«أجندة الاستقرار»: ما عاد به السيسي إلى «دافوس» بعد غياب 10 سنوات
مثّل «دعم الاستقرار» محور خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، أمس، في «دافوس»، حيث أكد أن تركيز مصر على النأي بنفسها عن الصراعات في المنطقة هو ما يميز دورها وإمكاناتها الاقتصادية.
السيسي، الذي عاد إلى مصر هذا الصباح، كان قد وصل، صباح أمس، إلى سويسرا، للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، لأول مرة منذ أكثر من عقد، ومقابل تركيز خطابه أمام المنتدى قبل عشر سنوات على ما شغله داخليًا في بداية عهده، قدم مصر في كلمته الافتتاحية هذه المرة كقوة دافعة للاستقرار الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وهي النقطة التي توسع في الحديث عنها خلال حواره مع رئيس المنتدى، بورج بريندي.
اللحظة الحرجة إقليميًا وعالميًا، وحالة عدم اليقين المُسيطرة، انعكست في بدء بريندي حواره مع السيسي مازحًا، بأن أهم ما استخلصه من خطاب الأخير هو أن «الاقتصاد أفضل حالًا بكثير من الجيوسياسة».
بينما اعتبر محللون سياسيون أن أبرز ما عكسته مشاركة السيسي في المنتدى هذه المرة، هو تحول النظام المصري خلال عقد، من موقع السعي نحو الحصول على الشرعية الدولية والخروج من أزمات اقتصادية كبرى، أمام عالم غربي متشكك يضغط في الملفات الحقوقية، إلى موقع الشريك السياسي والاقتصادي الذي يقدم نفسه كـ«صمام أمان» للاستقرار في إقليم مضطرب، للعالم الغربي نفسه، الذي لم يعد يعبأ بأداء دور المهتم بحقوق الإنسان.
«غزة» في صدارة الملفات التي أشار إليها السيسي، مؤكدًا على دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية، والذي «تُوِّج» بقمة شرم الشيخ، في أكتوبر الماضي، وما جنته من مكاسب أهمها اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن يشير إلى العمل المتواصل مع الشركاء الدوليين للتوصل إلى «حل دائم وعادل وشامل» للقضية الفلسطينية، قائم على حل الدولتين، وهو الطرح الذي تجاهلت إدارة ترامب مناقشته خلال المؤتمر.
كما دعا إلى تسريع البدء في جهود التعافي وإعادة الإعمار في غزة، التي عرضت القاهرة توليها مرارًا، دون أن ينسى الرئيس التأكيد مجددًا على ضرورة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار وضمان تدفق المساعدات إلى القطاع دون قيود.
خلال اليوم نفسه، وعلى هامش المنتدى، التقى السيسي بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وكرر شكره على دوره في إطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وإن غاب عن حديث السيسي أي إشارة صريحة إلى مجلس السلام، الذي أطلق ترامب خطته هذا الأسبوع.
قبل لقاء الرئيسين، كانت وزارة الخارجية المصرية تعلن قبول مصر دعوة ترامب للانضمام إلى «المجلس»، معربة عن دعمها لمهمته كجزء من المرحلة الثانية لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنها ستمضي قدمًا في استيفاء «الإجراءات القانونية والدستورية ذات الصلة»، قبل أن تصدر بيانًا ثانيًا، جماعيًا، بموافقة مصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية وقطر، على الانضمام للمجلس، الذي سبق ووافقت المغرب والبحرين أيضًا على الانضمام له، فضلًا عن موافقة إسرائيل.
المجلس نفسه رفضت السويد والنرويج وفرنسا قبول دعوة ترامب للانضمام إليه، وأعرب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عن مخاوفه من أنه مشروع لديه طموحات تتجاوز الحكم الانتقالي لغزة، بشكل يقوض إطار عمل الأمم المتحدة.
وعند سؤاله عن الصراعات الأخرى في المنطقة، أكد السيسي أن مصر اتبعت طويلًا نهج «عدم التدخل في شؤون الدول»، والذي قال إنه سمح بأن تكون مصر قوة لتحقيق الاستقرار ودعم الدول المجاورة، «بتدعم دايما الدول، كل الدول بما فيها دول المنطقة، بأنها تعتمد على المؤسسات والأجهزة الوطنية فقط في إدارة شؤونها الداخلية».
دفع بريندي السيسي إلى الإسهاب، واصفًا مصر بأنها «رابطة بين أوروبا وإفريقيا وآسيا»، بينما عجز عن إيجاد عبارة سياسية مناسبة لوصف الصراعات التي عصفت بالمنطقة منذ عام 2023، قبل أن يضيف: «هناك تطورات في لبنان وسوريا تتخذ منحىً جديدًا، وهناك الوضع في اليمن الذي أعتقد أنه سيكون إشكاليًا. أما ليبيا، فلا أريد الخوض في تفاصيلها، سأترك ذلك لك يا سيادة الرئيس».
ولكن السيسي كان حذرًا كمحاوره، فقال: «من غير ما أسمي أسماء دول، عشان ما نعملش…»، دون أن يُكمل جملته، وإن عاد وأثنى على ما اعتبره تحسنًا في لبنان، بعد أن أشار إلى رفض مصر لوجود المليشيات والجماعات المسلحة.
اختبأت بين كلمات السيسي خريطة من التدخلات بالوكالة في المنطقة، والتي غذّت الصراع المستمر منذ ثلاث سنوات في السودان المجاور، حيث سعت مصر جاهدةً للحصول على دعم دولي لاحتواء نفوذ التمويل والدعم اللوجستي الإماراتي لقوات الدعم السريع.
كما أشار الرئيس إلى الوضع في الصومال، الذي بات يشكل مصدر قلق متزايد لمصر في سياستها الخارجية، مع بروز البلد الشرق إفريقي كساحة للمناوشات السياسية بين القوى الإقليمية، إلا أنه لم يدخل في تفاصيل موقف مصر من هذا الملف.
وكانت مصر أعربت في الأسابيع الأخيرة عن دعمها للرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، ولوحدة أراضي الصومال، بعد أن اعترفت إسرائيل رسميًا بإقليم صوماليلاند الانفصالي.
ودون خوض في مزيد من التفاصيل، أكد السيسي أن هدف مصر هو «دعم المؤسسات الوطنية» والتأكيد على أهمية الدولة، و«اللجوء إلى المؤسسات الدولية» لتسوية النزاعات.
في لقائه اللاحق مع ترامب، أكد السيسي على ترحيبه بخطوات الرئيس الأمريكي تجاه غزة، وكذلك تناول التعاون في وقف الحرب في السودان، والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، قبل أن يرحب باهتمام ترامب بمسألة مياه نهر النيل، وملف السد الإثيوبي، مؤكدًا أن السلام في المنطقة لم يكن يتحقق إلا بإصرار الرئيس الأمريكي، الذي أشاد بدوره بقدرات نظيره المصري، مبرزًا خصوصية علاقتهما الشخصية، في تكرار لفحوى خطابه قبل أيام، الذي أعلن فيه استعداده لاستكمال الوساطة لحل الخلاف المصري الإثيوبي، ما رد عليه السيسي وقتها بالترحيب.
إلى جانب دورها كداعمة للاستقرار السياسي الإقليمي، قدم الرئيس مصر كدولة صاعدة اقتصاديًا، غنية بالموارد ورأس المال البشري، و«مجالًا مليئًا بالفرص الاستثمارية»، من الطاقة النظيفة إلى الذكاء الاصطناعي، وصناعة السيارات، والصناعات الدوائية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، بينما سلط الضوء على سياسات التكيف الهيكلي الاقتصادي في مصر، والتي قال إنها مهدت الطريق أمام مشاركة أوسع للقطاع الخاص.
وطرح الرئيس مصر كوجهة استثمارية مثالية، جاهزة لاستقبال المزيد من الاستثمارات بعد سنوات من الإصلاح في العديد من القطاعات، مسلطًا الضوء على وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي ترسم خارطة طريق لتخارج الحكومة من قطاعات اقتصادية رئيسية لصالح القطاع الخاص، الذي أكد على دوره المحوري، قائلًا إن النمو الذي يقوده سيضمن «حياة كريمة للشعب المصري»، مكررًا تصريحاته في منتدى 2015.
كما سلّط الضوء أيضًا على طفرة مشاريع البنية التحتية في مصر خلال العقد الماضي، وعلى رأسها الطرق والكباري، وإنشاء العديد من المناطق الاقتصادية الحرة في أنحاء البلاد، بما فيها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
الرئيس حرص كذلك على التباهي برأس المال البشري للبلاد، والذي يضم 30 مليون شاب وشابة في المراحل التعليمية المختلفة، منهم 4.5 مليون في الجامعات، مؤكدًا أن مصر تستثمر في التعليم لإعداد هذه الأجيال الشابة لسوق عمل تهيمن عليه أحدث التقنيات التي تجذب أنظار المستثمرين، من الطاقة المتجددة إلى الذكاء الاصطناعي.
تلك النقاط مثّلت وجهًا مغايرًا عن خطاب السيسي أمام حشد من رجال الأعمال والسياسيين العالميين، في «دافوس» 2015، الذي ركز على الأولويات الداخلية التي شغلته في بداية حكمه، وهي الإصلاحات الاقتصادية الأولية تمهيدًا لتخفيض قيمة الجنيه، وحرب الدولة على الإرهاب، وإصلاح الخطاب الديني.
أستاذ العلاقات الدولية المساعد بجامعة دنفر، أحمد عبد ربه، فسّر ظهور الرئيس في المنتدى بعد غيابه عنه، في سياق التحولات السياسية والاقتصادية التي مرت بها مصر خلال العقد الماضي، قائلًا لـ«مدى مصر»: «أنت بتروح علشان تبحث عن شرعية أو تؤكدها، أو علشان تظهر نجاحاتك الأمنية والاقتصادية والسياسية، أو علشان تحاول تجيب استثمارات أكتر»، مشيرًا إلي أن السيسي ذهب إلى «دافوس» في 2015 و«كان بيحاول يأكد على شرعية النظام المصري»، في وقت كانت فيه شرعيته واستقرار حكمه لا يزالان محل تقييم من قادة العالم.
وكان من المقرر أن تستضيف مصر المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ، عام 2016، لكنها ألغت الفعالية بعد هجوم مسلح أسقط طائرة روسية كانت تحلق فوق سيناء.
أما عن السنوات التي تلت تلك الفترة، فاعتبر عبد ربه أن السيسي «ما كانش محتاج يروح، لأنها كانت فترة إدارة أزمة اقتصادية صعبة في مصر، على مستوى الاقتصاد الكلي والجزئي.. ما كانش مستعد يروح يسمع نصايح من حد»، قبل أن يشير إلى أن العشر سنوات الأخيرة تخللها فترة إدارة جو بايدن، التي كانت العلاقات المصرية الأمريكية خلالها «صحيح ودية لكن، مش أفضل شيء».
من جانبه، ربط أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مصطفى كامل السيد، الغياب الطويل عن المنتدى، برغبة مصر سابقًا في تجنب الضغوط الدولية المتعلقة بملفها الحقوقي الداخلي، وعدم حاجتها إلى ذلك في ظل المناخ العالمي الراهن، مشيرًا إلى أن العقد الماضي اتسم بحملة قمع داخلية شنتها الحكومة ضد المعارضين السياسيين، ما عرضها لضغوط خارجية، لا سيما من الإدارات الديمقراطية في البيت الأبيض التي شهدت تلك الفترة.
سبق أن انتقدت الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما ملف مصر الحقوقي، وربطت جزءًا من المخصصات السنوية لمصر من ميزانية المساعدات العسكرية الأمريكية، بتحسينات في هذا الملف.
وأشار عبد ربه إلى أن مصر لم تغب تمامًا عن الحضور في «دافوس»، التي زارها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مرتين خلال العقد الماضي في عامي 2019 و2025، فيما قد يكون تفاديًا للحضور وقت رئاسة بايدن.
في هذا السياق، رأى السيد أنه كان من المنطقي أن تتجنب الحكومة حضور الفعالية الدولية العامة، التي قد يحضرها نقاد محتملون من بين قادة العالم، أو الصحفيون والأكاديميون المتواجدون ضمن جمهورها المعتاد، لأنها ليست فعالية إلزامية، ويمكن لمصر جذب الاستثمارات الأجنبية دون الحاجة إلى الذهاب إليها.
وأضاف أن تراجع وجود شخصيات بارزة في السياسة الخارجية في الحكومة، مثل عمرو موسى، قادرة على التعامل مع الانتقادات في المحافل العامة، ربما كان له دور في ذلك، لكن الآن، ومع سطوة ترامب وغيره من قادة العالم الذين لا يكترثون كثيرًا بتصدير مظهر الاهتمام بحقوق الإنسان، على المشهد الدولي، ربما لم يعد هناك قلق بشأن الانتقادات، بحسب السيد.
من جهته، يعود عبد ربه إلى الأسباب الاقتصادية والجيوسياسية، قائلًا إنه بالمقارنة بخطاب 2015، ذهب السيسي إلى «دافوس» هذه المرة وقد حسمت مسائل الشرعية والإرهاب، ليحكي خطابه قصة نجاح اقتصادي كلي. ويضيف: «كان فيه استعراض لما يعتقده النظام المصري نجاح، وهو نجاح بالمعايير الكلية للاقتصاد من وجهة نظر الغرب وصندوق النقد الدولي، بغض النظر عن رأينا إحنا كمصريين عايشين جوا مصر. الغرب بشكل عام ما يهموش جوه مصر المواطن بيعاني الأزمة الاقتصادية، تركيزه دايمًا بيبقى على الأرقام الكلية».
لكن النقطة الأهم في حديث السيسي للمستمعين من القيادات الغربية، بحسب عبد ربه، والتي مثلت تحولًا عن خطاب 2015، كانت تقديمه مصر باعتبارها شريك إقليمي داعم للاستقرار. مفسرًا: «أهم حاجة قالها، فكرة إن إحنا عصب الاستقرار وصمام الأمان في الشرق الأوسط. الغرب بشكل عام، وأمريكا بشكل خاص، بتنظر لمصر دلوقتي على أنها قادرة على حل الملفات المتأزمة في المنطقة، سواء في السودان أو في غزة أو في ليبيا». وهي النظرة التي ساهم فيها، بحسب عبد ربه، تحول مصر أيضًا في السنوات الأخيرة إلى شريك للاتحاد الأوروبي في ملفي الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي، والهجرة غير الشرعية.
يلخص عبد ربه التحول الخطابي قائلًا: «في 2015 هو بيقدم أوراق اعتماد، في 2026 بيقول إحنا صمام الأمان في المنطقة، إحنا الدولة القوية في المنطقة، ولو عاوزين استقرار شرق أوسطي يبقى لازم تحافظوا على استقرار مصر سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الأمنية».
تقارير ذات صلة
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار
النجار خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي ربما سقط من الأذهان مع طول اختفائه
تعديل تشريعي قد يسمح بتمديد رئاسة شقيق السيسي لـ«غسل الأموال وتمويل الإرهاب» بلا نهاية
قبل أسابيع من انتهاء رئاسة المستشار أحمد سعيد حسين خليل السيسي، للوحدة التابعة للبنك المركزي
لماذا أجَّل السيسي إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان؟
تغيير موعد إطلاق الاستراتيجية قد يُنبئنا عن شيء بشأن الهدف منها بالأساس
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن