«ياما في السجن»: فرشتك حبستك
«ياما في السجن» هي سلسلة نصوص يكتبها، عبدالرحمن الجندي، بالتركيز على جوانب مختلفة عن تجربة السجن، التي استغرقت من حياته أكثر من ست سنوات، بدأها في 6 أكتوبر 2013، حين كان في السابعة عشر من عمره، وحتى خروجه في 13 يناير 2020.
حدقت في جبل البطاطين الميري المرتفع أمامي في منتصف الزنزانة، مبللًا تحيطه بركة صغيرة.
ليست بركة من الماء، كلا، بل من زيت الطعام.
في أنحاء الغرفة تناثرت حقائب مفرغة من محتوياتها. الملابس الداخلية والخارجية تزين الأرض مكرمشة حول الجبل الشاهق، تقطعها ضربات فرشاة بيضاء من الملح والسكر المسكوب لتضفي اللمسة النهائية على المشهد.
آية من آيات الفن التجريدي أقف أتأملها بانبهار.
دفعني أحدهم من الخلف، وبدأ زملاء الزنزانة بالتزاحم داخلين إلى الغرفة مرة أخرى، ليتوقف كل منهم فجأة في وجلٍ يشاهد مخلفات الإعصار الذي ضرب المكان. مشهد لا تتعود عليه مهما تكرر.
حاول زميلنا الذي لم ينته تفتيشه ذاتيًا بعد أن يسرق نظرة، وبمجرد التفاته، دوّت الصفعة في أرجاء الطرقة ورجَّت آذاننا.
لم ننظر. من المعلوم في ميثاق شرف المساجين أنه عندما يهان زميلك من السجان، لا يجوز بحال من الأحوال أن تلتفت وتشاهد. يجب أن تشيح بوجهك بعيدًا.
شققت طريقي مرهقًا خلال الحطام المتناثر. كإنسان آلي، أتحرك من ركن لركن، ألملم شتات متعلقاتي من أنحاء الزنزانة. لمحت حقيبتي فاغرة الفاه ملقاة على الأرض، فحشرت كل ما أحمل بها. حاولت عبثًا أن أنفض بعض ملابسي، ثم استسلمت وألقيت بهم داخل الحقيبة أيضًا.
ستكون ليلة طويلة كالعادة. يتكرر سيناريو التفتيش بحذافيره في كل مرة. يدُكُّون الزنزانة بأكملها، يقطعون الحبال التي نعلق حقائبنا عليها مفرغين كل محتوياتها على الأرض، ثم يدمرون مخزون الطعام الذي يتناثر حولنا على الأرض الآن، ونهايةً، يلقون كل بطاطين فرشنا في كومة كبيرة في منتصف الزنزانة، ثم في كريشندو درامي يختمون المشهد بإغراق كل شيء بزيت الطعام.
نادرًا ما يكون الغرض من التفتيش هو الإمساك بمخالفات. هو أقرب إلى رسالة: لا تأخذ راحتك كثيرًا، أنت ملكنا. وسنذكرك بهذا وقتما نشاء.
دوى نداء أحدهم «بوكسر مين ده؟ لقيته مرمي عندي»
وقفت أمام الـ 25 سنتيمترًا المخصصة لي. ناديت على أيمن وتوحة، أصدقائي المقربين وزملاء القضية، حتى نقوم بإعداد الفرشة.
الفرشة هي مقابل السرير في عالم السجون. بطانيتين ميري، أو ثلاثة إن تمكنت من رشوة أحد المخبرين لتحصل على أخرى فوقهم، يقوم المسجون بطيّهم على شكل مستطيل بطول الجسد، عرضه يتراوح من 25 لـ 50 سنتيمتر على حسب ازدحام الزنزانة وقتها، وترص فوق بعضها البعض، ثم يسويها بعناية فائقة حتى تصبح بلا مطبات، ثم تُلف بملاءة سرير بإحكام كي لا تتفلت من بعضها مع الاستخدام والوقت.
أقوم أنا وأيمن وتوحة بفرش فرشة واحدة كبيرة نضم فيها بطاطيننا نحن الثلاثة لنحصل على فرشة واسعة: 75 سنتيمترا كاملة! نتبادل النوم عليها حتى يتمكن كل منا من ثني ركبتيه أثناء النوم، وربما نتمكن من رفاهية النوم على ظهورنا من آنٍ لآخر.
أقف أنا وأيمن في مواجهة بعضنا ممسكين بالأطراف المتقابلة من البطانية، ثم ننحني لنأخذ المقاسات أولًا من العلامات التي تحدد أين تبدأ كل فرشة وأين تنتهي على الحائط؛ علامات أمضينا ساعات طويلة في قياسها عدة مرات بمسطرة صغيرة ليطمئن الجميع لدقتها التامة.
نقف ونبدأ في طي البطانية، فأشعر بسطحها الخشن مألوف الملمس يخدش جلدي ويلهبه.
اندلعت جوارنا بفرشتين مشاجرة «فرشتك داخلة عليا اتنين صنتي يابا! هدها وافرش تانى»
تستمر هذه المناوشات طوال الليل. عملية منهكة جسديًا وعقليًا، حتى استخدام لفظ «هدّ» الفرشة هو استخدام مقصود ودقيق. مشهد رجلين بالغين يتشاجران على سنتيمترين قد يثير استغراب من ليسوا بمسجونين. لن يستوعبوا.
الفرشة للمسجون كالصدفة للسلحفاة. ليست فقط مكانًا للنوم، لكنها أشبه بمأوى يحتويه.
على الفرشة، ينام المسجون ويأكل ويشرب ويقرأ ويذاكر ويفكر ويبكي ويضحك ويتجاذب أطراف الحديث ويتأمل في أسئلة وجودية ويصاب بالجنون، وفى بعض الأحيان، يموت عليها.
عند الترحيل من سجن لآخر، يقوم بطيها وحملها على ظهره، ليسافر لساعات، فيعيد بنائها مرة أخرى في زنزانته الجديدة في سجن بعيد. هي أثمن ممتلكاته إطلاقًا، يدافع عن كل سنتيمتر منها بضراوة بلا تفريط.
«فرشتك حبستك» هي أشهر شعارات السجن.
يعمل ثلاثتنا بتركيز كتفًا في كتف، نعاود بناء حبسنا الصغير مرة أخرى.
***
أجلس القرفصاء بجوار حنفية الماء الصغيرة التي تقارب أرض الحمام، محاولًا غسل العلبة البلاستيكية للمرة الثالثة على التوالي. تظل لزجة لا تتأثر بالدعك العنيف، وأعلم أنى حتى بعد تنظيفها سأمضي وقتًا أطول في إزالة شعور الالتصاق المقزز هذا من أصابعي. أتوقف لأمسح جبهتي المتعرقة بظهر يدي. عندي متلازمة فرط التعرق التي تجعل جسدي يمطر عرقًا مع أقل مجهود بدني حتى في أبرد الأجواء. زنزانة بهذه الضئالة، مكتظة بالرجال البالغين، ليست أمثل الظروف لحالتي.
يضع توحة علبتين أخريين أمامي، فأتأوه شاكيًا بصوت عالٍ.
«هما مش بيخلصوا ولا ايه؟»
يضحك عليّ؛ لسوء حظنا يتصادف يوم خدمتنا دومًا مع زيارة أحد زملاء الزنزانة، والذي يقوم أهله دومًا بتقسيم الطعام في عدد كبير من العلب البلاستيكية.
خلال ساعة، بعد أن أنهيت دعك المساحة الصغيرة أمام الحمام بفرشاة البلاط، مساحة نسميها «المطبخ»، قام أحد فردي خدمة اليوم التالي للاستلام منا، وبعد أن عاين المكان ونظافته، انتهى يوم خدمتنا رسميًا.
كل يوم، يتولى فردان من الزنزانة مسؤولية خدمة جميع أفرادها: طبخًا وتنظيفًا وغسيلًا للمواعين وخلاف ذلك. على الحائط هناك جدول دوري مثبت من أزواج.. فرد يجيد الطبخ، وفرد لا يجيده. ينتهي المطاف بالثاني في الغالب متوليًا جميع مهام التنظيف كمساعد للطباخ. وهذا أنا.
توحة طباخ رائع، على الأقل بالإمكانيات شديدة المحدودية التي نملكها، ولأنه صديق مقرب فهو يتكرم بمساعدتي أيضًا في مهام التنظيف.
نبلغ نبطشى الزنزانة، بكر، بمشكلة في السباكة. بكر قصير وشديد البنية، يصلع شعره قليلًا كل يوم لـ «أسباب نفسية» كما أخبره طبيب زميل بالزنزانة.
في السجون المصرية، يتم في الغالب فصل المساجين السياسيين عن الجنائيين في زنازين مختلفة. تكون نبطشية الزنزانة في الزنازين الجنائية بالأقدمية، ولكننا نحاول اتباع نموذج ديمقراطي، فنعقد انتخابات لاختيار النبطشى، والذي يقوم بدوره بتعيين «وزراء» لتسيير أمور الزنزانة: الأكل والخدمة، دور الحمام، الشعائر الدينية، وحتى الترفيه.
يخبرنا بكر أنه سيبلغ سباك السجن الجنائي غدًا ليأتي لإصلاحها.
ألكمه مازحًا في كتفه: «النبطشى الجديد شديد»
كان ما زال في أسبوعه الأول من تولى قيادة الزنزانة.
***
أغلق عيني وأتنفس ببطء ملء صدري، مستمتعًا بشعور الماء البارد المنهمر على وجهي المرفوع ومغرقًا جسدي المنهك.
من المتع الصغيرة التي أتلذذ بها في السجن، الاستحمام. أحاول إشباع كل حواسي. الشعور المنعش بالاغتسال من العرق والإرهاق بعد يوم خدمة شاق، رائحة الشامبو العطرة، والانتشاء بلحظات الوحدة القليلة.
أجمل جزء من التجربة. خمس دقائق كاملة من الخصوصية.
انزلقت يد من خلف الستارة: «بقولك إيه، أغسلى التفاحة ديه معاك معلش»
أقرب شيء ممكن للخصوصية.
أغسل يدي، ثم ألتقط التفاحة وأغسلها تحت الدش، وأعيدها لصاحبها مرة أخرى.
- «شكرا يا خويا»
- «يا عم العفو سيبني أخلص أم الخمس دقايق في حالي بقي»
دومًا ما أنتظر لبعد انطفاء الأنوار، عندما تخلد معظم الزنزانة للنوم، حتى أحظى ببعض الدقائق الهادئة في تأمل تحت الدش.
«الدش» أضحك ساخرًا وأنا أنظر إليه. برطمان بلاستيكي فارغ قمنا بثقب قاعه ثقوبًا عديدة باستخدام قلم، ثم حشرنا في ثقب أكبر في الغطاء خرطومًا بلاستيكيًا مهربًا -اشتريناه من جنائي بست علب سجائر- بطريقة تمنعه من الانزلاق للخارج مرة أخرى. ندخل الجانب المقابل للخرطوم شحطًا في الحنفية عند استخدامه، وعند فتحها، تنطلق المياه بقوة في الخرطوم مالئة البرطمان، مندفعة من الثقوب خطوطًا شبيهة بالدش.
هذا ما نفعله دومًا في السجن. كطفل يلعب في عالم من وحي خياله، نحول زنزانتنا إلى مدينة أسطورية، نعيد فيها صنع خارجٍ نفتقده. السلمة الأسمنتية التي ترتفع بمحاذاة الركبة أمام الحمام، والتي نضع عليها سخان الطعام، نسميها «المطبخ».
سخان الطعام هذا ما هو إلا جردل مملوء بالماء به سخان كهربي. لكن هذا السخان الكهربي قطعًا من عجائب اختراعات السجن التي تقف أمامها مشدوهًا. يتكون السخان من قطب سالب وقطب موجب معدنيين -في الغالب حنفية مكسورة أو مسمار مسروق- معزولين عن بعضهما بقطعة من الخشب أو البلاستيك، وكل منهما متصل بسلك كهربي منفصل. عند غمر هذا الجهاز في الماء المملح، وتوصيل السلكين بقطبي مصدر الكهرباء السالب والموجب، يتحول الماء المملح الى محلول إلكتروليتي، عندما يتأين، ينتج تفاعلًا طاردًا للحرارة يقوم بتسخين الماء حتى درجة الغليان (أحد مهندسي الكهرباء الزملاء أتحفني بهذا الشرح العلمي لاختراع السخان).
نحفظ بواقي الطعام في «الثلاجة»: نصف لوح من الثلج ملفوف بإحكام في بطانية ميري، نلصق به من جميع النواحي كل الطعام والماء الذي نرغب في تبريده.
أخطو خارج الحمام وأنا أجفف شعري بالفوطة، وأبدأ في التقافز بين النائمين محاولًا الوصول إلى فرشتي بدون سحق أي أعضاء بشرية بالخطأ، وألتقط عطر أيمن من دولابه. الدولاب ما هو إلا ملاءة معلقة يتم خياطة أغطية العلب البلاستيكية العريضة من كل النواحي فيها على هيئة رفوف فوق بعضها، فتكون مفتوحة من الأمام ومغلقة من الجوانب والخلف بالملاءة.
أنشر فوطتي فوق الدولاب لتجف، وأبدأ في حشر نفسي في الـ 25 سنتيمترًا. نام توحة مبكرًا اليوم من الإرهاق بعد يوم خدمتنا، وكان أيمن جالسًا يقرأ على ضوء كشاف صغير. أحاول دفع توحة ناحية أيمن دون أن أوقظه، غارسًا يدي الأخرى في ظهر النائم خلفي على الفرشة المجاورة لأقيمه، ثم أحشر نفسي قسرًا وأزيح يدي، ليرتدا مباشرة ساحقين جسدي بينهما، فنكوّن ثلاثتنا كتلة من اللحم والأعضاء غامضة المعالم.
ننام «خالفين»، رأس ناحية الحائط ورأس ناحية منتصف الغرفة بالتبادل في الصف، فتكون بهذه الطريقة كل رأس بين زوج أقدام، خالقين مساحة أوسع قليلًا للكتفين عما سيكون الحال لو كان جميعنا ينام على نفس الجانب من الغرفة.
يقطع الغرفة من منتصفها بالطول خط من الرؤوس والأقدام المتداخلة؛ لا يستوعب عرض الغرفة رجلين بالغين على طوليهما، وهناك 30 منا محشورون في الزنزانة.
أزيح أصابع قدم توحة بعيدًا عن فمي، وأنظر إلى الكتاب الذي يقرؤه أيمن.
أهمس: «لسه مسحول مع سلسلة دكستر ديه؟»
وضع أيمن قطعة الكرتون التي يعلم به الصفحة وأغلق عليها الكتاب، وبدأ يحكى في حماس آخر الأحداث التي قرأها. قرأت السلسلة كلها تقريبًا بشكل غير مباشر عن طريقه.
«تفتكر عم علي هيسيب الزنزانة ولا هيفضل قافش المصلب كده للأبد؟»
نظرت بتوق للمصلب قريب المنال.
المصلب هو الفرشة التي تقع في ركن الزنزانة على الناحية المواجهة للباب. هذا الجانب يسمى «المراية»، وهو الجانب الأرقى لأنه فرشه أقل تعرضًا للدهس من كل من يدلف من باب الزنزانة.
المصلب هو أفخم موقع في التسلسل الطبقي للزنزانة، محجوز للمسجون الأقدم بها، عادة ما يكون النبطشى، ولكن ليس دومًا، في زنازين السياسي حيث النبطشي بالانتخاب لا الأقدمية.
عم علي محكوم بالمؤبد، فخروجه ليس احتمالًا قائمًا الآن، كما أنه لا يبدى أي نية لطلب الرحيل عن الزنزانة قريبًا.
قطع ثلاثتنا رحلة طويلة خلال فرشات الزنزانة، بادئين بجوار الحمام، نتحمل الركلات في وجوهنا والاعتذارات غير المبالية، وتنشيف كل أعضاء الزنزانة أقدامهم في فرشتنا، ثم بدأنا رحلة الصعود فرشة تلو فرشة، حتى تمت ترقيتنا للمراية، وتوقفنا قبل عم على والمصلب.
قال أيمن ضاحكًا: «ده يبقى حلم واتحقق»
أخذنا نسرح بخيالنا عما سيكون شعورنا ونحن نمتلك الحائط الجانبي كله لنسند ظهورنا عليه، ونعلق حقائبنا، مرتاحين لوجود فرشتنا في أبعد نقطة عن الدهس والركلات الطائشة.
«تخيل إحنا ممكن كمان … آه!»
أصابتني ركلة توحة في أم وجهي وهو يحاول أن يتقلب بعنف على جانبه الآخر بيننا.
انفجر أيمن ضاحكًا ثم قبل أن تخرسه نظرة غاضبة من جارنا الذي استيقظ على صوته. استكمل ضحكاته بصوت مكتوم وهو يضغط على فمه.
لكمته في كتفه من فوق ساق توحة، ثم بدأت في الضحك أنا الآخر.
تنهدت وأرحت رأسي على البطانية التي أستخدمها كمخدة، رافعًا إياها قليلا بفردتي الشبشب حتى لا تؤلمني رقبتي.
«تفتكر هنروّح ياسطى؟»
فتح أيمن كتابه مرة أخرى وخفتت ضحكاته: «خلينا نشوف هنطلع المصلب إزاي بس الأول يا صاحبي. يوم بيومه، ولا إيه؟»
تثاءبت وأنا أحتضن ساقي توحة: «تصبح على خير»، وانزلقت إلى الدوامة اليومية من الأحلام والكوابيس.
يوم بيومه.
آراء أخرى
الحديث عن الأشجار
«تُعامل البلد كلها معاملة السجن أو المعسكر. ينبغي أن يكون كل شيء مكشوفًا ومرئيًا وقابلًا للمراقبة»
تدوينة: عنبرة
«يفرضون عليك الفراغ، يسلبون منك أي شيء، حيل التأقلم تنهار أمام العدم لتجد نفسك وحيدا في مواجهة الظلام»
«أكسجين» والموت.. الجريمة الكاملة تحت عدسة مكبرة
«كيف يقضي عشرات ومئات المحبوسين في مصر أيامهم دون زيارة ذويهم كل هذه السنوات؟»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد