تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أراضي «البحوث الزراعية» تذهب إلى «مستقبل مصر»

أراضي «البحوث الزراعية» تذهب إلى «مستقبل مصر»

كتابة: رنا ممدوح 8 دقيقة قراءة
من صفحة مركز البحوث الزراعية على فيسبوك

منذ منتصف مارس الماضي، أرسل عشرات الباحثين والإداريين بمركز البحوث الزراعية استغاثات إلى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الزراعة، مطالبين بالتراجع عن استقطاع مساحات واسعة من محطاتهم البحثية تقدر بمئات الأفدنة، في مناطق «أبو رواش، والمنصورية، والهرم، وجزيرة الدهب، والمنيب، والدقي»، وصولًا إلى قلب المركز الرئيسي بالجيزة، وتحويلها إلى مشروعات سكنية لصالح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.

تحدث أربعة من كبار الباحثين (أساتذة متفرغين) بالمركز، مع «مدى مصر» منفصلين، وقالوا إن مجلس الوزراء أخطر إدارة المركز في بداية الأسبوع الثاني من مارس الماضي بتنفيذ قرار صدر في يوليو 2025، يقضي بنقل تبعية نحو 70 فدانًا داخل مركزه الرئيسي إلى «مستقبل مصر». وأضافوا أنه في مطلع أبريل الجاري، أُبلغ المسؤولون بالمركز بموافقة رئيس الجمهورية على نقل أراض إضافية تابعة للمركز إلى الجهاز، إلى جانب نقل العاملين بالمقر إلى موقع بديل بمنطقة دهشور، بدلًا من المقر الحالي القريب من جامعة القاهرة وكلية الزراعة.

وقال أحد الباحثين: «سيبنون وحدات سكنية على الأراضي السوداء التي خٌصبت على مدار عشرات السنين لإجراء التجارب وإنتاج التقاوي والبذور بدلًا من استيرادها، بحجة أنها أصول غير مستغلة ولا تدر عائدًا، بالنظر إلى موقعها المميز في قلب محافظة الجيزة وبالقرب من كورنيش النيل».

في حديثهم مع «مدى مصر»، أجمع الباحثون على وجود «خطة شبه ممنهجة» لتقليص دور المركز، بدأت بالاستحواذ على أراض محطاته البحثية، وامتدت إلى مقره الرئيسي، رغم كونه من أبرز المراكز البحثية في الشرق الأوسط، وله دور محوري في دعم الأمن الغذائي وزيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية.

«هل يعقل انتزاع أراضٍ زراعية خصبة مخصصة للبحث العلمي ونقلها إلى جهة خارج نطاق الرقابة؟»، تساءل أحد الأساتذة المتفرغين، مضيفًا أن على صانعي القرار إعادة النظر في مسمى «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، إذ إن هناك فرقًا بين «النمو» بوصفه زيادة في الإنتاج، و«التنمية المستدامة» التي تعني ترشيد استخدام الموارد مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة. أراضي مركز البحوث الزراعية تمثل جزءًا من هذه الحقوق. 

يعد مركز البحوث الزراعية، الذي أنشئ عام 1971، أكبر هيئة بحثية تطبيقية في البلاد، والثانية على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وفق تصنيف «سيماجو» لعام 2025. ويمتلك بنية بحثية ضخمة تضم 16 معهدًا و12 معملًا و50 محطة بحثية على امتداد أغلب المحافظات، كما يساهم المركز في جميع المجالات المتعلقة بالثروة الحيوانية ومقاومة الآفات، والزراعة وزيادة إنتاجية المحاصيل، مثل الذرة التي ضاعف إنتاجيتها محصولها، والقمح الذي زادت إنتاجية الفدان منه بأكثر من الثلث، وذلك بجهود نحو 17 ألف باحث، ولكن هذا الدور حاليًا أصبح يواجه تحديات أهمها نقص المخصصات المالية والتي تتقلص على مدار السنوات الماضية، وذلك إلى جانب خفض المساحات المخصصة لمزارعه البحثية مؤخرًا. 

في المقابل، يحظى جهاز مستقبل مصر بدعم رئاسي، يتمثل في الاجتماعات الدورية المكثفة بين رئيسه العقيد بهاء الغنام والرئيس عبد الفتاح السيسي، والتوسع بتخصيص الأراضي، بالتزامن مع توسيع مهامه من استصلاح الأراضي إلى السيطرة على قطاعات استراتيجية مهمة مثل استيراد السلع التموينية والقمح والتصنيع الغذائي والطاقة والتطوير العقاري، ورغم هذا التطور السريع الكبير يحيط الغموض بوضع الجهاز القانوني، حيث لم ينشر قرار إنشائه رقم 591 لسنة 2022 في الجريدة الرسمية حتى الآن، مما يثير تساؤلات حول شرعية قراراته وأدواره التي تتقاطع مع أدوار كيانات حكومية أخرى.

كان مجلس الوزراء وافق في التاسع من يوليو الماضي، على إعادة تخصيص خمس قطع أراضٍ تابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي بمحافظة الجيزة، بمساحات مجمعة تصل لـ70 فدانًا، من ولاية مركز البحوث الزراعية، لصالح «مستقبل مصر». ولم يحدد القرار الحكومي طبيعة النشاط المزمع إقامته على هذه الأراضي، واكتفى بالإشارة إلى استخدامها في عدد من مشروعات الجهاز التي تمتد إلى عدة أنشطة، من بينها النشاط العقاري.

ومن جانبه، أوضح رئيس المركز، عادل عبد العظيم، إن نقل تبعية عدد من الأراضي من مركز البحوث الزراعية إلى «مستقبل مصر» هو تنفيذ لقرارات قديمة، صدرت غالبيتها في الفترة بين 2020 و2022، قبل توليه رئاسة المركز، مشددًا، في حديثه لـ«مدى مصر»، على أن ما يحدث حاليًا هو مجرد «استيفاء أوراق» أو «استكمال إجراءات إدارية».

وأضاف عبد العظيم أن بعض الأراضي المخصصة لـ«مستقبل مصر» تقع بالفعل في مناطق سكنية، مستشهدًا بقطعة أرض قريبة من «نادي الصيد». أما بشأن الأراضي داخل مقر المركز في الجيزة، فأكد أنه لا يملك معلومات حول إقامة مشروعات سكنية عليها، مشيرًا إلى أن الصوب الزراعية الخاصة بالأبحاث لا تزال قائمة ولم تمس.

وفسر ثلاثة من كبار الباحثين بالمركز الاختلاف بين تاريخ قرارات مجلس الوزراء وتوقيت التنفيذ الفعلي، بأن خطة تجريد مركز البحوث الزراعية من أراضيه الخصبة وتجريفها والبناء عليها، وُضعت خلال تلك الفترة، فيما يمثل قرار مجلس الوزراء «المسمار الأخير في نعش» مقر المركز، عبر التمهيد لإقامة مشروعات سكنية على أراضيه، على غرار ما حدث خلال السنوات الماضية مع أراضيه ومحطاته البحثية في عدد من المحافظات.

انتزاع أراضي المركز، بحسب أحد الباحثين، يأتي بدعوى أن «الأرض في موقع مميز ولا تدر دخلًا. لقد  رأينا ذلك من قبل في الأراضي التي اقتُطعت من مقرات وزارة الزراعة والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية لإنشاء منطقة كافيهات في شارع الدقي بالقرب من المتحف الزراعي. الآن جاء الدور على الأرض السوداء التي نستخدمها في التجارب لإنتاج التقاوي، لإقامة مشروعات سكنية».

يعود الأمر إلى أغسطس 2021، حين وجه السيسي بإعادة صياغة أصول وأراضي مراكز البحوث الزراعية في محافظات الدلتا، خدميًا وتنمويًا على أقصى قدر ممكن، مع التركيز على الاستخدامات المتعددة، بالتعاون والتنسيق بين أجهزة الحكم المحلي، والمحافظات، ووزارة الإسكان، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.  

وأعقب ذلك التوجيه إصدار وزارة الزراعة باليوم نفسه، تقريرًا بحصر الأصول التابعة للهيئات والقطاعات والمراكز البحثية في «1500 أصل، بإجمالى 290 ألف فدان، وحوالى أربعة ملايين متر مكعب من المباني والإنشاءات، ما بين غير مستغلة ومؤجرة ومعتدى عليها».

وبعد أيام من توجيه السيسي، أعلن رئيس المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة، اللواء ناصر فوزي، آلية تنفيذ التوجيه الرئاسي، قائلًا في بيان نشرته الصفحة الرسمية للمركز عبر فيسبوك آنذاك، أن منهجية حصر ومعاينة أراضي مراكز البحوث الزراعية اعتمدت على تجميع كل المواقع الصالحة، ودراستها، والقيام بزيارات للمواقع المرشحة. 

وأوضح فوزي أنه بعد إجراء عمليات المراجعة والتدقيق والتصنيف للأراضي، عرض المركز قائمة من الأراضي ذات الأولوية على السيسي، وتضم أراضي تابعة لمركز البحوث الزراعية وقطاع الإنتاج الزراعي. أما الأراضي التي حًصرت كأسبقية ثانية فتضم أراضي في 15 محافظة لها ظهير صحراوي. 

التوجيه الرئاسي وتنفيذه جاءا عقب التطبيق الفعلي لاستغلال أراضي مراكز البحوث الزراعية في أنشطة غير زراعية. في بداية عام 2021، تلقى مسؤولو مركز البحوث الزراعية في محافظات مختلفة خطابات بتخصيص أراضي الأبحاث لمشروعات سكنية. كذلك تلقى مجلس النواب عدة بيانات عاجلة لمساءلة الحكومة بشأن ما اعتُبره بعض النواب خطة لتبوير مئات الأفدنة التابعة لمركز البحوث الزراعية ومحطاته البحثية، وهي من أجود الأراضي الزراعية وأخصبها في مصر، وتخصيصها لمشروعات إسكان اجتماعي.

وحدد النواب محطة بهتيم للبحوث الزراعية بمحافظة القليوبية مثالًا، والتي تعتبر أقدم محطة بحوث زراعية في العالم، وتبلغ مساحتها 380 فدانًا، ومحطة كفر الحمام للبحوث الزراعية بمحافظة الشرقية ومساحتها 83 فدانًا، إضافة إلى محطات بحوث الوادي الجديد والإسماعيلية، والحمراوي بكفر الشيخ وغيرها.

تكرر الأمر مع أراض أخرى تستخدم لأغراض بحثية، ففي 15 فبراير 2021، عقد مجلس كلية الزراعة بجامعة المنوفية اجتماعًا طارئًا بعد تلقيهم خطابًا من محافظ المنوفية يخطرهم بتخصيص مزرعة الكلية الموجودة في قرية الراهب لإنشاء مشروع إسكان اجتماعي عليها، فيما سيتضح لاحقًا انه مشروع يوفر وحدات سكن استثماري ضمن ما عرف بالمبادرة الرئاسية لتطوير عواصم المحافظات والمدن الكبرى «دارة». رفض مجلس الكلية، المكون من 45 أستاذًا جامعيًا، آنذاك، قرار المحافظ، وهددوا بالاستقالة وأرسلوا استغاثات ومناشدات للمسؤولين لوقف تجريف الأراضي الزراعية التي تستخدمها الكلية لأغراض تعليمية وبحثية.

لم توقف الاستغاثات والتحركات البرلمانية القرار، ولم يمض وقت طويل حتى احتلت الخرسانة أرض المزرعة، وأقيمت مشروعات سكنية على أراض المركز في عدة محافظات منها المنوفية والشرقية وكفر الشيخ  والإسماعيلية وغيرها، وافتتح رئيس الوزراء عددًا منها.

وبحسب ما نشره رئيس الفريق العلمي للنهوض بمحصول القمح بمحافظة الشرقية في فبراير 2021 عبر حسابه الشخصي في فيسبوك، فإن جرافات الهيئة الهندسية لم تنتظر حصاد محصول القمح المزروع في محطة بحوث كفر الحمام بالشرقية الذي كان يحتاج  شهرين في الأرض لحصاده، وأزالت الشتلات، مهدرة محصول قمح لأكثر من 55 فدانًا منهم حوالى 20 فدانًا لإنتاج تقاوى أساس قمح التي تكفى لزراعة أكثر من 20 ألف فدان.

مدير أحد معاهد المركز أوضح لـ«مدى مصر»، بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أن عمليات الاستحواذ خلال السنوات الماضية تركزت على أراضي المحطات البحثية في المحافظات، وهي أراض خصبة بالأساس، مخصصة للتجارب لإنتاج التقاوي والبذور، وتتبعها بعض مباني إدارية. وخلال السنوات الأخيرة، اقتطعت أربع مزارع من محطات البحوث الزراعية بمحافظة الإسكندرية لصالح «مستقبل مصر»، من بينها مزرعتا محطة بحوث الصبحية (القصب والدواجن)، وبًنيت أبراج سكنية عليها بالفعل، بحسب باحث بمحطة بحوث النوبارية، الذي أشار أن هذه المزارع كانت تضم أفضل سلالات الدواجن البيّاضة. 

كذلك، اًقتطعت مزرعة محطة بحوث النوبارية بمنطقة شمال التحرير في الإسكندرية، كانت تُستخدم في الأبحاث وإنتاج التقاوي والبذور، قبل أن تُجرف وتُمهد أرضها بالأسفلت والحواجز الخرسانية، وتتحول إلى مشروع للإنتاج الحيواني تابع للقوات المسلحة، بحسب الباحث، الذي يضيف أيضًا أن مزرعة محطة بحوث النوبارية للأراضي الجيرية انتُزعت لصالح «مستقبل مصر» خلال عام 2025، وأخليت الأراضي الخاصة بالأبحاث والمباني الإدارية الملحقة، دون توفير بدائل مناسبة من وزارة الزراعة، وانتقل الباحثون والإداريون إلى محطة بحوث أخرى قريبة بالمنطقة.

وأكد مدير المعهد أن اعتراض غالبية العاملين نابع من الخوف على المصلحة العامة، موضحًا أن مركز البحوث الزراعية يساهم في توفير مليارات الدولارات عبر تقليل استيراد التقاوي والأمصال واللقاحات اللازمة لحماية الثروة الحيوانية. وأضاف أن تجاهل دور البحث العلمي، والنظر إلى أراضي المركز باعتبارها مجرد مواقع مميزة للاستثمار العقاري، يمثل «جريمة في حق الأجيال القادمة»، خاصة من سلطة تعلن رفضها للبناء على الأراضي الزراعية.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن