تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ما وراء الاهتمام الأوروبي بالهيدروجين الأخضر في شمال إفريقيا

باسكو سابيدو
6 دقيقة قراءة
ما وراء الاهتمام الأوروبي بالهيدروجين الأخضر في شمال إفريقيا
Concept of an energy storage system based on electrolysis of hydrogen in a clean environment with photovoltaics, wind farms and a city in the background. 3d rendering.

إن الاهتمام الكبير الذي يبديه الاتحاد الأوروبي تجاه الهيدروجين الأخضر، والمتمثل في العزم على استيراد ما يصل إلى عشرة ملايين طن بحلول سنة 2027، يضع سياسات الاتحاد محط تساؤلات. 

تأتي خطة المفوضية الأوروبية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا كمحاولة لوضع حد للاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي وتوفير مصادر طاقة بديلة قادرة على ضمان الأمن الطاقي لأوروبا. هذا السعي لإنهاء هيمنة الغاز الروسي يكلف ثمنًا باهظًا، حيث يساهم في خلق وتعزيز مناطق جديدة يتم تجميع هذه الطاقات منها، كما هو الحال في شمال إفريقيا* التي تظل خاضعة لمقتضيات محاولة جديدة للاستيلاء الاستعماري.

تسلط دراسة نشرها المعهد الدولي (TNI) ومرصد شركات أوروبا (CEO) الضوء على عدد من المشاكل وراء خطة استيراد الهيدروجين من شمال إفريقيا، حيث تكشف تكاليف الإنتاج والنقل المرتفعة على أن الطموح الأوروبي غير واقعي مقارنة بالأهداف المتوقعة. من ناحية أخرى، إذا كان لا يزال من الممكن الاعتماد على مصادر متجددة لإنتاج الهيدروجين، فإن طبيعة عمل هذه المصادر المتجددة المتقطعة تعني أن الهيدروجين الأخضر لن يتم إنتاجه على مدار الساعة بلا توقف. من ثم، فمن المرجح أن يتم توصيل محطات الهيدروجين بشبكة الكهرباء الرئيسية التي عادة ما تعتمد في تشغيلها على الوقود الأحفوري. على سبيل المثال، لا يمكن أن تنتج المحطة الكهروضوئية سوى 24-27% من سعة طاقتها الاسمية، لأن الشمس تغذيها بالطاقة نصف الوقت فقط، ولا تكون أشعتها قوية في الصباح وقبل الغروب.

في هذا الصدد، يثير مشروع بناء محطة هيدروجين أخضر بسعة واحد جيجاوات تعمل بالطاقة الشمسية في الجزائر من قبل الشركة الإيطالية المتعددة الجنسيات (ENI) تحديات عدة، فهو يعمد إلى توفير حوالي 0.2% فقط من صادرات الطاقة الجزائرية المتمثلة في الغاز. إذا غيّرت الجزائر صادراتها من الغاز إلى الهيدروجين، فسوف تضطر إلى تركيب 500 جيجاوات من الألواح الشمسية، وهو ما يناهز أكثر من ألف ضعف ما هو موجود حاليًا. إضافة إلى تكاليف الإنتاج الباهظة للغاية، سيتأثر استخدام الأراضي والمياه والموارد الأولية بشكل كبير جدًا.

كما أن الآثار الناجمة عن تكاليف نقل الهيدروجين باهظة أيضًا، حيث تتطلب عملية النقل طاقة أكثر بكثير من الطاقة اللازمة لنقل الوقود الأحفوري. من المحتمل أن تقوم مصر والمغرب بتصدير الهيدروجين الأخضر عن طريق الناقلات البحرية. الطاقة اللازمة لشحن الهيدروجين الأخضر عن طريق الناقلات البحرية تبلغ ثلاثة أمثال الطاقة اللازمة لتسييل الغاز الطبيعي، ويحتوي الغاز المنقول على 27% فقط من الطاقة في نفس الكمية من الغاز الطبيعي. كما تستكشف مصر فكرة استبدال الوقود البحري الحالي بغازات الميثانول والأمونيا الخضراء المنتجة من الهيدروجين الأخضر، بالإضافة إلى سمّيتهما المثبتة، كلاهما أغلى بواقع 4-5 أضعاف مقارنة بتكلفة الوقود الحالي. 

بذلك تعتبر قضية إنتاج الهيدروجين وتكاليف النقل مصدر قلق كبير. وتصبح الكلفة مثيرة للقلق بشكل خاص عندما يكون الهيدروجين المنتج في شمال إفريقيا موجهًا لتلبية احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة. إذا كانت أوروبا ستستخدم هيدروجين شمال إفريقيا، فقد تكلف ما يصل إلى 11 مرة أكثر من استخدام الغاز الطبيعي. وهنا من الواجب طرح السؤال: من سيدفع هذه التكاليف؟ 

يمكن تفسير اهتمام الاتحاد الأوروبي المتزايد بالهيدروجين الأخضر على أنه حصان طروادة لصناعة الغاز، أو باب خلفي يسمح باستمرار عمليات الوقود الأحفوري. يرى الاتحاد الأوروبي أنه لا يزال من الممكن استخدام أشكال أخرى من الهيدروجين «منخفض الكربون» المصنوع من الغاز مع ثاني أكسيد الكربون الذي يتم التقاطه ودفنه تحت الأرض ويعرف بالهيدروجين «الأزرق»، والذي يتم تصويره بمثابة «وقود انتقالي» نحو الهيدروجين الأخضر. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن أقل من 1% فقط من الهيدروجين المنتج في أوروبا يعد أخضر حاليًا. تجدر الإشارة أيضًا الى أن استخدام الهيدروجين الأزرق ليس فقط أسوأ بالنسبة للمناخ من الهيدروجين الأخضر، بل هو أكثر ضررًا من مجرد استخدام الغاز الأحفوري. وهكذا تحاول شركات الغاز الأوروبية خلق الضجيج حول اقتصاد الهيدروجين بحيث تضفي الشرعية على استخدام الأشكال الضارة من الهيدروجين في حالة نقص الكهرباء الخضراء. وهكذا، تضع شركات الغاز الأوروبية أعينها على تجاوز الطلب إمدادات الكهرباء المتجددة اللازمة للهيدروجين «الأخضر» وبهذا يضطر الاتحاد الأوروبي (أو العالم بأسره) إلى الاعتماد على الهيدروجين الأزرق. وبهذه الطريقة، فإن ما كان من المفترض أن يكون «وقودًا انتقاليًا» قد يصبح عمليًا «وقود الوجهة النهائية». 

أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في خطاب حالة الاتحاد الأوروبي الأخير، عن توفير تمويل عام ضخم لتغطية التكاليف المرتفعة للهيدروجين، حيث سيقوم الاتحاد الأوروبي بتأسيس بنك أوروبي للهيدروجين بقيمة ثلاثة مليارات يورو، والذي من المفترض أن يغطي الفجوات الأولية بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع. يثير هذا القرار جدلًا كبيرًا حول أهمية وفائدة تجميع مثل هذه الأموال عندما تكون القارة الأوروبية في خضم أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الطاقة بمعدلات تنذر بالخطر. ألن تكون البرامج الموسعة لتحسين وضع الإسكان ومكافحة الافتقار الطاقي هي بند الإنفاق الأجدر بالاهتمام؟

لكن دعنا نفترض أن الاتحاد الأوروبي يمكنه تغطية تكاليف المستهلكين بالكامل. قد يتساءل المرء بعد ذلك ما إذا كان من الحكمة لدول مثل المغرب والجزائر ومصر ضمان أهدافها الخاصة بالكهرباء المتجددة والمناخ بدلًا من توفير احتياجات الطاقة الأوروبية؟ هذا هو هدف العديد من الشركات الأوروبية متعددة الجنسيات كفيتول وإني وسيمنس على سبيل المثال لا الحصر، والتي تزعم إنتاج وتصدير الهيدروجين من شمال إفريقيا عن طريق المال العام الأوروبي. إن هذا الضغط من أجل الهيدروجين الأخضر هو توضيح مثالي للاستيلاء الاستعماري الجديد على الموارد، الذي تم تمكينه بشكل خاص بفضل التواطؤ بين الشركات متعددة الجنسيات في أوروبا والقادة السياسيين مع النخب المحلية.

يجدر القول إن اهتمام الاتحاد الأوروبي بالهيدروجين لا يقتصر على أراضي شمال إفريقيا، إذ يطمح الاتحاد الأوروبي إلى إنشاء سوق هيدروجين عالمي لتلبية احتياجاته الخاصة، مع جعل التنمية العادلة والمستدامة في العالم ستارًا من الدخان. تتأثر دول مثل الشيلي وجنوب إفريقيا أيضًا بالسعي الأوروبي للحصول على الهيدروجين الأخضر. إن الدفع باتجاه اتفاقيات تجارة حرة جديدة بهدف استيراد الهيدروجين يؤكد بوضوح أيضًا أنه وراء خطاب التعاون المتبادل، توجد في الواقع تجارة أحادية الطرف، أي من الهامش إلى المركز. لقد أثبتت اتفاقيات التجارة الحرة قدرتها على التدمير البيئي والاجتماعي والاقتصادي. هل سيكون من العدل أن يُجبر الأفراد والمجتمعات على مشاهدة أراضيهم ومياههم يتم تدميرها والاستيلاء عليها من طرف المشاريع العملاقة لإنتاج الهيدروجين الأخضر للاتحاد الأوروبي؟ إن اندفاع الشركات الأوروبية إلى الربح يعمّق الخطر الذي تشكله الاستخراجية المفترسة من ناحية، والمفروضة على المجتمعات المحلية من ناحية أخرى. وبالتالي، لا تطمح الصناعة الأوروبية إلى تمهيد الطريق لتنمية مستدامة حقيقية، بقدر ما تطمح إلى تعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، مع إضفاء الشرعية على وارداته.

من أجل إحداث قطيعة تامة مع نموذج الطاقة الاستعماري الجديد المبني على إخضاع شعوب الجنوب، يجب على الاتحاد الأوروبي التخلي بشكل قاطع عن أهدافه الواهمة لاستيراد الهيدروجين، وإعادة التركيز على تلك الاستثمارات الواعدة بالطاقات المتجددة والكفاءة الطاقية بشكل عادل ومنصف.

* نظرًا لقربها من القارة الأوروبية، وإمكانات الطاقة العالية، والتكاليف المنخفضة بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي والسياسي للبلدان، فإن شمال إفريقيا تلبي بوضوح الاحتياجات التي تمليها هذه الخطة الجديدة REPowerEU.

عن الكتّاب

حمزة حموشان

باحث وناشط جزائري مقيم في لندن. يشغل حاليًا منصب منسق برنامج شمال إفريقيا في المعهد العابر للقوميات (TNI). وهو المحرر المشارك لكتاب «تحدي الرأسمالية الخضراء» (دار صفصافة للنشر والتوزيع، طبعة…

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).