إيران والخروج من الاقتصاد السياسي للإنجليزية

كتبت بهار نوري زاده هذا النص العام الماضي، في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025 والتي امتدت لإثنى عشر يومًا، ونشره «مدى مصر» بالإنجليزية هنا. ورأينا أن نشره بالعربية اليوم، في أثناء الحرب الأمريكية- الاسرائيلية الممتدة على إيران اليوم، لا يزال ذو صلة.
عقب اندلاع «انتفاضة جينا» في سبتمبر 2022، وجدت نفسي أترجم بهاجس لا إرادي ما يحدث لأصدقائي العرب. جنون ونشوة اللحظة كانا قادرين بسهولة على الدفع بنا للانزلاق في فخ الكليشيهات العاطفية. كانت اللحظة تتطلّب جهد من الفنانين والشعراء والكتّاب لنقل فكرة مراوغة، يصعب التحكم في الكلمات حولها، عبر الجدار الحديدي الثقافي المشيَّد حول إيران. كنت مصرّة على أن المخاطَب في تلك الرسائل هم العرب. ففي النهاية، رغبتُ في أن أقدّم لهم صورة غنية ومركّبة: طقوس الحداد وقد تحولت إلى تعبئة وتنظيم جماهيري (اليوم السابع، اليوم الأربعين.. إلخ)، التداخل الشيعي بين الموت والحب الثوري، والتعقيدات، والهوامش، والبلوش والعرب والأكراد الذين تُقصيهم عموميات الفارسية السائدة. رغبتُ أن أُريهم ثورة أخرى، ربما تضاهي ما أحبّوه وتذكّروه من عام 1979. وكان هناك، في أغواري الخفية، شيء يشبه الفخر بالوطن. ربما يمكننا أن نصنع التاريخ مرتين خلال نصف قرن، هذه المرة بأبطال مختلفين جذريًا: النساء وطلاب الثانوية. في ذاكرتي، بقيت إيران مُعلّقة عند ذلك العمر، سنوات عمري في الثانوية، فيما كان الزمن يمضي في فسيفساء هجرتي. وخلال «جينا»، عادت تلك الفتاة الثانوية: مندفعة، وغير مكترثة بالعقلانية، وعصية على الانضباط. كتبت رسالة تلو الأخرى لصديقاتها، وهي تعرف تمامًا أنها تكتب بالنيابة عن غيرها، تترجم ما ليس لها.
بحلول الشهر السادس، تغيّرت المشاهد. لم تعد الشوارع تحمل صوت البهجة. الرقصات في المقابر وفوق شواهد القبور صمتت. وحلّ محلها ابتسامات هشة وأذرع موشومة لصبية صارت أسماؤهم في قوائم الإعدام. كانت الأمهات يضربن البوابات الباردة لمراكز الاحتجاز والسجون. تلاشى الشرر الثوري إلى اكتئاب. انفصلتُ عن تلك النشوة الجنونية. الهبوط الذي يتبع الصعود. ومعه جاء عار صامت -حرج من مشاعر تُركت لتنكشف- فخ واقع بُني على شاشة هاتف «آيفون» صغيرة، معلَّقة في دوامة الـ«دوم سكرولنج» اللانهائي لحرب ثقافية، في فضاء افتراضي لتشكيل الرأي، أو أيًا كان الاسم الذي نطلقه عليه.
إن عار المصالحة مع الخيال الجذاب المسمّى «شعبًا» هو أنه في الأيام الأولى لـ«جينا» بدا وكأن خطوط الفصل والحدود بيننا نحن في الشتات وبين من في إيران قد تلاشت مؤقتًا. شهدت مظاهرة برلين في أكتوبر 2022 عددًا غير مسبوق من المشاركين. صفوف طويلة من عشرات الآلاف بدت، لحظةً، وكأنها «الجموع». وإلى جانب سيل المحتوى على وسائل التواصل، كانت قنوات المعارضة -«إيران إنترناشونال»، و«تلويزيون من و تو»، و«BBC فارسي»- في كامل طاقتها، تغذي آلات «تويتر» وستوريهات «إنستجرام» بتيار متواصل من المادة الصحفية. أذكر بوضوح المجهود الصامت لتجنب محتواها، رغم ظهوره من كل زاوية على شاشتي. ومع أنني كنت فخورة بتفادي تلك المنصات، أصحو اليوم على فيض من قنوات «تيليجرام»، ومراسلين أفراد، وحسابات يديرها فنانون على «إنستجرام»، وناشطون مشاهير (حتى من داخل السجون)، ربما ساهمت في الترويج لهم دون قصد. كثير منهم يدعم اليوم علنًا عملية «تغيير النظام» الفاسدة عبر غزو عسكري.
ما زلت أؤمن بأن «جينا» كانت انتفاضة الهامش، انتفاضة النساء، وأن المهمة الأصعب على من يفكّر بمنهج مادي هي ألّا يقع في الفخ المريح والسهل للسرد الزمني للفشل، الذي يجعلك ترى الحدث بوصفه انقسامًا بالمنطق الظواهري للانقسام، يضعك في وقت واحد في أعقاب هزيمة (الاكتئاب) وفي ماضٍ ظافر (الميلانكوليا) -ما قبل النصر وما بعد الهزيمة. في مكان ما في حركة الثورة، يبدو كما لو أن صوتًا استُقطب، أو حركة اختُطفت -نقطة تتحول فيها الذات إلى بيدق. خلف لحظة الظهور تلك، هناك جوهر قائم منذ زمن: ثورة مضادة أصبحت في نهاية المطاف تيارًا سائدًا. وتجلّى ذلك، بالنسبة لي، في فجر 13 يونيو الماضي، حين ضرب الصاروخ الإسرائيلي الأول أذربيجان الإيرانية. في ومضة تلك القنابل الإسرائيلية، انفتح قوس كامل لعقود من صناعة الأسطورة الإمبريالية والهاسبارا الإسرائيلية الممَوَلة. عقود من صناعة الرضاء، من صناعة فكرة التحرير عبر طائرات «إف-35»، من رسم الحدود بين حيوات المدني وغير المدني، فيما تمحو «الضربات الدقيقة» أحياء كاملة من على وجه الأرض.
تظهر الصورة الجدلية من الماضي، كعملية إنقاذ في لحظة ملحة. في خطوط السماء التي تشكّلت من ذلك القصف الأول في 13 يونيو، ومن الكتابة غير الواضحة على شاهد قبر جينا الرمزي، وصورة روح الله الخميني وهو يهبط من طائرة الخطوط الجوية الإيرانية في مطار مهرآباد عام 1979، تلوح صورة أخرى وليدة: الحركة الخضراء عام 2009، وما أعقبها من إخفاقات. حدث آخر اقتلعت جذوره بروح المراجعات السائد في هذه اللحظة، حدث حاول كثيرون منا أن ينأوا بأنفسهم عنه. فعلى الرغم من حدوثها قبل ثورات وانتفاضات الربيع العربي، تلاشت الحركة الخضراء في خلفية الشرق الأوسط لسنوات تالية. لكنها عادت لتومض مجددًا في حرب الوعد التوراتي تلك في يونيو الماضي، فدفعتني إلى إعادة النظر فيها، محاولةً إنصاف بعض مطالبها التي مضى زمانها، وفهم كيف وصلنا للحرب بوصفه سؤال بنيوي، لا تسلسل زمني.
كانت الحركة الخضراء انتفاضة جيلي. «أين صوتي؟» المسيرة الصامتة لمليوني شخص يسيرون على طول شارع «آزادي» من ساحة الثورة حتى ساحة الحرية، الطريق نفسه الذي انطلقت فيه الرصاصات، وأُريق فيه الدم، والذي شهد رصيفه بعد 15 عامًا مسيرات وقنابل إسرائيلية. لم يخرج أحد منتصرًا من الحركة الخضراء، لا الدولة ولا الناس. بطريقة أو أخرى، تُرك الجميع في هزيمة حين انقشع الغبار -وخصوصًا، وقبل كل شيء، الحركات الاجتماعية من نقابات العمال واتحادات الطلاب إلى الشبكات النسوية القاعدية التي شكّلت الخطاب السياسي بعد ثورة 1979.
في فترة الإصلاح تحت رئاسة محمد خاتمي، فعّلت إيران بنيتها الدستورية والقانونية لتشكيل الجمعيات والنقابات. وبالاستناد إلى المادة 26 من الدستور وقانون الأحزاب السياسية لعام 1981، بدأ النظام يعترف رسميًا بالجمعيات الطلابية المستقلة، ونقابات العمال، والاتحادات المهنية، ومجموعات حقوق النساء، ويدمجها في المشهد السياسي والمدني الرسمي. وفي الوقت نفسه، منح قانون العمل لعام 1990 العمالَ حق إنشاء الجمعيات المهنية والمجالس العمالية الإسلامية والتفاوض الجماعي، إضافةً إلى ضمانات كإجازة الوضع وحد أدنى لسن العمل. ورغم استمرار القيود على النقابات المستقلة، مثّلت هذه الإجراءات تقدمًا مهمًا نحو نقابات عمالية ذات أساس قانوني ضمن إطار الدولة التنظيمي. من بين أبرز هذه المبادرات: نقابة عمال شركة حافلات طهران وضواحيها، ونقابة عمال مصنع قصب السكر في هفت تبه، وحملة المليون توقيع (لإلغاء القوانين التمييزية ضد النساء)، ونقابة المعلمين الإيرانيين، إلى جانب طيف واسع من الجمعيات الإسلامية في الجامعات التي ظلّت تعمل منذ الثورة وتسرّب إليها في تلك السنوات فصائل يسارية تقدمية وأعضاء من الجسم الطلابي.
تطوّرت هذه المجموعات خلال ولايتي خاتمي بشكل جدلي مع تحول الإصلاح من حركة شعبية نابضة إلى منظومة مؤسسية جامدة. ظلت استراتيجية خط الإصلاحيين الرسمي ثابتة: المساومة من أعلى، والمفاوضات خلف الكواليس بدل الفضاء العام، وهوس بانتزاع السلطة التنفيذية والتشريعية، والاكتفاء بالمشاركة عبر صناديق الاقتراع. ولم يؤثر على نقد الإصلاحيين لأنفسهم الفئات المهمشة، مثل الأقليات الجندرية والدينية والعرقية، والعمال المتعاقدين، والمهاجرين الأفغان، وسكان العشوائيات الذين وُصفوا في الخطاب الرسمي بالمجرمين والبلطجية. ابتداءً من عام 2000، ترددت فكرة «الانتقال إلى ما بعد خاتمي» لدى هذه المجموعات المستقلة التي انسحبت في نهاية المطاف من مشاركتهم الاستراتيجية في المشروع الرسمي للإصلاح، تاركةً المشهد الانتخابي مفتوحًا أمام محمود أحمدي نجاد، الذي بقي ناشزًا عن النظام الجمهوري الإسلامي حتى 2004، عام ولايته الأولى. ولكن، رغم التحديات والنكسات، وفي السنوات الثماني تلك، كان ثمة تنظيم قاعدي، يحدث على الأرض داخل هذه الحركات وعلى مستويات متعددة، من الريف مرورًا بالبلدات الصغيرة ووصولًا إلى المدن الكبرى.
عادت القوى السياسية التي صيغت في فترة الإصلاح المبكرة -وصارت الآن مقموعة جزئيًا وتعمل تحت الضغط، مستبعَدةً من التمثيل السياسي والفضاء العام- لتستعيد الشارع في انتخابات يونيو 2009. نقطة التجمّع لهذا المزاج العام كان مير حسين موسوي، أحد المؤسسين الأوائل للثورة ورئيس وزراء سابق قاد إيران خلال حرب الثماني سنوات مع العراق عبر اقتصاد موجّه تحت ظروف الحرب. ارتبط إرث موسوي ارتباطًا وثيقًا بالمُثُل الأولى للثورة -العدالة التوزيعية والمساواة الاقتصادية. وقد بعثت عودته إلى السياسة بعد غياب دام عقدين إشارة قوية إلى الدولة. وفي نزاعه الطويل مع المرشد الأعلى علي خامنئي، جسّد موسوي عودة إلى جوهر مبادئ الثورة التي كان يُعتقد على نطاق واسع أنها انحرفت عن مسارها خلال العقود الثلاثة السابقة، رغم أنه نفسه كان جزءًا من بيئة مسؤولة عن المجازر وإقصاء اليسار المنهجي خلال فترة ولايته.
ومع كل ذلك، في ظهيرة ذلك اليوم المشؤوم من 25 خرداد[1]، لم يكن موسوي هو من اعتلى الشاحنة وسط مليون متظاهر صامت في طهران ليدافع عن أصوات الناس. رأيت ذلك بعيني. لقد دُفع دفعًا للصعود. لم يكن موسوي هو من يتحدث. كان مترددًا في البداية في قول أي شيء. دُفِع إليه مكبّر صوت صغير وأُلصق بيده من قبل الحشود. كان الناس هم من تحدثوا عبر ذلك المكبر المتهالك. في تلك اللحظة، كان موسوي هو إرادة الناس.
بعد أربعة أيام، في خطبة جمعة سيئة السمعة، نطق خامنئي بالكلمة الفاصلة: «آراء السيد أحمدي نجاد أقرب إلى رأيي». كانت تلك الكلمات إعلان نهاية السردية التي ظلت متشبثة بإمكانية التمثيل الديمقراطي عبر الانتخابات، وأحلامها بالانفتاح الاجتماعي والثقافي. في أعين الجمهور، انضغط خطاب الإصلاح -الذي كان أوسع وأعمق وأكثر امتدادًا- في إطار ضيق لجبهة الإصلاحيين الرسمية[2]. ومع الوقت، أصبح الاثنان، خطاب الإصلاح المنفتح والآخر الرسمي مترادفين، يتشاركان الهفوات والإخفاقات، حتى بعدما نزعت الدولة آخر بقايا التيارات الإصلاحية من داخل بنيتها. شهدت السنوات اللاحقة انهيار كل مقاييس الحياة الاجتماعية: توسّع الفساد الاقتصادي تحت حكم نجاد، والقبضة الخانقة للعقوبات، ومزيد من القمع وتجريم المعارضة السياسية والصحافة والثقافة. ومع خيبة أمل متفاقمة من فشل الإصلاح الثقافي ومع الفقر المتزايد والانهيار المتواصل في القدرة الشرائية، تكوّن لدى الطبقات الوسطى استعداد للتخلي عن فكرة تقرير المصير ووضع آمالها في منقذ أجنبي. فإذا كانت الحركة الخضراء تشكّل عودة إلى المبادئ الاشتراكية لثورة 1979 -هذه المرة بمشاركة من حُرموا من وعد تلك الثورة- فإن ما تلاها مباشرةً كان مقدمة الثورة المضادة الطويلة في إيران.
ومن منظور ما سُمّي بـ«حرب الـ12 يومًا»[3]، كانت تلك هي اللحظة التي بدأت فيها الحملة الدعائية الواضحة والمتربصة لتغيير النظام، والتي كانت مدعومة من طيف واسع من جماعات الضغط اليمينية المتطرفة والصهيونية والمبشرين بها، تكتسب زخمًا خارج إيران. التحقت القنوات التليفزيونية الفضائية المفتوحة بقنوات الأقمار الصناعية ذات إنتاج رديء المستوى في لوس أنجلوس، التي كانت حتى ذلك الحين تستهدف في الأغلب حس النوستالجيا لدى جيل أقدم من شتات بعد الثورة، وكانت مادةً للسخرية والتسلية لمعظم من داخل إيران.
ومن بين أبرز هذه المنصات الإعلامية:
«تلويزيون من و تو» (تأسست 2010، تملكها شبكة «مارجان» التليفزيونية التي لا تزال هوية مموليها مجهولة حتى اليوم)
«إيران إنترناشونال» (أُنشئت في 2017 في لندن، مدعومة من مستثمر سعودي-بريطاني على صلة بالحكومة السعودية)
«إندبندنت فارسي» (تأسست في 2019، مملوكة ومدارة من قبل المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام)
«BBC فارسي» (بدأت كمنصة على الإنترنت عام 2001 وأطلقت قناتها التليفزيونية رسميًا عام 2009، مستهدفة الجمهور الناطق بالفارسية في إيران وأفغانستان وطاجيكستان)
بين هذه القنوات، برزت «من و تو» بوصفها المشروع النموذجي لهذه الاستراتيجية، إذ صممت برامجها بذكاء حول تليفزيون الواقع، وألعاب ومسابقات يقدمها نجوم ومشاهير سابقون مثل النجمة المحبوبة «كوكوش»، إلى جانب وثائقيات تتغنى بما يُسمى العصر الذهبي لماضي إيران الملكي وسلالة بهلوي. في مناخ بلغ فيه قمع الدولة للنسيج الاجتماعي في إيران ذروته، جذبت هذه المبادرات الناعمة -الممولة سعوديًا وأمريكيًا وبريطانيًا- جمهورًا متزايدًا. أنتجت «من و تو» وثائقياتها تحت مظلة برنامج «تونل زمان» (نفق الزمن). «الماضي يضيء الطريق إلى المستقبل، على أمل أن تبقى هذه الحقائق للأجيال القادمة»، هكذا جاء شعار السلسلة على موقع «من و تو»، وفق قواعد اللعبة اليمينية الدولية ومشروعها في احتكار النوستالجيا. وعلى ركام تواريخ طارئة يتوجب على اليسار الإيراني نبْشها، جاء «نفق الزمن» ليبرّر أحلام الرأسمالية التي لم تتحقق في عهد بهلوي عبر تشويه للحقائق وفبركة الأرقام.
وبالتوازي مع مسار «من و تو» الترفيهي، ركّزت «إيران إنترناشونال» حصرًا على التغطية الإخبارية. وبعد عام من الإبادة الجماعية في غزة، أعد مراسلها المقيم في تل أبيب، بابك اسحاقي، هذا المقطع الذي انتشر انتشارًا واسعًا، حين كتب بيده عبارة «امرأة، حياة، حرية» (شعار انتفاضة جينا) على أنقاض منزل مدمر في غزة. وفي عام 2022، كشف استطلاع مستقل أن «إيران إنترناشونال» هي أكثر منصة إخبارية مستقلة تأثيرًا داخل إيران، تصل إلى 33% من الجمهور في البلاد. كما أشار أكثر من نصف الـ27 ألف مشارك في الاستطلاع إلى أنهم يثقون بالقناة «جدًا» أو «إلى حد ما»[4].
عند نقطة ما في عملية فبركة الرضاء، يتضح الدور الحقيقي لهذا المسرح من الأكاذيب: من مجرد ناقلي أخبار إلى حرّاس للحقيقة يمنعونها عن الآخرين، يُقدَّمون إلى المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان، تتبعهم جوائز واحتفالات ومنح سلام ومهرجانات حرية التعبير وحفلات جوائز نوبل: بنية تحتية للترجمة تُدار تكنولوجيًا، كانت بالفارسية وصارت الآن بالإنجليزية.
ليس من قبيل المصادفة أن يبدأ فرانز فانون وصفه النفسي-الاجتماعي للذات المُستعمَرة من إشكالية اللغة. إذ بالنسبة إلى فانون، كانت «إنسانية المُستعمَر» في الكاريبي، ودخوله إلى الحضارة، تُقاس «نسبةً إلى درجة إتقانه للغة الفرنسية»[5] -بوصفها شيفرة أو مفتاحًا لفتح أبواب أُغلقت تاريخيًا في وجه شعبٍ. وفي حالة إيران المعاصرة، لا يبدو المأزق الذي وصفه فانون غريبًا أو بعيدًا، إلا أن فرنسية الإمبراطورية قد استُبدلت اليوم بإنجليزية السيطرة العالمية، وأُعيد تشكيل قضاء المستعمِر ليصبح قضاء الرأي العام الدولي. في حركة الترجمة المتكررة، نبدأ في رؤية أنفسنا من خلال نظرة الآخر الناطق بالإنجليزية، ذاك الذي قدّمنا أنفسنا له في السابق. نبدأ في التفكير في ذواتنا «بالإنجليزية»، أو بتعبير أدقّ: بإنجليزية حقوق الإنسان الدولية التي حلّت محل ألسنة السلطة الأقدم.
في مساء اليوم الثالث من القصف، لخّص بيان وقّعه ست من الشخصيات البارزة ذروة هذا المركّب العسكري-النفسي-الإعلامي: «لا للحرب، لا للتخصيب النووي، لا للجمهورية الإسلامية». وقد حمل البيان توقيع الحائزتين على جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي ونرجس محمدي، إضافة إلى جعفر بناهي ومحمد رسولوف، الفائزين حديثًا بالسعفة الذهبية في مهرجان «كان» وجوائز كبرى هامة. أدان البيان النظام الإيراني لسعيه إلى برنامجه النووي على حساب سلام الناس ورفاههم، من دون أي ذكر لإسرائيل بوصفها المعتدي الخارجي والمنتهك لسيادة إيران -وكأن المسيرات حلّقت بإرادتها الذاتية، وكأن الطائرات الحربية جابت سماء المدن الإيرانية بلا طيارين.
وكما أشار الكاتب رضا خندان مهابادي مؤخرًا، فإن مشاهير حقوق الإنسان هم «نتاج مشترك لقمع النظام العنيف من جهة، ودعم المؤسسات الإمبريالية من جهة أخرى. وبالنظر إلى الطابع الوجودي للحرب بين إيران وإسرائيل، أُجبر هؤلاء الأفراد على اختيار الانحياز إلى أحد الأطراف». بعبارة أخرى، فإن هؤلاء الأعزاء، الذين لا يُقاس وزنهم إلا بعملة رأس المال الاجتماعي الغربي، لا يملكون إلا هامشًا ضيقًا للاختيار؛ إذ إن عدم المشاركة يعني أن «سنواتهم الثمينة قد احترقت خلف القضبان -هدرًا، بلا درس مستخلص ولا حكمة مكتسبة».
قد يكون سفراء حقوق الإنسان هم الركائز الأساسية لهذه البنية التحتية الهائلة للترجمة، إلا أن مناخنا التشاركي في النشر جعل من كلٍّ منا مترجمًا على نطاق صغير لقضايا حقوقية، يعمل بلا كلل وعلى مدار الساعة عبر إنستجرام وإكس. تشكّل هذه الشبكة من المترجمين لجنة مناشدة مستمرة -لكنها من تناشد؟ من هو المخاطَب؟ من نخاطب نحن، أبناء الشتات الناطقين بالإنجليزية، حين نتوجه بهذا النداء باسم الإيرانيين داخل البلاد؟ نجد أنفسنا هنا في أرض مألوفة، حيث يتم نقد خطاب حقوق الإنسان- لكن من الضروري فهم خصوصية تكون هذا الخطاب في إيران كي نتمكن من استخدام أدواتنا النقدية بفعالية. والصورة التي تتكشّف في النهاية هي مشروع ثقافي مُقاد بعناية منذ عشرات السنين، يعتمد على رأس مال كبير، نجح في الاستيلاء على المخيال السياسي لشرائح متنوعة من الإيرانيين.
هؤلاء الإيرانيين ليسوا غرباء عنا؛ إنهم من أهلنا وأصدقائنا: الجيل الأكبر من اليسار المعارض الذي غادر إيران بعد الثورة، الرجعيون من كبار السن إن صح التعبير، الغارقون في مرارة وازدراء يسار ضائع، يتنقّلون بين مصايد ألعاب تافهة ومجموعات واتساب مليئة بالـ«كليك بايت» على هواتفهم الذكية؛ والجيل الأصغر الذي نشأ في غياب الحركة التاريخية بين الأجيال، في الداخل والخارج على السواء؛ وأولئك منا الذين تلقّوا تعليمهم في مؤسسات الديمقراطية الليبرالية الغربية، المشبعة بالصوابية السياسية ورهاب الإقصاء الاجتماعي، فيقعون -مشلولِين بخوف التناقض الأيديولوجي- في فخ «الطريق الثالث»[6]. وكأن ما يهم حقًا هو اتساقنا الأيديولوجي ونقاؤنا الأخلاقي في اللحظة الراهنة، فيما نترك المستقبل لفوضى مطلقة بلا أي خيال لتنظيم اليوم التالي لسقوط النظام. خيال لا يرعاه أحد، نعلم من تجارب المنطقة أنه ليس فارغًا أبدًا؛ بل أنه صورة مؤطّرة لدبي.
أعود مرارًا إلى تلك الهزّة الأولى: الحركة الخضراء عام 2009. تجربتي مع هذه الحركة منقسمة إلى شطرين: أعقابها التي عشتها في شوارع طهران مع أصدقائي، والاكتئاب والقمع في أشهرها اللاحقة، والتي قضيتها أنا في كندا خلال السنة الأولى من الهجرة. وهنا يكمن الفارق: المبدأ الوحيد الذي كان يجمع أطياف المعارضة المختلفة آنذاك هو «تقرير المصير، لا التدخل الأجنبي». خلال ما سُمّي بحرب الـ12 يومًا، فكّرت كثيرًا في الفروق بين أجيال الشتات الإيراني والمبادئ التي تمسّكت بها. بالنسبة لنا، نحن جيل الحركة الخضراء، لم تكن الأنشطة والحوارات والندوات والتجمعات التي نظمناها ضمن الحركة الطلابية في المنفى لامعة أو جذّابة، ولم تحظَ إلا بقليل من الاهتمام، إن حظيت بأي منه. كان معظم هذا المحتوى وتلك الجلسات يُنتج بالفارسية وللجمهور الناطق بالفارسية، ويقوده طلاب متطوعون، ويُعقد في حُرم جامعية لنا حرية استخدامها. وكانت تلك الحوارات عابرة للأجيال -نظّمناها نحن في العشرينات من أعمارنا بالتعاون مع آبائنا وأمهاتنا وأصدقائهم، ومع مشاركين أكبر سنًا من ثورة 1979 في المنفى. في الواقع، كانت تلك المرة الأولى، وأنا في العشرين، التي أقيم فيها صداقة مع جيل والديّ كرفقاء، مباشرةً، خارج إطار البيت وبنية العائلة. إنه لأمر مقلق، بل ومخيف، أن نرى كيف انتقلنا من تلك المطالب والأنشطة الواضحة إلى نغمة متكررة تصرخ بتغيير النظام بأي وسيلة ممكنة، خلال 16 عامًا فقط.
إن مساءلة الحركة الخضراء تقتضي، أولًا، تجاوز محاولات استعادتها السابقة بناءً على مبادئ اللاعنف، وإيمانها الأعمى بالحكم الديمقراطي، والطابع السلمي لاحتجاجاتها الذي صاغته حساسيات الطبقة الوسطى الحضرية. كذلك، فإن المدى الطويل للثورة المضادة لم يتخذ مسارًا متجانسًا؛ بل عرف تقلبات وقطوع خاصة به. فقد اندلعت احتجاجات 2019-2020، المعروفة باسم «نوفمبر الدامي»، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ومن اللافت أنها تفجّرت مع حضور محدود في المدن الكبرى مثل طهران، وتركّزت أساسًا في إقليم الأهواز العربي[7] والمناطق المهمّشة على الحدود الإيرانية ذات الوجود الأمني الطاغي. للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الانتفاضات ناشزة عن الطموحات الديمقراطية الكبرى لعام 2009. غير أنها، في خضم الاستمرارية المطردة لسياسات الخصخصة والنيوليبرالية التي قادتها الدولة، مثّلت لحظات متمايزة التقت فيها نضالات العمال والطبقات في إيران -والتي طُليَت، خلال العقود الأخيرة، بطوابع عرقية وجندرية- مع حركات دولية أوسع مناهضة لتوسع العمل غير المنظم. ورغم محدوديتها، أؤمن بضرورة إنصاف هذا البعد تحديدًا من حركة 2009 -ولا سيما كيف تنظّمت جماعات الشتات، في لحظة كان لا يزال بإمكاننا فيها الحشد خارج المخططات البراقة والضخمة المرسومة لنا، حين كان مبدأ تقرير المصير غير قابل للمساومة. إن استخدام ضمير المتكلم في هذا النص هو لتحديد موقعي بوصفه جزءًا من هذه الحالة العَرَضية: الشتات؛ وهو موقع أسائله، وعلّة أحملها.
للترجمة اقتصاد سياسي. ففي الانزياح نحو العالم البراق للإنجليزية، ندخل شبكة من مَنح القيمة تكون بالضرورة مسيّسة. إن النظام الرمزي ليس ساذجًا -تذكّروا كيف جرى تأطير الغزو الإسرائيلي الذي استمر 12 يومًا مرارًا بوصفه سلسلة «هجمات رمزية» على «مواقع رمزية» في إيران. «حرب رمزية»، إن صح التعبير. وعلى قدر ما يبدو ذلك مقلقًا، فإن نظام التمثيل الراهن لا يكتفي بالتبشير بالحرب (وقد أتقن هذا الدور في العراق)؛ بل هو منقوش في الذخيرة نفسها: في القنابل، والصواريخ، والمسيرات وفي الأجساد والمباني والمواقع والمشاهد التي يختار أن يحطّ عليها. وكما قالت رفيقة نسوية في إيران قبل الهجوم بأشهر: «أول قنبلة ستُلقى علينا سيُحفَر عليها على الأرجح: امرأة، حياة، حرية».
ربما يكون تنصلي من الإنجليزية في هذه اللحظة التاريخية مرتبطًا بمكانتها بوصفها الشفرة التي تحكم خطاب المهيمن، وهيمنة الدولار الأمريكي، والاستيلاء الكلي على الاغتراب والتجريد عبر السيطرة عن طريق القياسات والبيانات[8]. وفي هذا التنصل قدر من التشكك إزاء إمكانية إعادة امتلاك هذا الوسيط -الإنجليزية- واسترداده لذلك المشروع العريق المتنازع عليه: التضامن الدولي.
أعود مرارًا إلى استحضار إسلام الخطيب لمعضلة الترجمة في سياق عمل مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت خلال الستينيات، حين اتخذ «خيارًا استراتيجيًا بالتركيز على الجماهير العربية، أساسًا لأن الأجانب ممن كان لهم الوزن الحقيقي كانوا بالفعل موجودين إلى جانب الفلسطينيين ويقاتلون معهم». لم يكن التركيز على الترجمة آنذاك، وعلى خلاف اليوم، «بهدف الإقناع بقدر ما كان من أجل جَسر الهوة والبناء المشترك». إن رهانات الترجمة، كما يوضحها الخطيب ببلاغة، تتعلق بالأرضية التي ينطلق منها الكلام. كانت فلسطين يومًا لا وسيط لها؛ أن تكون معها كان يعني أن تكون هناك، مع أهلها، وقد جذبت إليها، عبر الحدود، فيالق من المقاتلين الفدائيين، جماعات وأفرادًا. تغير الكثير في المسافة الزمنية بين الستينيات واليوم، وإيران ليست فلسطين بلا شك. لكننا، نحن أبناء الشتات المنغمسين في الإمبراطورية، نستطيع بالمثل أن نصوغ نضالنا انطلاقًا من الأرض التي تقف عليها أقدامنا، وأن نتخلص من تلك الرغبة في الإقناع، ذلك التوق إلى الشرح والتأطير كي نصبح المثال الجيد لناقل الأخبار المحلي. أن نختفي من النظرة التي تُصرّ على أن نُفهم وفق شروطها. أن نتخارج من دافع أن يفهمنا جمهور مجهول الهوية ناطق بالإنجليزية. أن نفهم جمهورنا نحن، وقدراتنا ونقاط قوتنا في التواصل معه. وإلا فإن حالة اللايقين النيوليبرالية المسلم بها ستتدخل ببرنامجها المدفوع بالدماء لتملأ الفراغ الذي تخلّفه طهرانية وتشكك اختيار «الطريق الثالث». ستدفع صمت هذا الاختيار إلى خاتمة تغيير النظام بأي وسيلة كانت وكل وسيلة. أن تكون أقدامنا على الأرض -الأرض نفسها التي تكافئ «حريتنا» بعناوين الصحف والمصافحات الرسمية، وتعاقب مقاومة الإبادة والحرب، مثل مجموعة «فلسطين أكشن»، بالمداهمات والاعتقالات. فإذا استطعنا فعل ذلك، إذا أبقينا أقدامنا على الأرض، فسيأتي وقت نستعيد فيه الاغتراب[9].
انضمّ أصدقائي إليّ في مسيرة برلين عام 2022 ضمن كتلة النسويات والكوير. وصلت إحداهن مرتدية كوفية فلسطينية، كانت لافتة بغيابها عن بقية المشهد. لم تكن تلك برلين 2025. وقفنا هناك، وأنا أترجم كلمة المنظم الرئيسي، حامد إسماعيليون، في أذنها، كلمة كلمة. في ذلك المساء، وعلى العشاء، أشارت صديقة أخرى إلى الموكب الطويل الذي كان يسير بمحاذاتنا إلى اليسار، يرفرف فيه علم الملكية جنبًا إلى جنب مع العلم الإسرائيلي. انزعجت. كنت قد اقتطعته من المشهد في ذاكرتي. من كل نشوة التمرد في ذلك اليوم البرليني، كانت هذه اللقطة الوحيدة التي بقيت مع صديقتي. بعد شهر واحد، سينضم إسماعيليون إلى ائتلاف «جورجتاون»، إلى جانب النسوية-الإمبريالية المُحَرِّضة على الحرب مسيح علي نجاد، ووريث الملكية رضا بهلوي، وبحلول يونيو من هذا العام، سنراهم بين مشاهير حقوق الإنسان وهم يهتفون للحرب. احتاج الأمر إلى ثلاث سنوات، بين 2022 و2025، لتقدير مدى العطب الكامن في تلك الجبهة الموحّدة. وكلما استمرت مسيرات فلسطين الأسبوعية في لندن، بدا ذلك التجمع العابر في برلين أكثر فأكثر سرابًا شعبويًا.
أما عن القرارات، فأكثر ما أستطيع تخيّله طوباويةً للخروج من هذا الهذيان الثوري المضاد -وربما يبدو طفوليًا بعض الشيء- هو الالتحاق بدروس في اللغة العربية. نحن ورثة تقليد متعدّد الأصوات، في إقليم متعدّد الثقافات واللغات قبل المشاريع التدميرية لبناء الدولة القومية. ليس أمر مسألة تعددية وتنوع. على العكس تمامًا، فإن تعددية لغوية للحاضر تشقّ الخطاب المُبيَّض للمؤسسة الليبرالية، وتلتحق بصفوف اللهجات السرية واللغة المشفّرة التي تستخدمها الشبكات الخفية لتفادي الاصطياد. إن العمل من أجل عالم يتجاوز سيادة الدولار يستلزم الإيمان بعالم ما بعد هيمنة الإنجليزية، عالم نتبادل فيه عبر وسائل ووسائط أخرى، خارج وساطة الإنجليزية الاعتراضية.
وفي الأثناء، تظل الثورة حية. نتعرّف إلى بعضنا البعض عبر ضباب العقود وفواصلها الحدثية، ونُجِلّ: التغطيات الجديرة بالاحترام لصحفينا في الداخل، والمواقف صاحبة المبادئ لأسرانا تحت تهديد الإعدام، ولأولئك الذين يقاومون بأقلامهم، وكالعادة، معلّمينا في الشوارع، وفي الهوامش، وفي البيوت، وفي المصانع. وأتمنى حين تأتي انتفاضتنا القادمة، أن أترجمها لأصدقائي بالعربية.
هوامش
[1] 15 يونيو 2009 وفق التقويم الميلادي.
[2] جبهة «الثاني من خرداد»، وهي المظلّة الرئيسية للتنظيمات السياسية الإصلاحية، تشكّلت خلال السنة الأولى من رئاسة خاتمي.
[3] صِيغ تعبير «حرب الـ12 يومًا» أول مرة في تغريدة لدونالد ترامب، قبل أن تتاح لنا القدرة على منحها تسميتها الدقيقة. كما علمنا بالهجمات على المواقع النووية من خلال تغريداته. لاحقًا في هذا المقال، أتناول الكيفيات التي جرى بها تشفير هذه الحرب ضمن نظام رمزي -صُمّم وصُنّع ووُزّع عبر هذا التشابك بين العسكر والمنصة الإعلامية.
[4] تزامن ذلك مع تشديد قمع الدولة للحياة الثقافية في إيران، وهو قمع تسرّب حتى إلى المكاسب الصغيرة والفتحات المحدودة داخل حصن هيئة الإذاعة والتليفزيون الوطنية -مثل البرامج الأكثر إبداعًا على القناة الرابعة، التي كانت تركّز على السينما المستقلة والبديلة -الروائية والوثائقية-، والمسرح، وتحليل الأفلام، والندوات الفلسفية ونقاشات النظرية النقدية، والعلوم المستقلة وعلوم الهواة -إذ استُبدلت جميعها ببرامج متشددة تعيد إنتاج الدعاية الأصولية.
[5] فرانز فانون، «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، 1986، دار «بلوتو» للنشر، لندن.
[6] يتجلى ذلك في الشعارات من قبيل «لا للحرب، لا للجمهورية الإسلامية» التي رُدّدت خلال حرب يونيو، والتي تستبدل الإدانة الحازمة لاعتداء إسرائيل على دولة ذات سيادة بمكافأة رمزية بين طرفين، في إيماءة خاوية من أي رهانات سياسية.
[7] الاسم الذي يفضّله العرب الأهواز للإقليم المعروف رسميًا في السياقات الفارسية باسم خوزستان.
[8] تعلّمت هذا الدرس قبل كل شيء من خلال ممارستي كفنانة تعمل ضمن النموذج الفكري النيوليبرالي للفن -أي الفن المعاصر- الذي يحرّك سوقًا عالمية عبر ترجمة الخصوصيات المحلية كافة إلى مستوى مُسطَّح وموَّحد ولايقيني في المؤسسات الليبرالية، ويعيد ترميز المحسوس إلى نقاط بيانات بواسطة الإنجليزية.
[9] قد يكون الجلوس مع ارتباك عدم المقروئية هذه جزءًا من المسار، لكنه مع ذلك عمل لا بد من الاضطلاع به. لا يمكن تجاهل التضحيات المترتبة على الابتعاد عن الإنجليزية؛ فهي تنطوي على كلفة حقيقية. إذ تعني الخروج من شبكة الرؤية والتقدير داخل نظامنا الليبرالي-الديمقراطي، وما يرافقها من مكافآت مالية. وهنا يبرز سؤال التنظيم، والاقتصاد الصعب للاحتشاد، وبناء بنى تحتية للدعم يمكنها تسهيل هذا التخارج. وفي هذا الصدد، لا نحتاج إلى البحث بعيدًا: فالمبادرات الفلسطينية والمشاريع ذاتية التنظيم تقدّم لنا الإلهام والدليل معًا.
آراء أخرى
مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
«التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار»
الحرب الصفرية
«حتى اللحظة تقاتل إيران وظهرها للجدار، فإما أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء.»
فرص إسرائيل «المستحيلة» في مواجهة إيران عسكريًا
«حقائق الأمور وتوازنات القوى على الأرض تجعل من الخيار العسكري «شبه مستحيل»»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد