تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ياما في السجن: فُسحة في صندوق العرق

عبد الرحمن الجندي
8 دقيقة قراءة
ياما في السجن: فُسحة في صندوق العرق

«ياما في السجن» هي سلسلة نصوص يكتبها عبدالرحمن الجندي، بالتركيز على جوانب مختلفة عن تجربة السجن، التي استغرقت من حياته أكثر من ست سنوات، بدأها في 6 أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشر من عمره، وحتى خروجه في 13 يناير 2020.

«عبد الرحمن اترحل وادي النطرون تعالوا زوروه هناك»

خططتُ الرسالة مرارًا وتكرارًا على قطع صغيرة من الورق، خاتمًا برقم أمي. كتبت سريعًا بخط بائس يصعب فك شفرته.

عندما أتخطى العشرين رسالة بقليل، أطويهم على عجالة مربعاتٍ صغيرة غير متناسقة، وأهرع إلى نافذة السيارة.

أضغط جبهتي على الشبك الحديدي وأضيق عيني لأرى. ينغرس الحديد في جبهتي حتى أشعر بتنميل، فأرفع يدي على جانبي النافذة وأسندهما لأخفف الضغط قليلًا. يزعق زميل كلابشي، معاذ، عندما أجذب ذراعه بشدة بلا عمد وأنا أرفع يدي.

تبطيء سيارة الترحيلات حركتها، فأحشر رسالتين بين فتحات الشبك الضيقة وأدفعهما للخارج لتسقطا أمام أقدام أحد المارة:

«بلغ الرسالة ديه لأمي والنبى يا صاحبي!»

أمضي النصف ساعة التالية على نفس المنوال، حتى يبدأ الحضر في التلاشي، ويقل المارة حتى ينعدموا، وتتحول القاهرة إلى خيال بعيد في الوراء.

لم تتوقف نظرات المارة عن إيلامي: نظرات الشك، التردد حتى في أن يرفعوا أعينهم لينظروا إلى المنادي، أو الأسوأ، أن يستمروا بالمضي قدمًا، ناظرين للأمام بكل صرامة، متجاهلين وجودي وصياحي من الأساس.

أتذكر في ألم: كنت مثلهم يومًا ما. أراقب أزواج العيون المحدقة من خلف فتحات الحديد، مرتعبًا كلما تلاقت عيني مع أيهم. تصدمني الذكرى كلكمة في الأحشاء.

من كان يظن أن تتبدل الأحوال هكذا؟

ألقي بباقي قطع الورق إلى الأرض وأهوي إلى الدكة المتسخة جاذبًا فوطتي الصغيرة من جيبي، وانشف عرقي المنهمر مقاومًا شعور الغثيان. نحن في رمضان والجميع صائمون، مما يحول الرحلة الكابوسية بطبيعتها بسبب دوار السيارة الذي يصيبني إلى عذاب مضاعف لا يحتمل: سيارة ترحيلات ملتهبة من سخونة الجو، زحام خانق، وجفاف حارق للحلق. معاناة لا تلوح لها نهاية.

«صندوق العرق»، كما يسمي السجناء البريطانيين سيارة الترحيلات في لغة السجن الدارجة بدقة.

أبلع ريقي، وأشعر بجفاف حلقي حارقًا يهفو لجرعة ماء. أغلق عيني وأتطلع حالمًا للحظة التي ينتهي فيها هذا اليوم وأستقر مرة أخرى على فرشتي الصغيرة في الزنزانة.

أشعر بنفسي أغفو، فأهز رأسي لأفيق مرة أخرى. لم يحن موعد النوم بعد.

ما زالت المرحلة الثانية تنتظر.

أنكز معاذ، وننهض مسرعين نحو الباب الداخلي الموصد. يقف بعض أصدقائنا أمامه بالفعل، بينما ينادي أحدهم، مصطفى، على أمين الشرطة بالخارج من نظارة الباب الصغيرة.

أنحني وأحاول رؤية الأمين خلال قضبان النظارة: «هو لسه قافش؟»

يحك مصطفى ذقنه: «عامل من بنها لحد دلوقتي»

نقرر أن نتمادى قليلًا، فنبدأ بالطرق على الباب بقوة مع النداء.

ينفتح غطاء نظارة الباب الحديدي أخيرًا بقوة من الخارج، مرتطمًا بجسد الباب بصوت مجلجل: «في إيه يا عم أنت وهو؟»

يسارع مصطفى بالفاتحة التقليدية لمحادثات السجون: «منين يا عمنا؟»

يتردد الأمين قليلًا ثم يقول: «غربية»

يرد مصطفى «بتهزر! منين م الغربية؟»

«منية طوخ»

بشكل تلقائي يردد كلانا الإجابة المصرية المقدسة: «أجدع ناس يابا أجدع ناس..»

ثم يكمل مصطفى سريعًا: «دا إحنا بلديات بقى! أنا من كفر الزيات»

أحبس ضحكاتي وأنا أستمع إلى وصف مصطفى التفصيلي لمكان سكنه الخيالي، أعلم أنه يقطن بالصعيد أساسًا.

أتدخل: «ما قلتلناش اسمك إيه صحيح؟»

نفس التردد، ثم: «علي»

«بص يا عم علي، إحنا اترحلنا من طرة تغفيل كده وأهالينا هيتجننوا من القلق علينا، ما تسلفنا تليفونك كم دقيقة كده نطمن الناس بس»

يضحك ساخرًا. هو يعلم ما نريد من البداية، في الغالب يحدث هذا معه في كل ترحيلة.

يرد بصوت محمل بالمعاني بين السطور: «بس ده خطر عليا وممكن اتأذي جامد»

أرد بنفس النبرة: «مش هتزعل والله، هراضيك»

يخرج مصطفى علبتي سجائر كليوباترا من حقيبته.

يهز عم علي رأسه بشدة عندما يلمحهما: «لا لا مش هينفعوا دول»

توقعت هذا. أومئ إلى مصطفى وأخرج علبتين مارلبورو جهزتهما في جيبي، فتتسع حدقتا عين عم علي في جشع.

أتركهما يهويان إلى الأرض، ثم أدفع كل منهما بجانب حذائي فينزلقا من تحت الباب.

«اه كده نتكلم» تتسع ابتسامته كاشفة عن أسنان صفراء معوجة وتجاعيد كثيفة حول عينيه الجاحظتين وهو ينحني ليلتقط العلبتين.

ينظر إلي مخرجًا هاتفه من جيبه: «خمس دقايق بس فاهم؟»

«خلصانة يا عم علي، خمس دقايق وهيكون في أيدك» يهز مصطفى رأسه بشدة مؤكدًا صدق وعدي.

ينزلق الهاتف الأسود الصغير من تحت عقب الباب، فأقرفص سريعًا لانتشاله، وأسارع بالاعتذار سريعًا لمعاذ الذي كدت أخلع كتفه مرة أخرى.

يحيط بنا أصدقاؤنا سريعًا. نحاول وضع نقطة نظام ونشرح لهم أن كلًا منا سيحظى بدقيقة واحدة لوجود أكثر من خمسة وعشرين منا؛ يجب أن نتصرف في إطار المتاح.

أضغط الأزرار الباهتة، وتنسحب أصوات الضوضاء والصياح إلى الوراء عندما أضع الهاتف على أذني، فيندفع صوت أمي إلى قلبي مباشرة: مطمئنًا، دافئًا، يذيب الثلج.

أخبرها بالجديد سريعًا، وأسأل عن موعد زيارتي القادمة، ثم أنهي المكالمة وأمرر الهاتف لمصطفى طالبًا منه أن ينظم الدور.

نقرر أنا ومعاذ أن نجلس بين الحقائب المنثورة على الأرض. يخرج مصحفه من جيبه ويبدأ التلاوة بصوته الموسيقي العذب المحبب. أهوي في إحدى لحظات عدم الاستيعاب لما حولي: أنا مسجون. هناك كلابش في يدي. أنا في سيارة ترحيلات. أمضيت أكثر من ساعة أرمي قصاصات ورق من النوافذ وأفاوض سجانًا لأوصل سطرًا واحدًا إلى أمي.

أشعر بالاستنزاف.

أتحرك للأمام قليلًا، ثم أستلقي على ظهري مريحًا رأسي على فخذ معاذ، مستقرًا في وضع النوم المعتاد لزملاء الكلابش: الرأس على الفخذ، اليد اليسرى ممتدة بعرض الصدر ومستقرة على الكتف الأيمن، ترتاح بجانبها يد معاذ اليمنى المكلبشة فيها على نفس الكتف. أكثر وضع مريح نسبيًا استطاع المساجين التوصل اليه بعد كثير من المحاولات والأذرع الملتوية والمخدرة.

أراقب المشهد، ويرق قلبي وأنا أشاهد زملاءنا المتناثرين على قضبان النوافذ، أعينهم معلقة بالشارع.

أعلم العواصف المشتعلة بداخلهم، فقد خبرتها لسنوات.

تصرخ ملامحهم بالفقد، أعينهم تهفو لكل ما سرق منهم: السيارات المسرعة، المشي في الشارع، وقفة الكشك مع بعض الأصدقاء، تدخين سيجارة، تمشية رومانسية مع حبيبة على كورنيش النيل، أو حتى مجرد رؤية الشمس بلا حائل من القضبان.

تتأمل في انبهار كل ما يذكرك بالبيت، كل ماركات السيارات التي تراها للمرة الأولى، هذا المنعطف إلى اليسار، الذي تمر به السيارة وأنت تعلم أن في نهايته منطقتك.

أسحب نفسًا عميقًا، وأندم على الفور. ملأت رائحة البول المقرفة أنفي وأنا مستلقٍ بهذا القرب لأسفل دكك السيارة.

بعض البقع لا تزال تلتمع، ربما من الترحيلة السابقة لنا مباشرة، بعضها استحال سوادًا يشع رائحة نتنة تجعلك تفكر في عدد السنوات التي مرت منذ إفراغ ذاك المسجون مثانته في تلك البقعة بجوار رأسك.

ألقيت بفوطتي فوق وجهي مغطيًا إياه تمامًا؛ أفضل رائحة عرقي عن رائحة بول المساجين.

أسترخي، وأترك صوت معاذ الهادئ مع اهتزاز السيارة يحتويني، يدخلني في حالة برزخية بين النوم والاستيقاظ. جعل يمسح على شعري قدر سماح الكلابش له بتحريك يده وهو يكمل التلاوة. صوته قطعة من الزبد الذهبي المنصهر، أكاد أشمه بأذني. أشعر بالسخونة والحر كأنها تشع من تحت جلدي. تمضي الدقائق وتسبح أمام عيني المغلقتين ذكريات عشوائية: ملعب كرة السلة وأنا مستلقٍ على ظهري أراقب النجوم، رحلات باص المدرسة وضحكاتنا الهستيرية بعد المقالب التي ندبرها للفتيات، نسمات الهواء الطلق في شرفة بيتنا الحبيبة.

تفجعني ضجة عالية بجلجلة حديد يرتطم فأقفز لاعنًا.

«فين اسمه إيه اللي خد التليفون ده؟» ثقب صوت جعيره أذني

أنادي من مكاني: «عايز إيه يا عم علي؟»

«بقالك ربع ساعة يابا! متفقين على 5 دقايق إحنا»

«معلش محتاجينه شوية كمان، ابقى روح قدم شكوى»

أعود لوضع النوم مغطيًا وجهي بالفوطة مرة أخرى، بينما يرزع عم علي غطاء النظارة مرة أخرى ليغلقه.

يعلم أنه لا يملك من الأمر شيئًا؛ لو اكتشف الضابط أنه هرب لنا الهاتف سينتهي أمره، وهو يعلم يقينًا أننا سنكذب ونفتري عليه إن حدث ذلك لنضاعف انتقامنا على خيانته.

يبهت الخط الرفيع بين ما هو أخلاقي ولا أخلاقي فيصعب تمييزه عندما أتعامل مع السجانين. قمت برشوته، الكذب عليه، والآن أقوم بابتزازه.

لا أشعر بأي ذنب.

تنبض رأسي وأنا اعتدل جالسًا، اقترب سجن وادي النطرون. بعد عشر دقائق أطلب الهاتف من الشباب. أتأمله برغبة، مقاومًا إغراء سماع صوت أمي مرة أخيرة قبل الحرمان منه لمدة أسبوعين كاملين حتى الزيارة القادمة. لن أتمكن من فعل ذلك للأسف، سيبدو الأمر وكأني أميز نفسي عن الآخرين.

يزمجر عم علي في حنقٍ عندما أدفع الهاتف لينزلق ناحيته من تحت الباب، لكنه لا يقول شيئًا.

أبرطم: «واخد علبتين مارلبورو ومش عاجبك يا وسخ.. حار ونار ف جتتك»

ينادي الشباب الواقفون حول النوافذ أننا وصلنا. أقوم أنا ومعاذ لننفض ثيابنا بأيدينا الحرة، ثم نتقافز بين الأجساد النائمة والحقائب المتناثرة لنجهز متعلقاتنا. يبدأ النائمون بالحركة والتقلب ليقوموا أيضًا.

تفرمل السيارة بقوة فنتأرجح جميعنا، ألقي بحقيبتي على ظهري، ثم أنحني لألتقط حقيبة يدي الكبيرة بيدي الحرة، لنحاول بعدها موازنة متعلقاتنا الباقية معًا في يدينا المكلبشتين.

تدوي طرقعة القفل بالخارج، ثم ينفتح الباب. أتجاهل نظرات عم علي النارية بكل برود وأنا أهبط درج السيارة إلى الجحيم الخارجي. ينهمر العرق سيولًا على ظهري وصدري فيلتصق قميصي بجسدي من تحت سترة السجن الكحلية الخشنة.

نمشي متأرجحين كمشية البطاريق نحو البوابة. لا أصدق أن هذا هو نفس الطريق الذي جرينا عليه يوم التشريفة، الحفلة الجهنمية التي نصبت على قفانا.

يتم ترحيلنا كل ترم دراسي لخوض الامتحانات في سجن طرة، لنعود بعدها مرة أخرى لسجوننا الأصلية. نخوض هذا الروتين الآن بلا وعي منا ولا تركيز فقد انحفر في ذاكرتنا: ندخل السجن، نرفع أيدينا ليفكوا الكلبشات، نتحرر أخيرًا من هذا الزواج الكاثوليكي المؤقت الذي أقحمنا فيه لعدة ساعات، نعد أنفسنا لتفتيش المخبرين، نضع علب السجائر في جيوبنا ليعثروا عليها في التفتيش الذاتي فتنسل في خفة إلى جيوبهم ليتعاموا عن مقتنياتنا المخالفة الثمينة: مخدة صغيرة هنا، قصافة أظافر هناك، كسرة مرآة نرى فيها وجوهنا أو جزءًا منها، وربما يتركون بمعجزة سماعة أذن للراديو.

أترك حقائبي تهوي على الأرض وأجلس فوقها لألتقط أنفاسي، فأسمع زعيق مخبر بجواري.

يشير له الضابط أن يتركني وشأني: «مش جداد دول يا عم، دول ولاد السجن دول!» يقهقه بصوت عالٍ.

أبادله الضحك وأبكي داخلي.

نحن أبناؤهم. أتنهد وأدفن وجهي في الفوطة القذرة ثانية واضغط براحتي يدي على عيني.

عودًا حميدًا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

الحديث عن الأشجار 

«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»

اقرأ →
رأي
سناء سيف

تدوينة: عنبرة

«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).