تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من أدب وائل رجب

من أدب وائل رجب

أبيض وأسود ونصوص أخرى

كتابة: مدى مصر 6 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

27 عامًا عاشها وائل رجب، (1970-1997)، وبعد نفس المدة نستعيد أدبه بعد نفاد طبعات كتبه واختفاء ما كتب، ولأن الكلام عما يندر الوصول إليه ليس كافيًا، نستعيد تجربة هذا الكاتب بتقديم أربعة نصوص ننشرها بإذن خاص من شقيقه. وأولها قصة «أبيض وأسود»، كُتبت في أبريل 1993، ونُشرت ضمن «خيوط على دوائر» وهو كتاب قصصي جماعي شارك فيه وائل ونُشر في 1995، أما باقي النصوص فنُشرت بعد وفاته ضمن الأعمال الكاملة التي صدرت عن «كتابات جديدة» بالهيئة العامة للكتاب 1999/ 2000.

أبيض وأسود

(1) ليل خارجي

يتحرك الأسد بعرض البلاتوه في خط عمودي على المكان الذي يتمركز فيه مقر شهوته: زوجته العزيزة. 

يدور عدة دورات يمارس من خلالها طقوس الجماع. يرمق زوجته بنظرات شهوانية تؤدي دورها في حلبة السيطرة التي يقوم بنصبها. يبدأ في الاقتراب، يخترق حلبته، يبدو في نظرات عينيه التوتر. تبدأ دموع الإثارة في الالتفاف حول أنفه، تتجمع في بحيرة اللعاب، تتحول إلى قطرات ثقيلة تتعلق بشعر ذقنه وتتركه. يلعق الأسد بلسانه لأسفل ثم يحركه في حركة رأسية لأعلى على وجه زوجته العزيزة. يرفع مخلبه ويضرب به خدها ضربة خفيفة. يفعل هذا وهو يكاد يغطي وجه زوجته. 

تحرك زوجته ذيلها في حركة مروحية وتخفض رأسها وتمسح بها قدميها الأماميتين. يقوم الأسد بتحريك يده اليمنى على جسدها. تبدأ زوجته في فرد قدميها الأماميتين. يصبح الأسد في داخل مثلث قدميها. يحرك رأسه كلها على خدها الأيمن ثم الأيسر. يضغط قدميه الأماميتين على صدرها. يدفع بقوة من اليمين إلى اليسار. تنقلب على ظهرها. 

(ينتهي المشهد بأن يطلق أحد المساعدين حقنة مخدرة على الأسد لتفادي الهياج الذي يصاحب عملية الجماع)

(2) نهار داخلي

يصحو «إسماعيل» مبكرًا اليوم على غير عادته. يسأل والدته عن الجريدة لماذا لم تصل حتى الآن. يذهب إلى النافذة يصطدم وجهه بعنف بلفافة طائرة. كانت هي الجريدة. يفتح الجريدة على صفحة الأدب: قصيدة جديدة لأحد الشعراء بعنوان «دخان الظلام». يلقي بالجريدة على المائدة ويدخل إلى حجرته مرة أخرى. يتحرك بعينيه على أرفف المكتبة. يختار «محاورات أفلاطون». يبدأ في تقليب الصفحات. يبحث عن جملة معينة. يجدها ويرددها بينه وبين نفسه: «المعرفة أساس الفضيلة». 

-إنت عارف يا حبيبي أنا قد إيه بحبك. لكن..

-لكن إيه؟

-حبنا لازم يكون له نهاية.

-وهي إيه؟

-أننا نسيب بعض.

تظهر الدموع في عيون «إسماعيل» وهو يتذكر هذا المشهد بينه وبين «نادية» بالأمس. يقطع دموعه صوت أمه وهي تنادي عليه «شفت يا إسماعيل الأسد اللي هرب من استوديو الأهرام». يفتح إسماعيل باب الغرفة.

ينتهي المشهد.

(3) مشهد ختامي

كاتب سيناريو يتحدث مع زميل له في التليفون: 

-شفت الراجل اللي كلْه الأسد، بيقول لك كان قاعد في الأوضة، راحت أمه نادها له، قام فتح الباب.

أبريل 1993 

«مقدمة»

أنت الآن تمشي في المظاهرة الكبيرة. وعندما تشاهد رجلًا منتفخًا كأي بالونة منطبقة وتتأكد أنه ملتصق التصاقًا حتميًا بالأرض بينما يرتفع خيط رفيع من قاعدته إلى أعلى تدرك أن نظامك الكوني قد انقلب رأسًا علي عقب. وتكمل سيرك لتشاهد رجلًا آخر يطير على دراجته ممسكًا بقفازيه في فمه لكي يترك ليديه حرية التحكم في آلته. عندئذ قد تبدأ في فهم سر انتشار الكلاب في هذه المدينة. وتشاهد أحدها يجلس على معطف أبيك الذي ترتديه وتتساءل عن سبب رعب الأشخاص من هذه المخلوقات البريئة التي يمكنها رغم ذلك أن تدفع أحد المؤلفين إلى ملء صفحة من الرعب عن مطاردة ليلية. سوف تتساءل عن كافة مرجعياتك عندما تنظر إليك الكلبة نظرة حانية. وسوف تعيد التساؤل عندما تشاهد توكة فضية عليها عبارة بسم الله. وسوف تكملها في مخيلتك التنظيمية إلا أن تفكك الداخلي سوف يدفع بك إلى مازوشية عزيزة لكي تشاهد اختلاف الترتيب فتلاحظ الرحمن أقرب كلمة لخصلة الشعر المنحنية من أعلى. وبذلك تتأكد من أن باريس مدينة كبيرة بها غابة سيئة السمعة. وتتابع عيناك شريط الضوء الأحمر عابرًا لقبلات المتظاهرين. وسوف يذكرك باشتعال سابق لسيجارة حمراء. وتكون ليلتك الأولى ليلة طويلة ويكون يومك الثاني يومًا نائمًا. وتصحو لكي تمسك بشعرة قريبة من منبت عضوك لتقطعها وتمرر خيطها الأسود حتى جذرها الأبيض وتمشي بها محشورة بين أسنانك وعندئذ قد يدفع بها تيار الهواء البارد إلى الدخول في فتحة أنفك. نعم سوف أراك وأنت تتحطم بشكل مؤثر وتدفع ببقايا حلمك إلى نوستالجيا خيالية وتحاول أن تتعرف على الشخص الوحيد الدائم الذي يضع سماعاته في أذنيه. نعم عندئذ سوف ترى جيدًا حقيقة كانت غائبة عن لحمك وسوف تكتشف أن الإنسان كائن واعي بحركة دمائه في البداية. وتشاهد الآخرين وهم يتحركون بعيدًا عنك في كل اتجاه ممكن على الرغم من إمساكك بالريموت كنترول. ونكون إثنين رغم أنه قد تم حرمانك من ظلك بسبب السحب الكثيفة. ورغم كل شيء لن أقسو عليك في الفترة القليلة المتبقية لأنك لست الشخص الذي اعتدت عليه. 

باريس 25/ 12/ 95

الطفولة السعيدة

عندما يدخل الموت الجسد لا يخرج منه. 

والدخول إلى الحمام يختلف عن الخروج منه. لأنك قبل الدخول تكون قد تأكدت من رؤية جميع الأوضاع والأجسام المشتبكة وتابعت تطورها على مدار أيام الجفاف. ثم تدخل لتتأمل مرة أخرى وسترى أن الوضع يستلزم الآن بعض الماء لنفش الرأس. وسيحدث وسترى السقوط. 

***

وأضع يدي على خدي لأفكر في خيبتي، إلى اليسار. ويبدأ الدم في الانحدار والجانب الأيمن في الاختفاء متجهًا إلى العالم الآخر.

نعم الفراغ موجود ولا يمكن إنكاره. وبدأ الشعر يلقي بظلاله على الجلد ويخلق خلقًا جيدًا صومعة أو برجًا عاجيًا، حسب الدين. مكان يصلح للاختلاء، حسب الحاجة. أنا أجلس في الظلام أو في الظل.

***

ووضع حقيبته بهدوء بجانب الإفريز حتى لا تبتل ثم انتحر. 

***

الحمام ليس مجرد لحظة وإنما هو مرحلة. 

***

منذ طفولتي، كنت أعرف أنني أرتفع وأن هذه هي فرصتي الوحيدة في البقاء. منذ رأيت الأثر الواسع الذي تركته منفضة الطباشير على مؤخرة سمين الفصل وقارنته بالخط الحاد على مؤخرتي. لم أعلل ذلك باختلاف ظروف نقطة الالتقاء وإنما عللته بأنني شخص ضيق. وكان الطباشير علامتي الأكيدة. 

***

الأمل الوحيد في النمو.

***

ستنام على المخدة لإسكات مواضع الألم. ثم ستنفصل تاركًا لها بعض الذكريات.

***

«من المهم ألا تموت جذورك»

***

وماء هذه المدينة يتكون من الطباشير. وسوف يملأ سطح جلدك. وسينهمر مع تيار الماء الساري. وسيتم تحديد خط السريان بشعرات مستقيمة أو قليلة. وستصبح هناك ساحة جيدة للعب. ويمكنني أن أصعد وأحجز الملعب المخطط بالطباشير مستخدمًا كرة وحيدة تستعيد ذكريات الماضي السعيد. 

***

أنت الساحر الذي يخرج من جيوب معطفه الواسع كتبًا عن الموت. 

***

الأمل الوحيد أن يأتي خارج عن المدينة ويبدأ في إسقاط مائه العذب على جذع الشجرة وجذورها. عندئذ ستبدأ شجرة التبول في زركشة السماء الخلفية بأوراق صغيرة. ودائرة القمر ستكون ظاهرة في أعلى لإضفاء التأثر في اللوحة المرسومة بالألوان المائية بطبيعة الحال. 

باريس أبريل 1996

  

«ماري»

وكلمات محدودة عن مرض طويل

والغرفة المضاءة في الدور الأول. وليلة حزينة أخرى. والغرفة المظلمة في الدور الأول. وانهيار كامل.

***

وأصابتني حالة من البطيخ. من اللحاء الأحمر القاني. من اللب الأسود تمامًا. وأدركت أنني استويت. 

***

وأستطيع التعامل مع البشر الآن واحدًا واحدًا لأنهم كانوا يدخلون عليّ هكذا في الغرف المعقمة. 

***

كم مرة يا «دومينيك رافيل»* جلست على الأرض بجانب سريري لكي تشاركيني الدموع. لن أنسى طراوة يدك المربتة. ولن أنسى ميزانك الذي كان يقول لك عندما تصعدين عليه: «شخص واحد فقط كل مرة».

***

وكنيسة «سانت امبرواز» الرقيقة والديك المعدني. وقهوتنا الصغيرة يا «ماري». وتضعين قدمك الشرابية على فخذي وأغطيها بقبعتي. ونضحك ونتذكر اللحظة الأولى.

***

ومن ليلة إلى أخرى أنجح في التخلص ثم يصيبني الألم ثم أنجح في النوم. وفي الصباح أستيقظ على رمادي جديد يدمر حياتي.

القاهرة- يونيو 1997

*دومينيك رافيل: إحدى الممرضات بالمستشفى الذي كان المؤلف يتلقى به العلاج في باريس.  

مقال علاء خالد عن وائل رجب من هنا

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

إلى حسني سليمان

بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.

محمد درغام 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن