«ياما في السجن»: هل كنّا بالخارج يومًا ما؟
«ياما في السجن» هي سلسلة نصوص يكتبها، عبدالرحمن الجندي، بالتركيز على جوانب مختلفة عن تجربة السجن، التي استغرقت من حياته أكثر من ست سنوات، بدأها في 6 أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشر من عمره، وحتى خروجه في 13 يناير 2020.
أعانق والدتي وأختي في قاعة الزيارة قبل أن نجلس على المصطبة الأسمنتية ونباشر بالكلام.
نطلعاني على ما يحدث في الخارج: آخر أخبار الدوري الأمريكي للمحترفين لكرة السلة، تخبراني عن إشاعات عفو محتمل، وتسردان بعض أخبار الأصدقاء والأقارب.
تلقي أختي خبر زواج فتاة كانت تعلم أني شديد الإعجاب بها قبل السجن، فتوبخها والدتي؛ قولتيله ليه!
أضحك وألوح بلا مبالاة: تعتقدان أني ما زلت أملك مشاعر رومانسية حية.
ترمقني أمي بشفقة، تعبير وجهها يفضح تفكيرها بأني في حالة إنكار.
«يا جماعة والله ما فارقلي، مش حاسين إن فيه حاجات أهم شوية على بالي اليومين دول؟ حياتي اللي خربت ديه مثلًا؟» أطلق ضحكة مكتومة ساخرة لكن والدتي ما زالت غير مقتنعة ولم يتغير تعبير وجهها. تربت على ظهري وتضغط على كتفي، فأبتسم وأهز رأسي. الأمهات لن تتغير.
أسألهما عن بعض الأصدقاء الذين أرسلت إليهم خطابات، تتوقفان عن الكلام وتتبادلان نظرات مُحرَجة قبل إلقاء بعض الكلمات المبهمة عن أنهم بالتأكيد مشغولون وسيردون لاحقًا.
أرسلت الجوابات منذ شهرين.
لا أطيق شعور الشفقة، خاصة عندما أشعر به تجاه نفسي. أفعل أي شيء لمحو هذا الشعور من جهازي العاطفي وأشعر بالاشمئزاز عندما أضع نفسي في موقف يُرثى له.
موقف مثل هذا.
في كل مرة أتعهد بعدم التواصل مع أي من أصدقائي القدامى مرة أخرى، لأتردد بعد عدة أشهر وأجرب حظي ثانية.
واجه الأمر، لقد تخطوك ونسوا وجودك. شيء طبيعي. قُيدت عند خط البداية فيما هم أنهوا السباق كله وانطلقوا إلى سباقات أخرى. لماذا يتذكرونك إذًا؟
لا أحد يتذكرك.
***
أضغط بأسناني على المصباح اليدوي الصغير المهرب ليظل ثابتًا بفمي، مضيئًا جزءًا من الجدار أمامي مباشرة، وأرسم.
جداري هو معرض فني: معرض للاقتباسات المكتوبة، كلمات الأغاني، والشعر، والصور الملصقة، والأفكار العشوائية، والرسومات التي لا معنى لها. هو مَخرجٌ لما أتفجر به؛ منفذٌ علاجي لما يموج في نفسي.
في ظلمة الزنزانة، يخلق صوت حك قلمي الرصاص على الحائط الخرساني إيقاعًا رتيبًا مهدئًا. مضافًا إليه معزوفة الشخير في الخلفية، يكاد يكون اللحن النهائي منومًا مغناطيسيًا.
أعيد المرور على الحروف بالقلم الرصاص، ثم أرجع مرة أخرى لأجعل الخط أكثر سمكًا ووضوحًا.
على مدى الأسابيع القليلة الماضية، اكتسبت هواية جديدة، أقلب صفحات قاموس إنجليزي متقدم، باحثًا عن أنواع الرهاب المختلفة الغريبة.
وجدت بعض الأشياء المسلية، مثل الألكتوروفوبيا: الخوف من الدجاج، الأونوماتوفوبيا: الخوف من الأسماء، البوجونوفوبيا: الخوف من اللحى.
لكن اليوم، عثرت على واحدة صدمتني مثل لكمة في حجابي الحاجز.
أثازاجورافوبيا: الخوف من النسيان.
أحك الحائط بقسوة أشد، مشددًا قبضتي على القلم الرصاص. أسوأ كابوس للسجين هو أن يُنسى بالخارج.
لا يتوقف الناس من أجلك: الأصدقاء يواصلون حياتهم، والأقارب إما مشغولون جدًا أو خائفون من التواصل، ويتجاوزك العشاق، ويجد المدافعون والداعمون قضايا جديدة كل يوم ليمضوا في الدفاع عنها. مع مرور الوقت، تصبح كأخبار الأمس منسيًا، وحتى أحبائك يعتادون على حقيقة أنك لم تعد حاضرًا في هذا العالم.
لكن السجناء يتذكرون. يتذكرون كل شيء.
مع مرور السنين، يبدأ الشك في التسلل إلى الذهن.
هل كنتُ بالخارج؟ يبدأ السجين في التساؤل.
تبدأ الذكريات المفعمة بالحيوية التي كنت تقتات عليها في التلاشي عند الحواف والتشويش في قلبها. لا يعود من السهل استحضار الوجوه، وتتلاشى المشاهد حتى يتبقى ظل ضبابي لما كان في يوم من الأيام عرضًا ملونًا بهيجًا للذكريات الدافئة.
لذلك، يبدأ السجين في جمع التذكارات وارتداء اكسسوارات أخذها من الأحبة، والبقاء مستيقظًا لساعات يتأمل ملامحهم في صور يحفظها في قلبه قبل حقيبته.
يحدق طويلًا وبقوة في كل وجه، ثم يحدق لفترة أطول في وجهه في الصورة بينهم: كنت هناك يومًا ما. هذا دليل على أنني لم أكن دائمًا في السجن. لقد كانوا يعرفونني، هم موجودون، وهذه الحياة التي أتذكرها كانت حقيقة في يوم من الأيام.
بعد تخرجي أخيرًا من الهندسة الميكانيكية قبل بضعة أشهر، دراسة كاملة لم أحضر فيها يومًا واحدًا في الكلية، أحضرت لي عائلتي أخبارًا عن زملائي، دفعة الهندسة الميكانيكية بأكملها، وأنهم رفعوا لافتة كبيرة تحمل صورتي في احتفالية الدفعة بالتخرج في الحرم الجامعي، ثم وقفوا دقيقة صمتًا احترامًا لإنجازي، أتبعوها بتصفيق حاد في قمة الجمال.
أخبروني أنه كان مشهدًا ملهمًا للجميع.
تتلألأ عيناي بالدموع بينما أتذكر اللحظة التي فتحت فيها كومة الجوابات المهربة ورأيت الصورة المطبوعة المخفية مطوية بدقة في الداخل.
أحدق في وجهي على اللافتة: الألوان متباينة زاهية، وبدلتي السوداء وربطة العنق تلمعان مع تعبير تحدٍّ غاضب يملأ وجهي، بينما ترتفع قبضات زملائي الثائرة في الهواء في تضامن مهيب.
حاولت أن أتخيل التصفيق الصاروخي بعد لحظات.
إنهم يتذكرونني.
الدفء الذي شعرت به حينها لا يوصف: هذا دليل حي على أنني لست شبحًا.

يتألم معصمي قليلًا، ويتساقط العرق من فوق حاجبي وتحت ذقني؛ أواصل الرسم مع ذلك.
ملصقة على الجدار الكئيب أمامي صورة لي ولعائلتي في يوم تخرجي من المدرسة الثانوية. ألوانها المشعة تضيء واقعي الرمادي الباهت. تذيب ابتساماتهم الثابتة الجليد الذي يتشكل حول قلبي قليلًا، كما تفعل دائمًا.
صورة أخرى لي مع مجموعة من الأصدقاء في حفل الاستقبال قبل بدء العام الدراسي بالجامعة الألمانية، قبل أسبوع من اعتقالي.
نضم على بعضنا: قريبون، مألوفون.
خمسة أصدقاء لا أعرف أيًا منهم الآن.
لحظات تم التقاطها، تم انتزاعها وحفظها، لحظات من حياة أخرى، حياة تلاشت ذكرياتها كما لو كانت بممحاة. هم هناك لتذكيري. لقد كنت هناك. هذا حدث. لم تكن سجينًا طوال حياتك. كان هذا أنت ذات مرة.
يمكن أن تكون هذه حياتك مرة أخرى.
انقبضت أحشائي: سأجد أحدًا باقيًا في تلك الحياة إن عدت؟
ليه مش بيردوا عليّا، ليه مبيسألوش، هو أنا عمري كنت بره ولا اتولدت ف السجن، أنا مش ف السجن مستحيل أكون ف السجن بقالي ست سنين ست سنين ست سنين..
أشد قبضتي أكثر ويتسلق الألم لأعلى ذراعي. أتركه يربطني بالحقيقة، موازنًا الموجات المتكررة من الذعر والانفصال عن الواقع. ينقصف سن القلم الرصاص ويحلق في الظلام. أمسح دموعي وأخذ نفسًا عميقًا. شهيق، أحبسه لخمس ثوان، زفير. يتلاشى الخدر في جبهتي تدريجيًا وأريح رأسي على الحائط. أعلم أن الرصاص على الحائط سيلطخ جبهتي، لكني أضغط بقوة أكبر.
حرام تنسوني بالمرة
امتد سطر أغنية سيد درويش، التي كنت أسمعها يوميًا بصوت فيروز على حائطي، أحدث إضافة إلى المعرض، صرخة أخرى غير مجدية في الفراغ الذي يزين جداري.
أضرب رأسي بالحائط مرارًا وتكرارًا، ببطء وتركيز يهدئاني.
بوم.. واحد.. بوم.. اثنان.. بوم..
***
«الإيمان هو أن تصدق في الأشياء» تبادلني التحديقَ الحروفُ البيضاء المحفورة على سوار يدي المطاطي الوردي.
أهمس الكلمات في نفسي، مستمتعًا بوقعها.
جلبت لي صديقتي المقربة، فريدة، هذا السوار من اليونان منذ أربع سنوات ولم أخلعه منذ ذلك الحين. طاقة دفء، مسكة يد مريحة، ملفوفة حول معصمي، تطمئنني: شخص ما يتذكر ويهتم.
يعتقد بعض الناس هنا أنني أصبت بالجنون، ويعتقد المهووسون أن الجن والأشباح تطاردني. أضحك منهم.
كل ما في الأمر أني في بعض الأحيان أختنق بالكلمات التي لا أستطيع أن أقولها، والكلمات التي لا يسمعها أحد، والأفكار التي أريد مشاركتها، والمناقشات التي أتوق لخوضها. لذلك، أترك الكلمات تنساب.
أتحدث. نعم، أعترف، في بعض الأحيان يتحول الحديث إلى نقاشات خيالية تستمر لساعات، مع جدالات تمتد ذهابًا وإيابًا. ومن هنا نبع شكهم في أنني أخفي هاتفًا.
لم يكن ذلك صحيحًا، كنت فقط أتحدث مع أصدقائي؛ الذين لم يعودوا يتذكرونني. أصدقائي الذين أتذكرهم بشدة.
أعترف أن المناقشات تحتدم أحيانًا فأرفع صوتي وألوح بيدي وأشيح. ولكن هذا طبيعي، أليس كذلك؟ يحدث ذلك في المناقشات طوال الوقت.
هل خطأي أنني أعرف أصدقائي جيدًا، وأنني أتوقع ردود فعلهم اللاذعة؟
لست مجنونًا.
أتمطع وأتثاءب بينما يتملكني الإرهاق.
عندما قرأت سلسلة Game of Thrones العام الماضي، كنت مفتونًا بآريا.
آريا ستارك كان لديها ترنيمة ليلية خاصة للأشخاص الذين تريد قتلهم. كل ليلة قبل أن تنام، تهمس بأسمائهم وتتخيل. وفي كل مرة يموت أحدهم، يُمسح الاسم من قائمتها.
قائمتي من الأشخاص الذين يتذكرون. أقرأ قائمتي كل ليلة، وأتساءل عمن سيكون دوره التالي في الاختفاء.
ازدادت قائمة آريا طولًا مع تراكم الأسماء عبر السنين.
وما ازدادت قائمتي إلا قصرًا.
أهز رأسي لتصفية الأفكار، وأتخيلها كفقاعات أوخزها بسيف حاد مثل «نيدل» سيف آريا.
أثقبها بالطرف المدبب وأنا أنجرف في النوم؛ مبتسمًا.
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد