تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أغورا».. سينما مُحمّلة بالرموز

«أغورا».. سينما مُحمّلة بالرموز

الفيلم المعروض في «أيام القاهرة السينمائية» والفائز بجائزة باردو فيردي في مهرجان لوكارنو

كتابة: أحمد الخطيب 8 دقيقة قراءة

بعد خمس سنوات على آخر إنتاجاته، يعود المخرج التونسي علاء الدين سليم بفيلم أغورا، لتصل فيلموجرافيا المخرج إلى أربعة أفلام طويلة، ثلاثة منها روائية: أوّلها «آخر واحد فينا» الفائز بجائزة أسد المستقبل في مهرجان البندقية السينمائي عام 2016، و«طلامس» الذي شارك في قسم (أسبوعي المخرجين) بمهرجان كان السينمائي عام 2019، يختمها بـ«أغورا» الحاصل على جائزة باردو فيردي في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، إلى جانب فيلمه الوثائقي الوحيد «بابل»، الذي شارك في إخراجه مع يوسف وإسماعيل الشابي، وحصل على الجائزة الكبرى في مهرجان مرسيليا للفيلم الوثائقي في عام 2012.

الجدير بالذكر أن فيلموجرافيا علاء الدين سليم -إلى جانب أسماء شابة واعدة مثل مريم جعبر ويوسف شيبي- شكّلت ما يشبه الخط الفردي الموازي للموجة التونسية الجديدة التي أنتجها الربيع العربي. خط رغم ثقله وبدائية موضوعاته وأدواته فهو حُر، يسعى لنحت شكل سينمائي أكثر مرونة في التعامل مع العالم من حيث الشكل والمضمون. وبالنظر للتيمات التي تعرّف سينماه سنجد أن المخيال يأخذ مساحة كبيرة في أفلامه، بحيث لا تقف حدود سردياته عند حدود الواقع بل تتماس بقوة مع الفانتازيا، ولا تتقيد بالجغرافيا أو الزمن بل تستلهم منهما لتبني جغرافيا وزمان خاص بها، بالإضافة إلى المساحة الكبيرة للرمز في أفلامه، والتي لا يجبرها سليم على الخروج بل هي جزء جوهري من لغة أفلامه وأبجديتها البصرية، ومكوِّن ضروري في بنيتها التي تدور حول الفرد المهمّش. تلك الطبيعة المفتوحة لعوالمه تجعل أفلامه عالميّة، أي من الممكن تلقيها في مجتمعات وثقافات مختلفة، ولكن في متنها تنخر في المجتمع التونسي ومؤسساته البالية.

يدور «أغورا» على هامش البحر، في بلدة صغيرة خارج الزمان والمكان، حيث تُبعث ثلاثة أجساد من الموت، امرأة غريقة تخرج من البحر، يسيل جسدها في مياه زرقاء لا تنتهي، ورجل يقطر دمًا لا نهائيًا، ورجل آخر يخرج من تحت الأنقاض وجسده مغطى بالتراب؛ ثلاثتهم يخرجون في وقت واحد تقريبًا، يكتشفهم رجُل الشرطة فاتح (ناجي قنواتي) ويستعين بطبيب الوحدة الصحية أمين (بلال سلاطنية) ليفك لغز الحالة الطبية لهؤلاء الموتى الأحياء قبل أن ينتشر خبر ظهورهم ويختل توازن القرية.

caption

 تتعقد الأمور عندما تبدأ شائعات بالانتشار، ليضطر أحد رجال الوحدة 19 في «الأمن الوطني» عمر (ماجد مستورة) التوجه للبلدة لتولي الأمر، ولكنه أيضًا لا يستطيع فك العقدة، بل يشارك في تشعبها وتفرعها أكثر، لتلحق به الدكتورة العيواني (سونيا زرق عيونا) وتحاول إنقاذ الموقف. خلال ذلك تنكشف علاقة غامضة بين عمر والعيواني، لا نفهم طبيعتها أو مركزها، ولكن تحدث على إثرها نوع من المقابلات الغرائبية بين أطراف الجانب المؤسسي المُناط بهم حل القضية، تتبدى في ضوء أزرق لا يظهر سوى أرجلهم المحجوبة داخل جوارب بيضاء متشابهة مثل اليونيفورم، كأنه يود التلميح إلى أن المؤسسات التونسية تفكر بنصفها التحتي، ولكنه مشهد غرائبي وشبه ساخر.

في فيلمه الثالث يخلق سليم نموذجًا مضادًا للمدينة، بداية من دلالات العنوان، التي تتناقض مع المروية البصرية، مرورًا بالثقل المكاني لجغرافيا مُحددة بحواجز بحرية، وصولًا إلى مؤسسات هشّة، تجاوزها الزمان. ولكن الزمان لا يتحرك في قرية هامشية على البحر، تعيش اليوم بيومه، وتظل البقايا المؤسسية أو الروابط الدينية تسيّر مجتمعًا صديء. فالكل هنا لا يتحرك سوى في روتينه، خشية حدوث اللا متوقع وانهيار النمط المرصود. 

في عوالم علاء الدين يقدم الرمز على الواقع، ويستبدل التقليدي بالملتبس، بحيث لا يتيح خيارات إلا استكشاف المجهول ومحاولة إسقاطه على الواقع، حتى لو فاق الغموض خطوط الدراما، وسيطر الرمز على مفاتيح المشاهدة، وأنتج نوعًا من التشتت والتفكك في الحكاية، لا يأبه المخرج إلا بالشعور والحالة التي تخلّفها القصة.

في الحضارة الإغريقية القديمة، كانت «أغورا» مركزًا للمعنى، تنتج فيه الحقيقة، من خلال الحضور الجماعي والتدفق الحيوي للأشياء، حيث تتقاطع الأصوات، ويُعاد تشكيل الرؤى عبر الكلمة والنقاش. على العكس في «أغورا» الفيلم، فالمكان لا يُنتج معنى، بل يرصد غيابه، فضاء تجاوزه الزمن، بلا صوت ولا خطاب حقيقي، لذلك فهي مدينة بلا حِس، منقطعة المشاعر في جوهرها حتى لو أثبتت الكاميرا عكس ذلك. ولكن النموذج المكاني وتأثيره على تشكيل الهوية الاجتماعية والشخصية خلّف أفرادًا لا ينظرون للأمام ولا للخلف، فقط للأسفل، ولا يتحركون إلا في حالات نادرة تهدد وجودهم العرفي، وتحدث اختلالًا في طبيعة العالم لدرجة لا يمكن تجاهلها.

وهكذا يقلب المخرج المفهوم رأسًا على عقب، ويحدث مفارقة هزلية بتسمية الفيلم «أغورا»، لأنه بوسمه يُحدِث مقارنة بين القديم والحديث الذي يمكن اعتباره قديمًا، ويقارن بين المكان الذي ينتقل من كونه ساحة للفعل السياسي والاجتماعي إلى مساحة للصمت والخواء، من ملتقى الأحياء إلى بقعة ممحية.

يقوم فيلم أغورا على التداعيات، تداعيات حدث مجهول في اللازمان، لا يخصنا المخرج بإدراكه لأنه في الحقيقة ليس حدثًا أو واقعة يمكن الإمساك بها أو تحديد ماهيتها، بل أقرب إلى شيء تراكمي، في طور الخلق، لا يمكن التكهن بشكله أو حقيقته، ولكن يمكن ترقبه أو الشعور بتصاعده. 

يفتتح المخرج سرديته بما يشبه النبوءة. يتعاطى مع الحيوانات كظهير يحمل التأويل، فلكُل حيوان دلالة معينة على حسب السياق، بالإضافة إلى تناولهم كأدوات لرواية الحكاية في خط مجازي، يعالج البنية الأسطورية/الخرافية التي يميل إليها المخرج لتأطير روايته البصرية. فنرى كلبًا وغرابًا في حالة غياب عن الوعي من الناحية المادية، كأنهما حصيلة نوبة جنون بشرية أصابتهما، أو يمثلان أهل البلدة النيام، ولكنهما على العكس يدركان كل شيء، بل يمتلكان البصيرة التي تمنحهما رؤية حقيقية للمستقبل، كأنهما شاهدان على التاريخ الذي يعيد نفسه في كل زمان وفي كل بلدة، ليستهل الفيلم  بحوار مكتوب على الشاشة بين الكلب والغراب:

«هل كنت تحلم؟»

«لا، وأنت؟»

«لا أرى سوى الكوابيس في الآونة الأخيرة»

«أنا أيضاً، أشعر بكارثة مقبلة».

caption

لا يقدّم المخرج سردًا تقليديًا للحكاية بقدر ما يخلق بنية ملتبسة نسيجها اللا يقين، فالفيلم أشبه بحالة شعورية مغمورة في الرمز، فلا وجود حقيقي للزمن أو الحدث بشكله المعهود، بل أشبه بأثر طقسي لبلدة تلفظ أنفاسها الأخيرة، حتى الشخصيات تفقد قدرتها على الفعل خلال الفيلم، لتتحول إلى أشباه شخصيات تتحرك داخل فضاء هش ينهار على نفسه، أو تأخذ منحنى خيالي أكثر يمتد إلى فكرة منظمات تدير الأشياء من خلف الستار. يحاول المخرج الزج بنا داخل عالمه، والتأسيس لما يمكن تعريفه بالكارثة التي نتعاطى مع علاماتها وآثارها، ولكننا لا نُمسك بها، بل يموضعها في العلامات والتداعيات التي هي الأخرى بمثابة كارثة، ولكننا لا نعرف الشيء الذي يحرك كل هذا، لا ندرك المسبب الحقيقي، ولا نملك إلا إسقاط الإشكالية على النظام التونسي في النهاية، ليس التونسي فقط إنما أي نظام حاكم يربي الفساد داخله، وتتواطأ سلطاته من أجل تغييب الوعي.

يُرسي علاء الدين مكانًا ويبني حوله الفيلم، يتعمد خلق كيان مبهم، دون النظر في موقعه أو محاولة تعريفه، ولكنه يشحنه بتراكمات أو آلية بصرية تمنحنا انطباعًا عن طبيعته كمجتمع خلّفه الزمن. كذلك الزمان مفكك، ما من ماض يُستعاد، أو مستقبل مُنتظر، بل حاضر مُعلّق، مُثقل بآثار أفعال لم نرها، لكن نرى تموجاته المتأخرة وهي تصيب البلدة. وعلى الجانب الآخر يؤطّر المخرج مؤسسات الدولة كبقايا لنظام مترنّح، بلا مضمون أو سلطة حقيقية، أشبه بظاهرة صوتية دون تأثير حقيقي، طيف لآلة توقفت محركاتها منذ زمن ولا تنتج إلا صدى أبواق الإنذار، لكنها لا تزال تحدث قلقًا بحضورها الغائب، حتى الشخصيات ذاتها تبدو مبتورة، ليس لها تاريخ حقيقي، رجال بملامح باهتة، مجرد شواهد بشرية، لا تُنتج تفاعلًا دراميًا، بل تؤكد فقط هشاشة اللغة، انقطاع المعنى، وتحوّل العالم إلى مكان غير قابل للفهم أو التعاطف.

يلعب المخرج على موتيفات معينة لفتح أبواب التأويل، أهمها اللون الأزرق الذي يغمر الفيلم، الذي لا يُرى كعنصر جمالي بقدر ما يتبدى كحالة ذهنية، بحيث لا يعكس الرموز التقليدية لعناصر مثل السماء أو البحر، بل ينكمش في كونه لون التفسخ ودرجات الغياب، لون الكلب الذي يرى المسافة بين عالم فاسد وكارثة حتمية، حتى الطبيعة في الفيلم، على جمالها البري تبدو مريضة، وتعمل كأرشيف للخراب، وأداة اختبار للتحولات الكارثية التي تتفاقم مع مرور الوقت. وعلى الجانب الآخر يستعمل موتيف آخر يتكرر كثيرًا في الفيلم كأداة صوتية وبصرية، وهي المآذن وصوت الآذان، كدلالات واضحة على السلطة الدينية والعُرف القائم على التشريع والمرجعية الدينية، إلى جانب إزاحة السردية إلى مساحة اللاهوت والخرافة، لمحاولة فهم الرموز المتراكمة.

من الناحية الإخراجية، يتعمد سليم كسر التوقعات السردية، متحررًا من بنية الحبكة التقليدية، معتمدًا على إيقاع بطيء، ونمط بصري يفكك الزمن لا ليعيد ترتيبه، بل ليتركه مفتوح، ومشوش، وهنا تكمن إشكالية الفيلم، فهو عمل لا يسعى للاكتمال أو الوصول لنقطة النهاية، بل يُغرق نفسه في الالتباس، لا يُنهي ما يبدأه، ربما هذا ما يود أن يقوله المخرج بفيلم ذي طبيعة بنيوية مفككة. ففيلمٍ عن اللاجدوى، لا يمكن أن يخلق خاتمة ذات غرض أو طبيعة قاطعة، ولكن على الجانب الآخر فالفيلم مهووس بالرمز، بداية من رمزيات الحيوانات؛ الكلب في مرجعية دينية لأهل الكهف، والغراب أيضا بمرجعية قابيل وهابيل، مرورًا بالأجساد العائدة من الموت والممزوجة بعناصر طبيعية مثل الماء والأرض والنار، وصولًا للضابط عمر والطبيبة غريبة الأطوار التي أيضًا تنتمي لمنظمة غريبة. 

في لحظة ما ستشعر أن الفيلم محمّل بكم هائل من الرمزيات التي تجزئ السردية وتفككها، وتعمل كإلهاء في كل مرة يحاول فيها المُشاهد خلق سياق عام يجمع الرموز ببعضها وتكوين ما يشبه المنطق وراء الحكاية. في النهاية لا يجد أي شيء سوى محاولة الربط السياسي بين إشكاليات البلدة المهمشة وخطاب الدولة في التعامل مع الأزمات. تظهر السلطة في الفيلم كصدى بارد، تمارس سيادتها لا عبر القتل أو السجن، بل عبر خلق فراغ وجودي شامل، بحيث لا تطارد الناس، بل تتخلى عنهم وتتركهم يتعفنون في العراء. ولكن في نهاية الأمر فعالم الفيلم المحمّل يصبو إلى ما هو أبعد بكثير عن الاستنتاج والربط السياسي، بفوضى رمزية غير طيعة للتأويل المتأكد.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن