللون السائد في النوبة البشرة السمراء، ضي ولد أمهق أو ألبينو ببشرة شفيفة فاتحة وشعر ورموش بيض وعيون زرقاء. يخلق الفيلم سردية تجعل ضي أقلية داخل مجتمعه الذي يمثل أقلية داخل المجتمع الأكبر في مصر، ويعامله من حوله بمزيج من السخرية والتبجيل، فهو أبيض مثل الملاك لكنه كذلك أبيض مثل الشبح. يرتبك الفيلم كثيرًا عند الوصول لتلك التصنيفات التي يمكن بسهولة أن تتسم بعدم الحساسية، تفضل أم ضَيّ ابنها عن ابنتها، ترى في هشاشته ما يستحق الحماية والحب، يكرر الفيلم باستمرار وصف البياض بالنور مما يربط السواد بالظلام. 

بدر محمد من فيلم سيرة أهل الضي

يقع فيلم «ضي» في مساحة بين السحر والواقع، يصيغ مدير التصوير عبد السلام موسى بصريات باهرة، تجعل من عالم الفيلم مساحة شعرية براقة، تخلق صورة حالمة حينا، وتميل أحيانًا إلى الجماليات الإعلانية السياحية بصورة مصقولة شديدة التنميق، من خلالها يصور ضي كنموذج ملائكي يطفو على صفحة النيل تحت ضوء القمر، أو تدور الكاميرا حول الأسرة في مشهد انبهارهم بمناطيد الهواء الملونة، نحن هنا أمام الجانب المعكوس تمامًا من جماليات التقشف المرتبطة بالأفلام المصنوعة على الهامش.

يتعامل «سيرة أهل الضي» بارتباك شديد مع سياساته العرقية والتمثيلية، فهو يسعى لتسليط الضوء على مكان لا يرى بكثرة في السينما المصرية أي النوبة، لكن دون أن يشارك أي أصوات نوبية في عملية صناعته أو كتابته. يخلق الفيلم عالمًا مثاليًا وحالمًا، متبعًا وصفة «formula» أصبحت متكررة بشكل مكثف في الآونة الأخيرة وهي تركيبة فيلم «little miss sunshine». تتكون تلك التركيبة من مجتمع أو أفراد مهمشين سواء طبقيًا أو عرقيًا ووعد غائم بالشهرة والخروج من الظلام إلى النور، ينبع من تميز أحد الأفراد عن بقية هذا المجتمع. في حالة ضي فالوعد يتمثل في صوت غنائي جميل يحلم بإيصاله للعالم من خلال برنامج «ذا فويس»، فيما توجد رحلة طريق معقدة ومضطربة ومليئة بالعقبات من القرية الصغيرة إلى المدينة الكبيرة حيث المجد والشهرة، وفي الرحلة طبعًا مجموعة متنوعة ومتنافرة. في حالة تلك المجموعة هناك تنافر داخلي بين أفراد الأسرة، والأسرة والمعلمة صابرين التي تعاملها الأم بقدر من التمييز الطائفي والحكم الأخلاقي على عدم زواجها والخوف على ضي من طموحها، يسير الفيلم مثل المتوقع تمامًا، تحدث العقبات ويتم تخطيها، ومن التخطي يأتي التفهم والتماسك، وتتطور الشخصيات وتبدأ في تقبل بعضها البعض. 

مشهد من فيلم «سيرة أهل الضي»

يقابل المسافرون أثناء الرحلة مجموعة من ضيوف الشرف الذي يكشف الفيلم عنهم مثل الأبطال في أفلام الأبطال الخارقين، يخفيهم ثم يظهرهم في انتظار التصفيق، فنرى إطفائيًا شجاعًا أصيب بحرق جعله يخفي وجهه بقناع، نسمع من خلفه صوت ممثل مصري شهير، وبالمصادفة يتحقق حلم ضي في لقاء مطربه المفضل محمد منير الذي لا يخفيه الفيلم لأنه وسيلة دعاية وتسويق أساسية، ثم تنقذ ضي في النهاية إعلامية مصرية شهيرة في التليفزيون الرسمي. يتعامل الفيلم مع ضي بالطريقة نفسها التي يرفضها، فهو أشبه بمشروع خيري وليس إنسان كامل أو شخصية ذات أبعاد، يكرر الولد أنه يخجل من شفقة الناس عليه، فقط ليجعله الفيلم لمدة تزيد عن ساعتين شابًا يستدر عطف الجميع عليه، ما ينقذ الشخصية هو أداء بدر محمد الرقيق للشخصية وقدرته على بث الروح فيها، كما تتخلل المشاهد الميلودرامية لمحات من التحرر الشعوري، تظهر في التركيز على الأداءات التمثيلية من إسلام مبارك وحنين سعيد.

فيلم «ضي» على عكس الأفلام التي عادة ما تحظى بحضور عالمي -هو فيلم شعور جيد «feel good»، فيلم حالم وإيجابي ربما شديد الايجابية، لكنه مرسوم بالأرقام، لا يخرج عن السياق المكتوب، ومصمم بعناية شديدة، كأنه نموذج جاهز صب داخله فيلم ينتهي بشكل تطهيري مثالي ويتواءم الجميع في نهايته متجاوزين اعتبارات اللون والدين والعرق.

في إطار مشابه لـ«ضي» حيث يتأرجح السرد بين اليأس والأمل، يقع فيلم «عيد ميلاد سعيد/ Happy Birthday» لسارة جوهر المخرجة والمنتجة المصرية الأمريكية، عرض الفيلم في المسابقة الروائية الرسمية لمهرجان ترايبكيا بالولايات المتحدة الأمريكية حيث فاز بثلاث جوائز، ثم عرض في افتتاح مهرجان الجونة السينمائي، ولم يعرض بعد بشكل تجاري. الفيلم هو ترشيح اللجنة المصرية المعنية باختيار الأفلام لجوائز أكاديمية العلوم والفنون (الأوسكار) لهذا العام، لذلك فهو فيلم عكس أفلام الجزء الأول من المقال يحظى بقبول رسمي ومحلي. يدور «عيد ميلاد سعيد» ببساطة عن أسرة من الطبقة المتوسطة العليا تسكن في أحد المجمعات السكنية الفارهة بالشيخ زايد، تعمل لديهم عاملة منزلية، طفلة في الثامنة من عمرها قادمة من طبقة شديدة الفقر، يعاملها مرؤوسيها برفق وتفهم ويحرصون ألا تؤدي أعمال شديدة الشقاء أو الصعوبة.

يبدأ الفيلم من وجهة نظر توحة (ضحى رمضان)، تلعب مع صديقتها نيللي في خيمة منزلية وردية، يظهرهما الفيلم على مستوى واحد نظريًا، كطفلتين لم تتسلل إليهما بعد تعقيدات الطبقة الاجتماعية والعدالة المادية وما إلى ذلك، ثم في دقائقه الأولى يستخدم الفيلم عمل توحة كالتواءة حبكة مبكرة، يختزلها في ارتداء الطفلة غطاء رأس مربوط ذهنيًا بالعمل في الخدمة في المنازل. من بدايته يرسخ الفيلم لوضع شديد الإشكالية دون مساءلة نقدية من أي نوع. تقع جميع الشخصيات على طرفي نقيض: أغنياء/فقراء، مجمعات سكنية (كومباوندات)/عشوائيات، والأطراف كافة ضحية كينونة وهمية غير مرئية، حيث لا شر ولا خير، فقط حسن أو سوء حظ، ونصيب طبقي مكتوب مسبقًا دون خيارات واعية، لا يقدم الفيلم واقعًا وحشيًا قاتمًا بل عالم ببساطة غير عادل لأن تلك هي طبيعة الأمور.

يدور القسم الأول من الفيلم في نطاق الشيخ زايد، حيث نرى ديناميكيات العلاقة بين توحة والأسرة التي تعمل لديها، تعاملها والدة صديقتها ورئيستها المباشرة ليلى (نيللي كريم) بمزيج من الأمومة والرفق الفوقي المتعاطف، فيما نرى جفاف والدة ليلى (حنان يوسف) تجاه الطفلة وخجلها من إظهارها أمام الآخرين من الطبقة التي تنتمي إليها، ليس لأن عمالة الأطفال كارثة يجب إخفاؤها، لكن لأن الطبقة التي تأتي منها توحة يظهر منها تصرفات تفضل السيدة ألا يتعرض لها ضيوفها.

صورة3: ضحى رمضان ونيللي كريم في فيلم «عيد ميلاد سعيد/ happy birthday»

تحرك حفلة عيد ميلاد ليلى أحداث الفيلم، ومنها تنبع التعقيدات والعقبات التي تحول دون حدوث الحفلة بسلاسة، ومن خلالها يستكشف الفيلم الفجوة الطبقية الضخمة بين نيللي وتوحة، تتفتح أعين توحة على إمكانية الاحتفال بيوم الميلاد بالأساس، فيصبح تنظيم الحفلة والحرص على حدوثها هو مهمتها الأساسية لتحقيق حلمها بإطفاء الشمعة وتمني أمنية مثل أطفال الطبقة التي تعيش داخلها مؤقتًا.

في النصف الأول من الفيلم، تعمل توحة كفتاة سحرية تحقق أحلام الأسرة الثرية التي تعمل لديها، وينتقل الفيلم في نصفه الثاني إلى عالم توحة، إلى الفقر والشقاء وصيد السمك في بحيرات كفر الشيخ، تتحرك الكاميرا وسط التكاتك والبائعين والسائقين والقمامة. يفرق الفيلم بصريًا بين العالمين، عالم الأثرياء الثابت الرمادي وعالم الفقراء الديناميكي المكتظ بالأضواء والأصوات والزحام. هنا يمكن النظر للفيلم باعتباره نقدًا اجتماعيًا لعمالة الأطفال، لكنه يصيغ جدالًا أكثر غرابة وهو أن عمالة توحة في منزل بالشيخ زايد بالطبع أفضل لها من عملها مع أسرتها في ظروف خطرة يمكن أن تودي بحياتها، المقارنة هنا ليست بين الرفاه والشقاء بل بين ظروف قاسية وظروف أشد قسوة. أسلوبيًا يتحرك الفيلم بين الخفة والميلودراما، يتعاطف مع بطلته بالطبع، لكنه يبني علاقة شديدة التعقيد معها، تجعل التعامل مع الحقائق الاجتماعية والطبقية بجدية عملية مستحيلة. بعد مشهد النهاية المؤثر -بسبب الأداء الرقيق من ضحى رمضان- يظهر الفيلم سبب ارتباكه الطبقي، بإهداء مخرجة الفيلم فيلمها للطفلة التي عملت في منزلها في طفولتها «سحر»، وحسب كلامها في اللقاءات التليفزيونية فقدت التواصل معها. 

لقطة من فيلم «عيد ميلاد سعيد/ happy birthday»

تتجنب أفلام مثل «عيد ميلاد سعيد» أو «سيرة أهل ضي» استخدام مساحات الحرية المطروحة من الأساس، وتسعى لشق طريق بين كل من المجد العالمي والعروض الجماهيرية والنجاح المحلي، هي أفلام شبه طفولية تتعامل مع موضوعاتها على قتامتها باعتبارها حكايات خرافية حالمة. أفلام شديدة المحافظة والتحفظ سواء على مستوى التناول البصري والأسلوبي أو السردي. تصبح الخيارات المتروكة للسينما المصرية بشكلها الحالي سواءً في متن الإنتاج المحلي أو على هامشه لتناول حياة الأقليات العرقية والطبقية إما معاملتها كمأساة كاملة في عوالم قاتمة لا سبيل للخلاص منها، أو كرحلة سحرية تنتهي نهاية مؤثرة مشحونة عاطفيًا سواء كانت إيجابية أو سلبية، لا وجود لمساحة في المنتصف أو محاولات لاستخدام أساليب الإنتاج والتمويل البديلة لتحرير الأسلوبية السينمائية نفسها من الأنماط الموازية للشكل الرسمي، أو حتى لإبراز الأصوات المهمشة نفسها في عملية التفكير والكتابة بدلا من استخدامها كمدللات بصرية مجردة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن