معضلة التحرر الوطني في عصر مكافحة الإرهاب
إحدى معضلات القضية الفلسطينية اليوم أنها قضية تحرر وطني في عالم لا يستوعب مفهوم التحرر الوطني. ينظر ساسة ونشطاء ومعلّقون كُثُر إلى القضية لذلك كأنها صراع إثني يعود إلى صدفة تاريخية وجغرافية جمعت العرب واليهود على تلك الأراضي المقدسة أو المثقلة بحمولات ثقافية وحضارية متشابكة.
وينقسم أصحاب تلك الرؤى بعد ذلك في مدى تقديرهم للعدوان الواقع على الشعب الفلسطيني، وصولًا لوصف إسرائيل بدولة الفصل العنصري، دون تركيز على الأساس الاستعماري لذلك الفصل العنصري وارتباط مقاومته لذلك بالضرورة بمشروع للتحرر الوطني. يجري ذلك بعد أكثر من نصف قرن من إنجاز كافة المستعمرات التقليدية حول العالم تحررها الوطني، وحلول نظام دولي جديد تشكل مع انهيار الاتحاد السوفيتي ولم يعد بإمكانه رؤية التحرر الوطني خارج مفهوم الإرهاب.
إعادة الاعتبار إذًا لمفهوم التحرر الوطني يفتح لنا الباب لرؤية التناقضات التي يكشفها هذا المفهوم في النظام الدولي الحالي، وتعيد لهذا المفهوم طاقته التحررية في سياق كوكبي.
(1)
بينما كانت المستعمرات الأوروبية في أوروبا وآسيا تتفكك عقب الحرب العالمية الثانية، كان الاستعمار الصهيوني يؤسس دولته عام 1948. لم يكن الاستعمار الصهيوني ذا طبيعة اقتصادية على غرار الاستعمار الأوروبي في القرن التاسع عشر.
لم يكن اليهود الذين أتوا إلى فلسطين من أبناء مركز استعماري أوفدهم لإدارة المستعمرة واستغلال سكانها الأصليين، وإنما كانوا جماعات بشرية مشتتة وفارّة من مجتمعات تجمعها بها علاقة ملتبسة جدًا، فهم ينتمون إليها ويتمايزون عنها في الوقت نفسه. لم تأت تلك الجماعات البشرية لإدارة استغلال السكان الأصليين لصالح المركز الاستعماري، وإنما للحلول محلهم واستيطان أراضيهم، ومن هنا جاء وصف المؤرخ الماركسي الفرنسي مكسيم رودنسون الدقيق للاستعمار الإسرائيلي بأنه استعمار استيطاني، لكن هذا الوصف نفسه كان يحتاج إلى إضافة أخرى تميزه عن أشكال الاستعمار الاستيطاني الأخرى في الجزائر أو جنوب إفريقيا، وهي أنه استعمار إحلالي.
لم يستهدف المستوطنون البيض في الجزائر أو جنوب إفريقيا القضاء على السكان الأصليين رغم عنصريتهم تجاههم. أما المشروع الصهيوني فقد تشبع منذ وقت مبكر بإيمان عميق بضرورة القضاء على السكان الأصليين، وهم العرب الفلسطينيون في هذه الحالة، من أجل إفساح المجال لإنشاء دولة يهودية حصريًا، وهي القناعة التي جسدتها مقولة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» التي أنكرت وجود الفلسطيني أصلًا.
كان زئيف جابوتنسكي، مؤسس الصهيونية التصحيحية التي طالبت بإسرائيل خالصة لليهود بدون أي سكان عرب، أكثر وضوحًا وصراحة مع النفس في إعلانه أنه لا مجال لوجود إسرائيل دون طرد العرب من أراضيهم بالقوة القاهرة. كما أدرك المفكر اليهودي آحاد هعام هذا الطابع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي للفكرة الصهيونية، ما دفعه إلى معارضتها.
تشبه إسرائيل الاستعمار الاستيطاني في الجزائر وجنوب إفريقيا، لكنها أشد شبهًا في الواقع بالولايات المتحدة. في الحالتين الإسرائيلية والأمريكية، كان المستوطنون بلا مركز: أقليات دينية طردتها أوروبا، ينتمون إلى أوروبا ويسخطون عليها في آن، عنصريون تجاه السكان الأصليين الذين أبادهم البيض في الولايات المتحدة، فيما فشل الإسرائيليون في ذلك، وتحرريون تجاه أوروبا كما تزعم الحركة الصهيونية عن نفسها إلى اليوم كحركة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني. لإسرائيل ألف وجه، كأنها الوحش ذو الرؤوس السبعة الذي رآه يوحنا.
كانت إسرائيل إذن مشروعًا استعماريًا منذ تأسست الحركة الصهيونية، وليس منذ 1967 كما يروق غالبًا للكتاب الليبراليين أن يصفوها، ماحين تاريخًا من الاستعمار والنكبة الفلسطينية كأنه تاريخ صراع إثني عرضي بين جماعتين جمعتهما صدفة تاريخية وجغرافية غير سارّة.
بدأ الإرهاب الصهيوني ضد العرب منذ اللحظة الأولى للاستعمار البريطاني، وبالتعاون المباشر معه، ولم يكن الصراع بين الصهيونية والاستعمار البريطاني في سنواته الأخيرة سوى صراع بين استعمار أوروبي اقتصادي واستعمار استيطاني إحلالي ذا طبيعة مختلفة. من هنا فقط يمكن فهم كيف شكّل التطهير العرقي بالنسبة لإسرائيل أداتها لتأسيس نفسها والغاية الثابتة لحركتها السياسية، كما ظهر في خطط المذابح والتهجير الصهيوني الممنهج للسكان العرب في ما عرف بالخطة «داليت» للهاجاناه، وتضمنت طرد السكان العرب من الأراضي المخصصة في قرار الأمم المتحدة لإسرائيل، ثم في منعهم من العودة بقانون منع التسلل، ثم في مصادرة ممتلكاتهم بقانون أملاك الغائبين.
يشكل الفصل العنصري مرحلة ضرورية جديدة في هذا المشروع نفسه لا اختلافًا نوعيًا في السياسات الإسرائيلية. وضعت إسرائيل السكان العرب تحت الحكم العسكري حتى عام 1966، وسمحت باستيعابهم بعد الاطمئنان تمامًا إلى رسوخ يهودية الدولة.
حتى الرؤى الإسرائيلية لحل الصراع سواء في شكل تسوية إقليمية كخطة إيجال آلون (التي طرحت التنازل عن جزء من الضفة الغربية لإقامة دولة فيها للفلسطينيين، وهي الأساس الذي بُنيت عليه صفقة القرن الأمريكية)، أو تسوية وظيفية كالتي طرحها موشي ديان في إطار كامب ديفيد (تُبقي السيادة على كامل أراضي فلسطين التاريخية لإسرائيل دون استيعاب السكان العرب وتركهم لإدارة ذاتية أو إدارة مرتبطة بالأردن، وهي ما انتهت إليه اتفاقية أوسلو)، اتسمت بتلك الرغبة في التخلص من الكتلة السكانية العربية كتهديد وجودي ليهودية الدولة، مع مصادرة موارد هذه الكتلة السكانية وعلى رأسها الأرض، وهو بالضبط ما يعرّف الاستعمار الاستيطاني الإحلالي ويفسر طبيعته الإبادية.
لم يعارض العرب يومًا العيش مع اليهود ضمن دولة واحدة. حارب العرب في 1948 ليس ضد وجود اليهود في فلسطين وإنما ضد تقسيم فلسطين، ثم طرح الفلسطينيون أنفسهم ومنظمتهم التحريرية فكرة دولة علمانية واحدة للعرب واليهود. أما حل الدولتين، فقد كان مقترحًا إسرائيليًا لم يستهدف العدالة للفلسطينيين، وإنما تجنب ضم السكان العرب إلى الدولة الإسرائيلية على نحو يهدد يهودية الدولة.
الحل السابق ليس حلًا في الواقع لأن طموح اليمين الصهيوني كالصهيونية التصحيحية (الليكود) والصهيونية الدينية لضم الضفة الغربية لا ينطلق من الأوهام الأيديولوجية فقط، وإنما من الحتمية الديموغرافية لارتباط الضفة الغربية بساحل فلسطين التاريخية (المدن الأساسية لإسرائيل اليوم) باعتبار الضفة الغربية هي الظهير الذي سيتمدد فيه النمو السكاني للساحل، وهي في الوقت نفسه التلال التي تحتل موقعًا استراتيجيًا بالنسبة له.
إسرائيل اليوم لذلك مشروع مأزوم يحتاج الأرض ولا يريد سكانها. كلما نمت الكتلة السكانية العربية في فلسطين التاريخية كلما أصاب إسرائيل المسّ بالتأكيد على يهودية الدولة.
تتحرك إسرائيل بقوة تجاه ضم الضفة الغربية، خاصة مع ارتفاع عدد المستوطنين فيها اليوم إلى نصف مليون مستوطن، يضاف إليهم نحو ربع مليون آخرين في القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل عمليًا منذ قانون القدس الشرقية سنة 1967، ثم قطعيًا بقانون القدس عاصمة إسرائيل سنة 1980. وظهر ذلك مؤخرًا في محاولة الزعيم الصهيوني الديني المتطرف إيتمار بن غفير بعد توليه وزارة الأمن نقل الضفة من إدارة حرس الحدود في الجيش الإسرائيلي إلى وزارة الأمن الداخلي، أي انتقال الضفة من شأن عسكري بما يناسب طبيعتها كأرض محتلة إلى مسألة أمن داخلي كأنها أراض إسرائيلية.
ما يمنع ذلك الضم المستهدف اليوم أنه سينهي إمكانية إقامة دولة للفلسطينيين، وبالتالي ضرورة أن تجد إسرائيل حلًا لهم كسكان لأراضي تقوم بضمها. هذا ما دفع رئيس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي) السابق وعضو الكنيست، آفي ديختر، لاقتراح قانون الدولة القومية الذي تم إقراره سنة 2017 الذي يحصر حق تقرير المصير في إسرائيل للشعب اليهودي، وهو قانون طافح بالعنصرية لا يمكن أن تحتمله دولة دستورية حديثة، دعك من دولة ديمقراطية.
(2)
يعني كل هذا أن مشروع المقاومة الفلسطينية هو بالضرورة وبحكم طبيعة الاستعمار الإسرائيلي نفسه مشروع تحرر وطني، بمعنى إعادة الاعتبار لأحقية الذوات الجماعية الخاضعة للاستغلال أو التصفية في بلدان جنوب العالم في امتلاك إرادتها السياسية على أرضية الديمقراطية والمواطنة. مشروع لا يكفي لإنجازه استعادة بعض الأراضي المحتلة لإقامة دولة عليها ضمن ألاعيب جغرافية على غرار صفقة القرن.
أخذ النظام الدولي الجديد يتشكل منذ السنوات الأخيرة في عمر الاتحاد السوفيتي، أي ثمانينات القرن الماضي، التي لم يعد معها الاتحاد السوفيتي قادرًا على لعب دور القطب الثاني عالميًا. في هذا الوقت، بدأت بنى السلطة في الرأسماليات الغربية الكبرى تتخذ شكلًا شبكيًا أكثر تعقيدًا بين رأس المال الكبير مع تضخم القطاع المالي، ودوائر السلطة السياسية في الأحزاب الكبيرة والمؤسسات العسكرية والاستخباراتية.
انتشار النفوذ الاقتصادي لتلك الرأسماليات اتخذ شكل اتفاقيات التجارة الحرة والديون السيادية وبرامج الإصلاح الهيكلي التي يفرضها الدائنون الدوليون بمعونة صندوق النقد الدولي، وهي برامج تضع السيادات الوطنية على طاولة بلياردو دولية تعيد فيها حركة أي كرة تموضع كافة الكرات الأخرى. أدى ذلك سياسيًا إلى انتقال النظام والعلاقات الدولية من التمركز حول مفهوم السيادة الوطنية إلى سيادة لامكانية تحظى بها الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها ممثلًا وحارسًا لمصالح وقيم كونية عابرة للحدود، وكان غزو العراق هو الذروة التي وصلت إليها تلك السيادة اللامكانية للولايات المتحدة.
لا يعني التحرر الوطني اليوم، إذا نظرنا إليه كمشروع استعادة للإرادة السياسية، استعادة الأراضي (السيادة المكانية) فحسب، وإنما يتعلق أيضًا برفض النفوذ الأمريكي والمالي العابر للحدود (السيادة اللامكانية). فاستعادة السيادة على الأرض لا تكتمل بدون قدرة السكان على صناعة قرارهم السياسي والاقتصادي ديمقراطيًا في مواجهة ضغوط الديون السيادية والإصلاح الهيكلي. تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها لذلك تقويض أشكال التحرر الوطني اليوم سواء في مواجهة استعمار إبادي كالاستعمار الإسرائيلي أو استعمار الديون من خلال الاستناد إلى مرجعية القانون الدولي والإنساني كمرجعية كونية تتجاوز السيادات الوطنية.
لعبت تلك المرجعية بالتأكيد دورًا تحرريًا في مواجهة ديكتاتوريات العالم الثالث التي جردت الشعوب من إرادتها وكانت هي نفسها غالبًا تابعة للولايات المتحدة ولمصالح مالية خارجية. لكنّ الولايات المتحدة وحلفاءها لطالما استخدموا تلك المرجعية لتبرير انتهاك السيادات الوطنية بأغراض استعمارية. وفي هذا المنظور، لا تختلف الحالة الخشنة لاستعمار العراق من قبل الولايات المتحدة بحجة بناء الديمقراطية ومواجهة أسلحة الدمار الشامل، عن الحالة الناعمة للاستعمار الألماني لليونان بحجة بناء الانضباط المالي واستعادة الديون.
يمثل لذلك أي شكل من أشكال المقاومة، وعلى رأسها التحرر الوطني، «إرهابًا»، وهي التهمة التي اختارتها المنظومة الدولية الجديدة لابتزاز مقاوميها وتبرير سحقهم. فإذا كانت تلك المنظومة تدّعي إقامة شرعيتها على القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن الإرهاب هو التهمة المناسبة لخصومها بما هو خروج على القانون الدولي وحقوق الإنسان.
الإرهاب، هو الخصم الذي اختارته تلك المنظومة الدولية لنفسها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وهو انعكاس مرآة لتلك المنظومة نفسها. هو أيضًا شبكي ولامكاني، ينتهك القانون الذي تسعى هي إلى حمايته، لذلك ينطبق هذا المفهوم بالضرورة على أشكال مقاومة تلك المنظومة بحكم أن تلك الأشكال من المقاومة تتم غالبًا على مستوى دون مستوى الدولة. وهكذا، أخذت مفاهيم مكافحة الإرهاب والحروب غير المتكافئة تسيطر على التصورات العسكرية الجديدة للجيوش الغربية والجيوش التابعة لها. وشرع التدخل العسكري يتخذ شكل ممارسة شرطية تقوم من خلالها الولايات المتحدة بصحبة تحالفات دولية على الأغلب بتدخلات جراحية تشبه أداء الشرطي الذي يلاحق الخارجين على القانون الدولي هنا وهناك، من ضربات الناتو الجوية لصربيا سنة 1999 إلى التحالف الدولي ضد داعش سنة 2014.
يحاول النظام الدولي الحالي إذن احتكار العنف وممارسته بمنطق الشرطي وإخضاع المدينين للإلزام المدني أمام الدائن تمامًا كأننا في دولة كونية تقوم بمهام قضائية وشرطية على أساس مرجعية قانونية واحدة هي مرجعية القانون الدولي، ويتخذ أي شكل من أشكال العنف حتى إن انطلق من الحق في المقاومة على أساس التحرر الوطني صفة الإرهاب.
تمثل إسرائيل مع ذلك مفارقة بحد ذاتها، فهي خرق متجسد لكل قواعد القانون الدولي من قرار التقسيم نفسه الذي تجاوزته إسرائيل وجريمة التطهير العرقي التي قامت بها في حق السكان العرب، مرورًا برفض الانسحاب من حدود 1967، إلى الاستيطان وضم المناطق المحتلة كالقدس الشرقية والجولان، وصولًا إلى سلسلة من الجرائم التي لا تتوقف بما في ذلك جريمة الفصل العنصري والإبادة الجماعية في قطاع غزة.
لم يكن من الممكن احتمال دولة كإسرائيل في المنظومة الدولية الحالية التي تخلت عن تلك الأشكال البدائية من الاستعمار والعنصرية إلا لكون إسرائيل عنصرًا أساسيًا في تلك المنظومة. تمثل إسرائيل الحل النهائي للمسألة اليهودية من منظور غربي، ويهدد اضطرابها المجتمعات الغربية من داخلها وليس فقط النظام الدولي الذي تتحرك في إطاره تلك المجتمعات.
إسرائيل أيضًا منذ الستينات على الأقل الشرطي الذي عيّنته الولايات المتحدة لإدارة المنطقة الأكثر استراتيجية في العالم غير الغربي، أي منطقة الشرق الأوسط، التي تحتل قلب الخريطة العالمية ويزيدها النفط مركزية. أثبتت إسرائيل كفاءتها في أداء هذا الدور منذ 1967، عندما تمكنت من هزيمة ثلاثة جيوش عربية في ستة أيام. ولم تعبّر معركة أكتوبر 1973 عن انتصار عربي، بقدر ما عبّرت عن تسليم بقواعد هذا الدور ومحاولة لتحسين شروطه لا أكثر عبر سلسلة من اتفاقات السلام والتطبيع وصلت اليوم إلى التبعية لإسرائيل لا التسليم بدورها الإقليمي.
استوعبت إسرائيل المنظومة الدولية سريعًا منذ تأسيسها وانخرطت فيها بكفاءة وتحولت إلى لاعب أساسي في منظومتها الأشد حساسية، أي المنظومة الأمنية الدولية، التي قدمت إسرائيل لها خدمات استخبارية وأمنية جليلة من ضرب الاتحاد السوفيتي والحركات الشيوعية في إندونيسيا وأمريكا اللاتينية، وإلى تقنيات التجسس والسيطرة الأمنية والتسليح التي تنتجها إسرائيل اليوم.
يكتسب مفهوم التحرر الوطني عمومًا، والتحرر الوطني الفلسطيني اليوم تحديدًا، طاقته الهائلة بوصفه مشروع مقاومة من تلك التناقضات التي تجمعه بالنظام الدولي الراهن الذي لا يمكنه أن يستوعبه فضلًا عن أن يقبله، ويحاول لذلك وصمه بالإرهاب عبر تمييزات القانون الدولي التي تتحدث عن استهداف المدنيين دون مراعاة لحالات استعمارية واستيطانية كالحالة الإسرائيلية التي يذوب فيها أحيانًا الخط الفاصل بين المستوطن المدني والمستوطن الجندي.
التحرر الوطني هو تهديد لكل تلك المنظومة في مستواها العالمي الذي قد يكسر مفهوم مثل التحرر الوطني على أرضية الديمقراطية والمواطنة آلياته الاستعمارية الجديدة كالتكيف الهيكلي والإخضاع بالديون، وفي مستواها الإقليمي الذي تلعب فيه إسرائيل دور شرطي المنطقة أو فتوتها الذي يحافظ على إخضاع سكانها وعدم تمردهم. ولا يعود سخط الحكومات العربية على المقاومة الفلسطينية بالمناسبة لمجرد الصراعات بين المحاور في الإقليم ولا إلى علاقات تلك الحكومات بالولايات المتحدة والنظام الدولي، وإنما أيضًا إلى واقعة أن تلك المقاومة هي «تروما» تلاحق التسليم العربي بقواعد اللعبة الأمريكية-الإسرائيلية المستقرة منذ 1967.
تحمل القضية الفلسطينية وحركة التحرر الوطني الفلسطيني كل هذا الثقل الدولي والتاريخي على ظهرها، وهو ما يعطيها كثافة رمزية ويفسر تعقيداتها على هذا النحو العجيب. على الحركة التقدمية العالمية إدراك تلك الأبعاد المركبة للقضية الفلسطينية بعينها، وكذلك إحياء تراث التحرر الوطني إحياءً نقديًا يعيد تفعيل تلك الحركة التي كسرت الاستعمار القديم بشكل يسمح لها بمواجهة جادة لآليات الاستعمار الجديد.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد