تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

من يحكم شرم الشيخ؟

كريم ملاك
8 دقيقة قراءة

جنوب سيناء، مثلها مثل باقي سيناء، مكان يستمر فيه تهميش السكان الأصليين لصالح الإستثمارات الكبري.

هضبة أم السيد، المعروفة للسكان "بالهضبة"، هي أحد معالم مدينة شرم الشيخ المطلة علي البحر الأحمر. جذب المكان اهتمام الكثير من رجال الأعمال بحكم طبيعة الأرض وموقعها المميز للإستثمار العقاري.

أعمال الحفر فى هضبة أم السيد

 

بدأت الحكومة منذ ٢٠١٣ مشروعًا لترميم وإعادة تثبيت الهضبة. في البداية قد يبدو أن مشروع الترميم هذا يهدف إلي حماية السكان، لكن في حقيقة الأمر مشروع ترميم الهضبة مثال حي لأجندة رجال الأعمال والليبرالية الجديدة، التي تخدم مصالح كبار المستثمرين علي حساب البيئة والسكان. سرعان ما تبين إن مزاعم الحكومة بشأن مشروع ترميم الهضبة واهية.

كان أمل محافظ جنوب سيناء، اللواء خالد فودة، بأن يقوم مشروع ترميم الهضبة، الذي يتكلف ٨٠ مليون جنيه، بجذب مستثمرين إلي المنطقة، كما قال أحمد شريف، أحد سكان الهضبة وأحد متطوعي (سينا ريف).

أوراق المشروع، بما فيها موافقة جهاز شؤون البيئة علي دراسة الأثر البيئي، تم إخفائها عن سكان الهضبة، ولم يتم عقد جلسة إستماع، الأمر الذي يحتمه قانون البيئة رقم ٤ لسنة ١٩٩٤ المعدل بقانون ٩ لسنة ٢٠٠٩. والسؤال هنا، لماذا تم التستر والتكتم علي مشروع، من المفترض أنه لصالح سكان الهضبة؟ ولماذا تم نشر قوات الأمن بسرعة وكثافة لحراسة العمال والمعدات، حينما قام سكان الهضبة باعتراض المعدات، لمنعهم من مباشرة أعمال الحفر المضرة؟

سكان الهضبة يتحركون

بعدما قام سكان الهضبة بمنع مباشرة أعمال الحفر، نجحت (سينا ريف) فى ترتيب إجتماع مع رئيس الوزراء. لكن لم تُدعى وزيره البيئة حينها، الدكتورة ليلى إسكندر، إلي هذا الإجتماع، الأمر الذي يشير إلي إنعدام اهتمام الحكومة بالأجندة البيئية، مقابل اهتمامها بالإستثمارات العاجلة. بعد الضغط تم توجيه دعوة لوزيرة البيئة للحضور مع ممثل شركة المقاولون العرب ورئيس الوزراء والأستاذ هشام جبر، ممثلًا عن (سينا ريف)، ومحافظ جنوب سيناء اللواء خالد فودة، والإستشاري الهندسي لـ(سينا ريف) الدكتور ممدوح حمزة. في البداية حاول ممثل شركة المقاولون العرب الدفاع عن المشروع، لكن لم يصمد كثيراَ أمام الدكتور ممدوح حمزة، الذي قال أن المشروع عبارة عن فضيحة عالمية، وأن أعمال الترميم تشكل خطرًا داهمًا علي حياة سكان الهضبة، ولن تثبت الهضبة على الإطلاق، علاوةً على أن المشروع وجميع الجهات الحكومية المنفذة له لم تراع سلامة الشُعب المرجانية تحت حافة الهضبة، التي تشمل ٥ مواقع غوص عالمية.

أشار الدكتور ممدوح حمزة إلى أن المشروع سيؤدي إلي كارثة "ليست أقل مأساوية من سقوط كبري كوريا وفضيحة مطار طهران." باختصار، انتهت الدراسات الهندسية والبيئية للمشروع في سرعة غريبة، دون الإكتراث بأبسط القواعد الهندسية والبيئية.

هذا الأمر يطرح عدة أسئلة. لماذا ضغطت الحكومة من أجل إنهاء هذا المشروع بسرعة مريبة، وتم إهمال أبسط القواعد الميكانيكية والهندسية؟، لماذا لم يتم إحالة محضر (سينا ريف) إلي نيابة شرم الشيخ؟ مما استدعي القيام بحملة من قبل السكان الذين قاموا بإرسال استغاثات للنائب العام حتي يتم الإستجابة وفتح تحقيق في نيابة شرم الشيخ، كيف تمت الموافقة البيئية علي مشروع معيوب كمشروع ترميم الهضبة، وعدم الإلتفات لمواقع غوص عالمية علي حافة الهضبة؟

محتكري المجتمع المدني

لكي يتم الإجابة علي هذه الأسئلة، لا بد من أن يُسلط الضوء على (سينا ريف). وهي مؤسسة أهلية تعمل على الحفاظ على البيئة وتفعيل المشاركة المحلية، مقرها جنوب سيناء، وتتألف من مجموعة من المهتمين بالبيئة عملوا في مجال الحفاظ علي البيئة في الماضي بدون إطار تنظيمي. هذه المؤسسة تقع خارج دائرة عمل المجتمع المدني السابق في شرم الشيخ، الذي تم احتكاره من قبل رجال أعمال، في صورة جمعيات مستثمرين وجمعيات أهلية شكلية علي الورق فقط، لإضافة العمل الأهلي للسيرة الذاتية لبعض رجال الأعمال، هذه الجمعيات التي سيطر على المجتمع المدني تشكلت لتوزيع معونات ثانوية قادمة من الخارج. بشكل أدق، تعتبر هذه الجمعيات أحد أذرع محافظة جنوب سيناء لتوزيع معونات تموينية في رمضان ومناسبات أخرى.

بعدما تم لفت النظر للمخالفات في مشروع ترميم هضبة أم السيد، تم إيقاف عملية ترخيص (سينا ريف)، ولكن عملية الإنتقام لم تتوقف هنا، فبعض سكان الهضبة متخوفون من ردم حدائقهم التي قاموا بزرعها من مالهم، تحت مزاعم إصلاح شبكة الري، بعدما فشلت الحكومة في زرع وتشجير المناطق العامة.

تسيطر حالة من الخوف علي سكان الهضبة، الذين يشعرون بأن الحي سيقوم بإتلاف أو فقد أوراق الحدائق العامة عمداً، ليقوم بدوره بإزالة الحدائق، تحت مزاعم إصلاح شبكة الري، علماَ بأن شبكات الري معنية بري منشآت الحكومة بالغمر، وحدائق السكان تُروى بالتنقيط، وغير متأثرة بالشبكة بشكل مباشر. قام رئيس مدينة شرم الشيخ بمخاطبة السكان بالفعل، مستعلماَ عن الحدائق وموقفها القانوني، إلا أن (سينا ريف) قامت بالرد عليه وغلق هذا الملف والتصدي لهذه المحاولة البائسة.

استكملت (سينا ريف) أوراق إشهارها كمؤسسة منذ بضعة أشهر، وكانت بصدد دراسة مشروع لصيادين البدو في جنوب سيناء، بالتعاون مع وزارة الزراعة و وزراة البيئة ومحافظة جنوب سيناء. ليس هذا فقط، لكن تم تعيين أحد مؤسسي (سينا ريف)، الأستاذ هشام جبر، في لجنة بيئية بمحافظة جنوب سيناء. وإن دل ذلك على شيء، فإنه يدل على اعتراف ضمني من قبل الدولة بالمؤسسة، حتى قبل إتمام اجراءات الترخيص.

لماذ إذًا الهجوم المفاجئ على (سينا ريف)؟ الإجابة تكمن في فهم توجهات السيد المحافظ وسياسة تعيينه.

ثورة ٢٥ يناير: تغيير حقيقي أم سطحي؟

اللواء خالد فودة كان من القليلين الذين لم يتم الإطاحة بهم من قبل حكومة الإخوان والحكومات المتتالية. تم تعيين اللواء فودة في أول تغيير للمحافظين بعد ثورة ٢٥ يناير من قبل المجلس الأعلي للقوات المسلحة. منذ توليه المنصب وهو محاط  بحاشية، ينتمى أغلبيتها لجمعية مستثمري جنوب سيناء، التي ظلت توسع نطاق نفوذها حتى أصبحت هي وحدها المسيطرة على ما يحدث في محافظة جنوب سيناء، تُصدر التراخيص والموافقات والتأشيرات الرسمية، ووصل الأمر إلي مباركتها قرارات تخصيص الأراضي.

نفوذ هذه الجمعية يرجع لسياسة سابقة لحكومة رجال الأعمال أيام حسني مبارك، حينما زادت جمعيات رجال الأعمال. كانت الدولة آنذاك تحاول خلق صورة من المشاركة السياسية مع المجتمع المدني، عن طريق إنشاء جمعيات كثيرة تدّعي أنها تُعبر عن قطاع عريض من المجتمع. كانت هذه الجمعيات تدّعي أنها في مجال العمل العام، لكن الواقع أنها كيانات مغلقة تعبر عن مصالح مجالس إداراتها فقط. في المرحلة الأولى كانت جمعية مستثمري جنوب سيناء تسعي للتوسع وتدعو الجميع لملء إستمارة عضوية (ودفع رسوم العضوية الباهظة الأقرب لكونها اشتراكات نادي إجتماعي عنها رسوم جمعية أهلية). كانت العضوية في الجمعية تضمن فرصة لمقابلة مسؤولين والحصول على موافقات وتراخيص ربما كانت لا تصدر في الأساس، أو تستغرق بضع سنين.

يتنافس أعضاء الجمعية على  صفقات استصدار التراخيص وقرارات تخصيص الأراضي والموافقات على المشاريع، كانت الجمعية تسعى لأن تكون وجهة شرم الشيخ ومجتمع شرم الشيخ. ولكن سرعان ما ضربت جمعية مستثمري جنوب سيناء بلوائحها الداخلية عرض الحائط، وبدأت في رفض طلبات عضوية المستثمرين الجدد الذين يسعون الي الإنضمام، خوفًا من فقدان السيطرة على الجمعية العمومية وسحب الثقة من مجلس الإدارة الحالي.

في الواقع، قانون الجمعيات الأهلية رقم ٨٤ لسنة ٢٠٠٢ لم يوضح مصير الجمعيات التى تخالف لوائحها الداخلية. الأهم أن قطاع عريض من مجتمع شرم الشيخ، بما فيه صغار رجال الأعمال، رأي أن الطريقة الوحيدة كى يصير لهم صوت مسموع هو الإنضمام لهذا النادي.

(سينا ريف) علي سبيل المثال، تواجه مصاعب في عملية استخراج التراخيص كمؤسسة أهلية، لأن ميدان عملها خارج نطاق المساحة المصرح بها للمجتمع المدني في شرم الشيخ، بينما هذا النادي المصغر لرجال الأعمال له يد مطلقة كي يفعل ما يشاء، ومخالفاته لقانون ٨٤ لسنة ٢٠٠٢ لا تشكل مشكلة أبداً، لأنه يمثل الحكومة وأجندة الليبرالية الجديدة لشرم الشيخ، هذا النادي يدعم ويقيم مؤتمرات محافظة جنوب سيناء، ومأدبات لكبار الزوار والشخصيات المهمة، وتوزيع الدعم العيني الذي يتمثل في "الشنطة الرمضانية" للبدو ـ إن وصلت للبدو غير الموالين للحكومة ـ إلي جانب إقامة مشاريع أخرى تحت ادعاء إنها "تنموية".

لولا تدخل (سينا ريف) وأهالي سكان الهضبة كان قد أصبح مشروع ترميم الهضبة مشروع "تنموي" يمهد لمشروع إستثماري كبير، عن طريق طرح أراضي جديدة بعد تهذيب الهضبة.

هذا النادي دائمًا له دور في أي شيء في جنوب سيناء، يشمل هذا جميع المقابلات والظهورات الإعلامية لدعم المشاريع والمبادرات "الجديدة" لمحافظة جنوب سيناء، وفي ٢٠١١ قام صحفي بنشر تحقيق استقصائي في الأهرام عن جمعية جنوب سيناء بعنوان: "العصابة ما زالت  تتحكم في شرم الشيخ". هذا العنوان كان معبرًا آنذاك عن طموحات الناس ما بعد ٢٥ يناير، فكان أمرًا غريبًا أن تكون جمعية مستثمري جنوب سيناء "ما زالت" تحكم.

بعد ثورة ٢٥ يناير قام بعض أعضاء جمعية جنوب سيناء بتأسيس أحزاب جديدة لكي تعبر عن مصر بعد الثورة، ولكي تتمتع بنكهة ثورية بعدما قاموا بإعادة هيكلة علاقاتهم وطمس علاقاتهم السابقة بالمسؤولين محل التحقيق. لهذا السبب قرر الصحفي صاحب التحقيق الإستقصائي، نشر التحقيق و شهادات الشهود مستعيناً بأول حروف من أسمائهم فقط، وكأنه ينشر تحقيق عن جريمة قتل، مما يفسر ويعطي صورة لمدى نفوذ وقوة هذا النادي.

هذا النادي أعاد حساباته وأصبح من ضمن من يشاركون محافظة جنوب سيناء في "القضايا المهمة في الشارع المصري"، حيث يشاركون بكثافة في كل فرص الظهور الإعلامي، ومن ضمن من يطالبون بعودة السياحة لتدعيم الإقتصاد المصري، في ظل إنتشار أكشاك غير مرخصة في شرم الشيخ ومخالفات أخرى جسيمة وإنتشار الخرتية، الأمر الذي يضر ملاك المحلات المرخصة وأصحاب المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، الذين يدفعون ثمناً باهظاَ للإيجار والتراخيص. أما هؤلاء الخرتية فيبيعون رحلات غير مرخصة بنصف الثمن ويتقاسمون الأرباح مع الشرطة بعيداً عن رقابة وزارة السياحة، التي ترخص كل مركبة ورحلة سياحية، حفاظاً علي أرواح السياح وسمعة مصر، كما تقوم الوزارة بإرسال مفتشين يتمتعون بصفة الضبطية القضائية في محاولة لإصلاح الوضع.

تدهور الحال حاليًا، حتي أصبح تصنيف شرم الشيخ ضمن أسوأ المناطق السياحية حول العالم، حسب موقع tripadvisor لتصنيف البلاد السياحية، تعد هذه الظاهرة نتيجة مباشرة لسياسة الحكومة ونظرتها تجاه قطاع السياحة بإعتباره أحد مصادر العملة الصعبة، والذي يحتاج حلول "سريعة و سهلة" لرفع معدل السياح الوافدين لمصر بعيدا عن البعد البيئي. الأمر الذي يؤدي إلي المزيد من الضرر البيئي والحوادث البحرية للكائنات البحرية ورواد الشواطئ مما يقلل سياحة الغوص.

الحفاظ على البيئة ليس له أولوية على أجندة عمل الحكومة، وخصوصاً بالمقارنة بالجذب السريع للإستثمار، السائد هو مفهوم السياحة بتعريفها الليبرالي الجديد الذي يهتم فقط بمعدل الإنتاج وعدد السياح.

هذه هي الأمور التي ربما تشرح لماذا وقف محافظ جنوب سيناء أمام كاميرا تصوير جهارًا نهارًا مطالباً سكان الهضبة بفض تجمهرهم قائلاً: "جيبتم منين الموافقة البيئية؟ ايه دخلكم بالكلام ده؟ انتم ما تعدلوش على المقاولون العرب ودكاترة كبار في الدولة".

عن الكاتب

كريم ملاك

كريم ملاك هو طالب دراسات عليا بجامعة كولومبيا الأمريكية، وأحد مؤسسي (سينا ريف)، وهي مؤسسة أهلية تعمل على الحفاظ على البيئة وتفعيل المشاركة المحلية.

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).