المعركة البرية في غزة: إشكاليات الاستراتيجية الإسرائيلية بعد الهدنة
مع حلول الساعات الأولى من صباح الأول من ديسمبر، عادت الاشتباكات بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، بعد ستة أيام استمرت خلالها الهدنة بين الجانبين. الهدنة التي سُميت «إنسانية» لم تكن كذلك، فقد دفعت المقاومة مقابلها بإطلاق سراح بعض الرهائن المدنيين ليتوقف الاحتلال الإسرائيلي عن قصف المدنيين في قطاع غزة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية التي يشكل منعها في حد ذاته جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي.
الأسبوع الأخير قبل الهدنة، شهد نشاطًا كبيرًا للمقاومة الفلسطينية في شمال قطاع غزة، وتحديدًا في حي الشيخ رضوان شمال غرب القطاع، حيث استمرت المقاومة في الإغارة على القوات الإسرائيلية. وكان يوم 18 نوفمبر من بين الأيام الأسوأ للقوات الإسرائيلية، إذ بلغ عدد قتلى الجيش الإسرائيلي المُعلن عنهم في ذلك اليوم عشرة أفراد، من بينهم عنصران من اللواء المدرع (دبابات) 401.
شهد هذا الأسبوع دفع قوات الاحتلال الإسرائيلي باللواء 261 مشاة احتياط من فرقة غزة لأول مرة في المعارك داخل القطاع، في خطوة لم تتضح أسبابها التي قد تشمل الحاجة إلى استبدال بعض الوحدات المقاتلة بسبب خسائرها أو إنهاكها، أو الرغبة في توسيع جبهة القتال.
في المقابل، عرضت كتائب القسّام الجناح العسكري لحركة حماس، مقطعي فيديو أظهرا استهداف عدد كبير من الآليات العسكرية الإسرائيلية من مسافات قريبة ومن نقاط مرتفعة تسمح باستهداف قمرة الدبابة من أعلى، بما يمكن أن يفضي إلى مقتل طاقم الدبابة وتدميرها كليًا. كذلك أظهر مقطع آخر إلصاق عبوة ناسفة بباب ناقلة جنود، وهي نقطة قاتلة للآلية ومن فيها، خاصة مع استهدافها بعبوة ناسفة وليس بقذيفة «آر بي جي». كما عرضت فيديو لهجوم شنته على القوات الإسرائيلية في مستشفى الرنتيسي في حي الشيخ رضوان بعد أن حوّلته القوات الإسرائيلية إلى معقل لها في خرق جديد للقانون الدولي.
كانت أولى الملاحظات على الوضع الميداني بعد الهدنة هو ما سجله تقرير مركز دراسات الحرب الأمريكي ISW عن استخدام المقاومة تكتيكات «أكثر تعقيدًا»، على حد وصفه، ضد القوات الإسرائيلية، وحدد منها زيادة استخدام العبوات الناسفة، ويعود ذلك إلى ما سبق أن ذكرناه وتوقعناه من زيادة استخدام تلك العبوات مع توغل القوات الإسرائيلية في الأحياء السكنية المكتظة والشوارع الضيفة حيث يسهل استهداف الآليات بتلك العبوات، كما تزيد عمليات قنص الجنود الإسرائيليين.
أما الصحافة الإسرائيلية، فقد أشارت إلى زيادة حالات تفخيخ فوهات الأنفاق وتفجيرها بالعناصر الإسرائيلية. وقد كان نجل قائد أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غازي آيزنكوت أحد ضحايا ذلك التكتيك على الأرجح.
ومع استمرار نزيف الآليات الإسرائيلية (وصل عدد ما تم استهدافه منها منذ بداية المعركة إلى أكثر من 600 آلية، منها نحو 200 دبابة، جرى تدمير عدد كبير منها كليًا أو جزئيًا على نحو يصعب معه إعادتها إلى القتال في نفس تلك المعركة)، وبالنظر كذلك إلى زيادة الخسائر البشرية على مستوى عدد الإصابات والإعاقات على الأقل، فإن استمرار الجيش الإسرائيلي في قتال المُدن في القطاع لمدة طويلة يصبح بمثابة عملية انتحارية عسكرية لهذا الجيش، قد تؤدي إلى تكاليف مالية واستراتيجية كبيرة.
لذلك يبدو أن الاستراتيجية الإسرائيلية قد أخذت تطرح خيارات للانسحاب وإعادة التموضع، سواء في محاور تشكل نقاط ارتكاز أمنية داخل قطاع غزة أو الانسحاب إلى محيطه، بما يُناسب الوضع العسكري الشائك في غزة من جهة، ويناسب ارتفاع نبرة المطالب الدولية بوقف إطلاق النار من جهة أخرى، ومع اتضاح أن سيناريو التهجير ليس مطروحًا كحل سريع للأزمة. هذه الخيارات والتحولات الاستراتيجية هو ما سنحاول تحليله هنا عبر قراءة التحركات العسكرية الإسرائيلية منذ انتهاء الهدنة وتوسع جبهة القتال إلى غرب مدينة غزة وجنوب قطاع غزة بالتوازي.
الهجوم على شرق غزة
حاولت الاستراتيجية الإسرائيلية منذ بداية المعركة تفادي الهجوم على غزة من شرقها، وفضّلت سرعة الدخول إلى غرب القطاع عبر المناطق الفارغة في محوري شمال غرب القطاع وجنوبه. أما الشمال الشرقي، فقد اكتفت القوات الإسرائيلية باستخدام فرقة 252 مدرع احتياط التي تم استدعاؤها خصيصًا لتلك المعركة، وتكليفها للقيام بجهد فرعي للسيطرة على منطقتي بيت حانون وبيت لاهيا شمال القطاع، بما لم يبدُ منه أن القوات الإسرائيلية حريصة على السيطرة الكاملة على تلك المناطق.
لكن مع العودة من الهدنة، بدا أن الجيش الإسرائيلي جاد في رغبته بتوجيه ضربة عنيفة لقوات المقاومة الفلسطينية في القطاع، ما دفعه إلى توجيه ضربات لأحياء شرق مدينة غزة التي تمثل معاقل تاريخية للمقاومة الفلسطينية، وهما جباليا والشجاعية.
جباليا هي معسكر للاجئين يمثل تاريخيًا موقعًا للتمرد على الاحتلال الإسرائيلي وكان منطلق الانتفاضة الأولى، كما يضُم الحي مسجد عز الدين القسام، وهو مركز نشاط عبد العزيز عودة، أحد مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي.
أما الشجاعية، وعلى الرغم من أنه ليس حيًا من أحياء اللاجئين، إذ تأسس في العهد الأيوبي واكتسب اسمه من اسم الأمير الأيوبي شجاع الدين الكردي الذي قُتل أثناء حروب التحرير الأيوبية ضد الحملات الصليبية، إلا أن عائلات الحي العريقة مثلت حواضن اجتماعية للمقاومة، وقدّم الحي عددًا من كوادر حركتي حماس والجهاد الإسلامي كروحي مشتهى، أحد قادة «حماس» في غزة ورفيق درب قائد الحركة في غزة يحيى السنوار. كذلك من أبناء الشجاعية بهاء أبو العطا وتيسير الجعبري، قائدا الكتيبة الشمالية لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، قبل مقتلهما في 2022 و2023 على الترتيب. يفسر ذلك المقاومة الشرسة التي واجهتها القوات الإسرائيلية في هذا الحي أثناء هجومها على غزة في 2014، كما يفسر نشاط «سرايا القدس» الكبير في هذا الحي مقارنة بمناطق غرب غزة.
بحلول الرابع من ديسمبر، بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على الحيين. توارت الفرقة 252 احتياط لتستعين القوات الإسرائيلية بألويتها ذات الخبرة الأكبر، وهي اللواء 188 مدرع الذي يهاجم جنوب الشجاعية والزيتون، واللواء 460 مدرع الذي يهاجم شمال جباليا، وكلاهما يستخدم دبابات ميركافا 4 الأكثر تحصينًا مقارنة بلواء 10 مدرع من الفرقة 252 احتياط الذي كان يعمل في شمال جباليا قبل الهدنة، وكان يستخدم دبابات ميركافا 3 الأقل تحصينًا.
إلى جانب تلك القوات المدرعة، أبقت القوات الإسرائيلية في هذه المنطقة على الكتيبة 13 من لواء جولاني مشاة، علاوة على وحدة الاستطلاع 551 التابعة له، إضافة إلى كتائب لواء المشاة ناحال ولواء المظليين 551 احتياط التي تعمل في تلك المنطقة منذ ما قبل الهدنة، وشنّت هجومًا سابقًا على جباليا، كما انضمت وحدة العمليات الخاصة البحرية 13 إلى القوات العاملة في شمال مدينة غزة بشكل ثابت.
في المقابل، أبقت القوات الإسرائيلية في غرب غزة على جزء من لواء 401 مدرع الذي جرى سحب جزء آخر منه إلى الجنوب، وتم دعمه بلواء 6 عتصيون المدرع احتياط والفوج 282 مدفعية التابع لفرقة 36 المدرعة، علاوة على قوات من لواء المظليين الأساسي 35.
أظهرت العمليات في جباليا والشجاعية قصورًا في قدرة قوات المشاة الإسرائيلية على تأمين مواقعها في القطاع. ففي الثالث من ديسمبر، تحدثت المقاومة عن استهداف نقطة تمركز لقوات المشاة الإسرائيلية في منطقة جحر الديك، وتفخيخ المنطقة والإجهاز على الجنود المتمركزين فيها. ثم أخرجت المقاومة مشهد فيديو لاستطلاع المنطقة أثناء تواجد الجنود الإسرائيليين في حالة استرخاء في الخيام في تلك النقطة، ما كشف عن فشل تام من القوات الإسرائيلية في تأمين مواقع تمركزها فضلًا عن مواقع تقدمها.
في مقاطع فيديو أخرى بثتها المقاومة قبل وبعد الهدنة، ظهرت مجموعات قتالية من المقاومة الفلسطينية تستهدف مجموعات من الجنود الإسرائيليين من مبان تطل على شوارع تتواجد فيها العناصر الإسرائيلية في حالات استرخاء شبه كامل، ما يعكس أيضًا الفشل التام في تأمين تلك المواقع.
تكلل هذا الفشل الإسرائيلي بكمين وقع مساء 12 ديسمبر في حي الشجاعية، إذ نجحت مجموعة من المقاومين في إسقاط مجموعة قتالية إسرائيلية في كمين في المنطقة، وتبع ذلك استهداف قوات الإسناد التي قادها العقيد إسحاق بن باسط، نائب قائد لواء جولاني، والمقدم تومر جرينبرج قائد الكتيبة 13 من اللواء، ما أدى إلى مقتلهما في أكبر ضربة جرى توجيهها للقوات الإسرائيلية في القطاع منذ بدء المعركة. بعد أقل من ثلاثة أيام من تلك الواقعة، تجدد الفشل العملياتي الإسرائيلي في الحي بعد قيام القوات الإسرائيلية بقتل ثلاثة من الرهائن الإسرائيليين لدى المقاومة عن طريق الخطأ في حادث قد تكون له مردودات سياسية سيئة في الداخل الإسرائيلي.
الحملة على الجنوب أم تقسيم القطاع؟
بالتوازي مع الحملة على شرق غزة، بدأت القوات الإسرائيلية توغلها نحو وسط وجنوب القطاع عبر محورين. تقدمت بعض القوات الإسرائيلية التي كانت تقاتل في شمال قطاع غزة، وعلى رأسها اللواء 7 مدرع ولواء جفعاتي وقوات من لواء جولاني، عبر محور صلاح الدين نحو شرق دير البلح ثم إلى شمال مدينة خان يونس. تم سحب جزء من لواء 401 مدرع كذلك من الشمال للهجوم على خان يونس بعد أن قاد الهجوم على شمال غرب غزة، وبقي جزء منه في شمال غرب غزة.
علاوة على ذلك، دفعت القوات الإسرائيلية بعدد كبير من الوحدات الجديدة للقتال في جنوب غزة، وعلى رأسها اثنان من ألوية المدرعات الاحتياطية، هما لواء 4 كيرياتي ولواء 179 رام، وكلاهما يستخدم ميركافا 3. أما قوات المشاة، فقد تضمنت لواء كفير أحد ألوية المشاة الرئيسية والتابع للقيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، علاوة على لواء 55 مظليين احتياط ووحدة ماجلان من لواء 89 كوماندو.

تمثل خان يونس معقلًا تاريخيًا لسرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، علاوة على أن بها لواء من الألوية الخمسة لكتائب القسّام يقوده رافع سلامة، أحد قادة الكتائب. أدى ذلك، بجانب إقحام لوائي كرياتي ورام بدبابتهما ضعيفة التحصين، إلى إيقاع خسائر كبيرة بالقوات المدرعة الإسرائيلية في تلك المناطق، وتعثر تقدمها نحو المدينة إلى الآن.
مع ذلك، فإن القوات الإسرائيلية نجحت في إنجاز فصل شبه كامل للمحافظة الوسطى (دير البلح ومخيمات النصيرات والبريج والمغازي) عن محافظة خان يونس الرئيسية في الجنوب، وذلك باحتلال مناطق محور كيسوفيم الذي يشمل منطقة القرارة وصولًا إلى محور غوش قطيف الذي يمر بطول محافظة خان يونس، ويفصلها عن الساحل، ثم ينعطف إلى الشرق مطوّقًا المحافظة. كما تتقدم القوات الإسرائيلية في منطقة الفواخري وشارع النصر ميراج لتلتقي مع محور غوش قطيف، ما يعني عزل خان يونس من كل النواحي.
يفيدنا رصد تلك التحركات للجيش الإسرائيلي في الانتباه إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية قد تشمل فصل محافظات قطاع غزة عن بعضها عبر تمركز القوات الإسرائيلية في أربعة محاور رئيسية:
- الأول هو المنطقة الواقعة بين شارع 10 ومحور الكرامة (نتساريم) التي كانت تقع بها مستوطنة نتساريم قبل الانسحاب الإسرائيلي من القطاع، ويفصل بين مدينة غزة وشمال القطاع وبين المحافظة الوسطى ومدينة دير البلح.
- الثاني هو منطقة وادي سلكة والقرارة حيث محور كيسوفيم بهدف الفصل بين المحافظة الوسطى وخان يونس.
- الثالث منطقة الفواخري وشارع النصر ميراج وصولًا إلى غوش قطيف، وهي مناطق تفصل محافظة خان يونس عن محافظة رفح.
- الرابع هو ممر فيلادلفيا الذي يمثل الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة، وهنا من المنتظر أن تدلي مصر برأيها حول إمكانية تمركز القوات الإسرائيلية في تلك المنطقة الحساسة.

الخسائر والمشكلات الاستراتيجية
تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية، وفق ذلك، هي السيطرة على محاور رئيسية عبر القطاع بهدف تقسيم القطاع، وتحويل تلك المحاور إلى نقاط ارتكاز أمنية تستخدمها القوات الإسرائيلية للقيام بعمليات أمنية واجتياحات محدودة، وهو ما يحقق لإسرائيل عدة أهداف: أولها تحقيق إنجاز تكتيكي بإيجاد آلية أمنية للعمل في القطاع وتقويض إمكانات المقاومة في داخله، وثانيها، محاولة العثور على نقطة التقاء بين الفرقاء في الحكومة الإسرائيلية (نتنياهو- غالانت- غانتس) بين من يريدون استمرار الحرب ومن يريدون إيقافها، وهي نقطة التقاء يمكن للولايات المتحدة تفهمها وقد تقبل بها كبديل لاستمرار الحرب البرية بلا أفق.
لكن تلك الاستراتيجية تواجه معضلة أساسية تتمثل في حجم الإنهاك الذي تعرضت له القوات الإسرائيلية بسبب طبيعة الحشد الإسرائيلي المبالغ فيه لتلك المعركة، وإقحام الآليات الإسرائيلية المدرعة في معارك المدن، وفشل قوات المشاة في تأمين مواقعها كما سبق الإشارة إليه.
بالعودة إلى ما سردناه سابقًا عن الوحدات الإسرائيلية المشاركة في تلك المعركة، نجد أن القوات الإسرائيلية قامت بحشد كامل فرقها المقاتلة لمعركة غزة، بما في ذلك الفرق الاحتياطية، ولم تستثن سوى الفرق الإقليمية التي تعمل كقوات لحرس الحدود في مناطق محددة. بدأت إسرائيل المعركة بفرق الاحتياط الثلاث التي تملكها، وهي الفرقة 36 والفرقة 162 والفرقة 252 احتياط، ثم قامت بإقحام الفرق الثلاثة 146 احتياط والفرقة 98 بر-جو والفرقة 99 احتياط.
أدى هذا إلى إثقال قوات الاحتياط الإسرائيلية بالمعركة، ما يعني ضرورة إنهاء هذه الحرب بسرعة نظرًا للتبعات الاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية التي يعنيها الإبقاء على تعبئة قوات الاحتياط، والتي تتكون من عناصر ليست مهمتها الاجتماعية ولا الاقتصادية ولا العسكرية الاستمرار في القتال لفترات طويلة. لذلك فإن إسرائيل تجد نفسها مضطرة إلى الانسحاب من قطاع غزة في أسرع وقت، خاصة مع استمرار المقاومة في تكبيد قواتها هناك خسائر كبيرة.
أمر آخر يجب وضعه في الاعتبار، هو إمكانية تأمين الإمدادات اللوجيستية لتلك القوات. قبل أيام، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قام بإسقاط سبعة أطنان من الإمدادات لقواته التي تقاتل في خان يونس، واستعرض ذلك بوصفه إنجازات تكنولوجيا له. لكن العملية تطرح سؤالًا حول اضطرار الجيش الإسرائيلي لذلك، وما قد يعنيه من عجز عن تأمين الإمدادات اللوجيستية لتلك القوات عبر خطوط إمداد بري.
الإشكالية الثانية هي أن إقحام ألوية المدرعات الاحتياطية، وتحديدًا الألوية 4 كرياتي و6 عتصيون و179 رام (علاوة على لواء 10 هاريل الذي تم استخدامه سابقًا في الشمال، ولواء 14 الذي يقال أنه يشارك في المعركة الجنوبية حاليًا) التي تستخدم ميركافا 3 الأقل تحصينًا يعني خسائر كبيرة في المدرعات الإسرائيلية جنوب غزة، قد تفوق الخسائر التي تكبدتها إسرائيل في المعارك الشمالية، وهي خسائر ستطال طواقم الآليات وليس الآليات نفسها فحسب، وهو ما ظهر بالفعل مع مقتل قائد دبابة في لواء عتصيون في الشمال، وعنصرين من لواء 179 مدرع في الجنوب، علاوة على عدد من عناصر ألوية 7 و401 المدرعين.
ظهر ارتفاع الخسائر الإسرائيلية مع ظهور تقرير يديعوت أحرونوت في التاسع من ديسمبر الجاري عن خمسة آلاف جريح لدى الجيش الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر (جرى حذف هذا الرقم من التقرير بعد نشره بساعات قليلة) منهم 2000 مصاب بإعاقات جسدية بالأساس، ما دفع الجيش الإسرائيلي للخروج في اليوم التالي بتأكيد أن عدد جرحاه لم يتجاوز 1593 جريحًا منذ السابع أكتوبر، وأن عدد جرحاه في العملية البرية لم يتجاوز 650 جريحًا.
كما أكد الجيش الإسرائيلي أن عدد قتلاه في العملية البرية إلى وقت الإعلان كان 104 قتلى فحسب، رغم أن إحصاء عدد القتلى الذين أعلن الجيش أسماءهم يُظهر أنهم يفوقون هذا الرقم بأربعة على الأقل، ما يدل على عدم دقة الإحصاء، هذا إذا سلّمنا بصدق الأرقام الرسمية الإسرائيلية.
حاول الجيش الإسرائيلي أن يخفف من وقع هذا العدد نفسه بادعاء أن 20 عنصرًا من قتلاه سقطوا بنيران صديقة أو في حوادث ميدانية، رغم أن هذا لا يعني ضعف المقاومة أو كفاءة الجيش الإسرائيلي، وإنما يدل على إخفاق القوات الإسرائيلية في تأمين مواقعها وتنسيق تحركاتها، وضراوة المواجهات التي تخوضها.
مع ذلك، ظهر تباين واضح بين أرقام الجرحى التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي وأرقام المستشفيات الإسرائيلية، خاصة مستشفى سوروكا في بئر السبع التي أعلنت في مناسبات متتابعة أعدادًا مرتفعة من مصابي الجيش الإسرائيلي يوميًا بالعشرات، إلى الحد الذي اشتكى معه مدير المستشفى من الضغوط التي يتسبب فيها ذلك.
تضيّق هذه الخسائر من الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية التي يمكن حصرها الآن بين ثلاث خيارات:
- الأول هو الاستمرار في الحرب بهدف إعادة احتلال القطاع كما يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه، وهو الاحتمال الأضعف مع زيادة الخسائر الإسرائيلية بهذا الشكل وضغوط الاحتياط، وكذلك ظهور ضغوط أمريكية علنية بعد تصريحات الرئيس جو بايدن والضغط الاقتصادي الذي تمثله هجمات الحوثي على السفن المتجهة إلى إسرائيل عبر البحر الأحمر.
- الثاني هو التمركز في محاور تقسم القطاع كآلية أمنية تسمح لإسرائيل بشن عمليات محدودة في القطاع بموافقة أمريكية، وهي الآلية التي تواجه نفس الضغوط أيضًا، لكنها تبقى احتمالًا أقوى تحبذه حكومة الحرب على الأرجح.
- الخيار الثالث والأخير، ويبدو قريبًا في احتماليته من الخيار السابق، هو الانسحاب الإسرائيلي من القطاع بأكمله دون إعلان وقف إطلاق النار، والإبقاء على حشد القوات الإسرائيلية قرب القطاع حتى تتم إعادة ترتيب البيت الإسرائيلي من الداخل بمشاركة من الولايات المتحدة، وبحث الخيارات المطروحة للتعامل مع القطاع.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد