أحن لحرب أخرى
#252| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
تتسع رقعة الحرب القديمة المتجددة، لكن تبقى غزة محورها، ومنها يكتب محمود الشرقاوي عما يُنسى في الأحداث الكبرى؛ الفقد والحزن والتشتت والتعب، كيف يغرق المرء في دوامات المشاعر وتعصف به الذكريات، حين يكون الكلام عن رغبة عادية، غير مناسب لتصورنا عما يحدث وسط الخراب، هكذا يفضض معنا حول نزوحه من أهوال الحرب إلى حرب على رقعة الشطرنج، أولها نابليون وآخرها مقتل بيادق وأحصنة وأفيال، قد يُطاح بوزير، أو تهديد ملك.. حرب نتمنى أن تكون الحروب مثلها.
#دليل
في كل صبح بالحرب، بصحى وراسي تقيل، والزنانة فوقي بترن كأنها قاعدة بتحكيلي: قوم.. الحرب لسه شغالة وإنت بتحلم بالشطرنج؟!
طب مهي الدنيا كلها شطرنج، بس مش لعبة، لعبة دم وخراب. الدبابات بتمشي في الشوارع، والجنود بيتحركوا على رقعة مش خشب.. رقعتهم هي غزة وبيتي. قاعدين بلعبوا شطرنج على الأرض، وأنا بلعب شطرنج بالحلم.
كنت بحاول أركّز بخطة نابليون، الخطة اللي دايمًا أحب أبدأ فيها، أتحكم بنص الرقعة. خطط كتير مرت عليا بالشطرنج وما عمري حبيت غير خطة نابليون. طول عمري بحكيلهم: اللي بقدر يعمل افتتاحية نابليون صح، مش ممكن يخسر. وغالبًا لا تخذلني، وأفوز.
لحظة الفوز عظيمة، لأني سيطرت على الحياة. والآن لا أعرف رقعة الشطرنج. لأن رقعة الحياة لم تترك لي مكانًا للفرح أو الحزن. الآن أخاف أن أفرح، كأن الفرح خيانة، وأخجل أن أبكي على ما فاتني وفقدته، كأنه ترف. وبين الحزن والفرح أشتاق لذاتي، الشاب الذي كان يجلس في المقهى ليتابع ريال مدريد كأن العالم لا يحمل سواه، ويحمل الرقعة أينما ارتحل ليصارع وأصدقاؤه الملوك على رقعة الشطرنج.
كنتُ في الخيمة حين وصل الجنود إلى بيتي في غرب رقعة المدينة، أراهم في البيت كأنني أناظر الرقعة من أعلى. هكذا اعتدت أن أراقب الرقعة إذا ما تعقد أمر اللعبة. يتهيأ لي تصرف الجنود داخل البيت، أحدهم يجلس على كنبتي المفضلة ليدخن سيجارة، والآخر يسحب رقعة الشطرنج من خزانتي ليخبر زميله في الفرقة أنه وجد ما يسلي وقتهم.
وبينما يقف الجند على شرفة منزلي، أحرك أنا البيادق في الوسط. السيطرة على هذا المربع تعني أنك امتلكت الرقعة. قريبًا سيسمح لك وضعك الدفاعي بالهجوم على الملك.
وذاك الملك؟ لم أعد أعني به ملك الخصم، بل شيء داخلي هش، كأنه آخر ما تبقى فيّ ولم يُكسر. أحيانًا أشعر أن حماية الملك في الشطرنج تشبه محاولتي حماية آخر ذرة أمل، أو الذكرى الأخيرة لبيتي، لأهلي، لذاتي الأولى. ليس في خسارته نهاية اللعبة فقط، بل فقدان كل ما أحاول البقاء من أجله.
جاري في الخيمة أحضر رقعته معه عند النزوح: «تلعب شطرنج؟». لم نلعب الشطرنج منذ فترة طويلة. رتبنا الأحجار وبدأ كلٌ منا يتحسس خططه. حرّك جاري بيدق الوزير خطوتين للأمام، بينما خرجتُ بحصان الملك. هي ذاتها خطة نابليون، لكني تعمدت إظهار الغموض والحنكة. سأبدأ الهجوم قريبًا.
تتوالى الأخبار عن هجومٍ غرب المدينة حيث البيت. تتحرك الأحجار على الرقعة، ويسقط وزيري بين الرمال. أسكن حي الرمال، لكني لا أعرف إن سقط بيتي في الهجوم الأخير. الآن أعيد ترتيب الأحجار وأنتظر خبر الأحجار.
استغل جاري انشغالي بأمر البيت، وهاجمني بالبيادق المدعمة بالأحصنة والأفيال. وقد غدرني نابليون حين لم يفهمني أنني أحتاج مع خطته للصفاء الذهني أيضًا. الفخاخ كثيرة وعليك التنبؤ بحلولها، وأنا لا أجد حلًا يأخذني الآن إلى البيت. يعبث الجند هناك بأحلامي، ولا حل عندي إلا خسارة الوزير في رحلة الدفاع عن الملك.
أبلى جاري بلاءً حسنًا حين هاجمني بحصانه ثم فيله فوزيره، فهو أجبرني على خسارة وزيري، لكني أجيد اللعب دونه، اللعب ممكن طالما بقي الملك، هذا الملك الذي لم أعد متأكدًا من كونه حجرًا على رقعة، أو أنا نفسي، أو قلبي، أو آخر ما يمكن حمايته في زمن لا يحمي أحدٌ فيه أحدًا.
قبل الحرب كنا ننظر للرقعة لأوقاتٍ طويلة دون ملل، ودون خوفٍ من رقعة الحياة أو عليها. نطيل أمد اللعب كيفما شئنا، فلا يفصلنا عن البيت إلا مشوار الطريق. أتذكر أنني هزمت صديقي حينها بأن أطلت أمد اللعبة حتى مل، بدأ يحرك الأحجار عكس الخطة، فقضيت على الملك. كنتُ الملك. لا شيء يشغلني إلا طريق العودة للبيت، وهل سيأخّرني دور الشطرنج هذا عن بداية مباراة الأهلي والإسماعيلي؟
أحب مبارايات الأهلي كثيرًا. تطور العالم كله وأصبح يرى الدوريات العربية شيئًا قديمًا، لكن قلبي معلق بالأهلي، من أيام هادي خشبة وسيد عبد الحفيظ. والآن ماذا؟! اختفى البيت، وداس جنود الشر على أحجار الشطرنج وحرقوا رقعتي، والأصحاب تفرقوا، فمنهم مَن قضى دون ذنب، وحتى الطريق إلى البيت ما عاد موجودًا ولا البيت.
تعبتُ من كوني البطل. أقلّب في صفحات التواصل دائمًا فأجدني البطل في كتابات العرب، مجبر أخاك لا بطل، كنت دائمًا الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات، والجندي العنيد الذي يموت ألف مرة ولا يموت، والقائد البطل الذي يسعى إلى الموت في سبيل الأمة، هكذا تراني الأمة. ألا تراني حين أبكي؟! أتنام مطمئنة حين تعلم أني لا أموت؟ أنا البطل الصنديد القوي العنيد المتين المغامر المحارب فوق ثرى هذه الأرض. أبحث وسط الخراب عن زاوية يسمح لي فيها بالجلوس والبكاء حتى تجف عيوني. أبحث عن مكان واسع أُطلق فيه صرختي فيرتد صوتها هادرًا ليخبرني أن أحدًا قد سمعني. هذا البطل الذي ترسموه في كتبكم هو إنسان ضعيف. هذا الخارق مهما طال زمن احتماله سئم من التعب. أتشعرون؟
ما من أحد يعرف كم مرة ابتسمتُ وأنا أنزف من داخلي، ولا كم مرة قلت إنني بخير فقط لأن لا وقت في هذه البلاد لإجابة صادقة. أخفي وجعي كأنني أرتب سريرًا لضيف أعرفُ أنه لن يأتِ. ورغم أنني فقدتُ كل شيء، حتى الرغبة في الحديث، أحيانًا أبكي دون دموع. أشعر أنني ثقيل، لم آكل كثيرًا، بل لأنني محمل بما لا يُحتمل: أسماء مَن رحلوا، وصور البيوت التي سُويت، وصوت ذاك الطفل الذي كان يصرخ من تحت الركام ولم يرد صوته أحد. مات صوته ومات قلبي.
بُترت ساق مشاعري ويدها من خلاف، صُلبت في الشمس حتى ذابت، وترك الطفل تحت الركام حتى الآن، بلا صوت.
أشتاق لصمتٍ لا يخنقني، ولنظرة تقول لي: كنت أعرف أنك تعبت، لا بأس أن تتعب. أشتاق لليالٍ كنت أصارع فيها الليل أن يطوّل من وناسته. أن يهاتفني صديق للعب الشطرنج، فأخبره أن الوقت قد تأخر، لكننا سنذهب. آخر مرة كان لي دين عنده، أذقني مرارة موت الملك بست حركات فقط.
والآن ما الذي حدث؟! ما زلت هنا، وحيدًا، ما زلت هنا، لا لأنني بخير، بل لأن الغياب ليس خيارًا، ولأن الموت لم يشأ أن يفتح لي بابه بعد. أقف في منتصف هذه الحياة، كمَن نجا من الغرق، لكنه نسي كيف يسبح. لا أرض أقدر أن أمشي عليها، ولا هواء يكفي للصراخ، فقط جسدي الهزيل الذي يمضي لأن عليه أن يمضي. جسد خواء، لا طعام فيه ولا روح.
أتظاهر بالقوة لأن التعب لا يُسمع حين نهمس.
لا أريد أن أكتب شيئًا يلهم أحدًا،
ولا أن يُقتبس كم كلماتي في خطابِ عاطفي عابر.
أريد فقط أن أقول: كان هنا إنسان... تعب
ربما... كل ما أحتاجه الآن، أن يقرأ أحدٌ هذا النص، ليصمت معي.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن