تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

إلغاء الديون السيادية مطلب بيئي

نادر أندراوس
12 دقيقة قراءة
إلغاء الديون السيادية مطلب بيئي

بعد سنوات من الحشد، حققت الحملة الوطنية الأمريكية المُطالبة بإلغاء ديون الطلبة نصرًا حينما أصدر جو بايدن قرارًا تنفيذيًّا بدعم إسقاط نسبة من الدَّيْن. في وقت سابق٬ كان هذا المطلب يُعتبر مطلبًا طوباويًّا، وغير مسؤول. لكنه الآن حقق درجة محدودة من المشروعية. رغم أن الإدارة الأمريكية لم تلب مطالب الحركة بشكل كامل –نسبة الدَّيْن الذي أُسقط أقل مما وعد به المرشحان الرئاسيان بيرني ساندرز وإليزابيث وارين– فقد أثبت الحركة مرة أخرى أن السياسات التي تبدو طوباوية لا تبقى كذلك حين يدعمها زخم واسع ورؤية خلاقة وطموحة. لكن الأكثر أهمية هو أن مطلب إلغاء الديون وُضِع مرة أخرى على جدول الأعمال. لم يعد للاعتراض بأنه مطلب طائش، وشعبوي، أدنى وجاهة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها حركة معاصرة، مُنظَّمة، تطالب بإلغاء ديون ضخمة. منذ الاحتجاجات المناهضة للعولمة٬ أو المناصرة لعولمة بديلة٬ في سياتل عام 1999، ضد منظمة التجارة العالمية، وبعدها في أعقاب أزمة الدَّيْن الأرجنتيني عام 2001، ظهرت حركة نادت صراحة بإلغاء الديون السيادية في العالم الثالث. تجسدت الحركة في الحملة الدولية «غفران 2000» التي كوَّنها، في المملكة المتحدة، سياسيو حزب العمال في نهايات التسعينيات. في وقت لاحق، ظهرت للفكرة نسخٌ أكثر راديكالية، كما في كتابات الأنثروبولوجي الأناركي الراحل، ديفيد جريبير David Graeber (هذا المقال تحيةٌ له).

طُرِحت ثلاث حجج رئيسية دعمًا لإلغاء الديون السيادية في العالم الثالث (أو لتخفيف أعبائها). الحجة الأولى هي أنه لسياسة كهذه أن تساعد على بلوغ درجة ما من تهدئة حدة الفقر في أنحاء العالم، بما إنها ستوفر المزيد من الموارد المالية.

كانت الحجة الثانية تاريخية؛ فكرة غفران الدَّيْن. كان معنى التخلف عن سداد الدَّيْن، في العالم القديم، استعباد المدين، أو تسخيره للدائن. عنى هذا أن علاقة الدَّيْن انطوت دائمًا على عنصر هيمنة، رغم أنها كانت كذلك، على نحو متزامن، آلية لخلق شبكات من الوعود والثقة بين الطبقات والأفراد. ولحل هذا التناقض – أن الدَّيْن يمثِّل وعدًا وتهديدًا، ثقة وعنفًا – طبَّقت بعض المجتمعات القديمة إعفاءً دوريًّا من الديون، وذلك لاستعادة مقدار ما من الشعور بالتوازن، والسلام الاجتماعي. نرى هذا، على سبيل المثال، في «قوانين صولون» في اليونان القديمة (التي وضعت أسس الديمقراطية لاحقًا)، وفي اليهودية التوراتية (حيث ألزم القانون بالإعفاء من الدَّيْن وتحرير العبيد كل 49 عامًا). هكذا، تحتوي الفكرة أسسًا قديمة، وأمثلة تبين كيف أن الدَّيْن كان دائمًا مؤسسة مُركَّبة من الهيمنة والثقة، العبودية والتضامن.

أما الحجة الثالثة، المرتبطة بالثانية، فهي الحجة المناهضة للاستعمار. دائمًا ما مثَّل الدَّيْن السيادي آلية للتبعية الاستعمارية، والاستعمارية الجديدة. لقد استخدمت القوى الاستعمارية تراكم الديون السيادية، وعدم القدرة على سدادها، كسبيلٍ للسيطرة على ماليات الأمم التابعة. وكما هو الحال دائمًا، طُرِحت مديونيات الأمم الأضعف طرحًا أخلاقيًّا، كدليل على عدم قدرة جوهرية لدى هذه الأمم على حكم نفسها. هنا٬ لاحت الصلة بين الدَّيْن، والهيمنة، والذنب الأخلاقي مرة أخرى. في أزمنة أحدث، ظهرت في بلدان العالم الثالث نسخةٌ من هذه الحجة، أكثر محلية، واعتدالًا. فحواها أن الدول، أو الأنظمة، التي راكمت تلك الديوان كانت فاسدة، غير ديمقراطية، ولا تخضع للمساءلة؛ ولذلك لا ينبغي أن تدفع الشعوب الثمن، بعيد المدى، لذلك التفريط. يمكن وصف ذلك بأنه الحجة «الإجرائية»؛ لقد كانت الآليات التي تراكمت من خلالها تلك الديون فاسدة، وبناءً على ذلك، غير شرعية. 

هل لاحظتم كيف أن أفكارنا عن الذنب، والعار، والمساءلة، والافتداء، والقصاص وجبر الضرر العادلين، مثقلة جميعها بإشارات إلى الدَّيْن؟ يقع الدَّيْن في مركز كوننا الأخلاقي؛ هو الخيط السري الذي يربط مفاهيمنا عن العدالة والمسؤولية. هذا هو السبب في أن مواجهة مؤسسات الدَّيْن هي ممارسة سياسية مليئة بالمشقة؛ لأنها تتطَّلب منظورًا سياسيًّا يسمح لنا أن نرى التداخل بين الهيمنة، والأفكار الشائعة عن العدالة. حين تدخل عالم الدَّيْن، تُجبر على تعقيد مفهومنا عن العدالة.

لهذا، فقد حان الوقت لإضافة حجة جديدة على إلغاء الدَّيْن: ينبغي صياغة إلغاء الدَّيْن كمطلب بيئي. ذلك إجراء ضروري، وعاجل، لإنقاذ كوكب الأرض وسكانه. تضاهي حجج دعم هذه الدعوة حجج إلغاء الدَّيْن التي أوجزتها أعلاه، مع وضعها في منظور بيئي، على نحوٍ يتمم كذلك فهمنا للعدالة.

1.توفير الموارد

نعلم الآن أن أي إجراء عالمي نحو التكيف مع الكارثة المناخية، أو التخفيف منها، سيتطلب استثمارات حكومية هائلة في البُنى التحتية الخضراء، والنظيفة، والمستدامة. يُعرف هذا، في الغرب، كدعوة إلى «صفقة خضراء جديدة». بطبيعة الحال، «الصفقة الخضراء الجديدة» تعبّر عن شعار إصلاحي، وليس ثوريًّا. إنها بمثابة مطلب بأن تأخذ الحكومات على عاتقها مسؤولية تمويل الانتقال نحو اقتصاد أخضر، على غرار «الصفقة الجديدة» الأقدم، التي كانت ردًا على «الكساد العظيم». لكن مشكلة الرؤى الحالية للصفقة الخضراء الجديدة هي أنها ليست عالمية بما يكفي. تعي هذه الرؤى مدى تحمُّل الجنوب العالمي لأغلب تكاليف وأعباء التدهور البيئي، والموارد التي ستلزم للتكيف مع تلك التبعات٬ لكنها٬ كرؤية اجتماعية ديمقراطية، لا تتضمن إطارًا للعدل (أو الظلم) الإيكولوجي العالمي.

يجب على دول الجنوب العالمي أن تستثمر الآن كذلك في البُنى التحتية «الدفاعية»، التي تحمي من الانهيار الإيكولوجي، وتعوض عنه؛ احتياطيات الغذاء، والزراعة البديلة، والسدود، والمحميات، والمساكن الجديدة التي تستوعب الهجرات الداخلية، وميزانيات الدواء والصحة، أو حتى أطر تنظيمية أساسية تحفظ الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي. يتطلب كل هذا من الحكومات أن تعكس مسار خصخصة «المشاعات»، تلك المسطحات الطبيعية التي ينبغي حفظها، واستخدامها كمنافع عامة مشتركة، بدلًا عن أن تخضع لأولويات السوق وحساباته. 

ناهيكم كذلك عن أنه، كما في الغرب، سيكون على معظم الانتقالات نحو موارد طاقة أكثر نظافة أن تقودها استثمارات في بُنى تحتية جديدة لا يستطيع تحمُّل تكاليفها سوى الحكومات –إن كانت تلك الدول ما تزال ترغب في الاستمرار على طريق التنموية الصناعية (وهو نقاش موازٍ، لوقت آخر). إن افترضنا أن «النمو» أو «التطوير» سيبقيان أفق البلدان الأكثر فقرًا، سيعني هذا أنه سيكون على الحكومات أن تتدخل، وتمنع الزحف العمراني (الامتداد المديني الأقل إيكولوجيًّا، والأقل كثافة، الذي يأخذ شكل سُكنى الضواحي)، وأن تُصان بُنى تحتية عامة، وأساسية –من قبيل الكهرباء، والماء، والتدفئة، والصرف، والطرق– يتواصل تعرضها لخطر الانهيار (والتي يتعين كذلك أن «تُخضَّر»). 

لن يكون أيٌ من هذا واردًا حتى، طالما تُجبر الحكومات في الجنوب على التقشف. ستتطلَّب كل هذه الإجراءات –بصرف النظر عن رؤانا أو آفاقنا الزمنية– استثمارات عامة هائلة. هذا هو السبب في أن كلًا من الحكومات والناشطين يدعون إلى شكل ما من أشكال التحويل العالمي لمخصصات مالية، أو لمعونات، من أجل تحمُّل تلك المتطلبات المالية. تستخدم الحكومات والناشطون صيغًا مختلفة للتعبير عن ذلك. تقول الحكومات: يتحمَّل الغرب / الشمال الجزء الأكبر من المسؤولية عن هذه الكارثة؛ إن أردتم منّا أن نتصرف، فمن الأفضل أن توزعوا الشيكات. على سبيل المثال؛ اعتُبر وضع مقترح صندوق الخسارة والضرر على طاولة المفاوضات، في قمة المناخ COP 27، نجاحًا لرئاسة مصر للمؤتمر. يعبِّر الناشطون عن المطلب ذاته باسم تعويضات مناهضة للاستعمار: التخلف الحالي تسبَّب فيه الاستغلال الاستعماري؛ لهذا عليكم إصلاح هذه الخطيئة الأصلية أولًا. 

لكن ثمة اختلاف شاسع بين توصيف هذه التحويلات العالمية كمعونة، أو كإعادة توزيع، أو كجبر لضرر. وفي الحقيقة، لا أعرف كيف يمكننا التمييز بين هذه الأشياء في الممارسة الفعلية. إذ كيف يمكننا التحقق من أن أي تحويلات أو مساعدات تحدث لن تعيد إنتاج التبعية؟ نعلم أن معونات التنمية تميل إلى التدفق في نشاط ريعي؛ ولأنها عادة ما تكون خارج السيطرة الديمقراطية، فإنها ترتبط بوصايات واشتراطات، وتؤدي إلى حلقات مفرغة من الحوافز السيئة، حيث تصير إساءة استخدام الموارد مبررًا للجولة التالية من المعونات. كما إنني لست متأكدًا من كيف يُمكن لتوصيف تلك المساعدات كـ «جبر لضرر» أن يمنع ذلك منعًا تامًا.

أقترح أن إلغاء الدَّيْن هو أحد سُبل تجاوز هذه المشكلة. يعني إلغاء الدَّيْن توفير الموارد بدون الزيادة المصاحبة في التبعية، والريعية، وفخاخ المعونات. قد لا يستتبع إلغاء الدَّيْن تأثيرًا مباشرًا على السيطرة العامة، أو توفير منافع عمومية. لكنه أقل عُرضة للحوافز السيئة الموجودة في المعونات / التعويضات، نظرًا لأنه يتجاوز إشكال مَن يكون المستفيد والمتلقي الشرعي. فإلغاء الدَّيْن هو بالفعل منفعة عامة صافية، بما أن الدَّيْن السيادي هو بالفعل عبء عام تتحمَّله الأجيال الحالية والمستقبلية. يمثِّل إلغاء الدَّيْن مخرجًا من منطق التبادل الأخلاقي بمجمله. إنه، حرفيًّا، يعلق منطق مضاهاة التكاليف بأحدها الآخر، سواء كانت هذه التكاليف اقتصادية، أو سياسية، أو أخلاقية. ثمة شيء في إلغاء الدَّيْن يتعارض مع الفهم العام للمنطق الاقتصادي –حسابات التكاليف والتبادل. لن نضطر إلى التجادل حول مَن يكون المنتفع «الشرعي» بهذه الحزمة، أو تلك، من المعونات. يعني إسقاط الديون تعليق سؤال المتلقي «الجيد» بمجمله. هذا هو السبب في أنه ينطوي على طابع انعتاقي. إنه منفعة عامة صافية تنقذنا من طغيان الأخلاقيات ذاتها.

2.المؤسسة التاريخية لغفران الدَّيْن

كما ذكرت، ثمة تواطؤ سري، ومعقد، بين الأخلاق والديون. يُولِّد الدَّيْن شبكات الوعود التي تحفظ الثقة؛ بإمكاني أن أثق بك لأنك كنت مدينًا لي فيما مضى، وأوفيت بدَّيْنك. فالدَّيْن هو «اختبار» الثقة، والثقة تحفظها وعود. الجانب السيئ من هذه الديناميكية هو الذنب. يوسم مدين سيئ، ويوصم بالذنب، ذلك الذي يأتي من الفشل في تنفيذ المسؤوليات التي وعد بها. ليس الذنب الأخلاقي، أو القانوني، ما يأتي منطقيًّا أولًا، بل مؤسسة الدَّيْن. في المنطق الأخلاقي المعاصر على الأقل، يُعتبر المدين السيئ طائشًا، غير مسؤول، مسرفًا، وفاسدًا. والأسوأ أن الدَّيْن المفرط، كما عرفت التقاليد القديمة حق المعرفة (هل تتذكرون حظر الربا؟)، هو أداة وآلية للهيمنة. مَن يفشلون في سداد الديون (الطبقات الدنيا) يكونون على شفا السقوط في العبودية، أو في سُخرة الدَّيْن. ويستغل الدائنون ذلك*. هكذا فإن: الدَّيْن = الوعود = الثقة، لكن كذلك: الدَّيْن = الذنب القانوني والأخلاقي = العبودية. يمثِّل التمويل العام مخرجًا من هذه الدراما؛ من شبكة الوعود ومشاعر الذنب المتداولة، حيث الدولة هي أكبر المدينين. تحفظ الوعود العامة ذلك، لكن يحفظه الذنب العام أيضًا. وإن كان منطق تراكم رأس المال يستتبع التوليد اللانهائي لـ «القيمة» من ذاتها، فإن ذلك يتطلَّب أيضًا تداولًا للقيمة الوهمية للديون –ديون للمستقبل. العدالة، الوعود، التبادل، الذنب، الهيمنة، التراكم والدَّيْن، هذه جميعًا هي الأمر نفسه.

لقد لاحظ المفكرون الآن أن مصدر التدهور الإيكولوجي خلال الحداثة المبكرة – القرنان الخامس عشر والسادس عشر، مع استعمار العالم الجديد– يكمن تحديدًا في هذا الإسقاط اللانهائي للقوى البشرية نحو المستقبل. هذا هو المُتخيَّل الزمني لرأس المال: إنتاجية لا نهائية، نمو لا نهائي، وسيطرة لا نهائية على الطبيعة، مُسقَطة نحو مستقبل غير محدد. لكن يُترجم هذا كذلك في التراكم اللانهائي للديون المالية نحو المستقبل. يتعيَّن عليَّ أن أُزيد من إنتاجيتي الآن لأن لدي ديونًا عليَّ أن أسددها غدًا، لكن السبيل الوحيد الذي يمكنني به أن أجاري الإنتاجية المطلوبة هو أن أتحصَّل على ديون جديدة اليوم. رأت المجتمعات القديمة الأمر على نحوٍ مختلف. كان الزمن دوريًّا، ومع كل دورة، يستعيد المجتمع والكون توازنهما. يفسِّر هذا مؤسسة غفران الدَّيْن، حين يعلن حاكم ما إعفاءً من الديون. كان ذلك وسيلة لمنع دورات الدَّيْن، والذنب، والهيمنة، من الانفلات خارج أُطرها.

يستلزم التحول الإيكولوجي مواجهة هذا المنطق بمجمله. وإلغاء الدَّيْن السيادي هو تحديدًا هذه الوثبة المبدعة. أولًا، إنه إعلان ضد وصم المدينين، خاصة الأمم المدينة، وهي في الغالب أمم كانت مستعمرة فيما سبق. ثانيًا، يوفر هذا الإلغاء متنفسًا من، أو تعليقًا لمنطق العدالة، والتبادل، والتراكم، لافتًا بذلك النظر إلى الاحتياج لاستعادة قدرٍ ما من الثقة الجماعية، بنقطة بداية جديدة. ويمكن للمرء أن يأمل أن تعليقًا كهذا سيثير تصورات جديدة للديمقراطية والتحرر.

3.شكل أفضل لعدالة جبر الضرر

تتطلب العدالة الإيكولوجية جبر الضرر عن الاستعمار والعنصرية التاريخية، أو هكذا يدعي الناشطون البيئيون، المناهضون للإمبريالية. لدي تحفظاتي الخاصة على كل حديث معاصر عن جبر الضرر. مرة أخرى، مشكلة تحديد المستفيد / الضحية هي مشكلة لا يُمكن التغلب عليها. هل جبر الضرر جماعي أم فردي؟ هل هو «تعويض عادل» على جريمة سابقة، أم «إجراء توكيدي» ضد عدم مساواة حالي؟ ومَن هو، في الحقيقة، «المذنب» بالقمع التاريخي هنا –الموتى أم الأحياء؟ والأسوأ في كل هذا: هل سيترتب على مضاهاة الجرائم بـ «تحويلات مالية» أنه سيتم تذكُّري كضحية إلى الأبد؟ وألا يوجد شيء مريب في فكرة الاستفادة المادية من جريمة ماضية؟

ثمة طريقة أخرى، أفضل، لأداء فعل جبر الضرر. بدلًا عن تعويضات عن جرائم القمع التاريخي بتحويل الذنب نحو المستفيد الحالي، أقترح أن نعلق الذنب (الدَّيْن) تمامًا، بالتنازل عن ديون المقموعين، وعن إخضاعهم لمعايير الاستدانة الأخلاقية. قد يكون هذا، بالطبع، فعلًا من أفعال النسيان أيضًا. إذ لا يترتب عليه الدرجة ذاتها من «الإقرار» بجرائم الماضي، فقط الاحتياج إلى الهروب من آثارها اليوم. ماذًا إذًا؟ النجاة أكثر أهمية، وإلحاحًا، الآن. أفضِّل أن أنفلت من تصنيف المظلومية ذاته، ومن عقاب الذات الحزين الذي يستدعيه في الانتظار اللانهائي من أجل السداد. لكن يبقى إلغاء الدَّيْن جبريًّا على نحوٍ مختلف. سوف يبدأ في إصلاح التضامن البشري المطلوب لمواجهة التحديات الكارثية المقبلة. وقد يتطلَّب هذا انفصالًا مؤقتًا عن المنطق الاقتصادي وفكرته عن «التبادل العادل». 

اعتبارات 

وقتما أقدِّم هذه الفكرة لأصدقاء وزملاء، يكون الاعتراض المُعتاد هو أن الحجة الداعية إلى إلغاء الدَّيْن ليست محصَّنة ضد الاستغلال نفسه الموجود في طلب المعونات، خاصة من قِبل الحكومات الفاسدة أو المستبدة. إضافة إلى أنه لا يوجد ضامن أنه سيكون ديمقراطيًّا بالضرورة، أو يؤدي إلى إصلاح مؤسسي. يمكنه، بطبيعة الحال، أن يكون سبيلًا للأنظمة الفاسدة في العالم غير الغربي إلى التملص من المسؤولية عن إخفاقاتها وجرائمها. اعتراضٌ ثانٍ هو أنه لا توجد مناسبة لجعل هذا المطلب شرعيًّا الآن. على سبيل المثال، في السياق المصري، ما أطلق الحركة السابقة لإلغاء الدَّيْن كانت الفترة الانتقالية في أعقاب عام 2011، حينما كان من المنطقي قول إن الديون تراكمت بدون مسائلة؛ ولهذا لا يوجد أي إلزام على الشعب بسدادها. تاريخيًّا، صار تخفيف الديون ممكنًا فقط خلال فترات انتقالية، أو كجزء من حزم معونات، وتبعت هيكلة الديون مفاوضات في أعقاب التخلف عن السداد (الأرجنتين على سبيل المثال). ما الذي يستدعي الدعوة إلى إلغاء الدَّيْن السيادي؟

أقول: كذلك لم يكن هناك شيء يستدعي مطلب إلغاء ديون الطلبة. لقد كان مطلبًا طوباويًّا بنفس القدر، ونشأت الحجة الداعية إليه من اعتبارات المساواة فقط. ثمة درس يمكن تعلمه ودراسته هنا.

هل ستستغل الأنظمة الاستبدادية المطلب؟ بالتأكيد، لكن يجب أن يكون السؤال: هل هو أقل، أم أكثر، عُرضة للاستغلال مقارنة بتعويضات جبر الضرر، أو بالمعونات؟ أعتقد أنه أقل عُرضة. ذلك لأنه حتى إن أتاحت السياسة مساحةً ما للأنظمة الفاسدة كي تفلت (اليونان مثال هنا)، فإنها أكثر فاعلية في كسر الحلقات المفرغة، والحوافز السيئة، التي تدعم التقشف الاستبدادي في العديد من الدول التابعة. فالدَّيْن الضخم هو أحد أسباب سياسات التنمية الاقتصادية السيئة في أماكن كثيرة. إذ تشجع الحلول قصيرة المدى، والتقشف، والنشاط الريعي، وتبديد الموارد، والإدمان على مزيد من الديون (أتحدَّث هنا عن الدول والسياسات، وليس الشعوب، ولا أنوي أن أكرر الحجج الأخلاقية ضد الدَّيْن بشكل عام). يقدم إلغاء الدَّيْن مهلة مؤقتة من هذه الديناميكية. سيتيح لنا - نحن المواطنين- فرصة أن نقول للمسؤولين: «ليس لديكم حجة الآن، لتصحلوا هذا الأمر!» 

لكن الأكثر أهمية هو أن إلغاء الدَّيْن وسيلة للتجريب مع الممكن سياسيًّا، فيما وراء المنطق الاقتصادي، والتبادل العادل. بهذا المعنى، فإن إلغاء الدَّيْن «إصلاح غير إصلاحي». لهذا، دعونا نعيد ترتيب الحركة العالمية لإلغاء الدَّيْن السيادي، مع ربطها بالحركة البيئية. لكن ذلك سيتطلب من التيار الرئيسي للحركة البيئية أن يصلح ضيق أفقه. والأهم، بالنسبة لي، أن يفتح نافذة لنوع مختلف من مناهضة الإمبريالية، أكثر وعدًا، وأكثر ديمقراطية، ومثقلًا على نحوٍ أقل بالهوس الاقتصادي، «والتنموي»، لأسلافه. 

* أعتذر عن الصورة الكاريكاتورية للدائن التي توحي بها هذه الجملة. أريد هنا صورة أقل دراماتيكية من «تاجر البندقية»، لكنني لا أستطيع أبدًا مجاراة سطوة خيال شكسبير. لكن دعوني أوضح أنني لا أعتقد أن الدَّيْن المالي هو مصدر أو جوهر الرأسمالية. يكمن «الجوهر» المنطقي لرأس المال في مكان آخر. لكن الرأسمالية لم تكن لتصير ممكنة حتى بدون الأسواق المالية، بدون تداول الائتمان، خاصة في أشكاله الأكثر «مضاربة» أو سُعارًا، المعروفة كذلك بفقاعات الائتمان أو التمويل العام.
عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).