الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
في عام 2005، أصدر الدكتور سامر سليمان كتابًا هو في أساسه أطروحة دكتوراه في الاقتصاد السياسي، وضع له عنواناً لافتًا هو «النظام القوي والدولة الضعيفة». تحدث في الكتاب عن الهيكل الاقتصادي والسياسي للدولة المصرية في عهد مبارك، وكيف ترهلت وتراجعت التنمية وضعُفت مؤسسات المجتمع، في مقابل الصرف على بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية.
***
يُعتبر عالم السياسة الأمريكي، جول مجدال، من أبرز من تحدثوا بتحليلٍ مفاهيميٍ متقدم للعلاقة الجدلية بين الدولة والمجتمع في كتابيه: «المجتمعات القوية والدولة الضعيفة: 1988» و«الدولة في المجتمع: 2001»، وهو يرفض فكرة التقابل الصراعي بين الدولة والمجتمع، حيث يرى أن الدولة جزءٌ من المجتمع، وأن لها سمات عديدة لا تختلف كثيرًا عن باقي الهيئات الاجتماعية، ولكنها تسعى إلى السيطرة، وأن تكون وحدها المخولة بوضع القواعد والقوانين والتشريعات الحاكمة لسلوك الناس، وتسعى إلى تطبيقها عبر الوسائل الإكراهية التي تُسيطر عليها.
في المقابل، يضع عددٌ من كبار علماء الاجتماع السياسي، الدولة -عبر تجليها الأهم «السُلطة»- في مقابل المجتمع، كما يفعل عالم الاجتماع الأمريكي، تشارلز تيلي، الذي يرى في كتابه «الحركات الاجتماعية: 2004» أن المجتمع هو حيز سياسي في مواجهة السُلطة، وأن عليه التنظيم والتشكل في حركات سياسية واجتماعية وثقافية ونقابية تُمثل قوى ضغط وازنة ومؤثرة في مقابل جبروت السلطة السياسية المُهيمنة على الثروة والمُحتكرة للعنف.
وقبل ذلك، كتب ميشيل فوكو عبارته الشهيرة «حيثما وجِدت السُلطة، توجد المُقاومة». وفوكو الذي يُعد أيضًا من أبرز من اهتم بتحليل طبيعة السُلطة ومدى سطوتها وسعيها للهيمنة، ودراسة ميكانيزمات المقاومة التي يمارسها المجتمع للحد منها، يرى في كتابه «يجب الدفاع عن المجتمع» أن ديالكتيك العلاقة بين السُلطة والمجتمع لا تقوم على قواعد السيادة والقانون و«الحق في المقاومة»، بل تعتمد على مخزونات القوة والقدرة، وأنهما يتجابهان دومًا بتكتيكات متغيرة ومتحركة ومتعددة على قواعد الصراع، وفي إطار حقل «علاقات القوة».
في بعض دول الخليج، وفي السعودية تحديدًا -على عكس مصر مثلًا- ثمة صعوبة في وضع الخطوط الفاصلة بين النظام السياسي والدولة، فطبيعة التكوين والتاريخ أسهما في تكريس مستوىً من التماهي بين المفهومين، فلا دولة -بهذا الاسم والحدود والطبيعة- قبل النظام السياسي الحالي، ولا يمكن تصور الدولة بذات الكيان الحالي والجغرافيا نفسها من دون هذا النظام.
المسار العام في السعودية بشكل خاص -وتشاركها نسبيًا الإمارات وقطر- هو التطور اللافت في بناء الدولة القوية، في مسارات التنمية والاقتصاد والحوكمة والرقمنة والتشريعات ومكافحة الفساد والقدرات الأمنية الفائقة، وتقوية المؤسسة العسكرية، وبناء القوى الناعمة في الإعلام والثقافة. يُساعدها في ذلك مداخيل الريع المرتفعة، والاستقرار الداخلي، ووجود رؤى وخطط اقتصادية وتنموية جيدة، وشريحة واسعة من الكفاءات المحلية المؤهلة. وفي المقابل، ثمة غياب تام للمؤسسات الاجتماعية الأهلية، فلا مشاركة شعبية عبر انتخابات برلمانية أو بلدية، ولا نقابات مهنية، ولا مؤسسات مجتمع مدني، ولا صحافة حرة وغير حكومية. أضف إلى ذلك تقلص مساحة حرية التعبير إلى حدها الأدنى، الأمر الذي لا يستطيع معه المواطن انتقاد أي موقف للحكومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإن فعل فقد يتعرض للاعتقال. كل ذلك يُمثِّل التجلي الأبرز لما يُطلق عليه في العلوم السياسية «السُلطوية التحديثية» التي يُشكل مَلمَحها الأهم وجود «دولة قوية ومُجتمع ضعيف».
وفي السعودية، تسعى الدولة، بخطواتٍ ما زالت محدودة، إلى صهر الفئات الاجتماعية المختلفة «مناطقيّة ومذهبيّة وقبليّة» كي تتجاوز أوليّة الهويات المحلية الصغرى لصالح هوية أولى جامعة هي الانتماء إلى الدولة، وتسعى نسبيًا إلى تقليص شعور التهميش عند البعض عبر محاولات الدمج الاقتصادي والثقافي، ورفع نسبة مشاركة الفئات المُهمشة في جهاز الدولة ووظائفها العليا، وخفض نِسب التمييز المذهبي والمناطقي والجندري، وتعزيز حضور الإرث الثقافي والاجتماعي للمناطق الأخرى. لكن كل هذا المسعى الإيجابي يتم فقط عبر جهاز الدولة وذراعها التشريعي، دون أي مشاركة من مؤسسات مجتمع مدني ربما ستكون أكثر فاعلية في عملية التمازج الاجتماعي العفوي عبر المساحات الحيوية المشتركة.
وهنا يجدر السؤال: وما المشكلة في هذا الشكل للدولة؟ ما دامت السلطة السياسية تقوم بما يجب عليها تجاه التنمية والاقتصاد والتحديث وتُحقق نجاحات، حتى لو كان ذلك على حساب حرية التعبير والمؤسسات الأهلية، التي ربما لا تعني سوى فئة محدودة من الناس، ما دامت الحريات الاجتماعية والدينية مكفولة، وهو ما يعني القطاع الأوسع في المجتمع. نِقاش هذا السؤال هو العَصَب الرئيس لهذه المقالة.
***
في كتابهما «لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر» ابتدأ المؤلفان، دارن اسيموجلو وجيمس روبنسون، الفصل الأول من الكتاب بالحديث عن مدينة صغيرة تُسمى «نوغاليس» كانت تقع ضمن ولاية فيجو كاليفورنيا المكسيكية، ولكن بعد الحرب المكسيكية الأمريكية التي اندلعت عام 1846 وما تلاها من اتفاقية شراء أمريكا لبعض الأراضي المكسيكية، تم رسم الحدود الحالية الفاصلة بين الدولتين، وصادف أن امتداد هذه الحدود وصل إلى وسط مدينة نوغاليس فقسمها إلى قسمين، الشمالي صار ضمن الأراضي الأمريكية والجنوبي يتبع المكسيك.
سكان هذه المدينة المقسومة متشابهون في العِرق والثقافة والتاريخ، لكن المتابع لحال قِسمي هذه المدينة اليوم سيجد ما عبّر عنه المؤلفان بعنوان: «قريبون جدًا، ولكن مُختلفون جدًا». ففي القسم الشمالي من البلدة يبلغ متوسط دخل الفرد 30 ألف دولار سنويًا، ومعدلات التعليم فيها مرتفعة، وفيها مستوىً عالٍ من الأمان، كما تمتلك نظامًا صحيًا جيدًا، وبنية تحتية متطورة، ومعدلات السن فيها تتجاوز 65 عامًا. وفي المقابل يبلغ متوسط دخل الفرد في الشق الجنوبي أقل من خمسة آلاف دولار سنويًا، والبنية التحتية والنظام والتعليمي رديئان جدًا، والخدمات الصحية سيئة، ومعدل وفيات الأطفال مُرتفعة، والأمان فيها منخفض، ومعدلات السن فيها لا تتجاوز 55 عامًا.
بهذا المدخل بدأ المؤلفان -وهما أستاذان في الاقتصاد السياسي- كتابهما المهم والضخم «أكثر من 600 صفحة»، وذلك عبر التساؤل عن سبب هذا التفاوت الكبير لمجموعة سكانية تعيش في المدينة نفسها وتنتمي إلى ذات العِرق ولها التاريخ نفسه؟ وكانت الإجابة، التي استفاضا في شرحها بالأرقام والمقارنات والتحليل واستعراض تجارب التاريخ، هي أن التقدم والازدهار ليس مرتبطًا بطبيعة العِرق والدين والجغرافيا، بل بوجود «المؤسسات»، والسياسية منها قبل الاقتصادية.
هذا القدر من التفاوت بين المُتشابهين لا يقتصر بالطبع على مدينة نوغاليس، فثمة تجارب عالمية متعددة لشعب واحد في كيانين سياسيين متشابهين من حيث الحجم والموارد الطبيعية، ثم نجد فارقًا كبيرًا بينهما. كتجربة الكوريتين الشمالية والجنوبية، فإذا تجاوزنا الحديث عن مستويات القمع السياسي، فإن الفارق المعيشي بينهما هائل. فرغم أن عدد سكان كوريا الجنوبية هو ضعف عددهم في الشمال، إلا أن متوسط دخل الفرد في الجنوب يبلغ 40 ضعفًا في الشمال. والناتج المحلي لكوريا الجنوبية يعادل 70 ضعفًا لنظيرتها في الشمال. وسنجد فوارق كبيرة أيضًا في تجربتَي ألمانيا الشرقية والغربية قبل الوحدة.. فهل كان إخفاق بعض الدول ناتجًا من غياب الرؤية والمشروع الاقتصادي؟ لم يكن الأمر كذلك بالطبع.
بل قد يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية ذات المشروع والرؤية الاقتصادية تحقيق مستويات نمو مرتفعة تتفوق على مثيلاتها في الدول الديمقراطية. ففي تجربة الاتحاد السوفييتي مثلًا، تجاوز النمو الاقتصادي طوال الفترة بين عامي 1928 و1960 نسبة 6% سنويًا، وهي واحدة من أسرع وأطول فترات النمو الاقتصادي في التاريخ. حتى أن الخبير الأمريكي الشهير -الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد- الدكتور بول صامويلسون، تنبأ عام 1961 بهيمنة اقتصادية عالمية قادمة للاتحاد السوفييتي، وأن ناتجها المحلي سيتجاوز نظيره في الولايات المتحدة بحلول عام 1984.
وفي خمسينيات القرن العشرين، حصل في كوريا الشمالية الشيء نفسه. فبسبب الإدارة المركزية، والاقتصاد الموجه، وقرارات التأميم، ودفع الفلاحين نحو الصناعة، حقق الشمال معدلات نمو مرتفعة تجاوز فيها معدلات الشطر الجنوبي. وحققت المكسيك أيضًا في ظل قيادة الحزب الثوري، الذي أسسه لازارو كارديناس وخلفه بعد ذلك مانويل كماتشو، وخلال ثلاثة عقود (1940-1970) ما أُطلق عليه «المُعجزة المكسيكية»، حيث سجلت البلاد نموًا اقتصاديًا غير مسبوق، وتطورًا في الصناعة والإنتاج، وارتفاعًا في معدلات دخل الفرد وفي الرفاه الاقتصادي.
ثمة تجارب دولية متعددة لاقتصادات تقودها أنظمة شمولية وتُحقق معدلات نمو مرتفعة، ولمدد زمنية ممتدة أحيانًا. ولكن كانت المُحصلة لجميع هذه التجارب -كما حصل في الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية والمكسيك- هو التراجع الاقتصادي الحاد، وأحيانًا الانهيار. ويرجع السبب في ذلك إلى فشلها في أخذ خطوات جادة نحو بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية القادرة على تحقيق الاستقرار وضمان «الاستدامة».
وحتى في تجربة الصين، التي يتعامل معها البعض باعتبارها «استثناء»، فقد دخل اقتصادها منذ سنوات في مرحلة من التباطؤ، حيث سجل عام 2022 ثاني أبطأ نمو اقتصادي لديها في الخمسين سنة الماضية -الأول كان في 2020 بسبب وباء كورونا- وتُعاني انكماشًا هو الأعلى منذ عقود، وتراجعت نسبة المبيعات عند أكبر 100 شركة صينية بمعدل 40%، وبلغت نسبة الديون في الصين في كل القطاعات رقمًا مخيفًا يُقارب 300% من الناتج المحلي (في القطاع العائلي 60% والحكومة 110% والشركات 125%)، وبلغت نسبة البطالة بين الشباب رقمًا مرتفعًا يُقارب 20%. وكان رئيس الوزراء القوي، وين جياباو، قد حذّر من خطر تعثر النمو الاقتصادي إن لم يتم البدء بإجراء إصلاحات سياسية. وقد تكون الصين أمام مفترق طرق، فإما تعزيز بناء المؤسسات المجتمعية وفتح المجال، وإن بشكل متدرج، لمؤسسات المجتمع المدني والمشاركة الشعبية وحرية التعبير، أو أن اقتصادها المُصاب بالركود سيستمر في ذلك، وقد يتعرض لمزيد من التراجع. علمًا أن من أسباب نجاح الصين في تجربتها الاقتصادية في العقود الثلاثة الماضية هو تخففها من صرامة وانغلاق الاقتصاد الشيوعي، حيث أجرت تغييرًا كبيرًا في الهيكل الاقتصادي، وأنشأت مؤسسات هي أقرب إلى الرأسمالية والاقتصاد الحر، وفتحت البلاد للاستثمار الخارجي.
وفي المقابل، ثمة تجارب دولية متعددة لأنظمة هي أقرب إلى الشمولية، تولت الحكم في بلدان خرجت للتو من استعمار أو حروب وغارقة في الفساد والتخلف والفقر وانهيار البنية التحتية، وكانت ذات رؤية ومشروع اقتصادي وتنموي، فقادت بلدانها باتجاه التحديث والتطوير والصناعة والاستثمار، وفي ذات الوقت سمحت ببناء مؤسسات سياسية واقتصادية وثقافية خارج هيمنة الحزب الحاكم، وأخذت خطوات باتجاه التشاركية السياسية والاقتصادية وحرية التعبير والصحافة، فصارت بعد عقود من العمل المُنظم المُتراكم من أعلى دول العالم دخلًا، وأقلها فسادًا، وأفضلها في البنية التحتية، وأكثرها جذبًا للاستثمار، كما حصل في سنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وماليزيا، وسواهم. ورغبةً في عدم الإطالة باستعراض قصص نجاح هذه الدول، يمكن العودة إلى قراءة تجاربها المُهمة في مسيرة التحديث وبناء الاقتصاد والمؤسسات.
في إفريقيا، ثمة تجربة لافتة أيضًا، فمن بين دول جنوب الصحراء: موزمبيق، زيمبابوي، أنجولا، زامبيا، ناميبيا، وسواها، والتي حصلت على استقلالها من الاستعمار الأوروبي في العقد نفسه تقريبًا، ثم دخلت في صراعات قبلية وعسكرية على السلطة، ومحاولات للاستحواذ على الثروة، وتأسست فيها حكومات دكتاتورية، كانت دولة بوتسوانا هي الاستثناء من بينها. فرغم أنها، في سنة استقلالها، كانت من أكثر دول العالم فقرًا، وكان في كل أنحاء هذه الدولة 12 كيلومترًا فقط من الطرق المُمهدة، و22 مواطنًا فقط تخرجوا من الجامعة، ومئة شخص فقط هم من تخرجوا من المرحلة الثانوية، ومُحاطة بدول ما زال بعضها مُستعمرًا من الأوروبيين وتتعامل بعِداء مع أي دولة إفريقية مستقلة، إلا أن هذه الدولة، التي قادها بعد استقلالها الزعيم الوطني ورئيس الحزب الديمقراطي، سيريتسي كاما (1966-1980) والنُخبة الحاكمة معه، ثم خلفه كوت ماسير (1980-1998)، استطاعت أن تقوم -وبشكل مُتدرج- ببناء المؤسسات السياسية والاقتصادية التشاركية المتينة بالتزامن مع عملية التحديث، فأصبحت بعد فترة من الاستقلال والتحديث تجري فيها انتخابات مُنتظمة وتنافسية، ولديها قضاء مُستقل، ومؤسسات مُجتمع مدني، وجهاز حكومي عالي الكفاءة، وصحافة حرة، وبيئة استثمارية جاذبة، وجهاز فاعل لمكافحة الفساد، وسوى ذلك. وكانت النتيجة بعد عقود من العمل، أن أصبحت بوتسوانا وخلال أكثر من ثلاثة عقود (1965-2000) واحدة من أسرع دول العالم نموًا في الاقتصاد بمعدل يُقارب 8% سنويًا، ويوجد فيها أعلى متوسط دخل في إفريقيا -صار يتجاوز متوسطات دخل بعض دول شرق أوروبا- وهي الأعلى إفريقيًا في مؤشرات الشفافية والتنافسية والحوكمة ومكافحة الفساد، وذات مُعدلات عالمية مُرتفعة في جميع هذه المؤشرات.
هذه التجارب المتعددة هي ما جعلت مؤلفَيْ كتاب «لماذا تفشل الأمم؟» يختتمان كتابهما، الذي يتحدث عن عوامل وأسباب نجاح وازدهار وإخفاق الدول، بفصلٍ ضمناه خلاصتهما المُكثفة، كان عنوانه: المؤسسات، ثم المؤسسات، ثم المؤسسات.
وعلى عكس ما يظن البعض، من أن التحول الديمقراطي وبناء المؤسسات المدنية التشاركية لا يُمكن أن يتم سوى عبر نِضالات شعبية وثورات في مواجهة سلطات دكتاتورية رافضة. نجده في بعض حالاته تم عبر «مُبادرات» حكومات وقيادات وطنية لم تكن تواجه ضغطًا شعبيًا يُذكر. ففي حين انخرطت بعض الدول في مسيرة الانتقال الديمقراطي وتحقيق الرفاه الاقتصادي بعد نضالات شعبية طويلة بوجه سلطات مُستبدة وفاسدة رفضت أن تتخلى طوعًا عن امتيازاتها ونفوذها وثرواتها، كما جرى في عددٍ من دول أوروبا الغربية كانجلترا وفرنسا وإسبانيا وسواها. فثمة دول غربية أخرى كانت مُبادرة السُلطات في الإصلاح هي من قادت قاطرة التحول الديمقراطي والتحديث، كالنرويج والسويد والدنمارك.
أما التجارب الأكثر حداثة في العقود الأخيرة، والتي بدأت أولًا في التنمية الاقتصادية والتحديث، ثم أخذت خطوات باتجاه تطوير الحياة السياسية والتحول المُتدرج نحو الديمقراطية، وحققت فيها هذه الدول تقدمًا اقتصادياً كبيرًا في مُدد قصيرة نسبيًا، كتجارب سنغافورة وتايوان وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ وماليزيا وتركيا وبوتسوانا وسواها، وهي دول تتشابه في قلة ثرواتها الطبيعية -أي من دون ريع- ووجود كثافة سكانية مقارنة بمساحة الدولة، وكذلك تتشابه في قلة ومحدودية المطالب والنضالات الشعبية من أجل التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسي. فقد تحقق التطور في هذين المسارين، أو في أحدهما، عبر مُبادرات من قيادات وطنية -أشخاص أحيانًا وأحزاب في أخرى- نجحت في تحقيق قفزات اقتصادية كبيرة في جميع هذه الدول، وتطور ديمقراطي جيد في بعضها ومحدود عند أخرى. وكان الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو قد قال سابقًا جملة مُهمة في هذا السياق: «عندما تولد الدول، فإن القيادات هي التي تُنشئ المؤسسات، أما بعد ذلك فإن المؤسسات هي التي تصنع القيادات».
ولأنه لا يمكن التعاطي مع السياسة واستشراف المستقبل بمنطق الحتميات، فهناك دائمًا استثناء، و«أول مرة». ولأنه لا توجد قواعد هندسية للازدهار والتقدم، ولكن ثمة تجارب ونماذج يمكن استخلاص رؤى ونظريات منها، لذا لا يمكن الجزم بطبيعة المسارات التي ستنتهي إليها «السلطوية التحديثية»، خاصة مع غياب تجارب مُكتملة للتحديث في سُلطوية ريعية. ولكن بالإشارة إلى التجارب السائدة والنماذج المتكررة في العالم، فسنجد أن غالبها يُشير إلى مسارين اثنين: إمّا أن يؤدي التطور المُتراكم في ظل نظام سلطوي تحديثي إلى إجراء انفتاح سياسي وبناء مؤسسات باعتبارها من روافع النجاح وضمانات الاستدامة، كما حصل في الدول المُشار إليها -سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وبوتسوانا وسواها- وهذه الدول لم تتحول إلى ديمقراطيات راسخة، ولكنها أخذت خطوات جادة باتجاه التشاركية وبناء المؤسسات المجتمعية، فتوصف اليوم بـ«لأنظمة السلطوية التنافسية أو السلطوية الانتخابية أو الأنظمة الهجينة»، أو المسار الآخر الذي سارت عليه كوريا الشمالية وكوبا والاتحاد السوفييتي وسواها، وهو التراجع الاقتصادي الحاد، بعد سنوات وربما عقود من التقدم المُتسارع.
لأن مسيرة التحديث في ظل أنظمة سلطوية ستُعاني دومًا من قلق الاستدامة، ومحدودية ضمانات الاستمرار وتطوير البيئة التنافسية، وضعف القانون الذي يحمي الاستثمار من تدخل السلطة وشبكات المصالح. لذلك يغدو بناء المؤسسات نتيجة مُحتملة لعملية التحديث، ومن يقف في وجه بنائها كمن يضع العصي في عجلة استمرار التقدم. ويكفي لتأكيد ذلك العودة إلى أهم المؤشرات الدولية التي تُشير إلى أن أعلى 30 دولة في العالم في متوسط دخل الفرد، وجودة التعليم، والتنمية البشرية، وانخفاض نِسب الفساد، ومعدلات الشفافية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة، هي دول ديمقراطية. وذلك يُشير إلى أن الديمقراطيات قادرة على تأمين رسوخ مؤسسات الدولة، واستدامة تطور الاقتصاد، والتقليل من احتمالات تعرضه للانهيار.
***
وفيما يخص اعتبار البعض أن حرية التعبير والتجمّع وتكوين المؤسسات مسائل هامشية ما دامت الدولة تقوم بواجبات التنمية والتحديث، فذلك يرتبطُ غالبًا بغياب هذه المُمارسة في ذاك المجتمع، لأنه لا يكفي وجود «النقص» للشعور بمدى أهميته، بل يجب أن يتبعه ما سمّاه هيجل «الوعي بالنقص» الذي هو حالة من الإدراك الواعي للحق المسلوب وقيمته. فحرية التعبير وتكوين المؤسسات والمشاركة السياسية تقع في صميم مفهوم «المواطنة» القائم على العلاقة التعاقدية بين الفرد والسلطة وفق شطري معادلة الحقوق والواجبات. كما أن أهميتها في أي دولة تُعادل أهمية وجود القانون. فالدور الأساسي للقانون هو تحقيق «العدالة»، خاصة في احتمالات الوضع «الأسوأ» لا الأفضل في الاجتماع البشري. فهو مسؤولٌ عن حل النزاعات، وفض الخصومات، وحماية الضعيف، ورفع الظلم عن المظلوم، ووضع حدود لتمدد وهيمنة القوي. ولو افترضنا وجود «مُجتمعٍ مثالي» مُتحابٍ تسوده الأخلاق، ولا اعتداء فيه ولا ظلم، ويُحقق مصلحة الضعيف قبل القوي -بعض النظريات الأناركية تزعم إمكانية وجوده- لتضاءلت فيه كثيرًا الحاجة إلى القانون.
لذلك، تغدو المؤسسات الأهلية، الراسخة في أي مجتمع، ضمانة تماسك الدولة في لحظات الاضطراب والنزاعات، والحاجز المجتمعي المانع لانهيار الدولة الضعيفة. وهي في المُقابل من تقف أمام تغول السلطة واستبدادها، وتحد من تفشي الفساد. وهي من تُساعد السلطة الوطنية ذات المشروع والرؤية بالمشورة والنقد والمراقبة، وتسعى لمنع انحدار السلطة الفاشلة في طريق العبث والقمع والفساد. وحين يكون لرأي المواطنين قيمة في القرارات الداخلية والخارجية التي تتخذها الإدارة السياسية في بلدهم، فهذا يعني أنها لن تُقدِم -مثلًا- على التطبيع مع الكيان المُحتل لفلسطين والمُجتمع بغالبيته الساحقة يرفض ذلك. وسيكون لرأي غالبية الناس اعتبارٌ في حدود المقبول وغير المقبول اجتماعيًا وثقافيًا، ولن يغيبَ أحدٌ في السجن لأنه انتقد قراراً حكوميًا.
***
يمكن لبلدانٍ القرارُ فيها لحاكمٍ واحد يمتلك رؤيةً ومشروعًا، ويُحيطه مجموعة من المُستشارين النابهين، ولا وجود عنده لمُعارضة حزبية تضطره إلى عمل تسويات وتقديم تنازلات، ولا مؤسسات أهلية يجب إقناعها، ولا إعلام معارض يشغِّب عليه، أن تُحقق نمواً اقتصاديًا أسرع مما تستطيعه الدول الديمقراطية، لكونه يمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مهمة وضرورية لإعادة هيكلة الاقتصاد -مثل تقليص التوظيف الحكومي، وإيقاف الدعم عن بعض السلع والخدمات التي يستفيد من معظمها غير المُحتاجين للدعم، وقرارات أخرى مُتعددة تُقلل من ريعية الدولة- رغم كونها ستُقابل بمُعارضة شعبية. لكن هذه الدولة الخالية من المؤسسات هي أيضًا عُرضة لتراجع اقتصادي وسياسي مُتسارع في حال تغير الحاكم، بالوفاة مثلاً، أو تغيرت سياساته، فلا مؤسسات تمنع وتحد من اتخاذ قرارات كارثية.
ورغم الاختلاف الواسع في البيئة والثقافة والمجتمع، إلا أنه ليس من الشطط مُقاربة الطبيعة العقلية -من حيث الرعونة والارتجال- التي لا تختلف كثيرًا في تجربتَيْ ترامب والقذافي. وكانت النتيجة في التجربتين -رغم الفارق- هو وجود مؤسسات تُقيِّد وتحد وتمنع الرئيس من ارتكاب الكوارث في الأولى، فيما لا وجود سوى لقرار الحاكم ورأيه ومزاجه في الثانية. لذلك، حتى وإن كان صحيحًا أن تحقيق النمو الاقتصادي في دولة المؤسسات أبطأ مما هو عليه في دولة القرار الواحد، إلا أن الانهيار فيها أصعب كذلك، والتراجع فيها أقل وتيرة.
لذلك، وحتى لا نكون أمام دولة قوية ومُجتمع ضعيف ومُنقاد صعودًا وهبوطًا، من المهم أن تسعى النُخب السياسية والثقافية إلى بناء المجتمع القوي الفاعل الذي يُعبِّر عن نفسه بمؤسسات أهلية مُنتخبة ويشارك في القرارات السياسية والاقتصادية، وهو ما سيُشكل القاعدة الصلبة التي يتكئ عليها استقرار أي مجتمع ودولة، وحائط الصد الأول أمام أي تراجع قد يحصل حين تُعاني السلطة السياسية من نقصٍ في الكفاءة، والمانع لأي قرارات حكومية فاشلة أو ارتجالية.
شرعية التاريخ، ووجود الريع، والعمل المُتسارع في التنمية والتحديث وإعادة هيكلة الاقتصاد، وعدم تسيُّس الأجهزة الأمنية والعسكرية، يجعل الأنظمة السياسية في الخليج غير مشغولة بـ«سياسات البقاء» كما في بقية الدول السُلطوية التي تصرف الأنظمة فيها قدرًا كبيرًا من جهدها في صراعات الأجهزة ودوائر النفوذ ومراكز التأثير وقمع المعارضة واحتواء الجيش واللعب على توازنات القوى الاجتماعية والزعماء المحليين، وهو ما يمنح دول الخليج -في حال وجود قيادات ذات رؤية ومشروع- فرصة عالية للتقدم السريع، وبناء الاقتصاد، وتحقيق الازدهار، والتخفف من الاعتماد على الريع، وبناء المؤسسات المُجتمعية التشاركية الفاعلة، حتى تكون ضمانة للاستدامة والاستقرار.
آراء أخرى
العودة إلى منطق السياسة.. دليلك نحو «الاستبداد العقلاني»
«في معظم دول العالم، من يضع الحدود للجهاز الأمني ويمنع طغيانه هو القرار السياسي»
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
«ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية»
متلازمة التفاؤل والخذلان في السياسة المصرية
«الأغلبية الساحقة من شباب هذه الألفية الثانية تؤمن، بكل الفهم والوعي، أن الحل لم يعد تغيير هذا الرئيس»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد