مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
تبنى ثلاثة من الإعلاميين والصحفيين المصريين خطابًا يتماهى مع الأصوات الخليجية مفاده أن مصر تخلت عن أشقائها العرب فى الحرب الدائرة الآن فى الخليج، وصل الأمر إلى حد إدعاء أحد الصحفيين الذين تم استبعادهم من «المتحدة»، الشركة الحكومية التي تتولى إدارة أغلب الإعلام والإنتاج التليفزيوني في مصر، أن الحكومة تأثرت بخطابات اليسار والإخوان الذين يسعون لضرب العلاقات المصرية الخليجية.
واشتعلت مواقع التواصل الإجتماعى بانتقاد هذا الخطاب من أصوات محسوبة على السلطة وضدها فى آن واحد، وبلغ الأمر حد اتهامهم بتملق دول الخليج على حساب مصر.
لكن الأمر لا يستحق كل هذه المشاحنات غير المحمودة بقدر ما يتطلب الهدوء والتروي فى تحديد الموقف من هذه الحرب لأنه في كل مرة تشتعل فيها المنطقة، يعود السؤال نفسه بصيغة أكثر حدة: ماذا يجب على مصر أن تفعل تجاه الخليج؟
هل تُطلب منها المساندة بلا حدود؟ هل تُستدعى كلما اقترب الخطر؟ وهل يصبح واجبها القومي أن تتحمل تبعات سياسات لم تشارك في صناعتها أصلًا؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية. إذ يقف الإقليم بأسره على حافة اشتعال واسع، والتحالفات العسكرية لم تعد خافية، والاصطفافات الإقليمية والدولية غدت أكثر صراحة من أي وقت مضى. السعودية عقدت شراكة دفاعية مع باكستان، والإمارات نسجت علاقات دفاعية متقدمة مع الهند، ودول عربية عدة ربطت أمنها الميداني بالمظلة الأمريكية والغربية. وفي المقابل، لم تعلن أى دولة خليجية أنها طلبت مساعدات أو دعم من مصر وأنها تقاعست عن تلبية نداء الأشقاء، كما أن مصر طرحت مرارًا وقت العدوان على غزة فكرة جيش عربي مشترك، ودعت إلى صياغة استراتيجية مشتركة للأمن العربي، لكن أحدًا لم يتعامل مع الطرح المصري بالجدية المطلوبة.
ثم حين يقترب الخطر، أو تتصاعد احتمالات الردود الإقليمية، يعود الحديث عن «الدور المصري» وكأن القاهرة مطالبة دائمًا بأن تكون سندًا استراتيجيًا جاهزًا، حتى لو جرى تجاهل رؤيتها، أو تجاوز مصالحها، أو تركها خارج ترتيبات الأمن التي صاغها آخرون لأنفسهم.
هنا يجب قول الحقيقة بوضوح: مصر لا تتخلى عن أشقائها لكنها أيضًا ليست ملزمة بأن تدفع ثمن خيارات لم تتخذها.
هذا ليس تنصلًا من العروبة، ولا تراجعًا عن التضامن، بل هو أبسط تعريف للسيادة السياسية. فالدولة التي لا تشارك في القرار، لا يمكن أن تُفرض عليها تلقائيًا كلفة نتائجه. والدولة التي حذرت من مغبة التوسع في الاعتماد على القوى الأجنبية، ومن تحويل المنطقة إلى مسرح مفتوح للقواعد العسكرية الأجنبية والعمليات والتحالفات المتشابكة، لا يجوز أن تُطلب منها لاحقًا مهمة الإنقاذ دون نقاش أو مراجعة.
ومع ذلك، لا يجوز أن تقرأ الصورة بسطحية أو بانفعال. فمصر لا تعادي الخليج، لا شعوبه ولا استقراره. بالعكس، مصر كانت ولا تزال من أكثر الدول العربية رفضًا لأي تهديد لأمن الخليج، وأكثرها إدراكًا لخطورة ضرب استقرار تلك المنطقة على الأمن العربي كله. كما أن الشعب المصري نفسه لا ينظر إلى شعوب الخليج باعتبارها خصمًا أو طرفًا معاديًا، بل يربطه بها تاريخ طويل من الجوانب الإنساني والاقتصادي والاجتماعي كافة.
لكن الفرق كبير بين حماية الشعوب، ومنح تفويض مفتوح للسياسات الرسمية. الفرق كبير بين مساندة الاستقرار العربي، والتورط في نتائج اصطفافات عسكرية لا تخدم إلا القوى الكبرى.
والفرق أكبر بين التضامن القومي، وتحول مصر إلى قوة استدعاء احتياطي كلما انفجرت تداعيات ترتيبات أمنية صيغت خارج الإطار العربي دون وضع رؤية مصر فى الاعتبار الذي تستحقه.
المشكلة الأساسية هنا أن بعض الأنظمة العربية تريد معادلة على هواها: تستند أمنيًا إلى واشنطن، وتنسج تفاهمات دفاعية مع قوى آسيوية ودولية، وتفتح المجال لترتيبات تجعل الإقليم كله تحت رحمة الصراع الدولي، ثم حين تتصاعد المخاطر، يُرفع شعار التضامن العربي، ويُستحضر الجيش المصري، ويُطلب من القاهرة أن تؤكد مجددًا أنها «لن تتأخر».
لكن التضامن الحقيقي لا يكون بهذه الطريقة الانتقائية.
التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار، لا من استدعاء النتائج. ويبدأ من بناء أمن عربي متوازن، لا من تهميش الفكرة العربية وقت الهدوء ثم استدعائها إبان العاصفة. ويبدأ من احترام وزن مصر ودورها ورؤيتها، لا من اختزالها في وظيفة الحماية عند اللزوم.
لهذا، فإن المطلوب من مصر اليوم ليس أن تدير ظهرها للخليج، ولا أن تمنح أحدًا شيكًا استراتيجيًا على بياض. المطلوب هو موقف واضح، حازم، وعاقل في آن واحد.
أول ما يجب على مصر أن تفعله هو التمسك الصارم بمبدأ أن أمن الخليج جزء من الأمن العربي، لكن ليس بمعزل عن طريقة إدارة هذا الأمن. لا يمكن حماية الخليج فعلًا إذا ظل بعضه جزءًا من ترتيبات عسكرية تفتح أراضيه وأجواءه ومرافقه أمام استخدامات عدوانية ضد دول الإقليم. فمن غير المنطقي أن تتحول الأرض العربية إلى منصة لضرب الآخرين، ثم يُطلب من العرب لاحقًا أن يتحملوا وحدهم فاتورة الرد.
وثاني ما يجب أن تفعله مصر هو أن تفصل بوضوح كامل بين الشعوب والسلطات.
شعوب الخليج ليست مسؤولة بالضرورة عن كل قرار سيادي تتخذه حكوماتها، ومصر ليست في خصومة مع هذه الشعوب أصلًا. على العكس، المطلوب خطاب مصري عاقل يحمي الوعي العام من الانزلاق إلى فخ الكراهية أو التعميم أو التحريض، ويؤكد أن الخلاف -إن وُجد- هو مع الخيارات السياسية، لا مع الشعوب.
أما ثالث ما يجب فعله، فهو مصارحة السلطات الخليجية بالحقيقة التي يتهرب كثيرون من قولها: لا يمكن طلب الغطاء العربي في لحظة الخطر، مع تغييب معنى العمل العربي المشترك في لحظة الاختيار. لا يمكن الاستقواء بالمظلات الأجنبية، ثم انتظار أن يعالج العرب التبعات كلما اقتربت النيران من حدودهم. ولا يمكن أيضًا الحديث عن الأخوة العربية، فيما القرار الأمني الفعلي رهينة لحسابات القوى الكبرى وقواعد اشتباكها.
هذه المصارحة ليست إساءة، بل قمة الوفاء السياسي. لأن أسوأ ما يمكن أن تفعله مصر بأشقائها هو أن تجاملهم حتى الهاوية، أو تصمت على سياسات تزيد المنطقة هشاشة، ثم تدفع الشعوب العربية كلها الثمن.
ورابع ما يتعين على مصر أن تفعله فهو إعادة تعريف دورها: لا كطرف تابع في اصطفاف، ولا كمنقذ يُستدعى عند الضرورة، بل كقوة توازن إقليمية تسعى لإطفاء الحرائق قبل أن تصل إلى الجميع. هذا هو الدور الذي يليق بمصر. دور يمنع الانفجار، لا يشارك في توسيعه. دور يردع من يهدد الأمن العربي، لكنه يرفض أيضًا أن تتخذ العروبة غطاءً لتمرير سياسات لا تخدم العرب.
وفي هذا الإطار، يجب أن تكون الأولوية المصرية واضحة: حماية الدولة المصرية أولًا، ومنع امتداد الفوضى إلى مصالحها وحدودها ومحيطها الحيوي، والعمل سياسيًا ودبلوماسيًا على منع تحول الخليج وإيران والبحر الأحمر والمشرق كله إلى ساحة حرب مفتوحة. فمصر ليست مطالبة بأن تدخل معارك الآخرين، لكنها مطالبة -بحكم موقعها وتاريخها- بأن تمنع المنطقة من الانتحار الجماعي.
إن السؤال الصحيح ليس: هل تقف مصر مع الخليج أم لا؟
هذا سؤال ناقص ومضلل.
السؤال الأدق هو: كيف تقف؟
آراء أخرى
إيران والخروج من الاقتصاد السياسي للإنجليزية
«عند نقطة ما في عملية فبركة الرضاء، يتضح الدور الحقيقي لهذا المسرح من الأكاذيب»
الحرب الصفرية
«حتى اللحظة تقاتل إيران وظهرها للجدار، فإما أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء.»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد