تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أدب بالكيلو

أدب بالكيلو

كتابة: عمر شرارة 5 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

#جو عام

كتاب فيه وردة ذابلة، أو آخر يحمل إهداءً لا يقل عاطفية، أو عملة منسية بين الصفحات الصفراء، هذه الحصيلة المُعتادة لمقتني الكتب المستعملة، لكن عمر شرارة أراد اكتساب رزقه من بيعها، لكن حظه لم يسعده بمال منسي أو مكتسب، بل وضعه في قلب التجربة، وعنها يكتب هذا الديتوكس.

#دليل #قراءة 

ذات زنقة، توكلتُ على الله فاتحًا مشروعًا يخصني، قائلًا لأسرتي إن وزر الخسائر سأتحمّله وحدي، كما سأنعم بحسنة المكاسب وحدي، مضيفًا سأقرأ وأبيع ثقافة، وقد كان.

عملًا بهذا المنطق الذي تحكمه لقمة العيش وحب القراءة بالتساوي، أسست صفحة بأحد مواقع التواصل الاجتماعي، سميتُها «نحن نقرأ». عرضتُ بمنشوراتها صور كتب بلغات عدة. تراوحت أسعار نسخها المُستعملة بين 10 و20 جنيهًا، بينما تفاوت سعر الجديدة بين 30 و50 جنيهًا. فضلًا عن عروض بأسعار مخفّضة؛ فمَن يشتري واحدًا غير الذي يشتري عشرة. ثم فعّلت خاصية التوصيل إلى المنزل أينما كان عزيزي القارئ.

ومع ذلك، لم يُدر مشروعي إلا النذر اليسير من المكاسب.

كأول خطوة في استثماري الثقافي بعتُ مكررات مكتبتي الخاصة. تلك الخطوة اعتبرتُها استثناءً حتى أجد تاجر كتب مستعملة أشتري منه بسعر الجملة، مثلما أشتري من تاجر وجدته صدفة يبيع كتبًا جديدة في سور الأزبكية. هذا الأخير، عرفني على صاحب أحد أكبر مخازن الورق بحي إمبابة، والذي ذهبت إلى مخزنه الزاخر بكميات من الكتب في منطقة المفارق، بعدما شدد خلال اتفاقه معي على أن كيلو الورق على سبعة جنيهات دون فصال.

على عتبة المخزن ذُهلت عندما وقعت عيناي على أهرام هائلة الحجم زاهية الألوان من الكتب المتراصة بعضها إلى جانب وفوق بعض. تملكني إحساسٌ بأن هذا المكان مكاني. لكنّ صاحبه رفض أن يدعني اختار الـ20 كيلو التي أخبرته أنني سأحملها، في إشارة منه إلى أن التراب وبيوت العناكب تغطي الكتب وتتخلّل صفحاتها، ولأنني أقسمت أمامه أن عفرة الكتب لن تضرني، وافق على مضض.

افتتاني بالمخزن دفعني إلى الدعبسة في أكوام جرائد قديمة وحديثة، ومجلات مصورة وغير مصورة، ومجلدات عتيقة مهترئة وأخرى عكسها، وإصدارات كثيرة بلغات عديدة، وقراءة جملة من هنا، بعد فقرة من هناك، والتقاط صور للمكان نشطت خيال الكتابة فيما بعد. وفي النهاية، وزنت 15 كيلو أدب عربي، إضافة إلى خمسة كيلو أدب إفرنجي. 20 كيلو تنبض بالحياة. حمل ثقيل وضعته داخل شكارة، ثم حملته بحركة واحدة فوق كتفي، كشيّال حمول صغير.

قرأت المعوذتين مهتديًا وعزمت على أخذ متر في متر داخل سوق الجمعة بإمبابة، كمحاولة أخيرة، لعل النحس يتركني لحالي. دفعت مقابل تلك المساحة 30 جنيهًا يوميًا، بعدما أوصى عليّ أحد أصحابي، عبده بشلة، جامع الكارتة من سائقي ميكروباصات الترامكو المنادين: إسعاف تحرير… إسعاف تحرير. لكن بشلة عصلجَ طوال المفاوضات مطالبًا بـ50 جنيهًا يوميًا. يا أبويا أنت تخصني فما فيش مرازية معك في أكل عيشك، برر بشلة طمعه. حُط واتوكل، مضيفًا بينما حمّل الشكارة منّي، ثم أفرغها فوق الأسفلت بنفسه. فيما أشار صاحبي إليه بجدية بينما حاجبيه مرتفعين في دهشة: دا هيبيع كتب يا معلمه.

غاية ما أراده صاحبي هو إفهام بشلة بالسيم ألا مكسب سأجنيه، من دون إحراجي، ومن الشجاعة قول إن صاحبي هاودني وسايرني إلى حد بعيد. لكن جامع الكارتة، الذي أبدى لكلانا انشغاله بأحوال الموقف، أنهى مباحثات حوارنا الدبلوماسي عند 30 جنيهًا، معتبرًا قراره يتماشى مع دستور لغة الشارع، بعد تأكيده أن المبلغ الذي سأدفعه لا بُد ألا اعتبره -لا سمح الله- إتاوة. فحسب تعبيره: فرشتك متأمّنة من الواغش.. سيبها وغيب هتلاقيها على حطة إيدك.

توّهنا بشلة عن سُبل تقليل تسعيرة الأرضية الآمنة: حُط لك فاترينة عرض هنا جنبي.. دا الدنيا كلها فتارين، مستدركًا، ولّا يشغلك الرمم دول.. هحُط حجرين الرصيف جنب بعض. استسلمت لما قاله، متماهيًا مع ألفاظه النابية التي ينطح بها سائقي الترامكو، ومع كاركتر شخصيته ككل. إذ ضحكتُ متضامنًا عما يضحكه ويقوله، كما كررت أقواله بنفس نبرة صوته ذات البحّة.

قضيتُ تلك الجمعة وعيناي وسط رأسي لاعتبارات كثيرة أقلها معرفتي أن بشلة صاحب CV حافل بالجنايات، لهذا أخذت حذري منه، رغم ارتياحه في حديثه معي، إذ استطرد حاكيًا حكايات الصولات والجولات التي خاضها ضد السائقين الذين يحمل بعضهم سيرًا ذاتية جنائية. أكد لي أن السائقين الجنائيين يحاولون دائمًا المراوغة والتهرّب من إعطائه حقّه الشرعي، قال عن نفسه مختالًا: بس على مين... دا أنا بشلة.

عدّى النهار والمغربية جاية بينما لم يشترِ أحد المارة منّي أي كتاب. لا بعشرة ولا خمسين. ولم أجنِ الـ30 جنيهًا سعر الأرضية. انقضى اليوم وأنا متورط بالجلوس في الفرشة، أنصت لحكايات بشلة التي أحدثت خُرمًا في نفوخي. وغير أن حكاياته شابها بعض الركاكة والثغرات، التي لم أجرؤ حتى على استيضاح تفاصيلها منه، شعرت بخيبة شديدة عندما دفعت الإتاوة.

حبايب حبايب يابا، قال بشلة بينما يعدّ على أصابعه الفلوس.

تفاءلتُ لمّا وصلتني رسالة على «نحن نقرأ» لشراء كتابين أعلنتُ عن بيعهما بـ40 جنيهًا، ديوان شعر وكتابات نثرية ألّفهما عبد الرحمن الأبنودي. رغم هوسي بفر صفحات الكتب المستعملة بحثًا عن الدوائر والخطوط التي رسمتها أقلام القراء السابقين، لم ألحظ شيئًا لافتًا على غير العادة في «الموت على الأسفلت» و«آخر الليل». 

فر الكتب المستعملة دليلي إلى مشاعر القراء السابقين. باختصار، كل ما يُكتب بالقلم فوق الصفحات أعتبره أثرًا تُرك لي، لهذا أتأمّله، قبل إيصاله لقارئه الجديد. 

اتفقتُ مع الشاري على ميعاد التسليم، وفي أوانه وقفتُ عند مدخل العمارة التي يسكنها، ثم اتصلت به وأخبرته أنني انتظره مؤديًا خدمة التوصيل. بعد دقائق قليلة، فُتح باب العمارة. تبادلنا التحية. سلمته غايته، ثم غادرت. لكنه اتصل بي طالبًا عودتي إليه. ولله الحمد كنتُ أسير ببطء ولم أتخطَّ ناصيتين بعد ناصيته. 

أخبرني مشتري الكتابين: الـ100 جنيه كانت جوّه الموت على الأسفلت. تعجبت متسائلًا: أنت بتتكلم جد، فردّ بعنجهية: إحنا هنهزّر سوّا. وبلا شك، فإن المُشتري دسّ الفلوس داخل الديوان. 

لبخة الموقف وترتني، رفضت المائة جنيه، وأخبرته أن النسخة له، بكل ما فيها. أنا اشتريت كتبك المستعملة فاللّي جوّاها يخصّك، قال المشتري، خُد. رغم فرّي «الموت على الأسفلت» من قبل، لأغراض القراءة والتأكد من خلو طياته، فإنني أخذتها في النهاية من «عزيزي القارئ». ومن ساعتها، تبت إلى الله، قالبًا صفحة «نحن نقرأ» لتكون آخر محاولات وزن وبيع الأدب بالكيلو. 

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن