الحرب الصفرية
تحركت إسرائيل ضد إيران إذن، مستكملة مساعيها لفرض نفسها قوة لا تُنازع في الإقليم. من بوابة هجوم المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر، تمددت إسرائيل في الجهات الجغرافية الأربع بغية حسم مسألة أمنها مرة وللأبد، فليس السلوك الإسرائيلي مجرد محاولة من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، للهروب إلى الأمام من الأشباح التي تطارد مستقبله السياسي، بل إن السلوك الإسرائيلي كله هو تجسيد لعقيدة الأمن الإسرائيلي.
بحسب الفكرة الإسرائيلية، ليست المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية رد فعل من الشعبين الفلسطيني واللبناني على احتلال أراضيهما وانتهاك حقوقهما الوطنية، بل جزءًا من خطة إيرانية تطمح من خلالها إيران لفرض نفوذها في الإقليم عبر أذرع مسلحة تسعى لتقويض الأمن الإسرائيلي. لذا فإن 7 أكتوبر لم يكن عملًا فلسطينيًا بل تنويعًا على استراتيجية إيرانية عملت إسرائيل على ضربها عبر تكسيح المقاومتين الفلسطينية واللبنانية في حرب دامت نحو السنتين.
بالطبع، لا يمكن نفي أن كل خَصم من القوة الإسرائيلية أو استنزاف لها يخلق فراغًا في موازين القوة الإقليمية، ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، فإن إيران هي القوة الإقليمية المؤهلة لشغل هذا الفراغ. بل يمكن القول إن كل خصم من القوة الإسرائيلية هو في الأخير خصم من شرعية وجود إسرائيل في النظام الدولي كمخفر لمصالح الرأسمال العالمي تم تكليفه بفرض الطاعة على هذه البقعة الاستراتيجية من العالم؛ مخفر تم تجهيزه بكل ما يلزم كي يصير دشمة جاهزة للقتل في كل وقت. إن هذه الدشمة حين تتعرض لهجوم مثل 7 أكتوبر، إنما تدخل في تحدٍ وجودي.
على جانب آخر، بنت إيران مشروعها تدريجيًا، منذ سقوط الشاه. تقدمت إيران الثورة بمقاربة مختلفة تجاه المنطقة العربية، بدأت بدعم أنوية ما سيصير بعد ذلك حزب الله كقوة مقاتلة ضد إسرائيل، وتوطيد علاقاتها مع سوريا البعث، ومد الجسور مع المقاومة الفلسطينية، وبالتحديد فصائلها الإسلامية الصاعدة. بنت إيران سردية مشروعها حول فلسطين والتحرير ومقارعة إسرائيل. فليس بإمكان أي قوة إقليمية طموحة أن تخلق مرتكزًا لها في الإقليم، إلا من مساحة منازعة النفوذ الإسرائيلي أو الرضا بدور وكيل من الدرجة الثانية لدى القوى الرأسمالية الغربية. لأن إسرائيل بطبيعتها ككيان وظيفي تم تأسيسه لهذا الغرض لا يمكن أن تنافسها أي قوة إقليمية أخرى في هذا الصدد.
لسنا هنا في معرض تشريح بنية المشروع الإيراني، ما يهمنا هو ارتكازه على مفهوم للأمن القومي يقوم على خلق أو دعم بؤر التوتر حول إسرائيل، وعلى امتلاك قدرة ردع تمنع إسرائيل من توجيه ضربة قاصمة لها على غرار ما فعلته بالمشروع الناصري. وكان التصور الإيراني هو إعادة إحياء المشروع النووي بدءًا من الثمانينيات بالتعاون مع الصين وباكستان، ثم بالتعاون مع روسيا في التسعينيات. سعت إيران عبر خليط من السرية والمناورة والمماطلة إلى كسب الوقت، وظلت تعمل على توسيع قاعدة مشروعها النووي بسرية حتى عام 2002 حين اكتُشف مجمع نطنز النووي، وبدأت تفتيشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحاولات الغرب لكبح جماح إيران النووي للحفاظ على السلاح النووي كحق إسرائيلي حصري في الإقليم يفقد قيمته بمجرد تحصل الآخرين عليه.
كان اتفاق 2015 النووي تسوية مؤقتة أتاحت لإيران تخفيف حدة أزمتها الداخلية عبر رفع العقوبات الغربية، مقابل تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم عند 3.6% والتخلص من المخزون المخصب من اليورانيوم وعدم استحداث منشآت جديدة أو أجهزة طرد مركزي. باختصار، كان المطلوب تجميد البرنامج النووي الإيراني، مؤقتًا على الأقل، إلى حين توافر إمكانية اجتثاثه أو اجتثاث النظام الإيراني كله. غير أن وصول ترامب إلى الرئاسة الأمريكية، وانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، كان إيذانًا ببدء مرحلة الحسم، ليس فقط لصالح إسرائيل بل لصالح القوى الرأسمالية الغربية وحلفائها الإقليميين، الذين زاد اعتمادهم على إسرائيل كضمانة لأمنهم في مواجهة المطامح الإيرانية.
بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، استعادت إيران زخم عملية التخصيب ووصل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى 275 كيلوجرامًا عام 2025، وهو أكثر من ضعف مخزون العام 2023، الذي بلغ 125 كيلوجرامًا. غير أن «طوفان الأقصى» حسم أمر الصدام المباشر حول النفوذ في الإقليم ومعادلة الردع. وهو ما حاولت إيران تجنبه بأي ثمن بدءًا من عدم ردها أو ردودها المحدودة على الاعتداءات الإسرائيلية أو مؤخرًا حين عادت إلى المفاوضات النووية بوساطة سلطنة عمان في أبريل الماضي، كانت تلك محاولة منها لتأخير ما يحدث الآن، كون موازين القوى لم تعد في صالحها بعد كسر العمود الفقري لحزب الله وخروج غزة من دائرة التأثير العسكري، لتصبح إيران في مواجهة إسرائيل دون إسناد حقيقي حتى اللحظة.
في الوقت الذي كانت إيران تتقدم فيه نحو تصنيع سلاح ردعها الخاص، كانت إسرائيل تسابق الزمن عبر عمل عسكري طويل مدعوم من الإمبريالية الغربية لضرب ركيزة من ركائز الاستراتيجية الإيرانية، أي بؤر المقاومة في محيطها، حيث المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني يتعرضان لبطش آلة القتل الإسرائيلية على مدار عامين، فيما نجحت إسرائيل في الفتك بحزب الله كأقوى منظمة مسلحة في الإقليم. نموذج تفكيك حزب الله نفسه عبر مراحل تدريجية بدأ بمزيج من استهداف مخزونه الصاروخي وقياداته الميدانية والعليا ثم نظام اتصاله ثم ضرب رأس المنظمة نفسه، هو ما اتبعته إسرائيل في مواجهة إيران. ضرب حلفائها في المنطقة، ثم ضرب قيادات الجيش خلال الأيام الأخيرة والآن تواصل إسرائيل العمل. الفارق هو أنها تعمل في مواجهة ما يبدو مخزونًا صاروخيًا استراتيجيًا لدى إيران مكنها حتى الآن من الرد على إسرائيل وإيلامها.
الهدف الواضح الآن هو سعي إسرائيلي-أمريكي لتفكيك قدرات إيران النووية المتعاظمة، سواء صحت التقارير عن اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي أو لا، فإن إسرائيل -وفاءً لدورها كمخفر إقليمي للإمبريالية- كانت حددت لنفسها هدف نزع القدرة النووية الإيرانية بالقوة.
غير أن إسرائيل في سعيها الحالي تواجه معضلتها الرئيسية؛ إن قدرتها على الردع تنزف من حيث تحاول ترميمها، لأنها حين بدأت عملياتها الحالية ضد إيران، ووجهت برد فعل إيراني استهدف تل أبيب والمناطق المركزية في إسرائيل بهجمات صاروخية فعالة، ولأول مرة تصبح تل أبيب تحت تهديد مستمر بالخراب والقصف، وتصبح إسرائيل مكشوفة لعمليات قصف إيرانية مكثفة. باختصار، إن إسرائيل في سعيها لردع إيران فقدت ردعها. وتلك المعضلة هي ما ترشح الصراع للتصاعد.
إن إسرائيل حين بدأت عدوانها على قطاع غزة ثم لبنان وسوريا واليمن، كانت تستهدف تحويل الجميع إلى عبرة، ورسم خريطة المنطقة في ظل سيادة إسرائيلية تامة. غير أن هذا المشهد لا يمكنه الاكتمال إلا بتصفية الطموح الإقليمي الإيراني، ﻷن بقاء إيران وامتلاكها قدرة ردع نووية يعني ببساطة فشل إسرائيل في تحقيق أمنها المستدام ويفتح الباب واسعًا أمام انفراط عقد تحالفاتها الإقليمية التي تقوم على أساس بسط مظلة الأمن الإسرائيلي على كامل المنطقة.
بالطبع ليست الولايات المتحدة خارج المشهد وإنما في صلبه. فترامب منذ عودته يطالب إيران علنًا بالتخلي عن طموحاتها النووي، ويمكن القول إن تقرير المراقبين الدوليين حول النشاط النووي الإيراني كانت وظيفته خلق السياق الملائم للحملة الحالية على إيران، وإذا كانت الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بخلق السياق الدولي، وتسلحها بما يلزم لإعطاب المواقع النووية الإيرانية، وتقوم بدور محوري في التصدي للهجمات الصاروخية الإيرانية -مع إمبرياليات الدرجة الثانية، بريطانيا وفرنسا- فإن تدخلها المباشر سوف يتوقف على مدى تضرر العمق الإسرائيلي جراء الهجمات الإيرانية المضادة. تدخلها بمعنى المساهمة المباشرة في المجهود الحربي الهجومي على إيران لتدمير قدرتها النووية والعسكرية عمومًا، وإرغامها على الانكفاء أو خلق ديناميكية تؤدي في النهاية لإسقاط النظام.
لذا، القول بمحاولة نتنياهو لجر الإمبريالية الأمريكية للحرب يفترض ضمنًا أن الولايات المتحدة خارج المشهد، في حين أنها بالفعل من تديره، فهي التي تفرض العقوبات على إيران وتفاوضها على برنامجها النووي، وتسلح إسرائيل بالقنابل الثقيلة القادرة على ضرب المنشآت المحصنة، وتقدم لها منظومات الدفاع الجوي، وتتولى عبر حاملات طائراتها ومحطاتها الرادارية جزءًا كبيرًا من التصدي للهجمات الإيرانية على الأرض المحتلة.
إن التدخل الأمريكي المباشر من عدمه، والذي كانت إيران تخشاه ويمثل عنصرًا رئيسيًا في رسم مسار فعلها منذ أكتوبر 2023، يتعلق أساسًا بقدرة إسرائيل أو عدم قدرتها على تحقيق أهداف الحلف الصهيوني الإمبريالي المقدس. هنا لدينا مرة أخرى إسرائيل لا تستطيع التراجع، ولدينا على الجانب الآخر إيران لا تستطيع التراجع إلا عبر تغيير في النظام لأن التراجع في حد ذاته سوف يقوض النظام وشرعيته في المجمل. فإيران الآن على المحك، بمعنى أن ما حاولت تجنبه طوال سنتين لأجل المرور ببرنامجها النووي، صار أمرًا واقعًا، الخضوع له يعني التخلي عن المشروع النووي بعد خسارة الحلفاء الإقليميين، وهو ما سيطرح تساؤلات ضخمة حول ما تبقى من شرعية لنظام بنى مجده على سردية معاداة إسرائيل وتحرير فلسطين. لم تعد إيران تمتلك هامشًا زمنيًا للمناورة بمشروعها النووي، بل تواجه حقيقة أنها كي تمر بمشروعها النووي عليها أن تقاتل بالظفر واللحم، أو أن تتراجع تحت ضغط عسكري يصبح فيه الاحتمالين المطروحين إما تدمير البلد لأجل المشروع النووي أو التخلي عنه بما يعني تفكك النظام. حتى اللحظة تقاتل إيران بالفعل، في ظروف غير مواتية كما أسلفنا، لكنها تقاتل وظهرها للجدار، فإما أن تربح كل شيء أو تخسر كل شيء.
آراء أخرى
مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
«التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار»
فرص إسرائيل «المستحيلة» في مواجهة إيران عسكريًا
«حقائق الأمور وتوازنات القوى على الأرض تجعل من الخيار العسكري «شبه مستحيل»»
مصر والخروج إلى أزمات الإقليم
«لم يكن العامان الأخيران كالأعوام السابقة عليهما بالنسبة للسياسة الخارجية والدور الإقليمي لمصر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد