تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

 مَن يملك النفط؟

لالة الخليلي
15 دقيقة قراءة
 مَن يملك النفط؟

نُشِرَت هذه المادة على موقع «لندن ريفيو أوف بوكس» في 23 سبتمبر 2021، تُراجع فيها لالة الخليلي كتاب خافيير بلاس وجاك فارشي المُعنوَن «THE WORLD FOR SALE: MONEY, POWER AND THE TRADERS WHO BARTER THE EARTH’S RESOURCES» (منشورات جامعة أكسفورد: 2021).

على بُعدِ أميالٍ قليلة من بحرِ الشمال، يقع وسط مدينة روتردام بناطحات سحابها ومكاتبها المتراصفة على طول نهر الماس الجديد، أحد روافد نهر الراين. تأخذك جولة العَبَّارة عبر ساحات إصلاح السفن وصوامع الحبوب ومحطات استقبال الفحم وخام الحديد لصناعات حوض الرور، وصولًا إلى منشأة تخزينٍ ضخمة لعصير البرتقال تأتي بضاعتها من أمريكا اللاتينية. لكن إذا رغبت في رؤية أكبر محطات الحاويات، سيتعين عليك القيام بجولة أطول لا تُقدَم إلا خلال فصل الصيف. ستأخذك هذه الجولة إلى الممر المائي الجديد ومنه إلى البحر، حيث أدى استصلاح الأراضي إلى إنشاء الكثير من حواجز الأمواج حول أعمق مراسي الميناء. هنا، تشرئب رافعات تحميل ضخمة وتتناثر بثور بيضاء من مستودعات النفط على جانبي مصافي تديرها شركات «شل» و«إكسون موبيل» و«كوتش» و«جونفور» و«بريتش بتروليوم». تعود ملكية هذه المستودعات إلى شركات لها أسماء مختصرة تتستر على ملكيتها الجزئية من جانب عمالقة النفط العالميين: «أرامكو» و«فيتول» وشركة بترول الكويت العالمية (المعروفة أيضًا باسم Q8).

يعد ميناء روتردام الميناء الأكبر في أوروبا، وعاشر أكبر موانئ العالم. وقد حافظ على موقعه بوابةً إلى قلب ألمانيا الصناعي منذ أكثر من 150 عامًا، حين كان توسع الصناعة الثقيلة الأوروبية يستمد طاقته من مناجم الفحم في حوض الرور والخامات المستخرجة من المستعمرات. لكن صاحب اليد الطولى في تشكَّل المدينة الساحلية كان التحول من الفحم إلى النفط بعد الحرب العالمية الثانية، حيث استُورِدَ النفط الخام بكميات ضخمة وبُنيَت المصافي لمعالجته.

أي نفط تلتقمه مصافي روتردام؟ الإجابة ليست مباشرة. إذ يمكن لعدة شركات مشاركة في تأمين النفط، بِدءًا من مؤسسات الدولة المالكة للأرض الواقع تحتها مكامن النفط، إلى شركات النفط المستخرِجة له، وحتى الجهات البائعة له. في بعض الأحيان، يكون لشركة متعددة الجنسيات الحقّ في التنقيب عن النفط، والقدرة على استخراجه، ولديها التجهيزات اللازمة لتكريره وتداوله. لقد اكتسبت «شركات النفط الكبرى» هذه المكانة لأنَّها تستطيع القيام بكل هذه الأمور، مع عمليات تمتد في جميع أنحاء العالم.

في أواخر القرن التاسع عشر، احتكرت شركة ستاندرد أويل -العائدة لجون د. روكفيلر- مصافي النفط والأنابيب والنقل بالسكك الحديدية ومنشآت التخزين في الولايات المتحدة، لكنها لم تسيطر على حقول النفط الأمريكية، واعتمدت -في البداية- على تجار النفط البريطانيين لشحن منتجاتها إلى أوروبا. في العام 1911، انحلَّت «ستاندرد أويل» بموجب قانون مكافحة الاحتكار إلى 34 شركة، من بينها «أموكو» و«شيفرون» و«كونوكو» و«إكسون» و«موبيل». في سياق آخر، تقاسمت هذه الشركات الجديدة ملكية مؤسسات مثل «أرامكو» السعودية العائدة إلى «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا»  (شيفرون) و«ستاندرد أويل أوف نيوجيرسي» (إكسون) و«سكوني فاكوم» (موبيل) و«تكساكو». لقد زودت «أرامكو» حكومة الولايات المتحدة بالمعلومات الاستخبارية، وساعدت في الأمور الدبلوماسية وغذّت آلتها الحربية -حرفيًا-. وبالمثل، كانت شركات النفط في الخليج العربي شركاتٍ تابعة كليًا أو جزئيًا لشركة بريتِش بتروليوم، التي كانت مملوكة بنسبة 51% للبريطانيين إلى أن باعتها مارجريت تاتشر (رئيسة وزراء المملكة المتحدة من 1979 إلى 1990).

بيد أن الرياح لم تجر كما تشتهي شركات النفط الكبرى. إذ في عام 1951 قام محمد مصدق (رئيس الحكومة الإيراني المُنقلب عليه) بتأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية، وردًا على ذلك قامت الشركات المعروفة بالأخوات السبع -بريتيش بتروليوم وشيفرون وإكسون وجولف وموبيل ورويال داتش شل وتكساكو- بمقاطعة النفط الإيراني. وقد حظت الشركات بمساعدة البريطانيين، الذين أرغمت مقاتلاتهم الناقلة «روز ماري»، أثناء نقلها النفط من عبادان (مدينة إيرانية) لصالح عميل إيطالي، على الرسو في مرفأ عدن، حيث احتُجِزَت. عندما أعيد تنصيب الشاه عبر انقلاب رعته الولايات المتحدة في عام 1953، وافق على تقاسم السيطرة على النفط الإيراني مع الأخوات السبع والشركة الفرنسية التي أصبحت في نهاية المطاف شركة توتال. جلبت تصفية الاستعمار معها تأميم النفط وإنشاء شركات النفط المملوكة للدولة، والتي عملت بدرجات متفاوتة مع شركات النفط الكبرى. بحلول نهاية السبعينيات، انخفضت حصة الأخوات السبع في تجارة النفط الدولية من 90% إلى 42%، فاندفع تجار السلع لسد الفجوة. لقد وُلِدَت (من جديد) سوق الصفقات الفورية العالمية في النفط.

يمكن تحويل أي شيء إلى سلعة: البشر وعملهم، النباتات والحيوانات، المواشي والمحاصيل. لم يطرح المحيط اللؤلؤ والأسماك فحسب، بل أيضًا الحيتان التي كان زيتها يستخدم في المصابيح قبل تطوير تقنية تحوّلِ النفط الخام إلى كيروسين. هكذا، فأي شيء يُستخرج من الأرض يمكن تسليعه: النفط وجميع المعادن -النحاس والزئبق والليثيوم- التي يعتمد عليها الإنتاج الصناعي والتجارة. كانت السلع من المستعمرات وتجارة العبيد شريان الحياة للرأسمالية الأوروبية المبكرة. أصبحت العقود التجارية والأدوات المالية أدوات للغزو والاستعمار والتسليع. تحولت العقود الآجلة نفسها إلى سلع مجردة. بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كانت العقود الآجلة في الحبوب والأخشاب واللحوم المسجلة في مجلس شيكاغو للتجارة قد فاقت الصفقات النقدية. وكما كتب المؤرخ ويليام كرونون في كتابه «Nature’s Metropolis» (1991 ): «يمكن للمرء أن يشتري ويبيع ويسوي فروق الأسعار دون أي قلق، في ما إذا كان ثمَّة ما يدعم العقود فعليًا أم لا».

لا تتمحور أسواق السلع حول العرض والطلب فحسب، بل هي محمية بإكراه الدولة، سواء من خلال إنفاذ العقود أو تهديد السلاح. كتب جورج حوراني، مؤرخ الملاحة البحرية العربية، عن «الوقفات الطويلة في الموانئ الحارة الرطبة» حيث كان على التجار تحمُّلها «تحت رحمة الحاكم المحلي»، ولم يكونوا في حمايةٍ من خطر القرصنة «إلا إذا جعل الحاكم أسطولًا لحماية السفن، وكان هذا أمرًا نادرًا»'[1]. وكلما أمكن ضمان سلامة الشحنات والعقود، كلما ازدهر التجار. وكلما أمكنهم تأمين معلومات موثوقة حول العرض والطلب والأسعار، كلما ازدهروا أيضًا. وفي مختلف الإمبراطوريات، كانت حمايةُ الطرق البرية والبحرية، وتوفير المعلومات حول قواعد التجارة والتعريفات الجمركية، فضلًا عن توافر الائتمان وإمكانية تحويله، عوامل ساعدت التجار على تطوير العلاقات مع الوكلاء المحليين.

في النصف الأول من القرن العشرين، أسس تاجر فرنسي، يدعى أنطونان بيس، متجرًا في عدن وأصبح وكيلًا لشركة شل أويل، حيث كان كثير من التجار يشتري ويبيع القهوة والماشية والجلود والزيت والأخشاب واللُبان في جميع أنحاء المحيط الهندي وعلى طول ساحل شرق إفريقيا. تذكرت كاتبة الرحلات فريا ستارك زيارتها له في عدن خلال الحرب العالمية الثانية: «كنت أهرب مرتين في الأسبوع أو نحو ذلك إلى منطقة كريتر القديمة، لأرى هيلدا بيس وأنطون المفعم بالبهجة والمشاكسة. كان ملك سواحل البحر الأحمر وتجارتها... متكدرًا في هذا الوقت لأنّه لم يستطع التمنّع عن جني الأموال أثناء الحرب؛ لقد انهالت عليّه رغمًا عنه». دافع بيس وأقرانه البريطانيون والهنود بحماس عن الإمبراطورية في عدن بمقدار ما كانت تحميهم، فكثيرًا ما كانت مصالحهم وشبكاتهم متداخلة. وبعدما طعن في السن، قدَّم بيس منحة كبيرة لتأسيس كلية سانت أنطوني في أكسفورد. وسط صراع شرس مناهض للاستعمار في عدن، احتج العمال في شركته على أن ثمار عملهم تُصَدَّر إلى إنجلترا. وبعد تصفية الاستعمار في العام 1967، تأمَّمَت مصالحه العديدة والمتنوعة في المستعمرة البريطانية السابقة.

لطالما استُخدِمَ التجار والباعة، عن طيب خاطر أو على مضض، كطليعة متقدمة للدول القوية. يبتدئ كتاب «The World for Sale» (عام 2011) مع الراحل إيان تايلور، الرئيس التنفيذي لشركة فيتول، على متن طائرة خاصة متوجهة إلى بنغازي الليبية. لقد طلبت الحكومة القطرية من «فيتول»، أكبر شركة لتجارة النفط في العالم، إيصال السولار والبنزين والمازوت إلى المتمردين الذين يقاتلون القذافي. وبدلًا من الدفع النقدي، اتفق تايلور على استلام شحنة من النفط الخام عند النهاية المصرية لخط أنابيب من حقول النفط الليبية. وبطبيعة الحال، حصل على إذن من الحكومة البريطانية للصفقة، إلى جانب إعفاء من العقوبات من الولايات المتحدة. كانت «فيتول» تصب زيتًا على نار الحرب في ليبيا بأمرٍ من القوى الأجنبية، لكن تايلور زعم أن أفعاله لم تكن سياسية. يبدو أن هذا هو شعار عمالقة تجارة السلع الذين قابلهم خافيير بلاس وجاك فارشي: «نحن هنا لا من أجل شيء سوى المال؛ فلا شأن لنا بالسياسة». أزعم أن الأمر هنا يتوقف على ما تقصده بكلمة «سياسة».

تعود الأسطورة الأصلية حول تجارة السلع اليوم إلى حقبة تصفية الاستعمار. الحق أنه يمكن إرجاعها إلى ما قبل ذلك طبعًا، إلى شركة الهند الشرقية وغيرها من المؤسسات التجارية الرأسمالية المبكرة التي ضلعت في استخراج الموارد من المستعمرات. قد تكون نقطة البداية العام 1592، عندما أسس التجار من شركة البندقية شركة المشرق في لندن؛ ساعد تجار شركة المشرق في تأسيس شركة الهند الشرقية بعد سبع سنوات. توجد روابط عائلية مماثلة في العصر الحديث: انبثقت العديد من شركات تجارة السلع من شركة فيليب براذرز، التي بدأت كتاجر خردة وفلزات وأصبحت تاجرًا عالميًا للمعادن في الستينيات. «فيليب براذرز» أنجبت شركة مارك ريتش وشركائه، وهذه بدورها أنجبت «جلينكور»، و«ترافيجورا»، وهلم جرا.

بيد أن هذه العائلات ليست عائلات سعيدة على الدوام. لقد أُدرِج مارك ريتش على قائمة أهم المطلوبين لمكتب التحقيقات الفيدرالي في العام 1983، عندما اتهمه رودي جولياني، مدعٍ عام شاب عن محكمة جنوب نيويورك، بارتكاب 51 جريمة بما في ذلك التهرب الضريبي والابتزاز والتآمر و«التجارة مع العدو». كانت التهمة الأخيرة الفصل الأخير في قصة طويلة. بعد تأميم قناة السويس العام 1956 وعدوان إسرائيل وحلفائها على مصر، قررت الحكومة الإسرائيلية بناء خط أنابيب من إيلات على خليج العقبة جنوبًا إلى عسقلان على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​بغية تجاوز القناة. حصل خط الأنابيب، وهو مشروع مشترك مناصفةً مع إيران، على تمويله من دويتشه بنك في صفقة سهلها رئيس البنك، هيرمان أبس، الذي كان مسؤولًا عن مصادرة الممتلكات اليهودية في ألمانيا النازية. كان ريتش، غير المستقل عن «فيليب براذرز» بعد، الشخص المتكفل بإمداد خط الأنابيب بالنفط، وإرسال الناقلات لجلب النفط من عبادان، والإبحار حول شبه الجزيرة العربية، والتفريغ سرًا في إيلات. منذ أواخر الخمسينيات وحتى السبعينيات، استوردت إسرائيل 90% من نفطها من إيران.

ترك ريتش شركة فيليب براذرز في العام 1974 وأسس في سويسرا شركته الخاصة، المُجازِفة أكثر، واستمر في تأمين النفط الإيراني لإسرائيل حتى بعد ثورة 1979. يبدو أن آية الله الخميني كان براجماتيًا بشأن هذه التجارة مع الشيطان الأصغر، حاله عندما سيأتي الأمر إلى التجارة المريبة بالأسلحة مع الشيطان الأكبر بعد بضع سنوات، والتي ظهرت إلى العلن تحت عنوان قضية «إيران كونترا». لكن في الولايات المتحدة، جرى تشجيع صفقة ريتش السرية مع إيران لتزويد إسرائيل بالنفط قبل الثورة، غير أنَّها انتقِدَت بعد ذلك، ما أدى إلى هجوم جولياني عليه. كمُن خطأ ريتش في عدم حصوله على إعفاء من العقوبات؛ أما تايلور لم يرتكب الخطأ نفسه بعد 30 عامًا. بيد أن ريتش في نهاية الأمر، وليس دون إثارة جدل، قد حصل على إعفاء من بيل كلينتون، بناءً على طلب إيهود باراك على ما يبدو، بحجة أنَّه ساعد في تزويد الموساد بمعلومات استخبارية عن إيران.

عندما نشر أول رئيس لغانا، كوامي نكروما، كتابه «الاستعمار الجديد: آخر مراحل الإمبريالية» في العام 1965، كان من الجلي أنَّ الدول المستقلة حديثًا سوف تضطر إلى القتال من أجل السماح لها بالاكتفاء الذاتي اقتصاديًا. كتب نكروما، إنَّ «تصفية الاستعمار» كلمةٌ يرددها بكثرة المتحدثون باسم الإمبريالية، على نحوٍ متزلِّف، لوصف انتقال السيطرة السياسية من المستعمِر إلى السيادة الإفريقية. لكن الحقيقة أن الاستعمار ما زال المتحكِّم بالسيادة. فما تزال الدول الفتية تقدِّم المواد الخام، أما الدول القديمة فتقدِّم السلع المصنعة.. لقد اكتسى الاستعمار بمظهر جديد.. والاستعمار الجديد يتغلغل سريعًا داخل جسد إفريقيا اليوم عبر الاتحادات والائتلافات الاحتكارية: «أفَّاقو[2] الثورة الإفريقية على الاستعمار». 

لقد هندَسَ أسواق السلع الأساسية الجديدة هؤلاء الأفَّاقون والباعة والتجار الذين استغلوا يأس الدول الفقيرة المستقلة حديثًا، والتي كانت غنية بالسلع. أقام ريتش علاقات مع الحكومة المحافظة في جامايكا، حيث قدَّم إليها النفط -التي هي بأمس الحاجة إليه- مقابل شحنات البوكسيت، بل أنه قدّم الأموال أيضًا لسداد قرض صندوق النقد الدولي. أسفر هذا الترتيب في العام 1985 عن عقد مدته عشر سنوات، بموجبه باعت جامايكا الألومينا لشركة ريتش وشركائه بسعر يقل 25% عن سعر السوق. وتبع ذلك تجارة مربحة: فقد ورَّدَ ريتش هذه السلعة المُشتراة بثمن بخس إلى مصاهر جامايكا وتسلم منها منتجات الألمنيوم الجاهزة. مع اقتراب جامايكا من الانهيار الاقتصادي، كان سياسيوها ممتنين لهذه السرقة في وضح النهار.

لم تكتفِ شركة ريتش وكبار تجار السلع الآخرين -«كارجِل» و«جلينكور» و«لويس دريفوس» و«ميركوريا» و«فيليب براذرز» و«ترافيجورا» و«فيتول» و«إكس ستراتا»- بالاستفادة من تصفية الاستعمار، بل استفادوا أيضًا من زوال الاتحاد السوفييتي وما تلا هذا من بيع لأصوله الحكومية بأبخس الأثمان. عقد تجار السلع صفقاتٍ مع المؤسسات الحكومية الجديدة، فضلًا عن الشركات الخاصة المؤسَّسة على يد الأوليجارشية، ومع شركات طمست الخطوط الفاصلة بين الأولى والثانية. حين أوعز بوتين بسجن ميخائيل خودوركوفسكي [رجل أعمال معارض، ترأس شركة يوكوس أويل] كان السبب، بحسب تاجر سلعٍ يستشهد به بلاس وفارشي، أنَّه حاول بيع «يوكوس أويل» إلى شركة أمريكية. «لك أن تتخيل الغضب. لقد حصل هؤلاء الأشخاص على هذا مجانًا، لم يدفعوا ثمن هذا: لقد حصلوا عليه. وسوف يبيعونه الآن إلى شركة أمريكية متعددة الجنسيات؟» يبدو أنَّ التجارة مع العدو ليست مشكلةً فقط عند محاكم جنوب نيويورك.

منذ السبعينيات فصاعد، كانت التجارة نشطة بفضل توفر الائتمان السهل الذي صاحب أَمْوَلة الاقتصاد العالمي. أحبَّت المصارف تجار السلع وأغدَقَت عليهم بخطوط الائتمان. استخدم ريتش خطابات اعتماد من مصرف باريبا للشحنات الكبيرة التي لم يكن قادرًا على دفع ثمنها نقدًا. سمحت المشتقات والخيارات للتجار بالتحوط من مخاطر مشتريات السلع بحيث يجنون المال سواء ارتفعت أسعار السلع المتعاقد عليها أو انخفضت.

نادي تجار السلع متواشج ومترابط بشكل وثيق، ما يعزز أساليبهم التجارية السرية والساعية إلى الربح بأي ثمن. تعمل معظم الشركات كشراكات، وبخلاف شركة جلينكور، لم تختر أي منها الذهاب إلى الاكتتاب العام وتعريض نفسها للتدقيق الذي تجلبه متطلبات الإدراج في سوق الأوراق المالية. تجار السلع لا يريدون التدقيق، فهم يعملون مع الحكام الفاسدين والأوليجارشية، ويقومون ببعض أفضل صفقاتهم في البلدان التي تشهد حروبًا، ويضخون الأموال في خزائن أمراء الحرب ويساعدون وكالات الاستخبارات. وغالبًا ما تفشل الملاحقات القضائية المتعلقة بالتجاوزات، لا سيما في بلدانٍ تكون فيها سلطة الحكومة محدودة. على أي حال، لا يمكن مقاضاة الشركات فعليًا إلا بتهمة الرشوة والأنشطة السرية -مثل إلقاء النفايات القاتلة في الأحياء السكنية في ساحل العاج، كما فعلت شركة ترافيجورا في العام 2006، وليس بسبب أسلوب عملها المعتاد في التجارة الجشعة.

على الدوام تقريبًا، لم تنجح أي ملاحقة قضائية، بما فيها ملاحقات المحاكم الأمريكية، إلَّا نتيجةً لتحالفات وعداوات. فمتى عجزت الولايات المتحدة عن منع تجار السلع من التجارة مع أعدائها -إيران وكوبا والسودان وروسيا وفنزويلا- فرضت غرامات بمليارات الدولارات على المصارف الممولة لتلك الصفقات. وقدرة الولايات المتحدة على تحصيل الغرامات وفرض الامتثال على البنوك لهي مفخرةُ رائعة، لم تكن ممكنة لولا أنَّ أسعار السلع مقوَّمة بالدولار وإحكامها لقبضتها على البُنى التحتية المالية العالمية. كذا لعبت الجغرافيا السياسية دورًا في تحديد أي المصارف والتجار يستحق معاملة خاصة وإعفاءات من العقوبات، وأيها لا.

يعتمد تجار السلع على الأنظمة المالية والقانونية المُيسِّرة للتجارة. لكنهم يحتاجون أيضًا إلى سهولة الوصول إلى بنية تحتية واسعة من الشحن وتسهيلات السوق. لهذا السبب أضحت روتردام، التي ضخت على مدى 75 عامًا الماضية استثمارات عامة وخاصة في مينائها، مركزًا مهمًا. عندما فقدت الأخوات السبع السيطرة على النفط العالمي في السبعينيات، أصبحت روتردام غرفة مقاصة لسوق النفط، وهكذا ضمنت موقعها كأهم مركز في أوروبا لإعادة تصدير الهيدروكربونات. بل حتى إن الحظر النفطي العربي عام 1973 لم يؤثر على وضعها. إذْ قالَ موظفٌ مسؤول عن الميناء آنذاك لصحيفة «نيويورك تايمز» إن «الناقلات وصلت هذا الأسبوع بنفس معدل الأسبوع السابق، والأسبق». بحلول مطلع الألفية، ضمَّت روتردام سبعَ مصافٍ لتكرير النفط والمكاتب الرئيسية أو الإقليمية لشركات فيتول وفانول وترانسول وبَلك أويل وترانس وورلد أويل ومابانافت. كما يقع المقر الرئيسي لشركة رويال داتش شل على مسافة قريبة، في لاهاي. ومع أنَّ بعض التجار نقلوا مقارَّهم الرئيسة إلى لندن لسهولة الوصول إلى الخدمات المصرفية، ولوجود لوائح أكثر مرونة وثقافة عمل أكثر صرامة، إلَّا أنَّ العديد منهم ما زال في روتردام.

في العام 1986، لم تكن شركة مارك ريتش بحاجة لامتلاك مسبك الألومينا الجامايكي الذي تمتعت بأرباحه. بيد أن تجار السلع، في العقود اللاحقة، لم يكتفوا بالاستحواذ على المصانع والمصافي، بل المناجم وحقول النفط أيضًا. فهذه شركة فيتول تمتلك منشآت تخزين رئيسة في روتردام وسنغافورة ومنطقة البحر الكاريبي والفجيرة الإماراتية. أما شركة جلينكور فتمتلك 150 منجمًا ومصهرًا ومصنعًا حول العالم. كذا شركة ترافيجورا تمتلك مصافيًا ومحاجرًا. من جهتها، تمتلك شركة كارجِل مزارع تسمين الماشية ومزارع قصب السكر والمزارع الصناعية في عدة قارات. يتماثل مسارهم مع مسار شركة شل للنقل والتجارة في بداية القرن العشرين، حين استحوذَت على حقول النفط عبر الاندماج مع شركة رويال داتش. ودخل منتجو الهيدروكربون الوطنيون مجال التجارة أيضًا: ومن بينهم «أرامكو» السعودية و«روسنفت» الروسية و«بترول أبوظبي الوطنية». تسيطر شركات شل وبريتش بتروليوم وإكسون موبيل وتوتال فعليًا على أذرع تجارية ناجحة، حيث تشتري وتبيع نفط المنتجين الآخرين وتضارب في الأسواق المالية. يكسب هؤلاء التجار الشاملون أموالًا طائلة، بأرباح سنوية تبلغ أربعة مليارات دولار قبل الضريبة لشركة شل واثنين أو ثلاثة مليارات دولار لشركتي بريتش بتروليوم وتوتال. في فترات زيادة المعروض في سوق النفط، لا يكون الإنتاج مربحًا كما في السابق، لذا تعتمد الشركات الكبرى على سحر المشتقات المالية لجني الأموال عبر أذرعها التجارية. والأروع أنَّ بإمكانهم تجنب دفع الضرائب بتنفيذ عملياتهم التجارية من الجنات الضريبية مثل جزر البهاما.

في أيامنا هذه، قد لا يكون من الضروري القيام بدور وسيط، من قبيل ما كان يضطلع به مارك ريتش، أي نقل نفط دولة ما إلى أنابيب دولة أخرى. فالنفط المتدفق عبر خط أنابيب إيلات عسقلان تضخّه اليوم شركة تدعى Med-Red Land Bridge. وهي اتحاد بين شركتين إسرائيليتين للبنية التحتية الهيدروكربونية وشركة Petromal، وهي شركة خدمات نفطية صغيرة غير معروفة مقرها في أبو ظبي، يمكن إرجاع ملكيتها -بمجرد تقشير شركاتها الوهمية- إلى أميرين من العائلة الحاكمة في البلاد. في غضون ذلك، سيطرت إسرائيل من جانب واحد على خط الأنابيب وترفض دفع 1.1 مليار دولار (زائد الفوائد) التي تدين بها لإيران. أما خط الأنابيب نفسه فسِرٌ من أسرار الدولة، وقد قضَت لجنة في الكنيست بأنَّ أي شخص يسرب معلومات عنه سيعرِّضُ نفسه لعقوبة السجن مدة 15 عامًا.

[1] - اقتبسنا ما بين علامتي تنصيص من كتاب جورج حوراني المنقول إلى العربية «العرب والملاحة في المحيط الهندي في العصور القديمة وأوائل القرون الوسطى»، تر.السيد يعقوب بكر، (مكتبة الأنجلو المصرية: 1958)، ص290-291.

[2] - بالأصل carpetbagger: مصطلح يحمل بُعدًا ثقافيًا يضرب في تاريخ الولايات المتحدة، ويشير إلى مَن وفد من ولايات الجنوب إلى الشمال قاصدًا استغلال السكان المحليين واستغلالهم لكسب المال والتدخل في الحياة السياسية خدمةً لغاية الارتزاق. في العربية يُقال رجلٌ أفَّاق لمن يبحث في الأرض عن كسب ولا استقرار له على رأي نظرًا لارتباط الرأي بالمصلحة عنده. (المترجم)

عن الكاتب

لالة الخليلي

لالة الخليلي: أستاذة السياسة الدولية في جامعة كوين ماري حاليًا. ألَّفت وحرَّرت العديد من الكتب والمقالات والمراجعات، كتابها الأخير بعنوان «عصب الحرب والتجارة: الشحن البحري والرأسمالية في شبه الجزيرة العربية»…

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).