أطلس زيمبابوي
#260| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
كرحالة أدبي، يتتبع مينا مبارك أحلام شخصيات من زيمبابوي تحلم بذهب جنوب إفريقيا، وذلك عبر قراءة رواية سو نياثي «الباحثات عن الذهب» التي ترجمها الراحل طارق نادر، هو المنوال الذي سار عليه كمسافر يكتب أطلسه وزاده الأدب لا السفر.
#قراءة
لأن العالم فيه الكثير مما لم أقرأ، تستمر رحلتي في تقصي آداب العالم المطمورة، عندما بدأت بالهند، ومررت بخفة على جزيرة مايوت، فإقليم منغوليا الداخلية، ثم قلبت أدب إيران، واستكشفت رواية عن رومانيا كتبها رجل من دولة الجبل الأسود، وتأثرت بعمقٍ برواية مجرية ثقيلة على القلب، ومثل رحالة على طريق القراءة، عدت هذه المرة إلى أصل العالم: إفريقيا، فـ«جوجلت» عن الكاتبة الزيمبابوية الشابة، سو نياثي، وكانت أول ثلاث نتائج ظهرت لي هي: موقعها الترويجي الشخصي، وحسابيها على إنستجرام وإكس.
ولأن الصورة بألف كلمة، تسللت إلى حسابها المُصوّر أولًا.
يزخر حساب سو نياثي على «إنستجرام» بصورها منخفضة الجودة، غير الآيفونية، مع لقطاتٍ للكتب التي تقرأها عن زرعات بيتية مُقفِرة، لكن مُزهرِة، بصور مع صديقات إفريقيات؛ كاتبات وقارئات وغيرهن، تُبرز ولهًا مفهومًا بالنسوة الإفريقيات، والرغبة الجامحة في جعل أصواتهن مسموعة، بالإضافة إلى صورها من معارض كتب عالمية، وندوات محلية، ونوادٍ للأدب الإفريقي، وبودكاست مُدعّم من دار نشر شبابية، وعشرات الإعجابات الفردية بمؤلفاتها الخمسة.
بهذا المزيج الناجم عن مراقبة سطحية سريعة، يُخيّل لي أن سو نياثي على «إنستجرام» تبدو تمامًا كما قد يتخيلها المرء عند قراءة روايتها الثانية «الباحثات عن الذهب»، كتنويعات من شخصيات روايتها؛ في الهيئة، والحكاية، والمصير.
وُلِدت سوكلهولي نياثي، في عام 1978، بمدينة بولاوايو، ثاني أكبر مدن زيمبابوي، والمكان الذي اختارت أن يكون مسقطًا لشخوص «الباحثات عن الذهب». حصلت على درجة جامعية في المال والأعمال رغم أنها فضلت دراسة الصحافة التي لم تتواجد في زيمبابوي كتخصص مستقل قابل للدراسة. عملت لسنواتٍ في مجالها ثم هاجرت إلى جوهانسبرج بجنوب إفريقيا في 2008، وهو ذات العام، وذات الوجهة، التي ارتحل إليها، بشكلٍ غير شرعي، أبطالها في سعيهم نحو حياة أفضل في أرض الذهب الإفريقية.
يحمل تسعة أشخاص أحلامهم على أكتافهم، ومآسيهم في عقولهم، وقلوبهم بين أيديهم، إلى داخل سيارة تويوتا كوانتم قديمة وعدهم سائقها المُهرِّب بحملهم عبر الحدود من أرض الحزن: زيمبابوي، إلى أرض الميعاد: جنوب إفريقيا. فالدولتان تتشاركان حدًا جغرافيًا واحدًا، لا يفصل بينهما سوى نهر ليمبوبو على امتداد ما يقارب 230 كيلومترًا هو طول الحدود بين البلدين، ويختلف عرض تاسع أطول أنهار إفريقيا من مجرد مجرى صغير تجف أغلب مَخاضه في موسم الجفاف، إلى مسافة تُقدّر بمئات الكيلومترات تُبعِد بين زيمبابوي وجنوب إفريقيا.
ينصهر الأغراب الجدد في أشهر أحياء إحدى عواصم البلاد الثلاث، فبعد رحلتهم المحفوفة بالمخاطر عبر الحدود، «انقضى اليوم وأشرقت الشمس إيذانًا بيومٍ جديد، على الرغم من كونها السادسة صباحًا إلا أن شوارع حي هيلبرو كانت تضج بالحياة؛ كان الحي بمثابة نقطة الانصهار للثقافات واللغات الإفريقية المُتقدة في قلب جوهانسبرج. هنا يجيء الناس من أقصى الشمال حيث جمهورية الكونغو الديمقراطية ومن أقصى الغرب حيث غانا ونيجيريا ومن السواحل الشرقية الموزمبيقية، ومن وسط إفريقيا الدامي ببلاد دمرتها الحروب مثل الصومال والسودان ولبلادٍ في جنوبها مثل زامبيا وزيمبابوي. جميعهم قادمون إلى هذه الأحياء السكنية التي تفيض بالبشر والأوساخ والجريمة».
جميعهم قادمون من دول تستحق الاستكشاف أدبيًا والتقليب في الحيوات المجهولة لسكانها، وبالعودة للرواية الزيمبابوية، ما زال التوأم شيناي وشامونوروا ممتلئين بندبات عنف أسري واغتصاب أبوي. الأولى سيكتشف جمالَها مصوّرٌ إيطالي، ويبحث شامونوروا عن عملٍ كادح وبيتٍ وزوجة ينقذها من عنفٍ منزليّ في منطقة شعبية لم تتوقف قط عن تنفُس العنصرية ضد الأجانب. والزوجة بورشا، بابنها الوحيد نيكوسي، التي سئمت من تحكمات ومعايرات حماتها فمضت للبحث عن زوجها المغترب الذي سيرفض استقبالها لانشغاله مع عشيقاته ويأمرها بالعودة مع ابنها لخدمة أمه في قريتهم، فتتركه لتبحث عن زوجٍ جديد تتسلق على يديه المشبوكتين سلالم الترقي الطبقي من أجل تأمين مستقبل ابنها.
بعثت جدّة بحفيدتها الغالية جوجوليثو لتلتحق بأمها التي هاجرت مع زوجها الجنوبي منذ سنين، لكن الأم لا تستقبلها في المكان المُتفق عليه، ربما لانشغالها المُفرِط بحياتها الخاصة، فيتقاذفها فاعلو خير مزعومون، لتنتهي أسيرة لشبكة دعارة أطفال.
وصديقٌ للسائق يدعى جيفمور يبحث عن فرص تهريب مُجزية تُنعش اقتصاده الشخصي، سيجد شريك عمل لتتضاعف ثروته بتهريب المخدرات إلى لندن. ولينداني التي فاض بها الكيل من الدعارة الوطنية الرخيصة وترغب في العثور على ذاتها الحقيقية في بلدٍ قد يراها بشكلٍ مختلف، تنقلب إلى عُهرٍ إقليمي بعهود تتركها مديونة وأسيرة لعملٍ مُجرّم.
وشاب كان درّة عائلته في بلدته الصغيرة، يتغنى والداه باسمه: دوميساني، دوميساني، حتى شبّ فاصطدم بالوضع المزري لبلده الأم التي ستقتل طموحه وأحلامه حتمًا، فيعثر على عملٍ بسيطٍ في مطعم وفرصة جاءته بالصدفة، لكن القدر يخطفها منه بضربة نحس تجرفه في سبيلٍ آخر يهدد زواجه.
ورجل مسكين يبحث عن غدٍ أفضل يُسمى مالومي، بيد أن تمساحًا يأكله في النهر ريثما يعبرون من شاطئ الوطن إلى شاطئ المهجر. وشابة اسمها ثوليزيوي تتمسّح بالسائق وصديقه كي يأخذاها بغير أجرة نقدية للجانب الآخر من الحدود، حيث العشب أكثر نضرة، والناس أسعد، والذهب في انتظار الزيمبابويّين الأحرار، فتنتهي حياتها، أسرع مما ينبغي، حين تختطفها عصابات قطاع طرق معروفة باسم «أوجوماجوما» تختص في قنص المُهاجرين البريّين غير الشرعيين من أجل سرقتهم، والاستمتاع بالاستيلاء على نسائهم!
في أرض الأحلام الجديدة، يبحث الجميع عن الخلاص. وما هذه الحكايات المتباينة، والتقلبات السريعة لمصائر شخصيات الرواية إلا قليلٌ من حكايات أخرى، وتقلبات عديدة في مسار حيواتهم، صعودًا وهبوطًا في بلد تيههم الجديد.
أحداث «الباحثات عن الذهب» سريعة، مثل الطعام الذي يتناوله الأبطال، مثل الضجة التي في شارع هيلبرو في قلب المدينة القاهر، مثل التبدلات في مساراتهم القصصية عبر صفحات مذكراتهم تلك. وفيها تنفتح الثقافة الإفريقية الداخلية بشكل جم، وتظهر الوساخات التي يحاول الجميع كنسها أسفل السجاجيد؛ فالسود يتعنصرون على السود، والوطنيّون يتعنصرون على الأغراب، الذين يرون في قدومهم سلبًا لفرصهم ومساكنهم وأعمالهم ونسائهم. والجريمة وسيلة مُشرعنة باطنيًا لحل المشكلات، والتيه البشري العام أصل كل الأشياء، حيث الحروب الأهلية لاختلاف الأعراق واللغات أمرٌ معتاد، والديكتاتورية السياسية والتدهور الاقتصادي يُشرّسان البشر ويجردانهم من بقايا إنسانيتهم في عواصم ما بعد الاحتلال السمراء خاصتهم، وبين أطلال مخاريب ما بعد الحرب.
هاجرت الكاتبة إلى جنوب إفريقيا في 2008 ، وكتبت كتاب المصائر المتداخلة هذا في 2018، لتدور أحداثه في خضم الانتكاسة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد الزيمبابوي في عام هجرتها ذاته. إذ «أصبحت الأوضاع في زيمبابوي أكثر اضطرابًا بحلول انتخابات مارس 2008، امتلأت الصحف بالعناوين الصاخبة التي تتبادل الشعارات بين الحزب المعارض والحزب الحاكم؛ لأول مرة في تاريخ زيمبابوي يتحدى مورجان تسفانيجراي سلطة الرئيس الحاكم روبرت موجابي (الذي حكم البلاد عقب استقلالها حكمًا ديكتاتوريًا مُنفرِدًا لثلاثين عامًا، وقاوم مرشحي المُعارضة بحزم!)، وكانت أول مرة في تاريخ البلاد التي يوجد فيه حزب معارض قوي». وأسمتها «the gold diggers»، وهو العنوان الذي اختار المترجم طارق نادر -رحمه الله- أن يترجمه إلى «الباحثات عن الذهب» حين نُشرت الرواية في 2023 مع منشورات الربيع، بعد ترشحها للقائمة الطويلة لجائزة دبلن الأدبية، وقائمة جائزة الإنجاز الأدبي في زيمبابوي لعام 2019، عِوضًا عن تسميتها بـ«الباحثون عن الذهب»، وهو ما أراه مناسبًا أكثر، لعدم اقتصار ركاب التويوتا كوانتم العابرة للبلدان على النساء، فالرحلة خاضها رجالٌ مع النساء، والعربية تُضمّن المؤنث في الجمع المذكر، وهي الرحلة التي قصد أصحابها الذهاب من بلد فقير وتعس، نحو قلب جنوب إفريقيا الذهبي، المُعمّر بمناجم أثرت الدولة وجعلتها قبلة للهجرة وأملًا أمريكيًا طازجًا على أرضٍ سمراء إفريقية.
والعنوان في الحالتين يذكرنا برواية الروائي الفرنسي، لوكليزو، الحائز جائزة نوبل للأدب في عام 2007، والمنشور ترجمتها مع الهيئة المصرية العامة للكتاب «الباحث عن الذهب»، بقصة مُتشابهة عن فتى من جزيرة موريشيوس يرتحل إلى جزيرة قريبة بحثًا عن كنزٍ أسطوري ذهبي، ويفقد في الرحلة عائلة وطنه، وترحاب مهجره.
بالعودة إلى زيمبابوي، لا تحاول سو نياثي بروايتها هذه أن تمثّل ذروة الإبداع الأدبي الزيمبابوي، ولا تدعي كونها خليفة ابنة دولتها -حين كانت زيمبابوي تسمى روديسيا الجنوبية- الحائزة جائزة نوبل في 2007، ذات الأصل الإنجليزي دوريس ليسنج، والتي تدور أحداث أولى روايتها المنشورة في سلسلة جوائز الهيئة المصرية العامة للكتاب «العشب يغني»، في زيمبابوي. وليست أكثر كُتّاب بلدها شهرةً مثل تسيتسي دينغاريمبغا، الحائزة جائزة الكومنولث، والمرشحة في قائمة البوكر القصيرة لعام 2020 بثلاثيتها الشهيرة «أحوال عصابية» و«كتاب الرفض» و«جسد موشوم بالرثاء»، المترجمة حديثًا ضمن مشروع روايات الإمارات، لكنها على الأقل تعتبر تمثيلًا صادقًا -وشبابيًا إلى حد ما- عن فرد من هذا الوطن، يتحدث عن أفرادٍ مثله، يشبهونه، كما يتضح من حسابها على «إنستجرام»، يشبهونها وتشبههم في الهيئة، وفي الظروف والتحديات، فالباحثات عن الذهب تعبيرٌ صادقٌ عن وضع الدولة الإفريقيّة القاصية، أكثر من كونها درة تاجها الأدبية. وهو وضعٌ -إذا نُظِرَ إليه في سياقاتٍ حكيمة- يشبه الوضع المصري إلى حد ما، مع اختلاف اللون، والوجهة، والتفاصيل.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن