تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أطفال غزة الكبار

أطفال غزة الكبار

كتابة: محمود الشرقاوي 5 دقيقة قراءة
مُهرة شرارة

#جو عام

من مخيم للنازحين في قطاع غزة، يكتب محمود الشرقاوي عن مساره خارج البيت للتسوق، لكن لا البيت يشبه البيوت، ولا السوق وما فيه يعكس فكرة التسوق، بل حتى الأطفال لا يعيشون طفولتهم، فهم مروا بتجارب تفوق تصورنا، نضجوا بنار الحرب وصاروا أكبر، أبناء واقعهم لا أعمارهم، والكتابة عنهم تبدو مهمة صعبة، لكن الشرقاوي يفعلها. 

#دليل

على باب المخيم، إذ نفترض في خيالنا أن للمخيم بابًا، يجلس رجل ذو ثلاثة عشر خريفًا على مقعد مدرسةٍ مهترئ، يضع أمامه بضعُ حلوى يبيعها للناس، اقتربت وأنا أقصد أن أشتري منه غير الحلوى ثم تناولت قطعة مما يبيع، لأكتشف أنني أتذوق قطعة الحلوى الأكثر مرارًا على الإطلاق، معجونة تلك الحلوى بالقهر ومُضاف لها ماء الوجه ومخبوزة على فرن بلدي وقوده من أعمارنا، قطعةُ حلوى يبيع معها الرجل الصغير طفولته لقاء بضعة نقودٍ لا تطعم جائعًا ولا تغني فقيرًا أو تحميه من العوز.

على أطراف مخيمٍ للنازحين في منطقة مواصي خانيونس، يبيعُ محمد للناس قطع البسبوسة، قاصدًا جمع ما تيسر من المال لمساعدة أهله في مواجهة الموت، يحدثني بصوت رقيق وبحكمة رجل سبعيني عن أيام قبل الإبادة، ببراءةٍ يصف لي كم كان جميلًا وكم كان يحب المدرسة، وعن أحلامه التي ملأت وقتها السماء والأرض، وينكسر صوته عندما يصل الحديث إلى الحال الذي وصل إليه تاركًا أحلامه خلفه، مُستخدمًا مقعد الدراسة لبيع الحلوى، وهو الذي من فرط جماله كان مقصدًا لأصحاب محلات الملابس كموديل لملابسهم، بات اليوم شاحب الوجه ضعيف الجسد وفاقدًا لجزءٍ كبيرٍ من طفولته، علمت وقتها أن الأطفال في غزة خسروا كل شيء الآن، وفي المستقبل، فلا هم عاشوا طفولتهم التي يستحقوها ولا أملٌ لهم بمستقبل أفضل، سيكبر هذا الطفل يومًا ليجد نفسه قد أُرغم على ترك المدرسة، وتزوج الكدح والتعب قبل سن البلوغ، وأنجب في سن صغيرة مستقبلًا مظلمًا، مضطر أن يرعاه ويحفظه، لأنه وبكل ظلامه لا بديل عنه إلا الموت.

تركت محمد خلفي قاصدًا السوق، وهو مكان يتجمع فيه الباعة على بسطات بدائية أسميناه مجازًا «سوق»، وهناك يعرض الأطفال على بسطاتهم كل شيء يُباع، ليجدوا أنفسهم مرغمين على تحمل أعباء لا يُتخيل أن تكون لأمثالهم، وبعمر الورد. يقضي الأطفال الأكثر حظًا في الحرب يومهم للعمل على تلبية حاجات الأسرة اليومية، فقد أصبحت من مهامهم الحصرية الاصطفاف على طوابير المياه أو الفرن البلدي، أو السعي بين البسطات لإحضار ما تحتاجه العائلة لتقضي يومها، أما غالبية الأطفال فقد أصبحت مهامهم أكثر صعوبة، ليكونوا مُجبرين على العمل في أعمالٍ يحظر على الأطفال العمل بها، وتضطر العائلة أن تخسر طفلها إما بفعل غارات الاحتلال، أو أن تفقد فيه الطفولة التي ستسقط منه في الأسواق وعلى طوابير المياه وتكيات الطعام.

بينما أسير بين البسطات غير المُنتظمة باحثًا عما يمكن العودة به للخيمة لأطفالي، يشدني شيء بألوان زاهية على بسطةٍ على الضفة الأخرى من بركة المياه العادمة التي تملأ السوق، ركبتُ الحجارة التي وضعها الناس لتجاوز البركة حتى وصلت إلى الضفة الأخرى، لأجد بنتًا بعمر الزهور تعرض حذاء تزلج زهري اللون، يبدو أن الحذاء مرّ بتجربة قاسية وقد أنقذته صاحبته من تحت الأنقاض، ليعيدني المشهد إلى تالا، تلك الجميلة التي اشتهرت لأن آلة الإجرام قتلتها وهي تحاول أن تمارس حياتها كأي طفلة وهي ترتدي الـ«سكيت»، وعن ذلك روى لي أبيها عندما حادثته لأواسيه، أنه وأمها رفضا في ذلك اليوم مغادرة تالا المنزل لتلعب مع الأطفال تحت البيت، إلا أن إلحاحها المُقترن بطلب جارتهم مرافقة تالا لأطفالها والاستمتاع باللعب تحت البيت جعل أمها توافق، وبعد دقيقة واحدة من وصول تالا أسفل المنزل دوى صوت انفجار ضخم في المكان، أسرع والدها إليها ليتفقدها حيث كانت تلعب والأطفال، فوجدها مضرجة بالدماء هي وألعابها، لتصل تالا بعد عناء المواصلات المقطوعة في شمال قطاع غزة إلى المستشفى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، حاول ملائكة الرحمة إنقاذ البراءة إلا أن شظايا الصواريخ لم ترحمها.

وكأي طفلة كانت تالا تحلم بأن تكبر وتصبح طبيبة أسنان، كانت تمازح والدها دومًا قائلة له «بكرة بتكبر وبيخربوا أسنانك، وأنا بصير دكتورة وبعملك أسنانك»، كل هذه الأحلام قُتلت بصاروخ يكفي لنسف جبل ألقته طائرات الغرابيب السود على الأحلام الوردية، لم تلقهِ الطائرات على تالا وحدها ولم تقتلها بمفردها، أسراب من العصافير طارت إلى الجنة وما زالت تطير، تخطف معها قلوبنا وتقتل فينا ما تبقى من إنسانيتنا وسلامنا.

لم أجد في السوق ضالتي، فما يعرضه الأطفال على بسطاتهم لا يلبي أحلام أصغر أطفالي، زينة، فهي تنتظرني وتعتقد أنني قادر على إحضار السكاكر أو رقائق البطاطس مثلًا، وما يعرضه الأطفال في السوق كله مُرّ. عدتُ إلى المخيم مارًا بمحمد الذي قارب على الانتهاء من بيع حلوته المُرّة، وجدته يرقبني من بعيد كأنه يريد إخباري أنه سينعم أخيرًا بقسط من الراحة، بينما استقبلتني زينة باكية فيداي فارغتان مما تنتظر، محظوظ محمد ومحظوظة زينة، ما زالا يحتفظان داخلهما ببعض المشاعر الطفولية. رغم أن أطفال غزة يستقبلون الموت أكثر مما يستقبل أطفال العالم الحياة، في حرب الإبادة هذه عايشت أهوال انتشال الجثامين من تحت الأنقاض مرات كثيرة، ولم أجد شيئًا أشد وقعًا على قلبي من انتشال جثامين أطفال. الصغار حتى وهم أموات تجد فيهم البراءة، منهم مَن يحتضن دمية أو يحتضن أمه، منهم مَن كان يختبئ تحت السرير ظنًا منه أنه سيحميه، ومنهم مَن لم نعرفه ولم يتعرف عليه أهله إثر ما لحق بجسده الضعيف من تقطيع وتشويه.

أنظر لابنتي زينة، وهي الصغيرة التي نطقت أولى كلماتها في الحرب، لا تعرف عن الحياة الطبيعية إلا ما تراه عبر فيديوهات الترفيه التي تشاهدها على اليوتيوب، أطالع ما يلفت انتباهها لأكتشف أنها تهلل عند حضور شاحنة المياه الحلوة، وترقص فرحًا عند بدء توزيع الطعام في التكية القريبة من خيمتنا، هي الطفلة التي عاشت بالخيمة أكثر مما عاشت بالبيت، ما الأثر الذي سيتركه النزوح عليها وعلى محمد وباقي الأطفال؟! وتحول حياتهم من العيش في البيوت الجميلة إلى حياة المخيم؟ كأننا عدنا بعد 67 عامًا إلى المخيم. وأرى الإجابة في عيون أطفال المخيم كلهم، لا الخيمة باقية ولا وقع الرصاص، ربما من المخيم سيسلك أطفال غزة الكبار طريقًا لا نعرفها. 

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن