تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

جزر النيل واستعادة الطبيعة البرية في مصر: جزيرة الدهب مثالًا

نبيل الهادي
9 دقيقة قراءة
جزر النيل واستعادة الطبيعة البرية في مصر: جزيرة الدهب مثالًا
مدخل محمية سالوجا وغزال- نبيل الهادي

منذ أسابيع، انتهت محادثات بون المناخية التي تركز على إعداد الأجندة الرئيسية لمؤتمر الأطراف رقم 30 (COP30)، والذي سيعقد في البرازيل. ولأن المؤتمرين السابقين لم يحققا تقدمًا حقيقيًا، خاصة في الانتقال من الوقود الأحفوري، وأيضًا فيما يخص مساهمة الدول في صندوق الأضرار والخسائر، يتوقع البعض أن يكون لقاء البرازيل أكثر مفصلية.

في هذه الأثناء، تقف دول الجنوب، ومنها مصر، في موقف صعب، إذ أن الاستراتيجية الرئيسية المعلنة في مصر تتبنى موقفًا يركز على استخدام التقنيات، سواء في جانب التكيّف أو التخفيف من أضرار التغير المناخي، وهو ما يتطلب تمويلًا يعتمد على المساعدات القادمة من الخارج، والتي في الغالب لن تأتي، أو ستأتي بقيم قليلة في وقت متأخر للغاية. وتخلص استراتيجية مصر في مواجهة التغير المناخي إلى أننا بحاجة إلى تطوير وابتكار مقاربات محلية، لأن كل منظومة بيئية تتطلب استجابة خاصة بها تتناسب مع حالتها البيئية وظروفها الاجتماعية والاقتصادية حتى تكون مستدامة. ويمثل تطوير تلك المقاربات أحد المسؤوليات الكبيرة للباحثين والأكاديميين في مصر. ولأن تطوير تلك المقاربات المحلية سيتطلب سنوات من العمل والنقاش والتجارب، لابد من البدء في أقرب وقت.

في السنوات الأخيرة، تطور فهمي لقضية المناخ، لأنه حتى لو تم إيقاف انبعاث كل الغازات الضارة، ومع استمرار تضرر المنظومات الطبيعية التي تعمل على التحكم في درجة حرارة الأرض، سنظل نواجه مصيرًا صعبًا. يضع ذلك بوضوح قضية التنوع الحيوي وصحة المنظومة الطبيعية على رأس الأولويات، التي من خلال التعامل معها يتم تناول التغير المناخي بصورة عملية.

خطوة أولى

في ربيع 2024، قمت بتجربة أولية مع طلابي لدراسة علاقة العمران بالطبيعة في القاهرة عبر القرنين الماضيين، تحديدًا منذ بداية وجود خرائط دقيقة للمدينة، مثل ما كان متاحًا في كتاب وصف مصر. كان النقاش مع الطلاب والعمل معهم ثريًا للغاية، حيث توصلنا إلى بعض المقترحات التي من خلالها يمكن استعادة الطبيعة في قلب القاهرة بدون تغييرات كبرى تتطلب الكثير. زعزع ذلك اعتقادي بأن القاهرة مدينة لا أمل في إصلاحها. فقد عشت فيها أكثر من 50 عامًا، تعرفت خلالها على أحياء كثيرة، واختبرت صعوبات السبعينيات والثمانينيات. الآن، وبسبب الكم والكثافة في التدهور العمراني والبيئي في معظم مناطق المدينة، لا أستطيع أن أقارن العقدين الأخيرين بما قبلهما. بدأ هذا الرأي في التبلور بوضوح منذ حوالي عشر سنوات، حينما تبين لي مدى تعقيد الوضع العمراني للمدينة، وكيف أن القائمين على إدارة العمران فيها لا يكترثون كثيرًا بفهم التحديات الكبرى التي تواجهها والتعامل معها، بما في ذلك مشكلات الناس الحياتية. هناك أبعاد متعددة جعلتني أشك في جدوى دراسة هذه المدينة.

خطوة ثانية

في الخريف الماضي، قمت مع الطلاب باستكشاف جزر النيل في القاهرة. زرنا معظم الجزر التي وصلنا إليها عن طريق المعديات العامة المتاحة، وتجولنا داخلها. أما الجزر التي لم نستطع زيارتها، فمررنا بجانبها بالمعدية. بعد ذلك، استخدم الطلاب الخرائط التاريخية المتاحة لدراسة تطور تلك الجُزر والضفاف المقابلة لها، وهو التطور الذي امتد لفترات تراوحت بين ما يقرب من مائة ومائتي عام. قام الطلاب بدراسة جُزر النيل وضفافه من الجنوب، بدءا من جزيرة البدرشين حتى القناطر الخيرية شمالُا. شملت الدراسة التغيرات في المنظومات الثلاث: المياه (وهي وإن كانت جزءا من الطبيعة، إلا أن لها أهمية خاصة)، والطبيعة بدرجاتها الثلاث (البرية، والزراعية، والحدائق)، وأخيرًا العمران (المباني والفراغات). قام الطلاب بقياس نسب التغير في كل من هذه المنظومات عبر الفترات الزمنية المختلفة، كما قاموا بدراسة التغيرات الحادثة في تلاقي مسطح مياه النهر بالأرض المجاورة له أو بالأراضي المكونة للجزر.

أظهرت تلك الدراسة الأولية عدة نتائج، منها مثلًا: انخفاض مسطح مياه النيل بعد توقف الفيضان والعمليات الطبيعية المرتبطة به من نحر وترسيب، إلى جانب عمليات الردم، مثل تلك التي حدثت في الضفة الغربية للنيل في الجيزة، والتي كان من نتائجها بناء قصر الجيزة، ثم حديقتي الحيوان والأورمان. أظهرت الدراسات أيضا تدهور مساحة المناطق البرية لمصلحة زيادة الأراضي الزراعية أولًا، ثم تدهور المسطحات الزراعية لمصلحة نمو غير مسبوق للعمران في الجزر. كما أظهرت الدراسة أنه ما يزال هناك القليل من الجزر التي تحتفظ بنسب كبيرة من الأراضي الزراعية، ومنها بصفة خاصة جزيرتا الدهب والقرصاية.

التطور التاريخي للجزء الجنوبي من نهر النيل في القاهرة- نرمين حسن وبشرى علي ومريم معتز

خطوة ثالثة

في مارس الماضي، انطلق الفصل الدراسي في الربيع، وعملت مع طلابي على بناء تصور لاستعادة الحياة البرية لجزيرة الدهب، وهي العملية التي تسمى rewilding، وتسعى من خلال التدخل البشري إلى إعادة التوازن البيئي في المكان بعد فقدانه نتيجة التدخلات المتراكمة من النشاط الزراعي والعمران. تهدف هذه العملية أيضًا إلى الإبقاء على مجتمع الجزيرة والحفاظ على نشاطها الاقتصادي الرئيسي، وهو الزراعة. بعد زيارة أولية مطولة لجزيرتي القرصاية والدهب، قررنا تركيز عملنا على جزيرة الدهب، لأنها الأقدم والأكبر، كما أننا لم نشعر فيها بالتوترات التي شعرنا بها في جزيرة القرصاية، والناتجة عن النزاعات المستمرة لسنوات على أرض الجزيرة.

خريطة توضح موقع جزيرة الدهب في مدينة القاهرة- لويزا شاته

ولأن الطرح الرئيسي يستهدف استعادة الحياة البرية الأصلية للجزيرة، كان علينا التعرف على تلك الطبيعة البرية، وخاصة النباتات التي انقرض بعضها بصورة شبه كاملة. زُرنا محمية سالوجا وغزال، وهما جزيرتان في نيل أسوان، وُصفتا بالمحمية منذ حوالي 40 عامًا، وتضمان ما يقارب 100 نوع من النباتات الأصلية للبيئة النهرية في مصر، بما فيها أشجار وشجيرات ونباتات مائية. وبفضل الزيارتين، وما وفره لنا الباحثون البيئيون في المحمية، أصبح لدينا معلومات من المشاهدة المباشرة والبحث تدعم ما نقوم به.

مدخل محمية سالوجا وغزال- نبيل الهادي

دراستنا لحالة المنظومة الإيكولوجية في جزيرة الدهب أظهرت تلوثًا لمياه الري ناتجا عن تسربات الأسمدة والمبيدات الزائدة في التربة، والتي تجد طريقها دائمًا إلى المياه الجوفية ومياه النيل المجاورة. كما تشكل الترسبات الناجمة عن الصرف الصحي مصدرًا خطيرًا آخر لتلوث المياه والتربة في الجزيرة. ومع وجود بيانات خلال العقود الماضية تظهر زيادة مضطردة وواضحة في درجات الحرارة، ومع تلوث هواء القاهرة المفرط، أصبحت منظومة الطبيعة في الجزيرة تحت تهديد مستمر، ومعها العناصر الداعمة للحياة. ولذا، فإن النشاط البشري، وخاصة الزراعة، لم يترك إلا النزر القليل للغاية من النباتات الطبيعية، كما لم يعد هناك تواجد للحيوانات البرية، فيما عدا أعداد قليلة للغاية من الطيور.

وبالرغم من كون الجزيرة أرضًا زراعية منتجة، إلا أنها تستورد جزءًا كبيرًا من طعامها من خارجها. فالنصيب الأكبر في زراعات الجزيرة هو لمحصول البرسيم، الذي يمثل حوالي نصف إجمالي الإنتاج الزراعي فيها، ويزرع لبيعه خارج الجزيرة بما يضمن للمزارعين حدا أدنى من الإيراد المادي.

رسم تخطيطي لتدفقات المياه في جزيرة الدهب- لويزا شاته
التقديرات الخاصة بمنظومة المياه بجزيرة الدهب- لويزا شاته

خطوة رابعة

المعمل الريفي الحضري هو العنوان الأوسع للرؤية العامة للتحول المتجدد في جزيرة الدهب. تستغل تلك الفكرة كون جزيرة الدهب أكبر مساحة زراعية في وسط نيل القاهرة، بحيث يمكن أن تكون تجارب التحول بها هادية لتجارب تحول في أنحاء مختلفة من المدينة.

رسم تخطيطي للمعمل الريفي الحضري- لويزا شاته

في قلب هذه الرؤية تقع منظومة المياه المتجددة المقترحة، من خلال تصور يشمل أكثر من جزء، معتمدًا على النباتات الطبيعية. الجزء الأول يركز على الحافة المحيطة بالجزيرة، ويقترح تحويلها إلى مرشح طبيعي للمياه، سواء القادمة من النيل لاستخدامها في الري، أو تلك الناتجة من صرف الحقول الزراعية، وذلك من خلال استخدام مجموعة من النباتات البرية، وخاصة المعروفة بدور جذورها في التخلص من الملوثات. الجزء الثاني يركز على استخدام وحدات المعالجة اللامركزية، التي تعتمد أيضًا على النباتات الطبيعية، حيث تعمل جذور النباتات في إطار تصميم أكبر للتخلص من المعادن الثقيلة والملوثات لمعالجة مياه الصرف الصحي.

ترتبط منظومة المياه المتجددة كذلك بدعم تحول الزراعة القائمة إلى زراعة متجددة، تعتمد على تناوب المحاصيل وتعددها لإعادة تغذية التربة بالنيتروجين، بالإضافة إلى استخدام الأسمدة العضوية والاستغناء عن الأسمدة الكيماوية. كما تعمل الأشجار البرية على تحسين حرارة الجو، خاصة خلال النوبات الحرارية المتوقعة.

مقترح تحويل حافة الجزيرة إلى مرشح عضوي للمياه- لويزا شاته

التعامل مع منظومة المياه هو الخطوة العملية الأولى لاستعادة الحياة البرية المتجددة في الجزيرة، ويساهم في تحسين جودة التربة والهواء. المياه، التربة، والهواء هي العناصر الثلاثة الأساسية التي تمكن الكائنات، سواء نباتات أو حيوانات، من الحياة والازدهار حتى تستعيد منظومة التنوع الحيوي عافيتها.

كذلك ناقشنا اقتراحًا بعمل شبكة من النباتات البرية تتبع شبكة الطرق والري الموجودة، وتتقاطع في نقاط تتكثف فيها النباتات والأشجار بصورة تعمل على تحسين درجة الحرارة للزراعة والمساكن القريبة منها. ولأن الجزيرة جزء من منظومة النهر الطبيعية، ومثل كل المنظومات الطبيعية المعقدة، فإن ترابط الأجزاء معًا يحسن من أداء المنظومة ككل. لذا، هناك حاجة إلى ربط الجزيرة بالمنظومة الطبيعية التي تنتمي إليها، والتي يمكن مبدئيا تحديدها في النهر وحدود الفيضان التي تراكمت عبر آلاف السنوات.

ويمكن خلال فترة زمنية من زراعة النباتات البرية والمائية على تلك الحافة، أن تستخدمها الأسماك كبيئات للتكاثر، مما يسهم في استعادة الأسماك للنهر بالصورة التي تدعم التنوع البيولوجي له. كما تساءلنا: هل يمكن لتلك الحافة أن تشكل مكانًا جاذبًا للطيور المهاجرة، مما يتيح قيام أنشطة لمراقبة تلك الطيور، سواء من خلال المشي أو باستخدام المراكب الخفيفة؟ ناقشنا أيضًا كيف يمكن أن تتحول الحافة النباتية البرية المقترحة إلى مسار للسكان والزائرين يمكن من خلاله ممارسة رياضة المشي.

واستكمالًا لمقترح الزراعة، ناقشنا كيف يمكن تبني تقنيات تعمل على إضافة قيمة للنشاط الزراعي تنعكس على غذاء الجزيرة وحياة المزارعين. تدور المقترحات في فلك تبني الزراعة المستدامة، اعتمادًا على بذور أكثر فاعلية وأسمدة عضوية.

فكرنا أيضًا في الطاقة كمحرك رئيسي لحياة نشطة تتحقق من خلالها المطالب الرئيسية للإنسان، في إطار التقنيات والموارد المتاحة التي تتوافق مع المنظومات الإيكولوجية المحلية ولا تتسبب في الإضرار بها. ناقشنا إمكانية أن تتحول الجزيرة من متلقٍ للطاقة المولدة أساسًا من الوقود الأحفوري من محطات الطاقة الواقعة خارجها، إلى مكان يتعامل مع الطاقة، سواء في الاستخدام المنزلي أو الزراعي أو في التنقل، بالصورة التي تسمح له بالاعتماد على ما يمكن توليده محليًا. وفي هذا الإطار، يمكن النقاش حول استخدام المباني العامة مثل المساجد كأماكن لتوليد الطاقة من مصادر متجددة.

خطوة خامسة

السؤال المحرك لنا هو: كيف يمكن تسريع استعادة الطبيعة البرية في منظومة قائمة تكاد تختفي فيها تلك الحياة؟ وبأي شكل عملي يمكن أن تتخذ تلك العملية؟ تكمن أهمية هذا السؤال في معرفتنا أن العمليات الطبيعية، التي إن تركت بدون تدخل، ستحتاج إلى وقت طويل يتعدى النافذة الزمنية المتاحة لوقف تدهور التنوع الطبيعي ومواجهة التغير المناخي.

كيف يمكن لهذه العملية أن تنظم وتحسن منظومة المياه، سواء من حيث التزود بالمياه أو استخدامها، ثم تنقيتها وحجب التلوث عنها لاستعادة دورتها الطبيعية؟ وكيف يمكن لعملية استعادة المنظومة البرية المحلية أن تحسن منظومة الغذاء في كل من عمليات الإنتاج والاستهلاك والهدر، وخاصة من خلال تحسين التربة؟ وكيف يمكن لعملية استعادة الطبيعة البرية أن تقوم بدعم تحول منظومة الطاقة المحلية إلى منظومة متجددة؟ وأخيرا، كيف يمكن لعملية استعادة الطبيعة البرية أن توفر إطارًا للعمران القائم يدعم الأبعاد الثقافية والترفيهية والصحة الجسدية والعقلية؟

في مصر أكثر من 140 جزيرة في النيل، فماذا لو تحول العشرات منها في إطار العمران المتصل بالنيل، سواء كان ريفًا أو حضرًا في الشمال أو الجنوب؟ وكيف يمكن لذلك التحول أن يحمل في ثناياه تحولًا جوهريًا في تعاملنا مع التحديات الرئيسية لمنظومات المياه والطاقة، وهي تحديات لابد لنا من التعامل معها مع التغير المناخي؟ هناك قيمة في ردم الهوة الكبيرة التي فصلتنا في العقود الماضية عن الطبيعة، وإعادة نسج علاقة وطيدة معها، فهي التي مكنت البشر من البقاء والصمود لآلاف السنين، وهي وحدها القادرة على دعم مستقبل آمن لهم.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).