«مستشفى الشفاء»: أرشيف تراجيديا الغزيين
عالم ليس لنا
في وقت ما خلال العقدين الماضيين، صار عقلي يستدعي، بإلحاح، العالم باعتباره طرفًا ينبغي مسائلته عمّا يحدث لنا داخل حدود مصنع العذاب المميت الذي شيّدته لنا إسرائيل في غزة، ويتلقى شعوريًا كل ما يصيبنا منها على أنه إمعان في امتهان كرامتنا الفردية والجماعية قبل الوطنية. ولذلك، ومثل كل الفلسطينيين في غزة، أصبحت مشاعر الحزن التي يلازمها إحساس ثقيل بالهوان عندي تستدعي الغضب على العالم كرد فعل دفاعي ليخلق توازنًا عاطفيًا لديّ، فيما أنا وكل الغزيّون نئن تحت ثِقل كل أسباب الأسى والشعور بالهوان.
صرت في اللحظات التي كان يتمكن فيها هذا الغضب مني، وربما مشاعر الضعف الشخصي، أمارس طقوسًا ذهنية عديدة. أفكر في إحداها كيف أنه لو قدّر لنا نحن الغزيون إجبار العالم على اختبار شيء من محنة عذابنا الأبدية في غزة، فما الذي كنا سنختاره له؟ شخصيّا، كنت سأخضعه لواحدة من اثنتين.
الأولى، أن يختبر المرء كيف يتطور داخل رأسه قصف مباغت لطائرة أف 16 تشنّ غارة مفاجئة على مخيم للاجئين. النظرات التي يتبادلها مع الآخرين في اللحظات التي تفصِل بين إلقاء القنبلة من الطائرة وصوت ارتطامها بالهدف، وامتلاء بصره بالوهج البرتقالي الذي يصبغ كل شيء من حوله. كيف يخترق صوت الانفجار أذنيه ليدخل إلى رأسه كمكعّب أسمنت، ثم يتسرّب سريعًا في أوصاله كمسامير تسري في شرايينه نحو قلبه، لتفجّر نبضه بقوّة وتتابع سريع يكاد يفتّت قفصه الصدري.
في الثواني التالية التي يتحقق فيها الفرد من أنه ما زال على قيد الحياة، يهبط صمت مهيب وظلام قاتم، سرعان ما سيمزقهما أنينٌ لشخص أُصيب أو صرخة حادة لأحدهم اكتشف أنه قد فقد عزيزًا في الغارة، وأضواء كشافات الهواتف المحمولة التي تستطلع ما حدث بين الركام. يتبع ذلك انتشار رائحة البارود المختلط بالغبار الكثيف ويبدأ سعال من سيُشارُ إليهم لاحقًا بـ«ناجين» من القصف.
أما الاختبار الثاني فهو أن يقتسم معنا جزءًا من ذاكرتنا الحمراء، التي يحتفظ بأرشيفها لنا: «مستشفى الشفاء».
«الشفا»
مستشفى الشفاء، أو «الشفا» كما هو مُتعارف على تسميته بين الغزيين، ليس مفردة مستجدة وفدت إلى نشرات الأخبار خلال أشهر المقتلة الحالية.
منذ العام 2000، تقتل إسرائيل على نحو يومي الفلسطينيين في غزة. المتغيّر هو في الحصيلة اليومية لعدد من تقتلهم بين فترة وأخرى. هل هي بالمئات مثل ما هو الحال عليه في جولات حروب الإبادة ومواسم التصعيد العسكري. أم بالعشرات، كما في أوقات الاجتياحات الموضعية والمسِيرات الشعبية نحو النقاط الحدودية، أو أنه واحد أو اثنين «فقط» سقطوا جرّاء الأنشطة العسكرية الروتينية للجيش الإسرائيلي على «الجبهة الجنوبية» خلال ما يُعرف في الاصطلاح النسبي عند الحديث عن غزة بـ«فترات الهدوء».
منذ ذلك الوقت وقبله، كان اسم «مستشفى الشفاء»، المستشفى المركزي في قلب غزة والأكثر تجهيزًا بالطواقم والمعدّات بين باقي مستشفياتها، يظهر كلازمة لغوية بيروقراطية في كل نشرات الأخبار، باعتباره المصدر المُعتَمد الذي تنقل عنه الرسائل الإخبارية للصحافة المحلية والدولية إعلانات تأكيد موت غالبية ضحايا عمليات القتل الإسرائيلي اليومي المستمرة منذ ربع قرن من الآن.
كان «الشفا» يضم قسمًا لثلاجات الموتى التي يتم إيداع الشهداء فيها، سواء الذين وصلت جثامينهم وقد فارق أصحابها الحياة، أو أولئك الذين كانوا يلفظون انفاسهم الأخيرة جرّاء إصاباتهم وهم على أسرّة أقسام المستشفى.
في صبيحة اليوم التالي، تنطلق مسيرات تشييعهم من أمام بوابة مبنى ثلاجات الموتى.
هكذا، وخلال الربع قرن الماضي، كانت العائلات الغزيّة تستقبل أخبار استشهاد أبنائها على يد الإسرائيليين في رِحاب مجمع مستشفى الشفاء الطبي، سواء عند إنزال جثامين أحبابهم -أو ما بقي منها- من عربات الإسعاف، أو لدى خروج الطبيب المعني بالحالة ليقول لهم: احمدوا الله على كل شيء.
احتضنت أسوار «الشفا» عند بوابات كل من المشرحة ووحدات العناية المركزة، وأقسام الطوارئ، أو في الساحة المركزية داخل المجمّع أشد اللحظات سوادًا وألمًا في حياة كل غزّي، حتى أصبح مستودعًا للتراجيديا، أكثر منه مستشفى، يحتفظ بأرشيف الذاكرة الدموية المشتركة لأهل غزة.
في سنوات فعلي السياسي في غزة، كان «الشفا» محطة المرور الأكثر تكرارًا بالنسبة لي في خطوط سيري اليومية: نُسعف جرحى الاجتياحات وعمليات الاغتيال التي يشنها الطيران الحربي الإسرائيلي في قلب المدينة أو نزورهم، وننقل جثامين الشهداء إلى هناك ثم نعود لاحقًا لنبدأ من عند بوابة مبنى ثلاجات الموتى تشييع جنازاتهم إلى مثواهم الأخير.
أيضًا، ولأن «الشفا» جغرافيًا هو قلب مدينة غزة وعقدة الوصل بين مختلف أرجائها، فلقد كان نقطة التجمع للفعاليات الرسمية التي أقصدها، أو لقاءاتي الشخصية في «مقهى ديليس» المُقابل لبوابته الشرقية. باختصار، ورغم الاضطراب الشعوري الذي يبعثه بي ذكره، فإن «الشفا» متجذر في وجداني العاطفي ويحتفظ بقطعة من كل ذكرى أحملها عن تلك الفترة.
ليالي الدم
في أوقات عمليات التوغل الليلية المباغتة للجيش الإسرائيلي التي كانت تحدث في المناطق الشرقية من غزة خلال العقد الأول من الألفية الثانية، كانت شوارع المدينة التي يقطع التيار الكهربائي عنها في غياب مصادر طاقة بديلة مجدية آنذاك، تغرق في ظلام دامس وتختفي الحركة منها لتصبح مُقفرة كمسالك مُوحِشة بين المدافن في مقبرة. تُمسي المدينة كلها كما لو أنها فناء مُعتم يحيط بمبنى مجمّع «الشفا» الذي يتوسّط سواد المدينة بأضوائه البيضاء الساطعة، فيما تتوهّج بالأحمر أطرافها، حيث تشتعل عندها المواجهات مع القوات الغازية.
في الطرقات الرئيسية الواصلة بين أطراف المدينة التي تومض بالأحمر ومركزها الذي يشعّ باللون الأبيض فيه مبنى «الشفا»، لا شيء حيّ سوى حركة العربات التي تنقل الموت واحتمالاته داخل أجساد المصابين بينهما. لا شيء يمزّق الصمت المطبق فيها إلا أصوات نيران المدافع والطيران الحربي وصوت سرينة الإسعاف.
كان كل تفصيل في ذلك المشهد يعيد تكرار نفسه في كل عملية اجتياح بتطابق لا يُصدّق. الطواقم الطبية نفسها، في الساحة المركزية أناس يبكون أو يقتفون أي أخبار عن أحبائهم، العشرات يحتشدون أمام المدخل الرئيسي للمستشفى يحاولون التعرف على هوية المصابين الذين تطرحهم المركبات المسرعة التي تقلهم أرضًا، لتهرع مغادرة من جديد من أجل جلب المزيد منهم.
كان يتم استنزاف وإشغال كامل الطاقة الاستيعابية لطواقم وأسرّة قسم الطوارئ في الطابق الأرضي بعد ساعة واحدة من بداية أي اجتياح. تصبح أعداد المصابين الممددين على أرضية القسم وبين ممراته أضعاف عدد الأسرّة المتوفرة في كل الأقسام. ولذلك كان يجري القسم الأكبر من عمليات إنقاذ حياة الجرحى وهم نائمين على الأرض. وترى أفراد الطواقم الطبية بسبب نقص العدد، والعجلة ومن أجل توفير الوقت، يلجؤون لأسنانهم في فتح مظاريف المستلزمات الطبية مثل الضمادات والحقن التي تمسكها أيديهم المرتجفة.
كانت الأولوية تُعطى للأطفال، ولم يكن لدى الأطباء وقت للاعتماد على أي شيء سوى أعينهم في تحديد درجات الأولوية للحالات التي بين أيديهم أو الممددة على الأرض، أو ما إذا كان لحالة صعبة ما فرصة للنجاة تستحق أن يخصص الطبيب منهم جهده ووقته لها على حساب الحالات الأخرى.
كان كل ما يدور داخل مبنى «الشفا» خلال تلك الليالي يبدو كمشاهد تم اقتطاعها من شريط مصوّر لكابوس مستحيل. ولكن لم تكن هذه المشاهد المروّعة وحدها ما نقشه «الشفا» في الجزء المخصص لي من الذاكرة الجماعية للغزيين عنها، بل كان هناك شيء آخر.
الرائحة
في أوقات المجازر، كانت أرضيات مدخل «الشفا» وقسم الطوارئ والطريق المؤدية إلى ثلاجات الموتى تتشبع بدماء الضحايا، الجرحى منهم والأموات. الهواء مُثقل برائحة الكحول واليود ومستلزمات تقطيب وتضميد الجروح وغسل أجساد الموتى من الدّم الذي تخثر عليها.
بمجرّد أن كان يمضي بعض الوقت على وجودي هناك، كانت تلك الرائحة تبعث لديّ شعورًا بالدوار. كانت صرخات النساء المكلومات، بكاء الأطفال، صيحات شجار الأطباء مع أفراد عائلات المصابين تتسرّب من أُذني إلى رأسي كسائل فوسفوري ويتمدد كالزّبد البحري فوق بصري. عند تلك اللحظة، كان أنفي يتوقف عن التقاط أي رائحة سوى الرائحة الزّنخة للدم المتخثّر فوق أرضيات «الشفا»، ولون الطوفان الفسفوري في رأسي يستحيل إلى أحمر دموي، فأفقد وعيي تمامًا.
حدث ذلك أول مرة لي وأنا في الواحدة والعشرين من عمري، حين علمت بنبأ استشهاد رفيقي سامر.
جرى استهداف سامر بواسطة زورق حربي إسرائيلي من البحر مع آخرين، خلال خوضه لاشتباك ناري بطولي ويائس في آن مع الطّرّاد، لتشتيت انتباهه عن عملية إنقاذ يقوم بها طاقم إسعاف لمصابين مدنيين على الطريق الساحلي لغزة عند مبنى «السفينة» في السودانية. قتله الطّرّاد، وعاد وأجهز أيضًا على طاقم الإسعاف والمصابين.
قطعتي من الذاكرة
بسبب تعطل شبكات الاتصال، كما كان يحدث عند كل توغّل برّي للجيش الإسرائيلي في غزة، فإن خبر استشهاد سامر جرى تداوله بشكل عشوائي بعد منتصف الليل ودون التأكيد التام لصحّته.
كنت تلك الليلة بصحبة رفيق عزيز آخر، كان من ضمن أول من وقع عليه الاختيار العشوائي لشبكة الاتصال لتنقل إليه الأخبار غير المؤكدة عن سامر، وبذلك كنّا من أوائل الواصلين لـ«الشفا» للتحقق منها.
في وسط الساحة الرئيسية للمستشفى، كان نادر، أحد أقرب أصدقائي منذ الطفولة في الشتات قبل عودتنا إلى غزة، جالسًا على حافة يبكي بصمت من دون أن يعبأ حتى بمسح دموعه، مرتديًا ملابس منزلية تشير إلى أنه جاء إلى «الشفا» على عجل.
أدركت أن شيئًا كبيرًا قد حدث ليضع نادر هناك بتلك الهيئة والحالة، ولكنني اخترت أن أتحقق من خبر سامر قبل أن أذهب إليه لأسأله، خوفًا من أن الأمر ربما سيعنيني بقدر ما عناه لنادر. كانت تلك واحدة من المفاضلات العقلية التي كان علي أن أُخضع نفسي لها عند بوابة «الشفا»، التي قطع علي الاستغراق فيها اقتراح من معي أن أذهب أنا تحديدًا إلى ثلاجات الموتى لأتحقق ما إذا كان الجثمان المسجّى هناك يعود لسامر.
كل شيء حدث في أقل من بضع دقائق، أتذكّر أنني تعرّفت إلى هويّة سامر لحظة نظرت إلى وجهه، واكتشفت وصول أفراد من عائلته قبلنا. كانت أدراج ثلاجات الموتى مفتوحة كلها ليتسنى للحاضرين مثلي التحقق من هويّة أصحاب الجثامين.
كان سامر ممددًا في الرف السفلي من الثلاجات، وبمجرّد أن وقفت بين الأدراج المفتوحة هناك حتى صعدت رائحة الكحول والدم إلى رأسي، وأصابتني بالدوار. حاولت أن آخذ خطوة إلى الخلف لأستعيد توازني، فاصطدم جذعي من دون قصد بدرج الثلاجة المفتوح ورائي، فاستدرت إليه لأرى ما فطر فؤادي، لقد كان الجسد المسجّى فيها لصديقي سعيد، ضابط الإسعاف الذي قيل إنه استُشهد بصحبة سامر.
حين بدأت رائحة الدم والكحول والإحساس بالدوار يصعد ويتكثف في رأسي وتتشرّبه خلاياه وينتقل لون الزّبد على عيني من حالته الفوسفورية إلى الأحمر القاني قبل أن أفقد وعيي تمامًا، أتذكر أن آخر ما عبر بذهني عند رؤيتي لسعيد، هو أنني حدّثت نفسي: عرفتُ لما كان نادر يبكي في ساحة «الشفا».
خاتمة، أو خاتمتنا
بدأت إسرائيل عملياتِ حرب الإبادة الحالية من نقطة النهاية. أول نسق منتظم جرى استبيانه لعمليات قصفها الجوي في أوّل يومين من الحرب أشار إلى أنها تستهدف بشكل منهجي المخابز، لتنتقل بعدها إلى استهداف المستشفيات، ليصبح لكل مستشفىً مجزرة خاصة به تحمل اسمه، تتبعها مَلَاحقٌ لها، بفعل تكرار الاستهداف لنفس المستشفى.
كانت الحمولة الرّمزية للشّر في أفعال إسرائيل هنا فجّة، تجاوزت بها الأخيرة عن الاكتفاء باستهداف حياة الغزيين ومضت لما هو أبعد؛ إلى استئصال أسبابها: رغيف الخبز والمستشفى. كما لو أنّ الشّر وحده لا يكفي فذهبت تطارد أي مجاز محتمل له.
ما الذي سيغسل عن وجه العالم عار مشاهد السكان المجاورين للأفران في الأيام الأولى للحرب، وهم يخلون منازلهم هربًا منها، لأن الإسرائيليين يستهدفون منافذ بيع وتوزيع الخبز؟ أو مشهد تشبّث أمّ بجسد ابنها المصاب رافضة نقله إلى المستشفى، لأن المستشفيات أماكن خطرة وجبهات مشتعلة؟
مثّلت مجزرة «مستشفى المعمداني» التابع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في الجنوب الغربي لمدينة غزة، لحظة اختلال فارقة في علاقة الغزيين بالعالم، الذي شاهد بالصوت والصورة، الطيران الإسرائيلي يحرق ألف مدني منهم في لحظة، من دون أن يأتي بأي فِعل يُلقي بأثر ما على سير عمليات الإبادة ضدهم.
في ليلة تلك المقتلة، داخل فناء «المعمداني»، وقبل حتى أن يتِم في الساعات التالية لها قصف «كنيسة القديس برفيريوس» المجاورة له وقتل العشرات فيها، شعر كل غزّي منّا على وجه الأرض أن العالم بأسره يتواطأ على التخلّص منّا.
مقتلة «المعمداني»، ابتلعتها المجازر اللاحقة خلال الخمسة أسابيع التي فصلت بينها وبين الاقتحام الأول لمستشفى الشفاء. كان خط زحف الدبابات الإسرائيلية المتعثّر من أطراف المدينة نحو المستشفى في قلبها، كما لو أنه موكب موت شيطاني يحصد أرواح الذين يمر بهم. بعض هؤلاء الضحايا أُرسلوا إلى «الشفا».
لا أعلم عن حدث أو مكان في التاريخ الحديث شهد ما شهدته «الشفا» خلال تلك الفترة وما تلاها؛ أن يتحول اقتحام مستشفىً إلى غاية لحرب إبادة، وفناؤه إلى مقبرة جماعية متعددة الطبقات.
كانت القصص المروّعة تتدفق بغزارة من «الشفا». بعد رؤية مشاهد الأطباء الذين يخرجون منهارين من خيام العمليات في فناء «الشفا»، أو أقسامه المدمرة، بعد أن أجروا عمليات بتر لأطراف الأطفال من دون تخدير، كنت أتسائل: كيف سنزيل الارتباك من علاقتنا بالعالم؟
أو ما هو أصلًا معنى العالم؟ وما الغاية من وجوده بعد إجراء عملية بتر بلا تخدير لأطراف طفل يسأل قبل البتر إن كانت أطرافه ستنمو مجددًا؟
قبل عشرين عامًا في تلك الليلة البعيدة، حين شقّ صدري وجه «سعيد» في المشرحة بعد ثانية من تحققي من هويّة وجه «سامر»، كنت أظنّ أن ذلك هو ذروة الشّقاء الذي يمكن أن يحصده الإنسان في ثانية واحدة. الحقيقة، أن ظنّي ذاك تزعزع مرّات عديدة في أحداث لاحقة، ولكنني ومنذ بداية هذه الحرب عدت أستدعي تلك الليلة كثيرًا، ولدى كل واقعة سوداء أصابت أحباء لي.
في واحدة من مشاهد التراجيديا الأيقونية المصوّرة التي خرجت من «الشفا»، رأيت أباء وأمهات مصابين، يتفحّصون وجوه جثامين الأطفال الملفوفة بالأكفان البيضاء، للتحقق من أنها لا تعود لأبناء آخرين لهم غير أولئك الذين تأكدوا من استشهادهم، وأن من بقي منهم، لا يزال حيّا، أو أقلّه تحت الركام الذي يحتفظ باحتمالية ما لنجاتهم.
لشهور، رافقتني دون انقطاع صور أولئك الآباء والأمهات، الذين حدث وأن عرفت بعضهم شخصيًا. كانت صورهم في ذهني تستدعي دائمًا شيئًا من أعراض وروائح «الشفا»، التي اختبرتها لأول مرة قبل عشرين عامًا. خلال هذه الفترة، كان عقلي منفصلًا مكانيًا وشعوريًا معظم الوقت عمّا حولي ويتجوّل هناك مع أولئك الثكالى داخل مستشفى الشفاء، ويستحضر في مكاني البعيد عنهم هنا، تلك الصورة المباغتة لوجه طفل ميّت يتكشّف عنه الكفن لوالديه فجأة، في وجوه كل الأطفال من حولي. وكانت الفكرة المكتملة الوحيدة التي تبرق في ذهني عن «الشفا» والعالم، هي أن الأخير لا يريد «الشفا» أرشيفًا لتراجيديا الغزيين بل متحفًا لأثرهم.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد