تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الهيدروجين الأخضر في مصر: تقويض السيادة الطاقية وتكريس التبعية لأوروبا

صابر عمار
6 دقيقة قراءة
الهيدروجين الأخضر في مصر: تقويض السيادة الطاقية وتكريس التبعية لأوروبا

بينما تتجه الأنظار إلى مدينة Belém البرازيلية، حيث تنعقد قمة المناخ COP30 من 10 إلى 21 نوفمبر، يحتدم الجدل العالمي حول العدالة المناخية مجددًا. كيف يمكن تحقيق انتقال طاقي عادل إذا كانت السياسات المناخية الأوروبية نفسها تُعيد إنتاج منطق التبعية القديم؟ في الوقت الذي تتحدث فيه الوفود في Belém عن «التحول الأخضر» و«الحياد الكربوني»، يعيش الجنوب العالمي، ومصر مثالٌ بارز عليه، لحظةً تتجسّد فيها أشكال جديدة من الاستعمار.

منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية وما تبعها من أزمة غاز حادة، تَغيّر المشهد الطاقي الأوروبي. أدرك الاتحاد الأوروبي هشاشته واعتماده على الخارج، فبدأ يسعى إلى تنويع مصادره عبر بناء ما يسميه «شراكات طاقية خضراء» مع الجنوب. في الظاهر، يبدو هذا المسار «تعاونيًا» و«مربحًا للطرفين»، لكن في جوهره يقوم على نقل أعباء الانتقال الطاقي الأوروبي إلى بلدان الجنوب التي تتحول إلى حقول اختبار ومناطق توريد للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، دون أن تنعم هي نفسها بثمار هذا التحول.

في هذا السياق، برزت مصر كإحدى الركائز الأساسية للمخطط الأوروبي، وكمركز محتمل لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر إلى القارة العجوز. خلال عامَي 2022 و2023 وحدهما، وقّعت الحكومة المصرية أكثر من 20 مذكرة تفاهم مع شركات أجنبية ضخمة، من بينها Scatec النرويجية، وFortescue الأسترالية، وEDF الفرنسية، وSiemens الألمانية، وMaersk الدنماركية. وتتركز أغلب هذه المشروعات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تُقدَّم في الخطاب الرسمي كممر عالمي جديد للطاقة النظيفة وموقع استراتيجي لتزويد أوروبا بالهيدروجين ومشتقاته.

الهيدروجين الأخضر هو الهيدروجين الذي يُنتج باستخدام الطاقة المتجددة مثل الشمس والرياح، دون الانبعاث المباشر للغازات الدفيئة. يعد هذا النوع من الهيدروجين وقودًا مهمًا للقطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها مثل صناعة الصلب والكيماويات والأسمدة والنقل الثقيل (hard-to-abate sectors)، حيث يصعب الاستغناء عن الوقود الأحفوري. في هذه المشاريع، يتم إنتاج الهيدروجين أساسًا لتصديره إلى أوروبا دون أن يسهم في دعم الأمن الطاقي المحلي .

تقدّر الحكومة المصرية حجم الاستثمارات المعلنة في هذا القطاع بما يتراوح بين 80-100 مليار دولار على المدى الطويل، بينما تستهدف إنتاج أكثر من ثمانية ملايين طن سنويًا من الهيدروجين ومشتقاته بحلول عام 2040. هذه الأرقام الضخمة تُقدَّم كدليل على نجاح رؤية مصر للتحول الأخضر، لكنها تُخفي خلفها هيمنة منطق التصدير والامتثال الخارجي على حساب الأمن الطاقي المحلي.

الواقع أن معظم هذه المشروعات مُصمَّمة لتزويد السوق الأوروبية حصريًا، ولا تهدف إلى تلبية احتياجات مصر الداخلية من الطاقة أو الصناعة أو النقل. بمعنى آخر، نحن أمام نموذج جديد من الريعية الخضراء، حيث تُستغل الموارد الطبيعية الوطنية، من أرض وشمس ورياح لتوليد أرباح خارجية، بينما يبقى الداخل في عجزٍ متزايد بالإمدادات.

الأخطر أن هذا النموذج يُعيد إنتاج علاقة تبعية تقنية وتنظيمية عميقة. فالمعايير الأوروبية الخاصة بـ«الإضافية» و«التطابق الزمني والجغرافي» و«منظومات القياس والإبلاغ والتحقق» تُفرَض عمليًا على البلدان المصدِّرة بوصفها شروطًا للنفاذ إلى السوق. بشكل مبسط، هذه المعايير تحدد أن الطاقة المنتَجة يجب أن تكون إضافية على الإنتاج المحلي، وأن تُقاس وتُسجّل بدقة زمنيًا ومكانيًا، وأن تتوفر آليات واضحة للتحقق من الانبعاثات والكميات المُنتَجة قبل تصديرها. هذه ليست مجرد معايير فنية، بل أدوات هيمنة مؤسسية تحدد مسبقًا شكل البنية التحتية وسياسات الطاقة في دول الجنوب، وتجعلها تدور في فلك المتطلبات الأوروبية بدلًا من أولوياتها الوطنية.

في الحالة المصرية، أفرز هذا المنطق ما يُعرف بـ«الممر الأخضر»، وهو بنية ربط كهربائي مخصصة أساسًا لتغذية مشروعات التصدير، دون اندماج فعلي مع الشبكة القومية. بهذه الطريقة، تُنشأ جيوب طاقية واقتصادية معزولة (مناطق اقتصادية خاصة أو مناطق امتياز) تُدار بقواعد مختلفة عن بقية الاقتصاد، وتُمنَح تسهيلات جمركية وضريبية، وبنى تحتية منفصلة. الهدف المعلن هو «تقليل المخاطر للمستثمر الأجنبي»، لكن النتيجة الحقيقية هي تحويل المجال الطاقي إلى مساحات امتياز شبه استعمارية، تعمل فيها الشركات بمعزل عن الاقتصاد الوطني.

ويجد هذا النموذج قبولًا سياسيًا بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها مصر: عجز في الموازنة، وتضخم في الدين الخارجي، ونقص في العملة الصعبة. في هذا السياق، يصبح أي مشروع يجلب تدفقات دولارية مُرحبًا به، حتى لو كان يكرّس التبعية ويقوّض السيادة الطاقية. الحكومة ترى في الهيدروجين الأخضر وسيلةً سريعة لتوفير العملة الصعبة، بينما تتراجع الأولويات التنموية طويلة المدى، مثل توطين التكنولوجيا أو كهربة الداخل.

هذا ما تسميه بعض الأدبيات بـ«التحول الطاقي النيوليبرالي»، أي التحول الذي تُديره الشركات والأسواق لا المجتمعات. فبدلًا من أن يكون التحول الأخضر فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد نحو العدالة والاستدامة، يتحول إلى أداة مالية لخفض المخاطر على المستثمرين، وضمان تدفقات رأس المال، واستدامة سداد الديون. والنتيجة: انتقال طاقي بلا عدالة، وتنمية بلا سيادة.

الواقع الطاقي الداخلي في مصر يعكس هذه المفارقة بوضوح. يُهيمن الوقود الأحفوري على مزيج الطاقة الكلي في البلاد بنسبة تصل إلى 95%، وتوليد الكهرباء بنسبة 87% (غاز 75.8%، نفط 11.4%) وفق أرقام عام 2023. ومع تركيز الاعتماد على الغاز الطبيعي، أصبح النظام الطاقي هشًا، إذ شهد الإنتاج المحلي تراجعًا حادًا من 70.4 مليار متر مكعب في 2021 إلى 49.4 مليار متر مكعب في 2024، ما دفع مصر من كونها مصدرًا صافٍ للغاز الطبيعي المسال إلى استيراد أكثر من ستة مليارات متر مكعب متوقعة في 2025. هذا الانخفاض، إلى جانب اعتماد البلاد على حقل ظهر الذي يمثل نحو 40% من الإنتاج السنوي، جعل مصر أكثر عرضة لأي اضطرابات في الإمدادات، خاصة مع تأخر سداد المستحقات الدولارية لشركات التنقيب والإنتاج الأجنبية، واعتمادها على الترتيبات الإقليمية المتقلبة مثل الغاز الإسرائيلي.

في قطاع الكهرباء، على الرغم من وجود قدرات فائضة كبيرة تصل إلى حوالي 42%، إلا أن هشاشة الإمدادات أدت إلى انقطاعات مبرمجة وصلت إلى ثلاث ساعات يوميًا، خلال موجات الحر الصيفية في 2024. كما أن الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري وتراكم المستحقات للشركات الأجنبية أعاق استدامة الطاقة المحلية، بينما يركز الاستثمار على المحطات التقليدية لتجنب مخاطر مستحقات شركات الطاقة المتجددة بالعملة الصعبة. النتيجة: الطاقة المنتَجة محليًا غالبًا ما تُوجَّه للأسواق الخارجية، بينما يظل الداخل المصري يعاني من نقص الإمدادات وهشاشة أمن الطاقة.

إن ما يجري في قطاع الهيدروجين يعمّق هذه الحلقة المفرغة: الداخل يتحمّل الأزمة، والخارج يحصد الفوائد. فالتمويل الموجَّه لمشروعات التصدير أرخص وأكثر استقرارًا من التمويل الموجَّه لمشروعات كهربة الداخل، بسبب الضمانات الدولية وحماية المستثمرين. وهكذا، يتكرّس تفضيل هيكلي لصالح المصدّر، بينما تُهمّش احتياجات المواطنين.

لكن التحول الطاقي لا يجب أن يُختزل في منطق الامتثال للسوق الأوروبية، أو البحث عن العملة الصعبة. هناك طريق آخر ممكن، طريق يقوم على السيادة والعدالة الطاقية. يمكن لمصر أن تضع معايير وطنية للطاقة الخضراء تنظم السوق داخليًا، وتؤسس سجلًا وطنيًا للاعتماد والقياس اللحظي للكهرباء والهيدروجين بما يتوافق مع احتياجاتها، لا مع متطلبات الاتحاد الأوروبي. كما يمكن ربط مشروعات الطاقة المتجددة المخصصة للهيدروجين بالشبكة القومية لضمان مساهمتها في كهربة الداخل، ووضع خرائط أولويات للمواقع تحدد نصيب السوق المحلي من الموارد عالية الجودة.

إضافةً إلى ذلك، ينبغي تطوير المحللات الكهربائية محليًا بدعم من الجامعات ومراكز البحث، وبناء شراكات حقيقية لنقل التكنولوجيا لا مجرد اتفاقيات استثمارية. مثل هذه الخطوات لا ترفض فكرة التصدير من حيث المبدأ، لكنها تضعها ضمن سياسة طاقية وطنية شاملة تُعلي من مصلحة الداخل، وتضمن أن يكون التحول الأخضر أداة لتحرير الاقتصاد، لا لتكريسه في موقع التابع.

فالانتقال الطاقي العادل لا يتحقق بمراكمة الاستثمارات الأجنبية، بل بتوزيع عادل للسلطة والثروة، وبخلق مسار تنموي يُمكّن المجتمعات من التحكم في مواردها وطاقتها. هذا هو النقاش الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح على طاولة COP30 في Belém: من يملك الحق في تعريف «التحول الأخضر»؟ ومن يستفيد فعلاً من ممراته ومشاريعه؟

يستند هذا المقال إلى الدراسة المشتركة بين المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والمعهد العابر للقوميات (TNI) بعنوان «سياسة الهيدروجين الأخضر في مصر: بين أولوية التصدير والتحول الطاقي المحلي»، تحرير الباحث محمد يونس. تُقدم الدراسة قراءة معمقة للسياسات المصرية في قطاع الهيدروجين الأخضر، وتكشف كيف يُعاد عبرها إنتاج علاقات القوة والهيمنة في الاقتصاد العالمي، في وقتٍ يفترض فيه أن يكون التحول الطاقي مسارًا للتحرر والعدالة، لا أداة جديدة للاستعمار الأخضر.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
راجية الجرزاوي

عن استخدام الفحم لتوليد الطاقة

«الفحم يجد مناصرين له في مصر، ويُروَّج له بثلاث مزايا رئيسية: رخص سعره، ونظافته، وضمانه لأمان الطاقة»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).