ما الذي يجمع ناميبيا وفلسطين؟
إلى متى سنظل نكتب عن حرب مُدمرة، تقتُل بخطى جنونية، أشبه برقصة موت.. خطوة إلى الخلف، خطوتين إلى الأمام، خطوة جانبية وأخرى للأمام، تحصد المباني والأرواح، ولا تترك في طريقها شيئًا؟
خلال الساعات التي أعقبت الحكم المؤقت لمحكمة العدل الدولية، والذي نص على إلزام الحكومة الإسرائيلية باتخاذ الإجراءات الوقائية الستة للحد من خطر الإبادة الجماعية، وكذلك التدابير اللازمة لتجنب قتل الفلسطينيين، أو فرض ظروف معيشية متعمدة تؤدي إلى تدمير مادي كلي أو جزئي، قُتل بالفعل أكثر من 300 مدني بسبب القنابل في غزة، وهكذا استمر تساقط أرواح البشر بوتيرة سريعة، وكأن حكمًا لم يصدر من الأساس.
بعد ساعات قليلة من الحكم، اتخذت مجموعة من الدول الغربية، خطوة إلى الوراء وخطوتين إلى الأمام نحو الانتقام، عبر القرار الاستثنائي الذي نص على تجميد أموال وكالة الأمم المتحدة لتشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» على خلفية التورط المزعوم لاثني عشر موظفًا في «أونروا» في أحداث السابع من أكتوبر الماضي، إذ يجري التحقيق معهم بشأن هذه الاتهامات.
يثير توقيت هذا التحقيق الشكوك، رغم أهميته، لكن بالنظر إلى ما تمثله «أونروا» من أهمية في تخفيف المعاناة اليومية لسكان القطاع، إذ تقوم بتوظيف 13 ألف عامل، فإنّ التساؤل حول توقيت القرار يظل قائمًا بين دوره في تحويل انتباه الرأي العام عن قرارات محكمة العدل الدولية، وبين كونه إرسال رسالة ضد عناد الأمم المتحدة في الدفاع عن حقوق الإنسان.
أمّا عن إسرائيل، فلم تذكر وسائل الإعلام تعليقات مماثلة كما حدث مع «أونروا»، بل أبرمت معها نفس الدول المدرجة في تلك المجموعة اتفاقيات تعاون عديدة، ثنائية أو متعددة الأطراف، مثل اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. فقط أيرلندا، الدولة الصغيرة التي عانت النير البريطاني لقرون، ليست جزءًا من تلك المجموعة، بل اتخذت موقفًا مختلفًا، حيث طلبت من الحكومات الأوروبية الأخرى مراجعة هذه الاتفاقية، دون أن يلقى طلبها استجابة تذكر. أهي خطوة رقص أخرى على الجانب وخطوة إلى الأمام نحو تحقيق أهداف الحرب؟
الدمار الذي طال غزة لم يسبق له مثيل. وتقدم الصحف العالمية بيانات لإظهار عمقه، كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز عن أحياء بأكملها تمّ تدميرها وتسويتها بالأرض من خلال ما سَمته سياسة الهدم الخاضع للمراقبة، وأوضحت كذلك أن ما لا يقل عن نصف مباني القطاع دُمرت أو على الأقل تضررت، منذ بداية الحرب، وذلك بحسب تقديرات الأقمار الصناعية. تمثل عمليات الهدم الخاضعة للرقابة أكثر الحوادث تدميرًا للبنية التحتية في غزة، رغم أن معظم الدمار نتاج الغارات الجوية والقتال البري. قدّمت صحيفة لوموند الفرنسية، أيضًا، تقريرًا عن عدد المقابر المتضررة أو المُدمرة بالكامل خلال العمليات العسكرية، قدرتها بـ22 مقبرة من أصل 45. في غزة، حتى الموتى لن يهربوا من الدمار والتنكيل. خطوة رقص أخرى نحو إزالة الذاكرة ومحو الأثر.
إذا كان من كلمة يمكنها وصف هذا الجموح، فليست هي سوى الاستعمار الذي لم يعد مصنوعًا بفعل العبودية والحيازة المادية لأمم وشعوب، بل من الغطرسة والمعايير المزدوجة ومبررات تاريخية وأمنية، أو من الشعور بالتفوق والضرورة باختصار.
لقد وجدت أن الموقف الذي اتخذته ناميبيا، الدولة الغائبة عادة عن الأخبار والتحليلات الدولية، مثير للفضول على الأقل، ولكنه مفيد بكل تأكيد. خلال جلسات الاستماع في محكمة لاهاي بشأن التماس جنوب إفريقيا بشأن اتهامات الإبادة الجماعية ضد إسرائيل، دافعت الحكومة الألمانية عن إسرائيل، وتصدرت ناميبيا عناوين الأخبار، وطلب رئيسها هيج جينجوب من ألمانيا إعادة النظر في قرارها بالتدخل كطرف ثالث دفاعًا عن إسرائيل، معتبرًا أن برلين أخلاقيًا لا تستطيع التعبير عن التزامها باتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة الإبادة الجماعية وفي الوقت نفسه الدفاع عن إسرائيل في الفصول الدراسية.
قد يتساءل القراء عن علاقة ناميبيا بالشرق الأوسط؟ لكنها علاقة قائمة بالفعل، إذ قام المستوطنون الألمان بذبح أكثر من 70 ألفًا من عرقيتي هيريرو وناما، بين عامي 1904 و1908، فيما اعتُبر أول إبادة جماعية في القرن العشرين. في عام 2021، اعترفت حكومة برلين بأن ألمانيا ارتكبت إبادة جماعية في ناميبيا، لكن بالنسبة للعديد من الناميبيين، فإن أحفاد مرتكبي تلك الجرائم لم «يكفّروا» عنها بشكل كامل بعد، والميل إلى «التضامن الاستعماري» هو وحده ما يدفع هؤلاء الأحفاد الألمان للدفاع عن الممارسات العسكرية لأشخاص آخرين يشتبه -على الأقل- في أنها تتسبب في إبادة جماعية.
لم أكن أريد التحدث عن لاهاي، بل عن ناميبيا. ذاك المكان في غرب إفريقيا الذي قبع تحت الاستعمار الألماني، من عام 1884 إلى عام 1915، وتعرض سكانه للإبادة الجماعية لقمع التمرد ضد المستعمر. تشير التقديرات إلى أنه تم القضاء على أربعة أخماس السكان الأصليين في ناميبيا خلال تلك الحقبة الاستعمارية. وهكذا، وفقًا لجمعية الإبادة الجماعية الناميبية، فإن الاعتراف الألماني، قبل ثلاث سنوات، وعرض التعويضات من خلال استثمارات التنمية غير كافٍ. فالأمر لا يتعلق بالتكفير عن المذبحة بالاستثمارات، بل بتحقيق العدالة بين من فقدوا أراضي أجدادهم لتنتقل إلى الأقلية الناطقة بالألمانية التي تمثل أقل من 1% من المجتمع. حتى الآن لا يزال الناميبيون ينتظرون العدالة.
عَرفتُ ناميبيا جيدًا بعدما طُفت فيها قرابة الشهر منذ حوالي 20 عامًا. تعرفت إلى جمالها البرّي ومناظرها الطبيعية الخلابة التي تشعر أمام جمالها بالضآلة. في الوقت نفسه كان بإمكاني رؤية ندوب الاستعمار وجراح المجتمع التي ما تزال مفتوحة نتيجة لذلك. شعرت بالترحاب في ويندهوك خلال الساعات الأولى من رحلتي، شعرتُ بذلك الترحاب المُفعم بروح مخيفة تجتاح الماضي والحاضر. لكن في أقصى الجنوب، تحديدًا في سواكويموند، تمكنتُ من رؤية الحضور الاستعماري على نطاق أوسع، كما تلمست استمرار الحنين الاستعماري، بدءًا من الاحترام الذي كان يُعامل به الموظفون السود رئيسهم الأبيض في المؤسسات الفندقية، مرورًا بالمتاجر التي تعرض رموز الإمبراطورية البروسية والرايخ الثالث، فضلًا عن أسماء المواقع الجغرافية للمراكز الرئيسية، وليس انتهاءً بالأسوار المتصلة بالكهرباء حمايةً لممتلكات المجتمع الناطق باللغة الألمانية، ما يجعل من السهل تصور وجود أماكن وضعها أكثر بؤسًا. وجدت تلك الأماكن بعيدًا عن وسط المدينة، حيث تجلّت الروح السوداء الأصلية للبلاد، تلك الروح تتجسد أيضًا في أحياء الطبقة العاملة في جوهانسبرج، والمتجسدة بقوة في متحف الفصل العنصري في نفس المدينة، وتفسر كذلك لماذا امتلكت تلك البلدان الشجاعة لكسر حاجز الصمت والضغط على محكمة العدل الدولية لإبداء رأيها فيما يحدث في غزة. ولم تأتِ المبادرة من الدول العربية، ولا الإسلامية، ولا حتى الدول الغربية هي التي أخذت زمام المبادرة القانونية، بل السود الذين عايشوا الاستعمار الأوروبي بكل مظاهره الوحشية.
ما يحدث في فلسطين اليوم، ليس إلّا نتيجة انفجار كبير، نتاج خليط مركب من الاستشراق والشعور بالذنب التاريخي والفخر الاستعماري. وليست إسرائيل سوى مشروع استعماري ولد في نهاية تلك الحقبة، عبر إعطاء وطن لليهود، في أرض فلسطين التي شهدت بدورها تغيرات كبيرة على مر القرون السابقة، عبر تغير الأنظمة الحاكمة، في الوقت الذي وصل فيه اليهود من أراضٍ بعيدة. إن ما يمنعنا عن استيعاب الصلة بين ما حدث، في السابع من أكتوبر الماضي، والنكبة الفلسطينية، فضلًا عن القتل لأجيال كاملة من الفلسطينيين والسرقة اليومية لأراضيهم، وبين همجيّة آلة تدمير غزة على يد القوات الإسرائيلية، هو أننا أبناء لقرون من العلاقات غير المتكافئة، والتحيزات العنصرية، وعقود من استغلال موارد شعوب المستعمرات.
يتمثل الأمل الوحيد لخلاص المنطقة في اتحاد اليهود والفلسطينيين ضد جرائم الماضي والحاضر، فلن يأتي الحل من دول قامت بتغذية هذا الاستعمار لعقود، على الأقل ليس في هذه المرحلة، فلا تزال تلك الدول في حالة إنكار لماضيها الاستعماري، وتأبى أن تعترف بجرائمها، فضلًا عن عدم اعترافها بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، لذلك يجب على الفلسطينيين واليهود الطامحين للسلام أن ينظروا صوب الدول الإفريقية التي اتخذت مسارًا نضاليًا وانتزعت حقها في تقرير المصير، رغم صعوبة المصالحة، وهذا ما يجب أن يفعلوه دون النظر إلى أمور أخرى، ويتجلى هذا الأمل في الحركات ثنائية القومية بين العرب واليهود التي نشأت في العقدين الأخيرين، من «مقاتلون من أجل السلام» إلى «تعايش» إلى «الوقوف معًا». وهي حركات غالبًا ما تكون معارضة للسلطة، وتعتبر خائنة من قبل المناوئين لها، ما يعطي فكرة عن صعوبة القيام بمشروع اجتماعي وسياسي وثقافي ضروري، لكنه مستهجن من قبل كثيرين. ربما لا يكون هذا هو الحال في أجزاء أخرى من العالم، لكنه كذلك في هذه اللحظة في فلسطين. إن السلام يُبنى من خلال التفاوض مع ما يسمى «العدو» والاعتراف بحقه في الوجود، وليس من خلال محاولة تدميره. لقد علمنا الأفارقة هذا.
خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الخلف، لقد حان الوقت لتغيير وتيرة هذا الجنون. يجب علينا أن ندرك ذلك، حتى في الغرب، يجب أن نتراجع خطوة إلى الوراء، ونتخلى عن التصريحات التي لا تؤدي إلى أي شيء، ونسمي الجرائم على حقيقتها، ونتوقف عن وضع أقدامنا محل أقدام المستوطنين الاستعماريين.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد