تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ما أغفلته المقاومة في غزة

راجي مهدي
9 دقيقة قراءة
ما أغفلته المقاومة في غزة

بقدر ما كانت «طوفان الأقصى» عملية غير مسبوقة في تاريخ المقاومة، كان زهو الفلسطينيين بها غير مسبوق أيضًا، ما تجلى في تسابق الغزيين، في السابع من أكتوبر، على عبور الأسوار بدراجاتهم النارية واختطاف من تيسر لهم من المستوطنين وجنود العدو، ثم مظاهر البهجة في شوارع غزة، رغم توقع رد الفعل الإسرائيلي الوحشي.   

اليوم، بعد مرور ما يقارب خمسة أشهر من القتال، صبّت فيها إسرائيل جام غضبها، من البر والبحر والجو، واستخدمت أكثر الأساليب قسوة في حربها على غزة.. الإبادة الجماعية، وفرضت حصارًا مطبقًا على القطاع، الذي يعتمد منذ ما قبل الحرب على المعونات وحركة الشاحنات المستمرة عبر المعابر، والتي يعيقها الاحتلال منذ بدء المعركة، ليحارب بالتجويع ما يزيد على مليوني فلسطيني، بعد حرمانهم من المرافق الطبية، حيث جرى ضرب جميع المستشفيات العاملة في القطاع وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، اليوم يبدو أن الرأي العام الفلسطيني في القطاع تتنامى داخله النقمة على المقاومة، وبالتحديد على حركة حماس، باعتبارها محور وعصب المقاومة الفلسطينية، وباعتبارها القوة الحاكمة في غزة عبر حكومتها، فما الذي جرى؟     

بدايةً، يجب التنويه إلى أن التغير في الرأي العام واتجاهاته عملية طويلة نسبيًا، ومن الواضح أنها كانت تيارًا يجري تحت سطح الأحداث، تيارًا غير محسوس للمراقب الخارجي، غير أنه كان يكتسب زخمًا كلما صعَّد العدو الإسرائيلي من هجومه. وكلما طال أمد الحرب، اتضح أن المقاومة قد أهملت ركنًا مركزيًا في المعركة أو أدارته بما يؤثر بالسلب على صمود الجبهة الداخلية في القطاع.

إن المقاومة ليست جسمًا سياسيًا وعسكريًا يعمل في فراغ، بل إنها تعمل ضمن حاضنة شعبية، إذا أصابها انكسار انكشفت مواقع المقاومة وصارت كالسمك في بحيرة جفت. وليس مشروع التهجير الذي يضغط العدو باتجاهه سوى إدراك لهذه الحقيقة، إن تجفيف الحاضنة الشعبية للمقاومة.. جماهيرها التي منها تُجند مقاتليها وبين ظهرانيهم تتخفى، كفيل بالخلاص من تلك المقاومة. وحركة التهجير الداخلي التي ضغط الاحتلال لتنفيذها ليست سوى تطبيق لتلك القاعدة، فالعدو لا يأبه لأرواح المدنيين، وخمسة أشهر من القتال تؤكد هذا: إن غرض التهجير هو كشف المقاومة.

تماسك الجبهة الداخلية

يعتمد تماسك الجبهة الداخلية على الجهود التي تبذلها القوى القائدة في المعركة، جهود الإعاشة والتطبيب وتوفير الملاجئ وخدمات الطوارئ، وغيرها مما يخفف معاناة المدنيين، وفي ظروف القطاع الجغرافية التي لا تسمح بتوفير الكثير من الأمان، وفي ظروف الحصار المطبق، وهمجية العدوان التي تضع ضغطًا شديدًا على السكان، يصبح دور تلك القوى القائدة حاسمًا، وقد كانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أول من انتبه من الفصائل لضرورة بذل جهد كان غائبًا في تنظيم وصيانة الجبهة الداخلية، إذ أصدرت، في 22 ديسمبر الماضي، بيانًا، أعلنت فيه «مواصلة جهودها من أجل تشكيل لجان شعبية لحماية الجبهة الداخلية بالقطاع وتعزيز صمود المواطن ومتابعة حالات الغلاء والاحتكار». كما أضافت الجبهة في بيانها أن جهودها تلك تتركز «في مناطق رفح وخان يونس والوسطى المكتظة بالنازحين من أجل ضمان وصول المساعدات إلى جميع أبناء شعبنا، وتشكيل لجان لحماية المستهلك». وختمت الجبهة بيانها بالتأكيد على ضرورة تضافر جميع الجهود لتخفيف المعاناة عن الناس في ظل «الكارثة الكبيرة التي يعيشها شعبنا في القطاع بسبب هذا العدوان الصهيوني غير المسبوق»

هذا الجهد الذي أعلنت عنه الجبهة يتناسب مع إمكاناتها ومواردها، غير أن الدور الأكبر فيه كان لا بد أن يقع على عاتق حركة حماس وحكومتها، باعتبار ما تمتلكه من موارد وقدرة تنظيمية أكبر، فماذا حدث؟

تحاول إسرائيل منذ بدء الحرب استعداء الفلسطينيين على المقاومة و«حماس» بالتحديد، عبر بيانات تقول إن «حماس» تتخذ المدنيين دروعًا.. إن المقاومة أقامت قيادات مركزية لها أسفل المستشفيات.. إن قيادات «حماس» يختبئون بينما يدعونكم تموتوا، وغيرها من أساليب الدعاية الصهيونية المتكررة، والتي صارت غير مؤثرة عمليًا في الرأي العام الفلسطيني.

لكن المؤثر حقًا هو الجوع. ما يزيد على نصف مليون فلسطيني بقوا في شمال القطاع، وهم عمليًا معزولين عن وسط وجنوب القطاع بحواجز أقامها الجيش الإسرائيلي، الذي صار يتحكم في ما يدخل إلى الشمال من مؤن شحيحة أساسًا، في ظل إغلاق معبر رفح وتحكم إسرائيل في مقدار ما يدخل القطاع من مساعدات. 

قبل الحرب الجارية، كان إجمالي الشاحنات الداخلة إلى القطاع يزيد على 500 شاحنة من المعونات والسلع التجارية يوميًا، وبسبب الحصار الإسرائيلي انخفض هذا العدد إلى أقل من 100 شاحنة يوميًا، في حين أن هناك فترات لا يدخل للقطاع أكثر من 20 شاحنة، لذا فإن ما يدخل لا يكاد يسد الرمق. 

وبينما تنقسم السلع الداخلة إلى بضائع تجارية تدخل لحساب تجار فلسطينيين -أشار تحقيق «مدى مصر» بعنوان «شبه جزيرة العرجاني» إلى أن شاحنات البضائع التجارية الداخلة للقطاع يبلغ عددها ما بين 30 إلى 60 شاحنة مدرجة في بيانات هيئة المعابر الفلسطينية تحت بند «قطاع خاص»- وتبرعات مجانية تتسلم جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني جزءًا منها، هو الجزء الوحيد الذي يصل للمواطن الفلسطيني مجانًا بالفعل، وإن كان الأمر لا يخلو من اللجوء للوساطة والمعارف لتكون لك أولوية الحصول على بعض من تلك المساعدات، فإن الباقي تتسلمه حكومة غزة، وتبيع جزء منه للتجار، بينما تقوم بتخزين الجزء الآخر. هذا الشُح الشديد جعل أسعار السلع تتضاعف، فيحكي مواطنون غزيون أن كيس الطحين زنة 25 كيلو جرام وصل سعره إلى ألف دولار أمريكي مقابل 21 دولار قبل الحرب، بينما وصل سعر حفاضات الأطفال 150 دولار مقابل 5.4 دولار قبل الحرب، بينما يصل سعر كيس الذرة أو الشعير -كانت تستخدم قبل الحرب كعلف للحيوانات- إلى 500 دولار أمريكي.

بالنظر إلى أن معظم المواطنين قد فقدوا مدخراتهم ومنقولاتهم تحت الأنقاض، وأنفقوا كل ما كانوا يملكون خلال أشهر الحرب الخمسة، فإن الوضع أصبح شديد الكارثية، وهو في شمال القطاع يصل حد المأساة. إن الكثير من الأخبار تتحدث عن مواطنين يذبحون الكلاب -ما تبقى منها- للأكل، وأُسر تموت جوعًا بأكملها، وما يفاقم النقمة هو أن الحكومة تخزّن المساعدات، توزعها لحسابها، وبالفعل حدثت اشتباكات بين المواطنين والمسؤولين في أماكن التوزيع، بينما الشاحنات القليلة التي يسمح لها العدو بالعبور إلى الشمال، ما أن يتزاحم عليها الناس يبدأ العدو في إطلاق الرصاص عليهم ويوميًا يسقط شهداء في طوابير السلع.

إن الفلسطينيين على حافة مجاعة عامة، بدأ الكثيرون في بيع آخر ما تبقى لديهم: جهاز لابتوب، قرط نسائي، ملابس، من أجل الحصول على شيء يسد الرمق، هذا كله في ظل أزمة نزوح ألقت بالكثيرين إلى العراء في طقس شتوي قارس بلا خيام أو ملابس ثقيلة أو أغطية كافية.

إن هذا الوضع تضافرت فيه عوامل عدة، على رأسها الاحتلال الإسرائيلي بالطبع، وعدوانه الهمجي المستمر وحصاره للقطاع بالشراكة مع آخرين، والإمعان في هذا الحصار، وثانيها، إيقاف عدد من الدول تمويلها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» بضغط إسرائيلي، ما وضعها في حالة أشبه بالشلل، مع استهداف إسرائيلي لمقراتها ومعسكراتها بطول القطاع لإخراجها من الخدمة، والعامل الثالث هو التقييد الذي يعانيه «الهلال الأحمر الفلسطيني»، سواء من الاحتلال أو من حكومة غزة، التي تستولي على جزء كبير من المساعدات القليلة الداخلة للقطاع. 

أما العامل الرابع، وهو في تقديرنا أهم العوامل لإدارة تلك الأزمة، هو سلوك «حماس» وشبكة المصالح التجارية التابعة لها في القطاع. تلك الشبكة التي نشأت أساسًا بالتزامن مع بدء حركة التهريب عبر الأنفاق، والتي من خلالها نشأت في القطاع برجوازية تجارية ذات نفوذ يمتد على طول القطاع.

يشير الكاتبان غسان أبو حطب وسمير مدللة، في ورقة صادرة عن مركز دراسات التنمية جامعة بيرزيت، إلى أن اقتصاد الأنفاق كان بندًا رئيسيًا في موازنة حكومة «حماس» بقطاع غزة خلال العصر الذهبي للأنفاق 2009-2013، هذا الاقتصاد الذي أنتج حسب تعبيرهما طبقة من «أمراء الحرب والأثرياء الجدد» يصل تعدادها إلى ألفي شخص ثرواتهم بالملايين، عبر ممارسات استغلالية واحتكارية وسوق موازية للسلع أدت لانفلات الأسعار في الوقت الذي غابت فيه أي رقابة من حكومة غزة على الأسواق.

إن مصالح هذه الشبكة من التجار، المرتبطة أساسًا بحركة حماس وحكومتها، هي مصالح ربحية بحتة، تمثل لها الحرب ضربة موجعة، باعتبار أن الاستقرار والسلم هما البيئة المثالية لنمو مصالحها، غير أنه يمكنها أيضًا استغلال الحرب لتعويض جزء من خسائرها، وهي طبقة غير مستعدة للتنازل عن مصالحها لأجل تعزيز صمود المدنيين الفلسطينيين في معركة مصير تهدد مستقبل الكفاح الوطني الفلسطيني لفترة طويلة من الزمن.

ما العمل؟

تتطلب الحرب اقتصادًا يناسبها، وهو اقتصاد يستهدف وضع جميع الموارد في خدمة المعركة. وخدمة المعركة تتضمن: مشتريات الأسلحة، التصنيع الحربي، إعاشة المقاتل والشعب، وفي حالة القطاع، حيث تنعدم تقريبًا مشتريات السلاح في أوقات الحرب باعتبارها تعتمد أساسًا على التهريب الذي يصير مستحيلًا في حالة حصار كامل كتلك، وفي ظل تباطؤ أو انعدام التصنيع الحربي واعتماده على ما تم تخزينه مسبقاً من خامات، فإن الجهد الرئيسي لا بد أن يكون موجهًا للإعاشة.

قد تبدو إعاشة المقاتل أهم من إعاشة المدني، غير أنه من غير الإنساني ولا العملي إعطاء أولوية لأحدهما على الآخر، فالمقاتل والمدني هما جزء من نفس المعركة، بل يمكن القول إن المقاتل قادر على التضحية باعتباره قد تلقى تدريبًا أو عاش في ظروف أكثر قسوة، غير أنه لإعاشة تلك الكتلة السكانية بمقاتليها ومدنييها، كان المفترض أن تنشأ هيئة مركزية مسؤولة عن إمداد وتموين السكان عبر منافذ عديدة في جميع محافظات القطاع، تُمنح هذه الهيئة حق مصادرة أي كميات من الطعام والألبسة وغيرها من مستلزمات الإعاشة ليتم توزيعها بحسب الاحتياج، وبحسب تطور الموقف وسير الحرب، بالإضافة إلى هذا تكون مسؤولية هذه الهيئة التعاون مع «الهلال الأحمر» وتنظيم عمله ودعم قدرته المحدودة من أجل التوزيع الديمقراطي للمعونات والسلع التجارية مجانًا، وهذا يستدعي مصادرة أموال تجار غزة أو إجبارهم على المشاركة في المجهود الحربي بالمساهمة في شراء المزيد من السلع التجارية لأجل توزيعها على الجماهير التي سقطت بين مطرقة العدوان الصهيوني وسندان الجوع والعطش والنزوح.

معوقات كثيرة حالت دون تشكيل هذه الهيئة، أولها التركيب الطبقي للفصيل الأكبر في المقاومة الفلسطينية، كما قلنا سابقًا. إن قيادة «حماس» مرتبطة بشبكة من المصالح التجارية، غير خاضعة لمقتضيات الضرورة العسكرية، لذا حتى الجهود التي تبذلها بعض خلايا الشرطة في بعض المناطق لضبط الأسواق غير كافية.

***

في هذا الإطار، يتحدث سكان شمال القطاع المحاصر الآن عن أن أفراد الخلايا المقاتلة الباقية في الشمال عبارة عن «هياكل عظمية تحمل بنادق وتعيش على الماء وما يتحصلون عليه من النبش في الأنقاض وما يخلفه الجيش الإسرائيلي في المواقع التي يخليها»، هذا التناقض بين صورة التاجر الذي يبيع كيس السكر الذي يتسلمه بـ23 شيكل ويبيعه بـ70 شيكل، وبين المقاتل شبحي الهيئة ومئات آلاف البشر الذين لجأوا لأكل طعام الحيوانات، هو تناقض يكشف سر تلك النقمة التي صارت نغمة تتصاعد ويمكن التقاطها من التواصل مع فلسطينيي الشمال أو على السوشيال ميديا.

من جانب آخر، يبدو أن حسابات المقاومة قد شابها خطأ ما، سواء فيما يتعلق بالدعم الرسمي العربي، أو فيما يتعلق بقدرة العدو على خوض حرب تمتد إلى خمسة أشهر وهي مدة غير معتادة، أو فيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه الأزمة والتناقض في السلطة والمجتمع الإسرائيلي، وأخيرًا في حجم استجابة حلفاء المقاومة في المنطقة وانخراطهم في المعركة، والذي حتى الآن لم يؤدِ إلى تشتيت آلة القتل الإسرائيلية أو الحد من عدوانيتها في القطاع. هذه الحسابات المفترضة يبدو أنها قد ساهمت في خلق انطباع لدى المقاومة أن الصمود العسكري لشهر أو اثنين سوف يكون كافيًا، وبالتالي فليست هناك حاجة لخطة لمواجهة هذا التحدي الجهنمي. لكن وبصرف النظر عن تلك الحسابات المبكرة، فإن استجابة المقاومة وفصيلها الأكبر «حماس» لهذا التحدي، يحتاج إلى المزيد من التفكير في علاقتها بالحاضنة الشعبية، وربما هذا ما يتطلب بالضرورة مراجعة المقاومة «الإسلامية» مشروعها للتحرر الوطني.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).