تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ماضي وحاضر ومستقبل الحديقتين.. الحيوان والأورمان

نبيل الهادي
9 دقيقة قراءة
ماضي وحاضر ومستقبل الحديقتين.. الحيوان والأورمان
20 April 2020, Egypt, Giza: A man wearing a face mask passes by The closed Giza Zoo on the otherwise busy public holiday of Sham al-Nessim which marks the beginning of spring season.&xA;Egypt is halting its public transport service and has closed beaches and public parks on the annual springtime holiday, in an effort to curb the spread of the coronavirus. Photo: Gehad Hamdy/dpa

تربطني بحديقة الحيوان علاقة تمتد لعشرات السنين مثل أي مصري زارها صغيرًا أو كبيرًا. كما تربطني بها أيضًا، وبحديقة الأورمان علاقة خاصة تمتد أكثر من 30 عامًا بصفتهما جيران دراستي ثم عملي. لا يتمنى أي إنسان جيرة أفضل من تلك.

وعندما حلت بنا جائحة كورونا، كانت حديقة الأورمان بصفة خاصة أحد الملاذات الآمنة لي ولطلابي في التصميم المعماري، حيث التقيت بانتظام بهم فيها ليس فقط لأنها كانت أكثر أمنًا لنا جميعا، وأيضًا أكثر جمالًا من الفصول المغلقة غير جيدة التهوية.

تدفعني هذه الجيرة إلى التفكير في مفهومنا عن التاريخ كاستمرارية، لا ينفصل فيه الماضي عن الحاضر، فيمكننا النظر للتاريخ من التعرف على أصل أو بداية حاضرنا، ويكون فهمه خطوة أولى لفهم حاضرنا وربما أيضًا يمكننا من بناء تصور لمستقبلنا.

يرجع إنشاء «الأورمان» و«الحيوان» للربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقبل إنشائهما بعدة أعوام، مكن الانتهاء من إنشاء القناطر الخيرية من استقرار شواطئ النيل نظرًا لأن القناطر سمحت بالسيطرة على معدل تدفق مياه النيل شمالًا، ما سمح بدوره بالبناء أكثر قربًا للنيل، كما مكنت القناطر أيضًا من القيام بعملية كبرى لتحريك شاطئ النيل الغربي في الجيزة إلى الشرق للسماح بإنشاء مناطق عمرانية جديدة تطل على النيل. وكان إنشاء حديقتي الحيوان والأورمان أحد نتاجات هذا التدخل الكبير في النيل.

كما مكنت المشروعات الكبرى للري في شمالي الدلتا، وخاصة شبكة الترع التي بدأها محمد علي باشا، من استصلاح مساحات كبرى من الأراضي بلغت في إجمالها في خمسينيات القرن العشرين ما يقارب مليوني وتسعمائة ألف فدان، مضافة على رقعة زراعية تبلغ وقت تولي محمد علي حوالي مليوني فدان. 

تم هذا التوسع الكبير على حساب المناطق البرية المتبقية في مصر، خاصة حول وبالقرب من البحيرات الشمالية ومناطق أخرى خاصة في الدلتا. وبالرغم من أننا نعتبر ذلك من انجازات محمد على الكبرى، إلا أن المعرفة الحديثة بأهمية المناطقة الطبيعية والبرية سواء البحيرات أو النباتات تدفعنا لمراجعة وتقييم ما قام به في هذا الإطار.

سمح التعديل الكبير في منظومة الري بتوفير كمية من الماء لري الأراضي المستصلحة الجديدة، كما سمح أيضًا بتطوير المناطق العمرانية، وخاصة في القاهرة بما يشابه المدن الأوروبية، والتي تزين شوارعها الأشجار وتتناثر فيها الحدائق والمتنزهات. 

وأصبح من ضرورات هذا التحول العمراني والتقرب للدول المتقدمة زراعة الأشجار في شوارع المناطق الجديدة في المدينة وإنشاء الحدائق الكبرى. مثلت حديقتا الحيوان والأورمان بجانب حديقة الأزبكية والحدائق الأخرى بجوار القناطر الخيرية تلك البداية العمرانية التي أصبح فيها الشجر جزءًا لا يتجزأ من فكرة التقدم والنهضة. وكما جرى جلب القطن والأشجار المثمرة مثل اليوسفى وغيره، تم أيضًا جلب الأشجار من أنحاء العالم المختلفة، وخاصة من الدول المرتبطة بالاحتلال البريطاني مثل نيوزيلندا وأستراليا والهند ودول أخرى.

حسب أستاذ النباتات بكلية العلوم في جامعة القاهرة، ريم حمدي فإن عدد الأشجار في الحديقتين يتعدى الألفين، ويبلغ عمر معظمهم  120 سنة. كما أخبرني أحد الباحثين بمعشبة الحديقة، بأنه توجد أشجار بالحديقة غير موجودة في أي مكان آخر في مصر، إلا أنه وطبقًا للدكتورة ريم، فإن باقي الأشجار حتى إن وجدت في بعض الأماكن الأخرى، إلا أن عمرها وأقطار سيقان بعضها الذى يصل أحيانًا لأكثر من متر يجعل حالات أغلبها من الندرة التي لا مثيل لها في مصر.

والآن، كيف نتعامل مع هذه المعطيات في ظل كارثة اسمها التغير المناخي؟ وهل سباق التطوير الذي عرفناه في عمران الماضي الحديث ممكنًا الآن في ظل تحديات الطبيعة المحيطة؟

هناك العديد من الدراسات التي توضح تأثير ظلال الأشجار على تبريد المناطق الخارجية، وقدرتها على المساعدة من خلال جذورها في الحفاظ على مستويات معقولة من المياه في التربة السطحية، والتي سيكون لها دورًا حاسمًا في امتصاص الكربون من الجو، وتحويله إلى كربون عضوي يحسن التربة ويدعم مقاومة التغير المناخي. 

ووفقًا لعالم الميكروبيولوجي المتخصص في التربة الزراعية، والتر جين، فإن تلك العملية مسؤولة عن التحكم في ما يقارب 95% من تدفق الطاقة على كوكب الأرض. كما تساعد الأشجار في مقاومة الأتربة العالقة في الجو. 

ويؤكد جين وآخرون أن حل التغير المناخي ليس مبنيًا فقط أو أساسًا على التحكم في انبعاث الغازات وعلى رأسها الكربون، ولكنه يرى أن الحل يبدأ من استعادة الغطاء النباتي، وخاصة البري لتمكين الطبيعة من استعادة عافيتها وقدرتها على تنظيم الحرارة ودعم الحياة بمختلف صورها. الأشجار هي من الملاجئ الأخيرة والرئيسية التي قد تنقذنا حرفيًا وليس مجازًا.

قمت ببحث سريع على كمية ثاني اكسيد الكربون الذي تمتصه الشجرة الواحدة في السنة، والذي طبقًا لبعض الأبحاث، يتراوح بين عشرة و40 كيلو جرام حسب عوامل متعددة. وبحسبة بسيطة، فإن تقديري لكمية ثاني اكسيد الكربون الذي امتصته هذه الأشجار حتى الآن يتعدى آلاف الأطنان. وبينما تقدر مصادر حكومية أمريكية تكلفة تأثيرات الطن الواحد لثانى اكسيد الكربون بما يقارب 51 دولارًا، فإن جهات أخرى تقدر التكلفة الاجتماعية للطن الواحد بما يقارب 180 دولارًا. وتقدر تكلفة امتصاص الطن الواحد بالتقنيات المستحدثة بحوالي 600 دولار حاليًا (تتوقع بعض الدراسات إمكانية تخفيض تلك التكلفة لحوالي 100 دولار في المستقبل القريب).

هناك إشكالات جوهرية في المشروع المقترح حاليًا لتطوير الحديقتين. الإشكالية الأولى هي أن الأشجار لها مجموع جذري كبير، فما بالك بأشجار تعدت أعمارها المائة بـ 20 أو 30 سنة. هل لنا أن نتخيل مدى التشابك الحادث في التربة بين الجذور المختلفة بالإضافة للكائنات الأخرى التي أصبحت جزءًا من هذا العالم؟ فكيف إذا نتخيل أن تدخلات تستهدف البنية الأساسية للحديقة لن تؤثر في تلك الأشجار، وخاصة في المجموع الجذري (بفرض أننا نصدق أنهم لن يمسوا السيقان والأفرع)؟

ثانيًا؛ سمعت كلامًا يمكن أن يصفه البعض بالمطمئن من الاستشاريين القائمين على المشروع، وكيف أنهم سيتصدون لأي محاولة للاعتداء على الأشجار، ولكن هل يمكن أن نطمئن لذلك، ونحن نعرف أن عملية التنفيذ تخضع أساسًا لموازين القوى بين من يديرونها وينفذونها، ونحن نعرف في أي جانب تقع القوة الأكبر، والتي لن تستطيع أن تقف في وجهها أي نوايا طيبة؟

وبشكل عام، هناك إشكالية جوهرية تكمن في أن الاستشاري القائم على عملية التصميم أيا كان سواء كان محليًا أو سنغافوريًا أو من أي جنسية أخرى لا يدري أن حدائق الحيوان تنتهي في العالم الآن، ويعرف الجميع أن الحيوانات مكانها في بيئاتها الطبيعية، إلا ما كان منها مريضًا أو يحتاج لرعاية خاصة، ثم يعاد للبرية بعد تحسن حالته. ويعرف الجميع أن الاحتفاظ بالحيوانات في أقفاص أو بيئات اخرى مصطنعة هي نوع من القسوة غير المبررة بالكائنات الحية. في الحقيقة، كون هذا الاستشاري لا يدري أن حدائق الحيوان كما عرفناها لا مستقبل لها هي مشكلة كبرى. تحيلنا هذه المسألة لشكل التطور الذي يمكن أن يكون أكثر حساسية للطبيعة المحيطة باختلاف أحيائها.

هناك أسئلة عديدة مشروعة يجب أن توجه لمشروع التطوير أهمها: هل تعادل العائدات المتوقعة من التطوير المخطط لحديقتي الحيوان والأورمان ما يمكن أن ينقذ صحة إنسان واحد، وما بالنا بصحة وبحياة عشرات أو مئات آلاف من البشر؟ وهل يمكننا وضع قيمة لاستنشاق هواء نظيف لمرة واحدة فقط؟

أوضحت الدراسات والتقارير التي تعدها اللجنة الدولية للتنوع الطبيعي أن هناك علامات على الطريق لتعافي البيئات الطبيعية. أول علامة هي الوصول لأسفل منحنى انهيار النظم الطبيعية بحلول العام 2025، وبالنسبة لنا فهذا يعنى وقف زيادة تلوث المياه سواء السطحية أو الجوفية والتوقف عن إنشاء كل ما يعيق تدفق واتصال منظومة المياه، كما يعنى وقف زيادة تلوث التربة، ويعنى أيضًا وقف تزايد النباتات المحلية المعرضة للانقراض وكذلك الحشرات والحيوانات المحلية.

العلامة الزمنية الثانية في عام 2030 تقتضي الوصول للنقطة صفر في انهيار المنظومات الطبيعية للماء والتربة والنبات والحيوان. فهي نقطة مهمة لأنها النقطة التي ستبدأ منها الأنظمة الطبيعية في استعادة قدرتها على التجدد. لذا يمثل هذا أهمية كبرى للمساعدة في إنقاذ منظومة الطعام والمياه، وأيضًا لبدء زيادة قدرة الأنظمة الطبيعية للتحكم في توزيع الطاقة وامتصاص ثاني أكسيد الكربون في التربة.

الاتفاق التاريخي الذي حصل من أسابيع قليلة في مونتريال والذي يسمى بلحظة باريس للتنوع الطبيعي يتطلب من الدول كافة أن تستعيد وتصون 30% من المناطق الطبيعية لها بحلول العام 2030 أي في خلال سبع سنوات.. تعالوا نتخيل أن حديقة الحيوان قد تحولت وأصبحت هي وحديقة الأورمان مركزًا للحفاظ على التنوع الطبيعي ونشره في مصر، وانتشر منها شبكات خضراء تربط المدينة بالنيل لتكون مثالًا للمحميات الطبيعية التي تستطيع أن تسهم في تحول المناطق المحيطة بها. 

هنا نكون في الطريق الصحيح ليس فقط لتنفيذ التزاماتنا في إطار تلك الاتفاقية، ولكن أيضًا لتنفيذ التزاماتنا في إطار اتفاقات التغير المناخي، وبكلفة نستطيع تدبيرها، ولكن الأهم بعوائد على صحة الناس والاقتصاد. ازعم بلا أي تردد وبدون مبالغة أنها ستكون أكبر مما كان يحلم به ويصبو إليه من فكروا في استجلاب منافع قريبة الأمد من الحديقتين، وهم لا يدرون أن الأهم والأكثر قيمة ومنفعة يفوتهم.

يشرح لنا التاريخ كيف وصلنا إلى ما نحن فيه وبالرغم من تصور الإنسان أنه قادر على السيطرة على الطبيعة وامتصاص أكبر قدر من المنافع منها. وكل حين وآخر ترسل لنا الطبيعة بعض الإشارات والنذر لعلنا ننتبه ونراجع مشروعاتنا الهندسية والتي بدلًا من أن تسهم في ضبط التوازن الضروري مع عناصر الطبيعة، فإنها تقود للأسف لعكس ذلك. 

أظهرت الجائحة مثلًا بصورة واضحة للغاية محدودية قدراتنا أمام الطبيعة وأننا بحاجة لفهمها بصورة أفضل. وربما يمكننا من خلال مراجعة ما تسببت فيه تدخلاتنا المتراكمة عبر القرنين الماضيين من تعديل مسار تدهور بيئاتنا بالصورة التي تمكنها من التجدد والتعافي وتمكننا من النجاة والحياة الكريمة التي تتبع إيقاع الطبيعة.

من أهم دروس التاريخ في مصر ما كتب عنه الراحل الكبير محمد السيد سعيد، في مقاله «قرن جديد وأشواق متجددة»، أننا أمة من الفلاحين لو فهمنا الفلاحة كاستنطاق واستنبات للكون والطبيعة واحتضانها بحب وانتماء للمكان ودافع لتأمل العالم. وكان المصري يجوب هذا المكان ملاحًا ليس فقط من خلال الأساطير، ولكن أيضًا من خلال سفره إلى الشرق والغرب. ويكتب بعض علماء التاريخ المصري كيف أن الملاحة، حتى المحدودة بين شاطئ النيل باستخدام القوارب المصنوعة من البوص، كانت حاسمة في نشأة وتطور الحضارة المصرية. وهذا الفهم للفلاحة والملاحة كعلاقة بالمكان يظهر كيف أن إفساده يحولنا إلى كائنات بدون جذور في الأرض تدعم ثباتنا، وكأننا بتنا معلقين في الفضاء. هل يمكن أن تكون هذه العلاقة الجوهرية بين الإنسان وأرضه وعالمه الطبيعي في مصر ليست مجرد كلام منمق، بل يمكن فهمها كرؤية تحمل في طياتها ما يمثل أرضية لمستقبل مزدهر للناس في مصر؟

قرر المصريون في دستورهم الحالي، وكما ورد في المادة رقم 32 : «موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، تلتزم الدولة بالحفاظ عليها، وحسن استغلالها، وعدم استنزافها، ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها»، فهل نحن نعمل ما ينقل ذلك إلى حيز الواقع ام نتجاهل وجود مثل هذا المبدأ الهام والذى توافقت عليه جموع الشعب، وأصبح هاديًا للقوانين وملزمًا للمسؤولين؟

ليس لدى معرفة باستشاري المشروع برنارد هاريسون، خبير تصميم حدائق الحيوان، ولا أدرى إن كان أجرى بحثًا عن تاريخ النيل والحديقة، وهل يؤمن بالعمل مع المجتمع المحلي، ومجتمع المدينة واستشارتهم حتى يكون عمله مستدامًا أم أنه سيرسل لنا أعماله التي ربما تبهر البعض، وربما يراها الخبراء المحليون والمدافعون عن البيئة في مصر أنها غير ملائمة بالكامل سواء من حيث المبدأ وربما قبل معرفة التفاصيل؟

يعجبني كثيرًا شعارًا لجمعية السلام الأخضر يقول: «نحمي ما نحب». واتمنى أن نقوله جميعا: «نحمي ما نحب»، فحب الطبيعة هو ما يجب أن يكون الدافع الحقيقي والمستمر لإنقاذها.

فكيف لا نحب من هو قادر على ما لا يُظهر لنا إلا كل جميل ليس شكلًا فقط في درجات الأخضر وتحولاتها المبهرة، ولكن أيضًا في روائح وفى أصوات حفيفها وفى النور المتلألئ النافذ منها، وفي ملمس سيقانها. فكيف لا تزداد محبتنا لها والاحتفال بها والدفاع عنها وعنا؟ 

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).