«أفلامي ليست كارت بوستال»| لقطة مقربة لكوثر بن هنية على بوابة الأوسكار
بروفايل للمخرجة التونسية على هامش منافسة فيلمها «الرجل الذي باع ظهره» بالأوسكار
بمسيرة احترافية عمرها 10سنوات، تجتاز المخرجة التونسية كوثر بن هنية، في مقتبل عقدها الرابع، محطاتها السينمائية بنجاح يصل بها إلى القائمة القصيرة لمسابقة أفضل فيلم أجنبي بالدورة 93 لمهرجان الأوسكار، بفيلمها الأحدث «الرجل الذي باع ظهره» (2020).
بن هنية واحدة من أغزر المخرجات العربيات في جيلها إنتاجًا، وأكثرهن مغامرة وقدرة على إثارة انتباه الجمهور المحلي ورواد المهرجانات الدولية. وهي تنتمي لصناع الأفلام المخلصين للمشروع السينمائي، الذي اختارته بوعي منذ تجاربها الأولى، على مستوى المضمون والأسلوب. مخرجة وكاتبة، وسينمائية قادمة من الجنوب، تدرك حدود ومتطلبات صناعة الأفلام في بلادنا والتحديات والضغوط التي يفرضها ذلك في علاقته بالنظام الذي تدار به الصناعة في العالم.
وأي ما يكون القرار الذي ستعلنه لجنة الأوسكار منتصف الشهر الجاري، فإنه لا يغير من أهمية تجربة ابنة سيدي بوزيد، التي تشبه في مسيرتها بطلات وأبطال أفلامها القادمين من عوالم رمادية، ثم يكتسبون صفة البطولة بالتجربة التي تكشف لهم قوتهم الكامنة.

علامات سيدي بوزيد
عندما سألها محاور جريدة التونسية خلال عرض أحد أفلامها في العام 2013 عن سبب كونها بعد الثورة لم تأتِ مطلقًا على ذكر انتمائها لمدينة سيدي بوزيد، مسقط رأس محمد البوعزيزي، مفجر ثورة الياسمين؛ اندفعت كوثر بتلقائيتها المميزة «علاش؟ ما الذي تغير؟ الانتماء لمنطقة جغرافية لا يعطيك قيمة مضافة، المهم أن يجتهد المرء لتكون له قيم يناضل من أجلها، سواء كان من سيدي بوزيد أو من أي نقطة في تونس»، وأضافت «سيدي بوزيد محرومة كمناطق أخرى كثيرة في بلادنا من قاعات ونوادي السينما ومن مقومات الحياة الثقافية، وهو واقع مؤلم يجب تغييره».
تركت التسعة عشر عامًا، التي قضتها كوثر منذ ميلادها في صيف 1977 وحتى حصولها على البكالوريا منتصف التسعينيات في المدينة التونسية المهمشة، أَثَرها في ثنايا أفلامها التي كتبتها جميعًا. وهي لا تكتب سيرتها الذاتية في الأفلام، وإنما تختار من خلال حكاياتها شخصيات وعوالم تعكس بشفافية وحسم عناصر صراعها الشخصي مع الواقع الذي تشكلت معالمه الأولى في سيدي بوزيد.
نتلمس هذا مثلًا في تعبير كوثر عن تقديرها الخاص لرباعية نابولي الشهيرة، للكاتبة الإيطالية، إيلينا فيرانتي، 1943، التي ترى أنها تجسد طفولتها. تتبع الرباعية بدايةً من جزئها الأول «صديقتي المذهلة»، رحلة حياة الصديقتين إيلينا وليلا، المولدتان في حي عمالي فقير، تواجهان ثقافة التهميش والعنف، لكنهما تقرران بناء حياة تتجاوز المأساة. ربما لهذا السبب تُغرم كوثر في أفلامها بتتبع الحكايات التي تنضج من خلالها الشخصيات بالتجربة مهما طال الوقت. لكن، تطور الشخصيات الرئيسية في أفلام كوثر دائمًا ما يسير وفق ما تؤمن هي به، «ليست الظروف هي ما يدفعني لصنع فيلم وإنما الخيارات. لكي تصنع فيلمًا تصنع خيارات فنية وخيارات في الموضوع. أنا نحسب الحسبة في مخي» تقول كوثر.
ولا يبتعد الفيلم الذي جذبها إلى عالم السينما عن المسار ذاته، فيلم الرعب الأمريكي «كاري» (1976) الذي ترى أن حكاية بطلته تتشابه مع حكايتها، المراهقة الخجول، كاري هوايت، ذات الـ16 عامًا، تواجه تنمّر زملاء المدرسة وتعصب الأم، حتى تدرك الفتاة العادية تدريجيًا أن جميع من حولها لا يعرفون قدرة عقلها الخارقة في التحكم بالأشياء عن بعد.
بطلات وأبطال أفلام كوثر لا يتمتعون بقوى خارقة مثل كاري، لكنهم يكتسبون صفة البطولة خلال التجربة التي تتشكل أمام أعيننا، على مهل، وصولًا إلى لحظة الاكتشاف، تلك التي يدركون فيها القوة الكامنة بداخلهم، فكأنهم يشاركون المشاهد طريقهم نحو الخلاص، فلا وجود لشخصيات مهزومة، بل لأبناء التجربة الواعين بتطورهم.
حلمت كوثر في طفولتها أن تصبح كاتبة مثل والدها محسن بن هنية، الذي تلقبه الصحافة التونسية بالأديب العصامي. ولا بد أنها كانت قريبة من ذلك الرجل الذي دعاها إلى السينما في عمر ست سنوات في مواجهة رفض أمها. عندما سُئل والدها عن السبب في استشهاده الدائم بأمثلة من أفلام ابنته كوثر أجاب «هناك تقارب في توجهنا ومنهجنا. نتقاطع في الانطلاق من الواقع والتاريخ بنفس توثيقي، ليكون لكل واحد فينا أسلوبًا، ميز أفلامها، وأعتقد أنه ميز كتاباتي أيضًا». يلخص الرجل أحد الخصائص البارزة في مسيرة كوثر السينمائية، التي كان ضمن إرهاصاتها الأولى فيلمًا روائيًا قصيرًا مبني على قصة لوالدها «أنا وأختي والشيء» (2006).

قبل أن تنطلق كوثر في عالم السينما، كتبت روايتها الوحيدة، التي لم تُنشر، «فيتروم بوليسيا» عام 2002، «كان حلمي أن أصبح كاتبة، لكن شعرت بأني أقترف جريمة لأني أفتقد لأسلوب خاص ومميز. أتقن أكثر الكتابة بالصورة. السينما لا تطلب منك أن تكون كاتبًا كبيرًا، فالسيناريو في النهاية وثيقة تقنية تحتاجها للعمل». عندما حصل فيلمها «على كف عفريت» (2017) على جائزة الاتحاد العام التونسي للشغل لأفضل سيناريو بأيام قرطاج السينمائية، علقت كوثر «جائزة السيناريو أحسن جائزة بالنسبة لي. أمنيتي أن يعترفوا بي ككاتبة سيناريو، كامرأة تخرف»، والخرافة بالعامية التونسية تعني الحكاية.
عندما انتهت كوثر من المرحلة الثانوية في سيدي بوزيد، انتقت -من بين خيارات محدودة- الالتحاق بمعهد الدراسات التجارية العليا بالعاصمة. كانت البلاد في ذلك الحين خالية من مؤسسات أكاديمية حكومية لتدريس السينما، لكنها التحقت بأحد نوادي الجامعة التونسية للسينمائيين الهواة، أحد الكيانات الأهلية العريقة، قبل أن تتعرف على مدرسة الفنون والسينما، التي أسستها سهام بلخوجة، وتمنح خريجيها دبلومة فنية في صناعة الأفلام. لم تكن الشابة، التي ملأتها جامعة الهواة بالطموح، تملك ما يكفي مصاريف المدرسة، فحملت كل ما تملكه من جرأة واتجهت لمناقشة غير مضمونة مع مديرة المدرسة، انتهت بموافقتها على انضمام كوثر للدراسة دون مقابل، لتبدأ الرحلة.
خلال فترة الدراسة (2002-2004) كتبت كوثر وأخرجت ثلاثة أفلام روائية قصيرة وفيلم تسجيلي، هي «فيلم نرجسي من تأليف ك» Un film narcissique de K، «نافذة» La Fenêtre، «بانوراميه حول العالم» Panoramique sur le monde، و«الخرق» La Brêche، الذي كان إعلانًا بميلادها السينمائي، ويحكي عن فدوى، الفتاة المتمردة التي تهرب من بيت أسرتها، ثم تكشف محاولات والدها لاسترجاعها عن الشروخ التي كونتها علاقتها بالأسرة.
كانت كوثر حتى ذلك الحين ترى في كتابة السيناريو الطريق الأقرب لحلمها الأول، فقررت دراسته في معهد La Fémis بباريس حتى عام 2005، قبل أن تلتحق بالفريق المؤسس لقناة الجزيرة وثائقية كأحد المسؤولين عن مشاهدة واختيار الأفلام حتى العام 2007، حين قررت العودة إلى باريس لنيل الماجستير من جامعة السوربون الجديدة Sorbonne-Nouvelle، واختارت لبحثها موضوعًا يُفصِح عن أحد الهموم السينمائية، التي ظلت تشغلها لاحقًا، وهو المسافة بين التوثيقي والمتخيل (الموثِق: هل الخيال مع أو ضد الفيلم الوثائقي).
مساءلة المقدس جوهر الموضوع
تأكدت كوثر من خلال أفلامها المدرسية القصيرة من خيارها أن السينما هي مسارها الصحيح، لكن خطوتها الاحترافية الأولى كانت تحويل قصة قصيرة لوالدها إلى فيلم بعنوان «أنا وأختي والشيء»، وهو فيلم أشبه بأهزوجة ساحرة تدور أحداثها في قرية مهمشة على أطراف الجنوب التونسي، يكثف في 14 دقيقة ما ينوء به الصغار من أحمال تفرضها ثقافة المجتمع حول مفهوم الذكورة والأنوثة. مُنذر (أمين جلالي) ابن السادسة، الذي يتلمس طريقه نحو التثبت من هويته وإدراك محيطه، يجد نفسه محاط بتنمر أقرانه، الذين ينزعون عنه صفة الرجولة، ويلومونه على افتقاده إياها، بينما أقرب الناس إليه أخته مريم (نورين بيجي) تساق إلى زواج تعس.
نجح الفيلم في انتزاع اعتراف المحيطين بميلاد مخرجة جديدة، لكنه أجّل حلمها في صنع فيلمها الروائي الطويل الأول، رغم انغماسها في كتابة سيناريو طويل لفيلم «مدينة الرصاص»، الذي لم يرَ النور أبدًا، «ما نحبش نطيح نتدقدق» تقول كوثر، «مدينة الرصاص فيلم طموح، من حيث الإخراج والإنتاج، تعلمت فيه الكتابة للسينما، لكنني أجلت إنجازه حتى أتمكن أكثر».
تأجل مشروعها، لكنها بارعة في اختبار حلول وتجريب بدائل. ففي عام 2010، خلال إقامتها في باريس، يظهر للنور فيلمها التسجيلي الطويل الأول «الأئمة يذهبون إلى المدرسة» الذي افتتح عروضه العالمية بمهرجان إدفا (مهرجان الفيلم الوثائقي الدولي بأمستردام)، وشارك في عدة مهرجانات دولية، مساهمًا في التعريف بها في المشهد السينمائي خارج تونس. ولا يُستثنى الفيلم من محاولات المخرجة الشابة الطرق بخفة واستمرار على جدران المقدس. مجموعة من الأئمة في باريس، تطلب منهم الدولة الانخراط في دورة تدريبية في المعهد الكاثوليكي للتعرف على العلمانية ومبادئ المواطنة، وتولِّد التناقضات بين العالمين كوميديا سوداء.

لاحقًا وفي فيلمها التالي «يد اللوح» ستعاود كوثر المرور على تيمة مشاغبة السلطة الدينية، والذي تستلهم أحداثه من عالم طفولتها، «ارتدتُ الكُتّاب، وكنت كل صباح أبتكر خدعًا ماكرة مكر الطفولة اللذيذة كي لا أذهب إليه». وهو ملخص سيرة أميرة (ياسمين بن عمرة) بطلة الفيلم ذات الخمس سنوات، التي ابتكرت حيلة غير تقليدية للتهرب من مشوارها اليومي. لا تتحدث كوثر عن السبب في نفورها من الكُتّاب، لكننا نشاهد علاقة (المؤدِب) بالصغار.
«المؤدِب الذي قدمته في الفيلم ينتمي لمنظومة قديمة في التعليم لا تتماشى والعصر وروح الطفولة. والإمام يمثل السلطة، عنده سلطة معنوية وتربوية. أنا لا أخشى سوء الفهم، ولا وجود لمقدس في المطلق محصّن ضد التساؤل». لا تقل أفلام كوثر راديكالية عن الطريقة التي تتحدث بها لوسائل الإعلام. ولا يتوقف عنادها ضد المقدس عند السلطة الدينية، بل هي تعاند المقدس الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، وحتى ذلك المقدس النخبوي المتمثل في الهالة حول الفن المعاصر في فيلمها الأخير «الرجل الذي باع ظهره». في حوار معها عن أحد أفلامها الذي أُنتج بعد الثورة، سألتها محاورة قناة فرانس 24 «هل اختفى مقص الرقيب في تونس؟» فأجابت على الفور «أنا أتصرف على هذا الأساس».

نسف الحدود…؟
تبدو كوثر من بداية طريقها مدركة بوضوح لما تريد قوله، لكنها لا تفقد أبدًا ولعها بتجريب وسائل جديدة لكيف تقوله. وهو ولع يتجاوز الحدود و«الكليشيهات» التي يفرضها صناع الأفلام على أنفسهم أو تفرضها توقعات الزملاء والجمهور والصحافة. مع فيلمها الروائي الطويل الأول كشفت كوثر عن الجانب المغامر في أسلوبها السينمائي، والذي نقلها مباشرة إلى مهرجان «كان»، حيث عرض فيلمها «شلاط تونس» (2014) إلى جانب ثمانية أفلام طويلة من مختلف أنحاء العالم ضمن برنامج جمعية نشر السينما المستقلة ACID.
لم يكن مجرد فيلمًا روائيًا جديدًا، وإنما مخاطرة سينمائية شكلًا وموضوعًا، حيث يتناول الفيلم الذي تمثل فيه المخرجة دورها الحقيقي، قضية شغلت الرأي العام، لشاب تورّط في سلسلة من حوادث الاعتداء على النساء بنصل سكين عام 2003، بحجة عدم رضاه عن مظهرهن. اختارت كوثر قالبًا تسجيليًا لفيلمها الروائي، فكأنها تجيب عمليًا على سؤال شغلها منذ بحث الماجستير، «هو فيلم عن الحدود بين الواقعي والمتخيل» تقول كوثر، ففي القصة الحقيقية تحول الشلاط في أذهان البعض لأسطورة مغرضة أو حقيقة فاعلها مجهول إلى الأبد. كتبت كوثر سيناريو الفيلم قبل سنوات من تنفيذه الفعلي، استنادًا إلى ما توافَر في الصحف، لكن أحداث الثورة سمحت لها بالحصول على أرشيف الشرطة والوصول إلى جلال الدريدي، المتهم الوحيد في القضية، الذي تمت تبرئته من ارتكابها، لتُقيَد ضد مجهول.

لعب الدريدي دوره الحقيقي، مدمجًا بخيال كوثر، وفق سيناريو أعيدت كتابته، كما ظهرت في الفيلم بعض ضحايا الشلاط الحقيقيات، وأخريات من صنع خيال المخرجة. بعد عرضه في مهرجان «كان»، شارك الفيلم في أكثر من 50 مهرجانًا دوليًا، وحصد الكثير من الجوائز، أبرزها جائزة اتحاد نقاد الأفلام الفرنسيين بمهرجان إميان، وجائزة بايارد الذهبية لأفضل عمل أول بالمهرجان الدولي للفيلم الفرانكوفوني ببلجيكا، كما عُرض الفيلم تجاريًا في تونس والعالم العربي ودول أخرى منها فرنسا.
حقّق الفيلم قفزة مهمة في تواجد المخرجة الشابة على الساحة السينمائية الدولية، وفي بلادها أيضًا، متوجًا سعيها الواعي للتمرد على الحدود، كما أثبت مرونة صانعته في تطويع أدواتها السينمائية وفق الإمكانات المتاحة. «هناك خيار يتعلق بطبيعة الموضوع فرضت اختيار القالب التسجيلي لفيلم روائي، لكن محدودية الإمكانات الإنتاجية عززت هذا الخيار» تقول كوثر، التي تؤكد مع ذلك وفائها للحكاية «هذا ما حدث مع شلاط تونس. لكن أسلوبه لا يناسب كل الحكايات. الخرافة هي التي تفرض عليك الشكل».

الاقتراب من الخرافة
على مدى ست سنوات (2009-2015) تابعت كوثر حكاية بنت اسمها زينب في رحلتها من الطفولة للمراهقة لتظهر عام 2016 في فيلمها التسجيلي «زينب تكره الثلج» الذي أضيف إلى سابقات نجاح المخرجة المغامرة، «الأفلام الوثائقية مدرسة كبيرة تغذي الأفلام الروائية»، تقول كوثر، التي تعلمت خلال عامين من العمل في قناة تليفزيونية للأفلام التسجيلية، ما هي السينما التي لا ترغب في صنعها.
«فيلم زينب وثائقي حميمي. نوعية ماهياش موجودة. الأفلام الوثائقية بالنسبة لنا عادة ما تتحدث عن قضايا كبرى وأنا إنسانة نحب الناس عن كثب». التزمت كوثر طوال السنوات الست، ما بين تونس وكندا، بحمل الكاميرا ومعدات الصوت والانفراد بزينب وعائلتها، حتى لا تُفقد فيلمها الحميمية والعفوية التي كانت تسعى إليها، مُظهرة براعة في الاقتراب من شخصياتها وتحريرهم من حواجز الكاميرا. مكالمة غرامية مسروقة تحت الغطاء، قبلة عفوية في المطبخ بين الزوج المنتظر وأم زينب، لقاء عاصف بين مراهقتين، ودموع غزيرة لأم يعذبها فقد من تحبهم. ستنسى مع الوقت أن ما يفصل بينك وبين زينب وعالمها شاشة، هكذا أرادت كوثر فيلمها في علاقته بجمهوره.
لكن ما الذي قد يجذب مخرجًا لقضاء سنوات طويلة لصنع فيلم عن شخصيات عادية تمر بأحداث غير استثنائية؟
إنها متعة البحث عن خرافة. «واقعنا ثري. في كل شارع وبيت حكايات مذهلة لدرجة تشعرك بالخيبة عندما تقارنها بعدد الأفلام التي نصنعها. المهم أن تعرف كيف تنظر للواقع، أن تكون لك وجهة نظر، أن تقف خلف الكاميرا كمؤلف تسير خلف هواجسك» تقول كوثر. من دون عناوين كبرى ولا جمل خطابية تخوض المخرجة في هواجسها عن الثقافة والمجتمع والدين والوعي في صورة رحلة زينب إلى الثلج. «على ثراء الواقع ماثماش [لا يوجد] توثيق بنفس طويل. نحن غارقون في الأخبار التي تؤسس للنسيان بينما السينما التسجيلية والسينما عمومًا تؤسس للذاكرة» تقول كوثر.
افتتح الفيلم عروضه بمهرجان لوكارنو وحظي بالمشاركة في عدد كبير من المهرجانات العالمية من بينها إيدفا، وهوت دوكس، لكن الخطوة الأهم كانت حصوله على التانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية في دورته الخمسين، وهي الجائزة الكبرى التي لم تُمنح من قبل لفيلم تسجيلي، كما أنها لم تكن قد مُنحت لفيلم تونسي منذ سنوات. اعتبرت كوثر أن حصول فيلم تسجيلي على الجائزة مكسب لصناعة السينما «الفيلم التسجيلي مناسب أكثر لاقتصادنا لأن كلفته أقل». لا تغفل كوثر عن واقع الصناعة، وربما لذلك تنجح في تطويعه لصالحها. يسألها محاورها إن كان حصولها على جوائز كبرى يُسهل إنتاج أفلامها اللاحقة، فتقول إنه سلاح ذو حدين، فأموال وزارة الثقافة التونسية لا تكفي وحدها لإنتاج فيلم، كما أن الخروج من فئة صانع العمل الأول أو الثاني في المحافل الدولية يجعل المنافسة أعنف مع الكبار.
اللقطة سلاح
مع ذلك تتمكن كوثر من إنجاز فيلمها الروائي الطويل «على كف عفريت» (2017) الذي قفز بها إلى قسم «نظرة ما» في مهرجان «كان»، ورشحته تونس لمسابقة الأوسكار أفضل فيلم أجنبي. يستند الفيلم لجريمة اغتصاب فتاة عشرينية على يد ثلاثة من رجال الشرطة حدثت بالفعل بعد عام على الثورة. يبرز الفيلم خصائص مميزة في أفلام كوثر، لكنه يمثل مغامرة جديدة بامتياز على مستوى الأسلوب. تدور أحداثه في ليلة واحدة مقسمة إلى تسعة فصول، كل واحد منها تم تصويره بأسلوب اللقطة الواحدة one shot في الزمن الحقيقي، تتخللها فجوات زمنية، أطولها خلال واقعة الاغتصاب نفسها، التي لا نراها.

«رأيت أن مشهد الاغتصاب لن يضيف شيء. نحن نرى مشاهد الاغتصاب في الأفلام، لكن في الحقيقة لا أحد يشاهد ما تتعرض له الضحية». اضطرت المخرجة لتصوير الفيلم بكاميرتها الشخصية في البروفات ثلاث مرات لاختبار حركة الممثلين والمكان قبل أن يجري التصوير الفعلي للفيلم. جزء من المغامرة أيضًا تمثّل في اختيار ممثلة ناشئة هي مريم الفرجاني لدور مريم، شخصية الفيلم الرئيسية، وهو تحدي تكرّر في أفلامها الروائية. حصدت الفرجاني عن دورها جائزة أفضل ممثلة لعام 2017 من مركز السينما العربية. وفي حين جرى تخطيط المونتاج للفيلم قبل التصوير- كون التصوير بطريقة اللقطة الواحدة يفرض أقل قدر ممكن من التغييرات خلال المونتاج اعتمادًا على التحضيرات قبل التصوير- استثمرت كوثر جهدًا في إعداد شريط الصوت، لتضيف إلى سجلها السينمائي، بالتعاون مع الموسيقي التونسي أمين بوحافة، شريط صوت مميز، نال جائزة أفضل إبداع صوتي بمهرجان «كان» 2017، وهي الجائزة التي كانت تعلن للمرة الأولى. «أردتُ شريط صوت غير محسوس، وكأنه جزء من الأجواء المحيطة بالأحداث. استغرق مونتاج الصوت ثلاثة أشهر، وهو وقت ضخم بالنسبة لشريط صوت فيلم، وفي النهاية قُدر ذلك بجائزة كان».
https://www.youtube.com/watch?v=69KpzUfTKP4&ab_channel=FilmDaily
ينطلق الفيلم من حادثة حقيقية، لكن كوثر تتحرر تدريجيًا لتبني الحكاية وفق هواجسها «أخذتُ الحكاية وأعدتُ صياغتها بطريقة تهمني». لم يكن الأهم بالنسبة لها سرد ما جرى، وإنما الطريقة التي تطورت بها شخصية مريم. فتاة ريفية قادمة إلى المدينة وحيدة دون سند، زادتها واقعة الاغتصاب وحدة وخوفًا وانكسارًا، لكنها تقرر المواجهة والتمسك بحقها للنهاية، فتكتسب تدريجيًا صفة البطولة عن استحقاق. «اللي يهمني هو كيف خرجت الشخصية الرئيسية من النفق المظلم، كيف خرج الفيلم من الليل إلى مشهد الصباح. كيف خرجت مريم إلى المجتمع. لا تتطابق أحداث الفيلم مع الحقيقة، لكن نهايته راديكالية وصحيحة».
من بين الكثير من المشاهد المؤثرة سيظل المشهد الأخير لمريم عالقًا بالذهن، وهي تقطع درجات سلم مخفر الشرطة المعتم إلى الخارج، حيث النور بينما ينتقل الإزار الشعبي التونسي، الذي كانت تحاول مكسورة إخفاء جسدها تحته طوال أحداث الفيلم، إلى أعلى كتفيها، كإزار أميرة مكللة بالانتصار والفخر. تحب كوثر أن تنهي أفلامها على أمل، وهو هنا ليس أمل النوايا الطيبة، وإنما اُنتزع بجهد مستحق.
حظى الفيلم بعروض واسعة في صالات العرض التونسية والسجون ومراكز الإيواء، وحقق بشهادة كوثر أعلى الإيرادات بين أفلامها السابقة، لكن الأهم من الإيرادات التأثير الجماهيري الذي تسعى إليه بوعي كمخرجة وكاتبة «الفيلم هذا باش يعجب التوانسة برشا لأني نعرف التوانسة، ونعرف روحي، ونعرف لبلاد، ونعرف الحاجة اللي يحبوها التوانسة، واللي يحبها الجمهور عمومًا، وعملت جهد خاص في الفيلم هذا أنه يخاطب التوانسة الكل» تقول كوثر.
لكن، واحدًا من مكتسبات كوثر في «على كف عفريت» هو أنها كسبت الرهان مجددًا على جرأتها شكلًا وموضوعًا. وقد تأكدت من ذلك خلال العروض العالمية للفيلم، «كان الجمهور الأوروبي يكرر سؤاله: هل الفيلم هذا ممنوع في تونس؟ نجاوب بكل فخر إنه ينعرض في القاعات وفي أيام قرطاج وأنه مدعوم من وزارة الثقافة. مدعاة للفخر أن يكون الفيلم مدعوم من البلاد ومش كارت بوستال». تتحدى كوثر واقع الصناعة الفقير اقتصاديًا بمواءمة طريقة صنع أفلامها لظروف الإنتاج دون مساومات، لكنها أيضًا تتحدى الأطر المتوقعة والرقابة الذاتية لصناع الأفلام على أنفسهم، وتبدو قادرة على كسب رهاناتها في كل الأحوال. حصلت كوثر قبل ظهور فيلمها هذا إلى النور بعام واحد على وسام الاستحقاق الثقافي برتبة فارس من الدولة التونسية 2016.
تجاوز التصنيف
عندما سألها محاورها عن مشاريعها القادمة بعد «على كف عفريت»، أجابت كوثر بأنه فيلم قصير ستبدأ تصويره الشهر المقبل «عليش قصير؟» علق بدهشة بعد فيلم حصد جائزة بمهرجان «كان»، «على خاطر الحكاية قصيرة»، أجابته كوثر بحسم. أحد الصفات التي ارتبطت باسم كوثر بن هنية، فضلًا عن تحديها للحدود السينمائية، أنها لا تعترف بالتصنيف. يقول محاورها «الفيلم القصير مرحلة» فتجيبه «أنا ما نحسش أن الفيلم القصير مرحلة. أنا نرجع للفيلم القصير ونرجع للفيلم الوثائقي». فكوثر تنتمي لتلك النوعية من صناع الأفلام المشغولين بإنجازها دون توقف أمام أي عائق، فهناك دائمًا مشروع قابل للإنجاز فورًا وآخر قيد التطوير.
كانت كوثر تتحدث عن مشروعها التالي «بطيخ الشيخ» (2019) الروائي القصير الذي حصد على برونزية الفيلم القصير لمهرجان الجونة السينمائي في دورته الثالثة. ولكن قبل هذا التاريخ بعام واحد، أي في 2018 كانت كوثر على خشبة مسرح المهرجان ذاته، متوجة بأول منحة لمشروعها الروائي الطويل الأحدث «الرجل الذي باع ظهره» ضمن جوائز منصة الجونة السينمائية.

في «بطيخ الشيخ» تزور كوثر أحد ثيماتها المفضلة، وهي مشاغبة السلطة الدينية وكشف تناقضاتها من خلال حكاية بسيطة ظاهريًا لإمام جامع تورط في جمع تبرعات المصلين لسد دين سيدة متوفاة للتو، ليكتشف لاحقًا أنه ضحية محتال، ثم يكشِف تسلسل الأحداث عن اهتراء شبكة العلاقات التي تمثلها السلطة الدينية وتواطؤ المجتمع. وينتهي الفيلم على أن دوام الحال ليس من المحال. تعمد كوثر في أفلامها القصيرة على ما يشبه الإسكتش الساخر الذي لا تنقصه الجرأة، بيد أنه مفتوح على الكثير من التساؤلات.
أن تخترق النظام
حتى إذا خلت القائمة النهائية للأفلام الخمس المرشحة للدورة 93 لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي من فيلم كوثر «الرجل الذي باع ظهره» يظل ترشحه للقائمة القصيرة إنجازًا سينمائيًا تونسيًا غير مسبوق. رَشحت تونس سبعة أفلام للمسابقة منذ العام 1995، من بينها فيلمان لكوثر بن هنية. شهد الفيلم مسيرة واعدة منذ انطلاقته الأولى في الدورة 77 لمهرجان البندقية، حاصدًا جائزتين؛ أفضل ممثل لبطل الفيلم، يحي مهايني، وجائزة أديبو كينج للإدماج، وذهبت إلى مخرجته. هذا بالإضافة إلى النجمة الذهبية لأفضل فيلم عربي بمهرجان الجونة في دورته الرابعة، وجائزة مهرجان ستوكهولم لأفضل سيناريو، والذي كتبته كوثر.
يمثل الفيلم مرحلة جديدة في مسيرة كوثر السينمائية على عدة مستويات أهمها القفز خطوة جديدة نحو فهم تأثير آليات إدارة الصناعة دوليًا. حظى بتوزيع شركة أفلام صمويل جولدوين الأمريكية، المتخصصة في مجال الأفلام المستقلة، وهي خطوة اعتبرتها كوثر جوهرية لزيادة حظوظه في سباق الأوسكار. فقد صارت المخرجة أكثر وعيًا بتأثير الاعتراف الدولي بالأفلام على فرصها في العرض والتوزيع والانتشار، «هذه الأيام صار أمرًا إلزاميًا أن تشهد أفلامنا عروضها الأولى في مهرجان كبير حتى يلاحظون وجودها، وإلا سيقتصر الفيلم على فرص توزيع محدود محليًا، فلا يشعر بها أحد. يزداد الوضع سوءًا في ظل وجود وباء يجتاح العالم»، تقول كوثر تعقيبًا على العرض الأول لفيلمها بمهرجان البندقية.
لا يمكن التنبؤ بتأثير هذا النوع من الوعي على شكل وموضوع أفلامها القادمة، لكن «الرجل الذي باع ظهره» يؤكد أنها لا زالت مخلصة لكثير من العناصر التي ميزت مسيرتها، من بينها الاجتهاد في التفكير خارج الصندوق، فهي تطرح قضية إنسانية في عالم واقعي، تتعلق في أحد مستوياتها بمفهوم الحرية في عالم يتيح للبضائع سلاسة في الحركة ويحرمها على البشر، وتختار لشخصية الفيلم المحورية أن يكون لاجئًا سوريًا. لكن لا وجود هنا لقوارب الموت ولا لمشاهد الدمار، وإنما تأشيرة مرور موشومة على ظهر لاجئ يتحول إلى عمل فني في متحف. أما الطرف المقابل في هذه الجدلية فهو فنان عالمي معاصر يدرك بعمق وسخرية قواعد النظام الذي يسير العالم المعاصر وفقه، وهو على شهرته وثرائه يبدو لسبب ما محملًا بالمرارة من هذا النظام نفسه الذي «الأسوأ من أن تكون جزءًا من النظام، أن يتجاهلك»، كما تخبر لوحته البشرية «سام علي». في النهاية، يقرر الفنان التواطؤ على النظام لصالح لوحته البشرية في لعبة مكسب مشترك لكليهما بلا خاسرين.
اختارت كوثر في إطار وعيها المتنامي بضرورة التواجد العالمي، نجمة عالمية في دور مساعد، وهي مونيكا بيلوتشي، لكنها أظهرت براعة معهودة في إدارتها لممثلين بعضهم بنجومية بيلوتشي، وآخرين يحظون بالظهور أمام كاميرا سينمائية للمرة الأولى. فالممثلة المسرحية السورية ديا ليان (عبير) تقوم بأول أدوارها السينمائية، في حين يمثل الفيلم نقطة انطلاق للممثل السوري، يحي مهاينى، في دور سام علي.
تشبه عبير معظم بطلات أفلام كوثر، فتاة عادية من أسرة ثرية تربت على طاعة الأسرة والاستسلام للمسار المرسوم لها، لكنها تكتشف بالتدريج قوتها الكامنة فتتمرد على قيودها. أما سام علي فيدرك بالتجربة الصعبة أن قوته الحقيقية تكمن في العودة لبلاده والبدء من جديد متحررًا من أوهام الجنة خارج الحدود. على مأساوية السياق ينتهي الفيلم، على أمل مرهون بوعي أبطاله كما يحلو لكوثر أن تنهي أفلامها.
سألتُ كوثر، خلال عرض هذا الفيلم بمهرجان الجونة السينمائي قبل أشهر، عن كيف ترى التحديات التي تواجهها مخرجة في عالمنا العربي، قالت لي إن واحدًا من التحديات بالنسبة لمخرجة قادمة من الجنوب، هو تلك التوقعات التي تظل تلاحقك، «أكثر العبارات التي سمعتها تعليقًا على فيلمي هو أنه غير متوقع أن تحكي عن اللاجئين في أوروبا أو عن الفن المعاصر بأسلوب بصري رمزي، هذا أمر غير متوقع من مخرجة تونسية». تضيف كوثر «خلال كتابة وإخراج هذا الفيلم كنتُ لاجئًا سوريًا وفنانًا معاصرًا ومالكة صالة عرض شهيرة، وفتاة سورية عالقة في زواج. أن تكون كاتب سيناريو ومخرج يعني أيضًا أن تمتلك القدرة على التفكير خارج إطار هويتك. فقط الشعور بالآخر ورغبتي العارمة في الاكتشاف تقودني نحو غير المتوقع».
وفيما لا يزال فيلمها الأحدث في أوج تألقه من جهة التوزيع والعروض العالمية والمحلية، تنغمس كوثر في مغامرة سينمائية جديدة بمشروع فيلم يتجاوز مجددًا الحدود بين الروائي والتسجيلي بعنوان «بنات ألفة» الذي فاز بجائزة التطوير ضمن أيام القاهرة لصناعة السينما، على هامش الدورة الأخيرة، الثانية والأربعين، لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. يتتبع الفيلم الذي يجمع الشخصيات الحقيقية بممثلين، من بينهم الممثلة التونسية هند صبري، عشر سنوات (2001-2011) في حياة ألفة، وهي أم تونسية في الأربعينيات، تحولت اثنتان من بناتها الأربعة إلى عضوتين في تنظيم «داعش» في ليبيا.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن