تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

من جهة البحر.. «طوفان الأقصى» ومخيلة فلسطين الساحلية

لاله خليلي
5 دقيقة قراءة
من جهة البحر.. «طوفان الأقصى» ومخيلة فلسطين الساحلية

تعيش إسرائيل حالة صدمة من عملية طوفان الأقصى، بعدما تعرضت لهجمات متتابعة من قبل مقاتلي حماس، من بينها هجمات على طول الساحل الإسرائيلي شمال غزة باستخدام قوارب مصنوعة من المطاط والألياف الزجاجية. ربما ترجع الصدمة إلى اعتقاد إسرائيل بأن الحصار البري والبحري، الذي فرضته على غزة منذ 2009، سيجبر الشعب الفلسطيني على الرضوخ. 

من الآثار التي لم تظهر أهميتها على الفور كان ما حدث في 9 أكتوبر عندما أكدت شركة شيفرون أنها تلقت تعليمات من وزارة الطاقة الإسرائيلية بوقف إنتاج الغاز الطبيعي من منصّتها البحرية في حقل تمار شرقي البحر الأبيض المتوسط، خوفًا -على الأغلب- من حدوث عمليات تخريب بحرية أو تعرض الحقل إلى هجمات صاروخية من قبل حماس. يمكن رؤية منصة تمار على بعد 24 كيلومترًا من شاطئ غزة في الجو الصافي؛ يساهم الحقل -الذي تديره شركة شيفرون وشركة مبادلة الإماراتية للطاقة، بالإضافة إلى العديد من الشركات الإسرائيلية والإسرائيلية الأميركية الأخرى- بما يصل إلى 70% من احتياجات الكهرباء الإسرائيلية، كما يزود الأردن ومصر بالغاز. 

يبرز التوقف المؤقت عن إنتاج الغاز في حقل تمار عمق تأثير العمليات العسكرية والبحرية الفلسطينية التي انطلقت من غزة، ومدى عدم جهوزية قوات الأمن الإسرائيلية لمواجهتها. لقد اعتمدت إسرائيل استراتيجية الخنق الطويل لقطاع غزة، فيما نقلت كثيرًا من قواتها العسكرية للدفاع عن مستوطنات الضفة الغربية، أما على طول حدود غزة البرية والبحرية، فقد اعتمدت أجهزة الأمن الإسرائيلية على تقنيات المراقبة الرقمية لرصد تحركات الفلسطينيين في أعقاب مسيرات العودة التي شهدتها عامي 2018 و2019.

عانت غزة من الحصار منذ بداية القرن الحادي والعشرين، لكنها وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية في 1967، ونحو 70% من سكانها هجروا إليها خلال النكبة عام 1948. وخلال هذه الفترة، استهدف الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي التحكم بالسكان والأراضي والثروات الطبيعية، بما في ذلك الموارد البحرية. وبينما تحظى أغلب الدول الساحلية بمساحة تبلغ 200 ميل بحري يمكن للدولة الساحلية استغلالها اقتصاديًا، إلا أن ذلك لا ينطبق على فلسطين. ففي عام 1995، إثر معاهدة أوسلو، حددت تخوم منطقة صيد الأسماك والاستخراج البحري الخاصة بفلسطين بـ20 ميلًا بحريًا، تم تقليصها في 2002 إلى 12 ميلًا بحريًا، ثم إلى ستة أميال بحرية بعد انتصار حماس في الانتخابات، وأخيرًا لثلاثة أميال في 2009. واليوم، تنفذ سفن البحرية الإسرائيلية دوريات بين 1-3 أميال بحرية من الشاطئ، وتطلق النار على الصيادين الفلسطينيين الذين يتجاوزون هذه المنطقة، ولو بميل بحري واحد. 

خلال سنوات الحصار، أحكمت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية سيطرتها على حدود غزة البرية والبحرية، وشددت مراقبتها للخط الساحلي والشواطئ. في 1994، بدأت إسرائيل ببناء سياج حول غزة، وفي 2002، دمرت مطارها. وبالإضافة إلى تقليص مساحة المياه الإقليمية الخاصة بالقطاع، فقد خنقت إسرائيل اقتصاد غزة وقطعت أوصال الحياة اليومية فيه، وحولته إلى أحد أكبر السجون المفتوحة وأكثرها اكتظاظًا سكانيًا في العالم. 

أحد الأسباب الرئيسية لتقييد إسرائيل الحياة البحرية للفلسطينيين هي منعهم من استغلال الموارد البحرية. ففي عام 2000، تم اكتشاف خزان هائل من الغاز الطبيعي داخل منطقة  الـ20 ميلًا بحريًا التابعة لغزة، ولكن حقل غزة مارين سرعان ما سلب من سكان القطاع، وفي يونيو 2023 أصدر بنيامين نتنياهو بيانًا صحفيًا أعلن فيه عن إقرار خطط تعاون بين إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية لتطوير حقل غزة مارين، ولكن التفاصيل، بما في ذلك هوية الجهات المستفيدة من تطوير حقل الغاز، بقيت مبهمة حتى بالنسبة إلى الشركاء المفترضين، مثل السلطة الفلسطينية.

تحد المواجهات المتكررة مع دوريات البحرية الإسرائيلية من قدرة الصيادين الفلسطينيين على كسب رزقهم. ويعرف عن الدوريات اعتداءاتها التعسفية على قوارب الصيادين، وحؤولها دون تجاوز القوارب المسافة والعمق الذي تتطلبه عمليات الصيد، ما أسفر عن تعطيل معظم نشاط الصيادين. كذلك أصبح الاستجمام على شواطئ غزة محفوفًا بالمخاطر، حيث قتل عدد من الأطفال والزوار برصاص قناصة وصواريخ إسرائيلية. وخلال الأيام الماضية، نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع فيديو تظهر قصفه للبنية التحتية الساحلية في غزة، وتدميره عدة قوارب صيد. وفي الوقت الذي تضرب فيه الطائرات الإسرائيلية القطاع من السماء، تستهدف السفن البحرية الإسرائيلية القطاع من البحر، فيما تتمركز القوات البرية على الحدود.

خلال أوائل القرن العشرين، تصور مؤسس حزب الليكود، زئيف جابوتنسكي، أنه يمكن إخضاع فلسطين بواسطة «جدار حديدي لا يمكن للسكان الأصليين اختراقه».  ويمثل الحصار الذي تواجهه غزة تجسيدًا حقيقيًا لرؤية جابوتنسكي للجدار الحديدي، بمواده الصلبة وخرساناته في البر والبحر والجو. وقد تمكنت المقاومة من كسر هذا الجدار في عملية «طوفان الأقصى».

في «ذاكرة للنسيان»، المرثية التي كتبها محمود درويش لبيروت، التي ستتعرض بعد وقت قصير إلى الدمار على يد القوات الإسرائيلية في 1982، كتب: 

ما زال الفجر الرصاصي يتقدم من جهة البحر على أصوات لم أعرفها من قبل. البحر برمّته محشو في قذائف طائشة. البحر يبدّل طبيعته البحرية ويتمعدَن… لماذا ينصب هذا المطر الأحمر -الأسود- الرمادي على من سيخرج وعلى من سيبقى من بشر وشجر وحجر؟

لم يكن البحر بالنسبة للفلسطينيين دومًا المصدر المعدني للنيران المنبعثة من أساطيل السفن الحربية.

حاولت عدة سفن تضامن من مختلف أنحاء العالم اختراق الحصار البحري الإسرائيلي على غزة، من خلال التوجه نحوها من موانئ البحر الأبيض المتوسط بين عامي 2010-2018. ولكن القوات البحرية الإسرائيلية اعترضتها جميعًا ووجهتها نحو الموانئ الإسرائيلية ثم احتجزت ركابها. وفي حالة سفينة التضامن «مرمرة الزرقاء»، تم اقتحامها وقتل تسعة من نشطاء السلام الذين كانوا على متنها. ومع كل ذلك، يبقى البحر نافذة على العالم المتضامن مع الفلسطينيين.

فلسطين أمة ساحلية، يحلم شعراؤها بأمواج المتوسط، ويتعلم أطفالها الغوص والسباحة ولعب كرة القدم على الرمال، يتميز مطبخها بثمار البحر المحضرة بطرق مبتكرة، وتتنزه العائلات الفلسطينية على شواطئها. المنازل الفلسطينية المطلة على البحر تفتح أبوابها لاستقبال الهواء النقي والمياه المالحة. صحيح أن موانئ فلسطين الشهيرة (حيفا، يافا، عكا)، قد سلبت خلال النكبة، إلا أن الشعب الفلسطيني ما يزال متمسكًا بحقه فيها، فالبحر جزء من الهوية الفلسطينية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الفلسطينيون في غزة تحت ظلال الأساطيل الحربية الإسرائيلية والأميركية -التي تحول البحر «إلى أحد مصادر جهنم»، على حد تعبير محمود درويش- ينتظر البحر الأبيض المتوسط عودتهم. 

ينشر معنا هذا النص موقع الجمهورية.

عن الكاتب

لاله خليلي

أستاذة في العلوم السياسية الدولية في جامعة «كوين ماري» في لندن، وهي مؤلفة كتاب «أبطال وشهداء فلسطين: سياسة إحياء الذكرى» (كامبريدج 2007) و«وقت في الظلال: الحجر في زمن التمردات المضادّة»…

آراء أخرى

رأي
محمود هدهود

السابع من أكتوبر وسؤال الجدوى

«هل من جدوى للسابع من أكتوبر أم أنها لم تكن سوى لحظة كارثية كان محركها سوء التخطيط أو حتى مؤامرة غايتها تدمير غزة لدفع سكانها إلى…»

اقرأ →
رأي
راجي مهدي

ما أغفلته المقاومة في غزة

«تتطلب الحرب اقتصادًا يناسبها، وهو اقتصاد يستهدف وضع جميع الموارد في خدمة المعركة. وخدمة المعركة»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).