قبل الـ«كوب»: السلطة المستدامة
أول ما يضربك هو الهواء. في أماكن عديدة حول العالم، يكون الهواء ساخنًا، ثقيلًا، وحسب اليوم، مكتومًا بسبب التلوث الجسيمي. كثيرًا ما تدمع عيناك. لا يبدو أن سعالك يختفي. لا يعود في مقدورك أن تخرج ببساطة من باب بيتك، وتتنفس هواءً نقيًّا؛ ربما لا يكون هناك هواء نقي. بدلًا عن ذلك، قبل فتح الأبواب أو النوافذ في الصباح، تتفقد تليفونك كي ترى كيف سيكون الهواء.
هذه فقرة من The Future We Choose أو المستقبل الذي نختاره، وهو كتاب يتخيَّل فيه اثنان من مهندسي «اتفاقية باريس للمناخ»، عام 2015، أفضل السيناريوهات للكوكب، وأسوأها.
لكن هل وصفا هنا أفضل السيناريوهات أم أسوأها؟
من يقرأ هذه الفقرة في لاجوس، أو مكسيكو سيتي، أو دلهي، أو في عشرات المدن الأخرى، وعلى الأخص في مدن الجنوب العالمي التي صُمِّمت في الماضي بسبب محيطها الطبيعي، لكنها تختنق الآن في ضباب دخاني، متشابه، من التحديث الصناعي، سيتعرف فيها على واقعه اليومي الآن.
في بيتي في القاهرة، أقوم بتشغيل مرشحات هواء في غرفة طفلي أثناء الليل، لديّ جهازان لقياس التلوث الجسيمي والتحقق منه، أبعث برسائل إلى الحضانة مقترحًا أن يبقوا الأطفال في الداخل حين ترتفع الأرقام بشكل مفرط. لا أقود السيارة أبدًا مفتوحة النافذة، ونسلك الطريق الأطول إلى البيت كي نتجنَّب الطرق الرئيسية. أجد نفسي أتجنَّب الحي الوحيد الذي يقع فوق تل، المقطم، والذي يمكنك منه أن ترى بُساط التلوث مُعلقًا فوق المدينة، وعدة فنادق شاهقة وأبراج أصحاب المليارات بارزة عبر الغطاء السحابي الكيماوي. في الأسفل، يسيطر على المدينة عشرات الآلاف من رجال الشرطة، والجنود، وقوات أمن خاصة، قُسِّموا ونُشِروا في أحياء يمكن السيطرة عليها، بحواجز طرق، ونقاط تفتيش، وشبكات مخبرين، يمكنها بسرعة أن تُخفي أي شخص داخل منظومة هائلة من أقسام شرطة، وشاحنات نقل، ومحاكم سرية، وسجون.
التلوث والشرطة ليسا منفصلين.
لقد تحقق أسوأ السيناريوهات بالفعل. بالنسبة للمليارات الذين يعيشون في الجنوب العالمي، أفضل ما يمكن أن يأمل فيه المرء هو فقط أن تتوقف الأمور عن التدهور.
لا يقتصر الأمر على التلوث فقط. في مصر، كما في بقية العالم، يتغير الطقس. لقد شكَّل ثبات الأحوال الجوية أساس حضارة مصر: دفع الفيضان السنوي للنيل بمغذيات نحو الشمال إلى الدلتا، وتوافق التقويم الفرعوني مع الطقس: عواصف رملية في أمشير، أمطار في طوبة. هنا، حيث لم يتغير الطقس لعشرة آلاف عام، تتأرجح درجات الحرارة بشكل أكبر، وتسقط الأمطار على نحو أكثر غزارة، وتغرق المدن في الشتاء، ورمال شمالي الصحراء الكبرى، التي كانت ممتدة بدون انقطاع في الماضي، تتناثر فيها الآن غابات حرشية من نوع ما. كما تزداد ملوحة تربة دلتا النيل ببطء، بفعل البحار التي يرتفع منسوب مياهها، صارت الأراضي السخية، التي دعمت إمبراطوريات، من ضريبة الحبوب في روما إلى محالج القطن في مانشستر، تُدار الآن بشكل سيئ للغاية، على مدار عقود من الفساد المحلي، والإهمال، وقرون من التدخل الأجنبي، إلى درجة أن مصر هي حاليًا أكبر مستورد للقمح في العالم.
لقد دخلنا بالفعل في حقبة تاريخية، ستُعرف بحقبة الانتقال الطاقي، ستستبدل فيها المجتمعات الصناعية طاقة الوقود الأحفوري كأساس لمجتمعاتها بمصادر طاقة متجددة، مثل الشمس، والرياح، والماء. تتزايد منشآت الطاقة المتجددة بشكل كبير، مما يدفع التكاليف إلى الانخفاض، ويزيد من تسارع انتشارها. ثمة اتجاه واحد للحركة على المدى البعيد بينما تنتقل الرأسمالية ببطء إلى الاصطفاف خلف لاعبيها الجدد في مجال الطاقة. إيلون ماسك هو أغنى رجل في العالم الآن، ليس لأنه يبيع سيارات أكثر من أي أحد آخر، بل لأنه من المفهوم أن المستقبل كهربائي. يَعِد الانتقال الطاقي الذي تقترحه الرأسمالية باستمرارية المجتمع دون انقطاعات، سيارة الديزل تُستبدل بتسلا، كوكا كولا خضراء، مجمعات مكاتب مزهرة تلتزم بالممارسات البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، بكتيريا تأكل البلاستيك، دبابات تعمل بالطاقة الشمسية، آلات تمتص الكربون لتجميد ودفن المشكلة.
لكن هل يمكن للانتقال الطاقي أن يحمل داخله إمكانية لشيء أكبر؟ استبدال نوع من السلطة بآخر؟
لقد نشأت القوى الغربية العالمية بالشحن التوربيني من الثورة الصناعية للرأسمالية ومرافقها الاستعمار. من المنطقي إذًا أنه يمكن لأساس جديد للطاقة -الشمس، الرياح، الطاقة المتجددة- أن يمثِّل أساسًا لنوع جديد من السلطة السياسية. كما سنرى، يفهم بعض الفاعلين ذلك جيدًا.
ما هي السلطة؟ في الأعوام التالية للانقلاب العسكري في مصر عام 2013، عدت مرة بعد أخرى إلى هذا السؤال: كيف تُبنى السلطة، ويُحتفظ بها، وتُفرض، أو تُفقد. لا يتوانى نظام السيسي في مهمة التعبير عن سلطته على السكان من خلال عنف الشرطة، والحبس الجماعي، والدعاية الإعلامية، والهندسة العمرانية، وجميعها تنبع من نقطة سيطرة شديدة المركزية. يتعثر النظام في محاولاته لأداء أكثر وظائفه بساطة: تتصادم القطارات على نحو روتيني، المياه ملوثة، ترتفع أسعار الطعام، بينما تضعف العملة عامًا بعد عام، حتى حقوق الملكية بالكاد تُحترم، لكن تستمر سلطته. تبدو الدولة مثل جسم على جهاز حفظ الحياة، سلسلة من الأنابيب تدخل وتخرج منه، من وقت إلى آخر، يداويه أطباء أجانب بقروض ستيرويدية، أو يعطونه علاجًا كيميائيًّا للتكيف الهيكلي. ندرس نحن الأنابيب، والبنية التحتية، والشبكات الصناعية والتجارية الخارجة منه والداخلة إليه، كي نفهم كيف يُبقى على قيد الحياة.
المكون الوحيد من مكونات البنية التحتية الوطنية الذي لا يفشل هو الكهرباء. السلطة. يعزز الإبقاء على الأنوار مضاءة من الدعم الشعبي المحدود الذي يمكن لنظام السيسي أن يعتمد عليه في شرعيته. لقد قُطِعت أيام الإخوان المسلمين في السلطة بسبب انقطاعات التيار. أنفق السيسي الكثير لضمان عدم حدوث الخطأ نفسه مرتين، وذلك ببناء بنية تحتية هائلة من الطاقة الكهربائية حديثة الإنشاء. رغم أنه غالبًا ما رافق ذلك خسارة مبالغ كبيرة من المال العام للفساد في الصفقات، وخسارة نسبة كبيرة من الطاقة الجديدة في كابلات النقل المتهالكة، يظل بمقدور مصر، رغم ذلك، إنتاج ما يصل إلى 50% كهرباء أكثر مما يمكن للبلاد أن تستهلكه في أي لحظة. إنها السلطة كما تُبنى من خلال البنية التحتية، السلطة كما يُعبَّر عنها ككهرباء.
بوضع شبكة الكهرباء المصرية في الاعتبار، يمكننا أن نقرأ تعبيرًا ماديًّا عن السلطة كمزيج شديد المركزية، وفاسد، يجمع بين تقنية أجنبية وأدوات محلية عفا عليها الزمن.
بالنظر إلى شبكة الكهرباء البريطانية، على سبيل المثال، نجد قصة مختلفة عن السلطة. في المملكة المتحدة، دُمِجت شركات الطاقة الخاصة في منظومة شبكة وطنية في ثلاثينات القرن العشرين. وبعد أن خلقت الدولة السوق عبر البنية التحتية، أُعيد تهيئتها من أجل خلق ثروات خاصة حينما تغيَّرت الأيديولوجيا الحاكمة. بنهاية القرن، في الثمانينات، خُصخصت الشبكة الكهربائية، في تلخيص بليغ لتغير مفهوم الدولة. في البداية، تحمَّل دافع الضرائب تكلفة إنشاء سوق بحجم الدولة، ثم فُتِح ذلك السوق للقوى الخاصة، وهذا ذاته هو انعكاس لقرون من «الفتح» الكولونيالي لأسواق حول العالم بدعم من دافع الضرائب، لكن مع العمل في المقام الأول من أجل المنفعة الخاصة لرأس المال.
في فلسطين، استخدم المستعمرون الأوائل إنشاء شبكة كهربائية على المستوى الوطني لإعطاء دفعة لتكوين أمة حيثما صارت الطاقة متاحة، سرعان ما تبعها المستوطنون. وُضِعت خطوط الكهرباء، وأنشأت الدولة نفسها فوق تلك الخطوط. لقد احتفى أحد المسؤولين البريطانيين بشبكة بنهاس روتنبرج لأنها تقوم «أكثر من أي شيء آخر بتهدئة فلسطين، وتيسير الهجرة، وتطوير البلاد». بعدها بأربعين عامًا، بعد احتلال الضفة الغربية عسكريًّا، قال الجنرال الإسرائيلي، موشيه دايان: «إن كانت شبكة كهرباء الخليل تأتي من شبكتنا [الإسرائيلية] المركزية، ويمكننا أن نسحب القابس، وبالتالي نقطع عنهم التيار، سيكون ذلك أفضل بوضوح من ألف حظر تجول، ومن أي فض لشغب». تُعاقب غزة يوميًّا، في الوقت الحالي حتى، بالقطع الجبري للتيار، على انتخابها حماس، وهو تجسيد للضعف السياسي الذي تفرضه سلطة احتلال.
يمكن لشبكات الكهرباء التعبير عن خصائص الدولة، وتؤدي دور معالم نحو الكشف عن السلطة وكيف أُنشئت. لآلاف الأعوام، قبل الكهرباء حتى، كَمَن أساس السلطة المصرية في الجغرافيا، دائمًا ما يكون لوادي نهر، صالح للزراعة، ويشق طريقًا عبر الصحراء، نقطة واضحة يقابل فيها اللون الأخضر اللون الأصفر، خطوة واحدة تأخذك من الحقل إلى الصحراء، من الدولة إلى البرية، من الحضارة إلى الحرية. تحوِّل السلطة الجغرافيا إلى تاريخ، ثم أن السلطة ميراث. فكل نظام سياسي جديد يسعى إلى أخذ ما يمكنه من السلطة القديمة، بينما يكمل حداثته الخاصة.
بالنسبة للجنوب العالمي، صارت الحداثة إمكانية، حينما عاد الإداريون الكولونياليون إلى ديارهم. ورغم أنهم قد يكونوا أخذوا بنادقهم معهم، فقد آلت إلى الأنظمة المحلية دول-أمم جديدة ورثت السلطة، وقوات شرطة، وجيوش عاملة، وأنظمة قانونية، وطبقات ثقافية، ولغات وسيطة، وعلوم عرقية، ونزاعات إثنية. لا نحتاج إلى التنقيب كي نجد هذا التاريخ، إذ أننا نعيش داخله: لا تزال أقسام شرطة الإمبراطورية، وسجونها، ودور محاكمها، مستخدمة بالآلاف في أنحاء الجنوب العالمي، والعديد منها ممتلئة بمنشقين حوكموا بقوانين وضعها حكام كولونياليون، وتُحمى وتطبق باستخدام معدات أوروبية وأمريكية. كما ورث كثيرون النفط وعبوديته في شبكة عالمية متداخلة، تضم أنابيب ضخ، وناقلات، ومصافي، ومحطات وقود، وأسواق، تضخ، وتشحن، وتعالج، وتحرق 100 مليون برميل يوميًّا، شريان حياة الرأسمالية، يُحرق لخلق الطاقة، ولدفع الحركة والتسريع اللازمين للنمو الدائم.
من مالوا إلى الاصطفاف مع المسار الغربي كانت لديهم أيديولوجيات جاهزة، وحوافز سوقية، وتطلعات ثقافية للاستفادة منها. أما من سعوا إلى تأميم المنظومة العالمية، أو تعطيلها تعطيلًا حقيقيًّا -مثل مصدق في إيران أو لومومبا في الكونغو- فقد أُطيح بهم بسرعة ووحشية.
قبل عدة شهور من اغتيال لومومبا، كان فرانز فانون في مهمة استطلاعية بمالي. وقد كتب يوميات:
«مهمتنا: أن نفتح الجبهة الجنوبية. أن ننقل السلاح والذخيرة من باماكو. أن نثير سكان الصحراء، أن نتسلل إلى الهضاب الجزائرية المرتفعة. بعد حمل الجزائر إلى أركان إفريقيا الأربعة، نصعد مع إفريقيا بأكملها نحو الجزائر الإفريقية، نحو الشمال، نحو الجزائر العاصمة، المدينة القارية. ما سيروق لي: خطوط عظيمة، قنوات ملاحية عظيمة عبر الصحراء. أن نخمد الصحراء، ننكرها، نجمِّع إفريقيا، نخلق القارة ... أولى نقاط الانطلاق، القاعدة الأولى مثلتها غينيا. ثم مالي، جاهزة لأي شيء، محمومة وقاسية، متماسكة ومتحمسة على نحو فريد، مدت رأس الجسر، وفتحت آفاقًا قيِّمة. إلى الشرق، كان لومومبا يراوح الخُطى. الكونغو، التي مثلث المهبط الثاني للأفكار الثورية، كانت عالقة في شبكة معقدة من التناقضات المجدبة. القلاع الكولونيالية في أنجولا، وموزمبيق، وكينيا، واتحاد جنوب إفريقيا لم تكن بعد ناضجة كي تُحاصر بشكل فعَّال».
بعدها بعدة شهور، قُتِل لومومبا. قُهِر رأس الجسر الثاني. خلال عدة أعوام، كانت الجزائر الثورية تُرسل مهندسي نفط جنوبًا إلى أنجولا (القلعة الكولونيالية) لمساعدة حركة تحرير جنوبية أخرى، الجبهة الشعبية لتحرير أنجولا، على تشييد صناعتها المحلية لضح الوقود في حربها الأهلية الطويلة. كذلك تلقت الجبهة الشعبية دعمًا عسكريًا لا يستهان به من كوبا، التي أُرسل عدد من جنودها لحماية حقل بحري لستاندر أويل أوف كاليفورنيا (شيفرون). على امتداد 27 عامًا من الحرب الأهلية، لم يعطِّل الحزب الماركسي الثوري، ولا حلفائه الشيوعيون والمناهضون للاستعمار، مرة واحدة، إمدادات النفط إلى الولايات المتحدة. وفي النهاية دفعت أموال النفط المتواصلة الجبهة الشعبية إلى الانتصار على أعدائها في الداخل – وما زالت في السلطة حتى اليوم.
«أنظر، خلال الاستعمار، والغزو الأجنبي، والماركسية اللينينية، والرأسمالية، لم أغادر المبنى نفسه». يقول مدير نفط الدولة الأنجولية (سوارس دي أوليفييرا، «بلاد رائعة ومتسولة»)
تظل سوناطراك وسونانجول المؤسستين الرئيسيتين للنظامين الجزائري والأنجولي. تعتمد كلٌ من البلدين على صادرات النفط والغاز لما يزيد على 90% من إيراداتها الأجنبية، وتعتمد القرارات السياسية في كلتا الدولتين على النفط.
كم مما نسميه إنهاء الاستعمار كان في الواقع إعادة تهيئة للبنى الاستعمارية من أجل صيانة سلطة الحكام الجدد؟ وكم كانت السلطة التي امتلكها الحكام الجدد بالفعل كي يكون بمقدورهم انتزاع أنفسهم من الشبكات الصناعية التي تسري عبر بلدانهم لاستخلاص الموارد؟ وإن كانت السلطة السياسية الحديثة مبنية على أساس من قوة الطاقة، وتحفظها السيطرة على تلك الطاقة، ويثريها ويضفي عليها شرعية تصدير تلك الطاقة، يصير سؤال الانتقال الطاقي أكثر تعقيدًا بكثير لمن يعيشون تحت حكم أنظمة سلطوية. إن كان للعالم أن ينتقل إلى منظومات طاقة جديدة، هل يمكن له أن ينتقل كذلك إلى منظومات جديدة للسلطة السياسية؟
بالنظر إليه على هذا النحو، يصير الانتقال الطاقي فرصة سياسية هائلة وأفقًا مرعبًا في آن واحد. قد يؤدي انتقال سريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري إلى تقويض أنظمة سلطوية، من أنجولا والجزائر إلى أذربيجان. أو قد يكون أساسًا لحقبة من طاقة متجددة، محلية، وفيرة، يتم التحكم فيها مركزيًا، لصالح الحكومات والشركات السريعة بما يكفي للتكيف.
«لسنا خضرًا بعد، لكننا في طريقنا إلى الاخضرار. إننا ملتزمون بذلك لأنه الأمر الصحيح الذي يتعين فعله من أجل العالم. كما أنه فرصة عمل هائلة ستحقق قيمة طويلة الأجل للمساهمين»، برنارد لووني، الرئيس التنفيذي، بريتيش بتروليم، 2 فبراير 2021
«تُظهِر استراتيجيتنا [بخصوص الانتقال الطاقي] كيف سنضيف إلى مليارات الدولارات التي استثمرناها بالفعل في طاقة أقل كربونًا على مدار السنوات الأخيرة، بما فيها أن نوفر لعملائنا شحن كهربائي للعربات، وهيدروجيني، وطاقة من الرياح، وطاقة شمسية، ووقود حيوي»، بن فان بيردين، الرئيس التنفيذي، شل، 9 يونيو 2021
«إن منع التغير المناخي، والتخفيف من حدته، وتوجيه الانتقال إلى اقتصاد قليل الكربون، هي بعض العوامل الأكثر حسمًا في خلق القيمة على المديين المتوسط والطويل»، كلاوديو ديسالزي، الرئيس التنفيذي، إني، 21 أبريل 2021
«من أجل المساهمة في التنمية المستدامة للكوكب الذي يواجه التحدي المناخي، نتحرك قُدُمًا، معًا، نحو أنواع جديدة من الطاقة. تعيد الطاقة اختراع نفسها، ورحلة الطاقة هذه هي رحلتنا. طموحنا هو أن نكون فاعلًا من طراز عالمي في الانتقال الطاقي. هذا هو السبب في أن توتال تتغير، وتصير توتال إنرجيز»، باتريك بويان، الرئيس التنفيذي، توتال، 28 مايو 2021
في نهايات 2020، جمعت الدولة المصرية 750 مليون دولار أمريكي من خلال طرح أولى سنداتها الخضراء على الإطلاق. كان المستثمرون متحمسين جدًّا لهذا الطرح -بفائدة 5.25%- إلى درجة أنه أتت طلبات بقيمة 3,.7 مليار دولار. صار هذا الاكتتاب المفرط شائعًا عند طرح السندات الخضراء، إذ أن سوق السندات العالمي -مثل كل المؤشرات الأخرى للانتقال الطاقي- يفوق التوقعات. يمكنك، في الوقت الحالي، شراء سندات خضراء صادرة لتطوير شبكة الكهرباء السعودية، أو لتحسين كفاءة الطاقة لدى كوكاكولا، أو لتوليد طاقة متجددة لبنك قطر الوطني. ومن الممكن الآن لسند أخضر صادر من حكومات مصر، أو قطر، أو الصين، أن يُباع بسهولة لصندوق تقاعد، كجزء من حافظة خضراء، فيجد العامل نفسه يمول، بدون علم، جهود نظام دكتاتوري لإعادة هندسة بنيته التحتية على المستوى الوطني، وتحويلها لبنية تحتية لا يزال بمقدوره السيطرة عليها في عالم ما بعد النفط.
لا توجد دولة فاعلة تفهم أفضل من الصين كيف يمكن للانتقال من الطاقة الأحفورية إلى الطاقة المتجددة أن يكون أساسًا لتغيير حقيقي، من سلطة سياسية إلى أخرى. لقد عملت الصين، بدون كلل، من أجل سد الفجوة الصناعية التي بناها الغرب منذ الثورة الصناعية. تُبنى في الصين معظم الألواح الشمسية في العالم، وتُنتج نسبة معتبرة منها في معسكرات العمل في جينجيانج. كما يهيمن أفراد وشركات صينية على قائمة حديثة لبلومبيرج لـ«أصحاب مليارات الطاقة المتجددة». وتتقدم الصين في كل مرحلة من عملية تنقيب، وتكرير، ونقل، وصنع، وبيع المعادن الأرضية النادرة اللازمة لتوربينات الرياح، والألواح الشمسية. ولدى الشركات الحكومية الصينية مصالح كبرى في مناجم البوكسيت للألمونيوم في غينيا، ومناجم الكوبالت للبطاريات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحقول النفط في أنجولا. في مقابل المواد الخام، يبني الصينيون بنية تحتية: خطوط قطارات في نيجيريا وكينيا، ومدن سابقة الإنشاء في أنجولا، وقواعد بحرية في جيبوتي.
ثمة طريقة تُستخدم أحيانًا للحديث عن النشاطات الصينية في إفريقيا: أن صفقات «الموارد مقابل البنية التحتية» التي تعقدها الصين ليست أيديولوجية، بشكل ما، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي فيما مضى. غير أن البنية التحتية دائمًا أيديولوجية؛ تسريع الانتقال الطاقي من الداخل إلى الساحل هو أساس كل بنية تحتية كولونيالية منذ إنشاء تجار العبيد البرتغاليين مدينة لواندا، عام 1575، لسحب الطاقة البشرية إلى البحر. في الوقت الحالي، يعزز تطوير بنية تحتية لحاكم محلي وسيط من سلطة ذلك الحاكم، وهو بشكل عام استثمار في معاداة الديمقراطية. حين تبدأ الاستثمارات الصينية في الإنشاءات المتجددة، سوف تتبع دون شك النمط نفسه، الموجود منذ قرون، ببناء الطاقة، أو توليدها، في أيدي النخبة المتعاونة.
لواندا، اليوم، هي مدينة ناطحات سحاب، بُنيت جميعها بأموال النفط الصينية. وقد طُبِّق في أنجولا نموذج الصفقات الصيني للمرة الأولى – مرة أخرى مع الجبهة الشعبية التي احتاجت، بعد أن خرجت منتصرة لكن محطمة من ثلاثة عقود من الحرب الأهلية، إلى البدء في إعادة بناء البلاد. سُدِّد الائتمان الصيني الرخيص بالنفط. بحلول عام 2018، كانت الصين تمتلك نحو 70% من الدين الوطني لأنجولا. ولا تعتمد نخب لواندا -والكثير من أفرادها هم ورثة تاريخ عرقي معقد لكريوليين تعاونوا مع المستعمرين تجار العبيد- على شبكة الكهرباء الوطنية، بل قاموا بتركيب مولدات خاصة في مبانيهم الشاهقة بدلًا عن ذلك. فيما وراء العاصمة الكولونيالية، لا تخدم المناطق الداخلية شبكة واحدة، بل ثلاث منظومات لشبكات غير متصلة، وهو إرث شِعري، نتاج صدفة، في بلد شكَّلت حداثتها حرب أهلية ثلاثية دامية.
أثناء القيادة شمالًا على امتداد طريق البحر الأحمر هذا الربيع، وجدت نفسي أتحرك مع الطيور، دوامات من اللقالق البيضاء تلتقط تيارات الهواء الساخن؛ عشرات، بل مئات منها، تحوِّم معًا إلى أعلى حتى تصير عالية بما يكفي للتحليق، تمضي ببطء في اتجاه الشمال، تسقط نحو الأفق إلى أن تمتطي الرياح الساخنة التالية إلى أعلى. تتبع الطيور المهاجرة بين أوروبا وإفريقيا إمَّا النيل وإمَّا البحر الأحمر لعبور الصحراء الكبرى. تستخدم النيل الطيورُ الأصغر، التي تخفق أجنحتها، وهي كثيرة التوقف. أما اللقالق والكواسر فتستخدم رياح الطريق الساحلي، الرياح المنتظمة بما يكفي مزارع الرياح، غابات الريش الدوار التي يمكن أن تلقى فيها الطيور مصيرًا مُهلكًا.
حين اقتُرحت أولى مزارع الرياح، حاول النشطاء المصريين تقديم التماس إلى الحكومة، وحذروها من تأثير تلك المزرعة على الطيور المهاجرة، لكنهم قوبلوا بالصمت. حين أدركوا أن اللقلق الأبيض هو الطائر الوطني لألمانيا، وأن أحد داعمي المزرعة كان مصرفًا ألمانيًّا، وجدوا نقطة ضغط ناجحة. أُنشئ نظام للإنذار المبكر، ومُنِح نفاذ غير مسبوق إلى الرادار العسكري، واستُخدم مراقبون بمناظير، وتُوقف التوربينات الآن من أجل السماح للأسراب المهاجرة بالمرور عبرها. إنها، بكل المقاييس، منظومة مثالية.
تموِّل ألمانيا، كذلك، منظومة مصر للمراقبة الساحلية، وهي شبكة من القوارب، والرادارات، والجنود، تقوم بالتأكد من أنه لا يمكن لأي بشري الهجرة شمالًا عبر البحر المتوسط.
في نوفمبر 2020، ألقت الشرطة المصرية القبض على ثلاثة باحثين في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. قبلها بعدة أيام، كانت جماعة حقوق الإنسان قد عقدت اجتماعًا مع عدة سفراء ودبلوماسيين أوروبيين، بما فيهم ممثل عن النرويج. سارع النشطاء والصحفيون إلى خلق ضغط إعلامي ودبلوماسي لإطلاق سراحهم.
كانت مفاجأة إذًا حينما غردت السفيرة النرويجية، في ذروة الأزمة الدبلوماسية، بصورة لها وهي تحمل، بارتباك، كرة قدم متعددة الألوان، وتروج لتطور ما في مجال الطاقة الشمسية.
استخراج طاقة: لكنها مستدامة.
كيف نتجنب هذا الانتقال الطاقي؟
حُشِدت أكبر تعبئة محلية لقوات الولايات المتحدة خلال أكثر من قرن، عام 2016، لمواجهة آلاف من «حُماة المياه» تجمعوا في ستاندنج روك. نُشِرت قوات -تم تسليحها ببعض من المعدات العسكرية نفسها التي استخدمها جيش الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان- من شرطة 76 دائرة، ومن الحرس الوطني، إضافة إلى مجموعة من المتعاقدين الأمنيين الخاصين، من أجل حماية مصالح شركة طاقة خاصة.
كانت المقاومة في ستاندنج روك غير مسبوقة: «بما أنها كانت مبعثرة ومفصولة أثناء الغزو، فإن التوحد الذي طال انتظاره بين الأمم السبع المتحدثة بلغات داكوتا، وناكوتا، ولاكوتا، لم يحدث خلال أكثر من مئتي عام». لقد شهد شتاء عام 2016 ما وصفه المؤرخ نيك ايستس Nick Estes بأنه «انتفاضة على السهول» في كتابه Our History Is the Future: Standing Rock Versus the Dakota Access Pipeline, and the Long Tradition of Indigenous Resistance [تاريخنا هو المستقبل: ستاندنح روك ضد خط أنابيب داكوتا أكسس، وتراث المقاومة الطويل لدى السكان الأصليين].
أدت تلك الانتفاضة، بشكل مباشر، إلى تقييد صناعة النفط والغاز في الولايات المتحدة، وهي شريان رأسماليتها. مع تلك الانتفاضة، بدأت الرحلة السياسية للنائبة الحالية في الكونجرس، ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، نحو الصفقة الجديدة الخضراء، التي شكَّلت الركيزة الأساسية الأولى لسياسة إدارة بايدن الداخلية. تتواصل تلك الانتفاضة، في تحدي الويتسووتين لخط غاز كوستال جاس لنك، وفي قيادة شعوب الأنيشينابه لتحالف ضد الخط 3، وفي الحملة المستمرة ضد خط أنابيب داكوتا أكسس، واستهداف تحالف نشطاء «أوقفوا خط أنابيب المال» للمصارف وللخبراء الماليين. في 5 يوليو 2020، أعلنت شركة دومنيون إنيرجي، من فيرجينيا بالولايات المتحدة، إلغاء خط أنابيب أتلانتك كوست. قبلها بنحو أربعة أشهر، أعلنت شركة وليامز كومبانيز أن خط أنابيب كونستتيوشن، الذي كان مخططًا له أن يضخ غازًا تصديعيًّا من بنسلفانيا إلى نيويورك، لن يتم. وتم تأجيل خط أنابيب ماونتين فالي، المقرر له أن يمتد من وست فرجينيا لفرجينيا، إلى أجل غير مسمى. حتى قبل وعد بايدن المتعثر بصفقة جديدة خضراء، كان المستقبل يبدو صعبًا، على نحو متزايد، لبناة خطوط الأنابيب الأمريكيين. لقد ألغت إدارة بايدن، منذ توليه منصبه حتى الآن، خط أنابيب كيستون إكس إل، وعلَّقت حقوق التنقيب في المحمية الوطنية للحياة البرية في القطب الشمالي، بينما علَّقت حاكمة مشيجان خط أنابيب عابر للحدود يمر عبر البحيرات العظمى. مع عدم التأكد من الأرباح المستقبلية، لن تمضي البنى التحتية قُدُمًا، وهو ما يعني أن صناعة النفط والغاز في الولايات المتحدة ستواجه صعوبات في النمو.
نعود إذًا إلى السؤال: ما الذي سيحل محل الطاقة الأحفورية؟ بالنسبة للنشطاء الأصليين، لا يوجد وهم بأنه من الممكن للرأسمالية أن تقدم منظومة بيئية للطاقة عبر الألواح الشمسية وتوربينات الرياح. وليست المعركة ضد خطوط أنابيب النفط إلَّا أحدث الفصول في معركة ممتدة منذ 500 عام، ضد مستعمرين رأسماليين، أو رأسماليين استعماريين. قد تثبت الرأسمالية في النهاية أنها قادرة على خفض انبعاثات الكربون، لكنها غير قادرة على تحقيق توازن طبيعي، أو على إبطال إرث الاستعمار.
عبَّر ديفيد كورييا David Correia، ونيك ايستس Nick Estes، وجينيفر نيز دينيتديل Jennifer Nez Denetdale، عن ذلك دون مواربة، في كتابهم الجديد Red Nation Rising: From Bordertown Violence to Native Liberation [صعود الأمة الحمراء: من عنف البلدات الحدودية إلى تحرير الشعوب الأصلية]:
«لا يوجد شيء طبيعي بخصوص علاقات المستوطن، وبالتالي، لا يوجد شيء طبيعي بخصوص المستوطن. ما يدعوه المستوطن ديمقراطية، ندعوه لا حرية. ما يدعوه المستوطن ممتلكات، ندعوه عنفًا. ما يعتبره المستوطن أمرًا مُسلَّمًا به، نسعى نحن إلى إلغائه. يحرر إلغاء الملكية الفردية الأرض من الحدود التي تسجنها ... نلغي الحدود بحرق البلدات الحدودية تمامًا. دون حدود، تموت الرأسمالية».
مرة أخرى، يمكننا أن نقرأ الشبكة الكهربائية من أجل حقيقة عن السلطة.
قامت «الصفقة الجديدة»، وهي السلف المحتفى به للصفقة الجديدة الخضراء المقترحة، بعمل توسيعات ضخمة على الشبكة الكهربائية، في ثلاثينات القرن العشرين، إلى حد كبير عبر إنشاء سدود الطاقة الكهرومائية التي غمرت الأراضي المنخفضة لشعوب لاكوتا، وداكوتا، وناكوتا من أمة السو العظمى. لقد عبَّرت الدولة الاستيطانية الاستعمارية عن سلطتها على أعدائها الوجوديين، ووسعتها، بالكهرباء المتجددة، فيما احتُفي به منذ ذلك الحين كعصر ذهبي للحكم الديمقراطي.
تشغل الطاقة الكهرومائية، أيضًا، قلب الأحلام التنموية لبعض الحكام الأفارقة.
يتم توليد 95% من الكهرباء السارية في شبكة جمهورية الكونغو الديمقراطية، من النهر الهائل الذي يحدد معالم الكثير من المناطق الأخرى في البلاد. غير أن الشبكة الكهربائية -وهي شبكة دولة ضعيفة- تصل إلى 19% فقط من الناس.
يخطر لي، وأنا أكتب من القاهرة، أن جمهورية الكونغو هي مقابل مقلوب لمصر، إذ يشكِّل البلدين نهران هائلان يسريان عبرهما. لكن بينما يخلق المسار الذي يشقه النيل في الصحراء الكبرى شريطًا ضيقًا من أراضٍ صالحة للسكن سمحت -لفترات طويلة- بالاكتفاء الذاتي، فإن نهر الكونغو، من ناحية أخرى، يشق طريقه عبر غابة، مساحة من الأرض شاسعة على نحو لا يُصدَّق أمكن حكمها مركزيًّا فقط عبر تنصيب نظام يعتمد وحشية الإبادة الجماعية لوضع الأرض تحت السيطرة. ورغم أن سياساتهما الكهرومائية دعمتا منظومتين للسيطرة متباينتين تمامًا، فإن حكومتي النيل والكونغو تتقاربان في الوقت الحالي. لسنوات، مثَّل سد الإنجا العظيم تصورًا عن كيفية تسخير الطاقات السياسية الشاسعة لنهر الكونغو: مشروع ضخم يُقال إنه قادر على إمداد القارة بأكملها بالطاقة، ولا يوجد نقص في المقاولين الأجانب المصطفين لأخذ جزء من الكعكة. تعرض مصر على جارتها الجنوبية المساعدة، والخبرة، وصفقات التصدير بشأن البنية التحتية. في المقابل، يريد نظام السيسي مساعدة دبلوماسية في خنق قطعة مختلفة من البنى التحتية للدول: سد النهضة الإثيوبي الكبير.
يقترب اكتمال سد النهضة، الذي استمر بناؤه لعقد، وتخشى مصر، التي يشكلها النيل ويوفر دومًا معاشها، على موردها الأساسي. تحتاج إثيوبيا إلى الكهرباء، وتدعي أن السد ضروري لتوفير الطاقة لطموحاتها الوطنية. تحتاج مصر إلى سريان النيل، ولديها، كما رأينا، فائض قدرة، يكاد أن يكون عبثيًّا، على إنتاج الكهرباء. لكن بدلًا من إنشاء شبكة وصل كهربائي إقليمية، من كابلات فائقة الجهد العالي، يمكن من خلالها للجيران على ضفاف النهر سد العجز في مواردهم، يُبقى علينا على حافة حرب مياه.
ثمة فرص كامنة داخل الانتقال الطاقي يمكن لها أن تؤدي إلى الابتعاد عن مثل هذه السخافات العنيفة. على سبيل المثال:
يوجد بالفعل إجماع حول مبدأ التعويضات المناخية: أن بلادًا صناعية معينة استفادت من حرق الطاقة الأحفورية، على حساب بلاد أخرى ستتحمل تكلفة بيئية غير متناسبة. لكن السؤال الأصعب هو كيف يمكن وضع نظام للتعويضات لا يرسِّخ سلطات الدول الاستبدادية؟ ينبغي أن يكون ذلك في قلب مفاوضات «مؤتمر الأطراف» بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال، إلا أن البلاد التي تتفاوض نيابة عن الجنوب يغلب عليها أن تكون سلطات دول استبدادية، مصالحها قصيرة المدى أكثر هشاشة من مصالح المديرين التنفيذيين في مجال النفط.
لنأخذ سد مانانتالي، الذي ينتج طاقة كهرومائية تتشارك فيها مالي، والسنغال، وموريتانيا. ما كان في السابق موقعًا للصراع الإثني يبدو الآن كمورد مشترك، يدار على نحو جيد، وتسيطر عليه هيئة ثلاثية.
يمكن للتعويضات المناخية أن تمول إنشاء مثل هذه البنى التحتية الإقليمية خارج سلطة أي دولة بمفردها. ويمكن تجنب النزاعات، مثل ذلك النزاع المحتمل الذي يتشكل بين مصر وإثيوبيا، والحد من السلطة الاستبدادية، عبر التشارك الإقليمي في الموارد. يوفر الانتقال الطاقي فرصًا لتفجير الحدود الكولونيالية للدولة الأمة، ولتمكين المبادرات على مستوى المجتمعات. ويمكن للشبكات الكهربائية الصغيرة، غير المركزية، أن تقلص من سلطة الدولة المركزية. مرة أخرى، ينبغي على التعويضات المناخية ومفاوضات مؤتمر الأطراف أن تُحشد ضد التشريعات المقيدة، ولتمويل التحول إلى اللامركزية، والتنازل عن الرسوم الجمركية.
لكن الأكثر أهمية من الرسوم الجمركية هو أنه لا بد من رفع حقوق الملكية الفكرية عن تقنيات الطاقة المتجددة كجزء من أي حزمة من التعويضات المناخية، وأن تصير الملكيات الفكرية، التي تحققت بأموال عامة، متاحة تلقائيًّا للجميع. سيشجع هذا، على الفور، التصنيع والمشاركة المحليين، وسيمكِّن شبكات جديدة للتجارة، والتعاون، والهجرة، من أن تضرب بجذورها في سياقات جنوبية-جنوبية.
يعتبر السؤال الحالي بخصوص إنتاج اللقاح مثالًا موازيًا: مصير عالمي متداخل يمكن أن يوحد قوى الصناعة والعمل في حرب ضد السقوط في أسر مساهمي الشركات.
منذ عام 2000، أُجريت دراسات بحثية تقول إن إفريقيا ليست في الواقع مدينة للعالم، بل دائنة إجمالًا إن أُخذ في الاعتبار التدفقات التمويلية غير المشروعة إلى المراكز المالية الخارجية. يُعتبر فرض ضرائب على الأثرياء وإغلاق المراكز المالية الخارجية سؤالين وجوديين بالفعل بالنسبة للديمقراطيات الراسخة، لكنهما جوهريان إن كان لأي إنهاء ذي معنى للاستعمار أن يحدث. وإنه فقط عبر إنهاء الاستعمار، يمكن للانتقال الطاقي إلى بنية جديدة للسلطة أن يحدث. وعلى النقيض، دون إنهاء الاستعمار، لن يكون من الممكن بلوغ أي عدالة بيئية تتجاوز خفض الانبعاثات. إن الأكثر إلحاحًا من أي مبادرة لغرس أشجار في الجنوب العالمي، هو السيطرة على هذه المنظومة، وتقنينها، وإلغاء الديون المقيتة، وإنهاء دعم الوقود الأحفوري، وحظر تمويل المصارف للوقود الأحفوري.
من المؤسف أن إمكانيات المساواة هذه لن تكون على قمة جدول أعمال مؤتمر المناخ القادم في مصر، مؤتمر الأطراف، وهو المنتدى الرئيسي الذي يجري فيه التفاوض بين الدول حول تكاليف الانتقال، ومعاييره. هنا، يصير الانتقال الطاقي فرصة للغسيل الأخضر وللتربح، إذ تصطف الدول والشركات لتوقيع صفقات إنشاءات الطاقة مع دكتاتورية لديها فائض من الطاقة ومن السجناء السياسيين، وهي تذكِرة بالتضحيات الآتية التي ستقع على الجنوب العالمي، وبأنه طالما تحكم سلطوية المستقبل بحزمة طاقة متنوعة، فستكون لديها سلطة متجددة.
كُتِب هذا المقال كجزء من برنامج زمالة Africa Is A Country في عامه الافتتاحي.
آراء أخرى
قبل الـ«كوب»: ربما تنجو العلمين.. فهل ننقذ الشخلوبة؟
«يجب علينا دراسة مدى اختلاف قدرات المناطق المصرية، وعدم تركها لقاعدة البقاء للأغنى والأقوى»
قبل الـ«كوب»: عن «الرواية الموحدة» وأولوية التكيف في إفريقيا
«حول توزيع الأعباء البيئية بين الشمال المتقدم والجنوب الفقير»
قبل الـ«كوب»: بين الغاز والحرب والمناخ.. ابحث عن الكوكب
«قبل قمة المناخ كوب27 يبدو العالم مدفوعًا إلى التخلي عن التزاماته البيئية وستترتب أولويات أخرى»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد