ماذا بعد فشل مفاوضات الدوحة؟
انتهت جولة التفاوض الأخيرة في الدوحة إلى لا شيء، وهو ما كان متوقعًا منذ البداية، لجملة من العوامل أولها أن إسرائيل لا تشعر بحاجة حالية لإيقاف الحرب بتنازلات من جانبها. بمعنى آخر، لا تتعرض إسرائيل إلى ضغط عسكري حاسم يدفعها للتنازل عما يعتبره نتنياهو مكتسبات تحققت بالقوة في قطاع غزة، بالتحديد، تصر إسرائيل على نقطتين رئيسيتين هما: مصير محور نتساريم الذي يعزل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه، والتواجد العسكري في محور فيلادلفيا على حدود القطاع مع مصر.
يرتبط مصير محور نتساريم بما يعتبره نتنياهو ضرورة منع تسلل المسلحين مجددًا من الجنوب والوسط إلى الشمال الذي هو أقرب مناطق القطاع لقلب الأرض المحتلة، والنقاط الإسرائيلية المركزية سواء تل أبيب أو يافا أو حيفا والمستوطنات عالية الكثافة جنوبهم، والتي كانت هدفًا لصواريخ المقاومة متوسطة وطويلة المدى.
ترغب إسرائيل في بقاء «نتساريم» كما هو أو على الأقل بقاء نقاط تفتيش ثابتة تتولى تنظيم عودة اللاجئين إلى شمال القطاع، بما يتضمن ذلك من أعمال تفتيش واحتجاز يفضي إلى منع من العودة.
أما محور فيلادلفيا الذي تمت بصدده مفاوضات تكميلية في القاهرة، مطلع الأسبوع الحالي، فإن إسرائيل تصر على الاحتفاظ بتواجدها العسكري فيه، وإن عرضت -في محاولة لتخفيف الرفض المصري بحسب التقارير- تخفيف كثافة وحداتها، لكن دون أن يمس ذلك سيطرتها على كامل الشريط الحدودي والمعبر، ليس فقط بزعم منع المقاومة الفلسطينية من إعادة التسلح عبر أنفاق الحدود التي بدأ الجيش المصري في إغلاقها منذ 2013، لكن الكيان الصهيوني يستهدف بالأساس التحكم الكامل في تموين القطاع عبر معبري رفح وكرم أبو سالم، والتحكم في الدخول والخروج إلى ومن القطاع، بما يعني تشديد الحصار المفروض عليه منذ حوالي 20 عامًا.
لكن النقطة الأهم في تعطيل التسوية تتعلق بمصير غزة بعد الحرب، تحاول إسرائيل بدعم أمريكي واضح إقصاء المقاومة الفلسطينية عن أي دور مستقبلي في القطاع، وهو ما يتضح من تصريحات المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأمريكية، صامويل وربيرج. فلا تمتلك إسرائيل تصورًا واضحًا لشكل إدارة غزة بعد الحرب، وتدرك أن السلطة الفلسطينية باتت أضعف من أن تلعب هذا الدور، خاصة بعد تقويض ما بقي لديها من اعتراف فلسطيني، بسبب سلوكها المتواطئ خلال العدوان الحالي على القطاع، بالإضافة إلى أن إجراءات الاحتلال في الضفة ساهمت في كتابة السطر الأخير من حياة سلطة أوسلو، كما تدرك إسرائيل والولايات المتحدة أن محاولة فرض سلطة بديلة من خارج الإجماع الفلسطيني في غزة غير ممكن إلا بالتصفية التامة والنهائية للفصائل المسلحة في القطاع، وهو هدف يتطلب تمديد الحرب.
بالإضافة لما سبق، يتبقى موضوع صفقة الرهائن، وهي آخر ما يشغل بال نتنياهو، رغم تصريحاته الدائمة الموجهة بالأساس للرأي العام الصهيوني. وتدور الخلافات حول نسبة التبادل، كما حول الأسماء الفلسطينية التي تسعى المقاومة إلى إدراجها في الصفقة، فإسرائيل متشددة فيما يخص القيادات الفصائلية ذات المحكوميات العالية مثل أحمد سعدات وعبد الله البرغوثي ومروان البرغوثي، واحتفظت لنفسها بحق «الفيتو» على قائمة من 60 أسيرًا فلسطينيًا ترفض تضمينهم في أي تبادل.
لكل تلك الأسباب، لا يجد الكيان الصهيوني نفسه مضطرًا لإنهاء الحرب الآن، فالتصور الرئيسي لدى التحالف الأمريكي الإسرائيلي هو أن تنتهي الحرب بنهاية التهديد الذي مثلته غزة طوال ما يزيد على ربع قرن كبقعة مارقة عن مسار التطبيع والتسوية وقادرة على إرباك خطط الهيمنة الصهيونية طويلة المدى على المنطقة.
لا يجد الإسرائيلي نفسه مضطرًا لإيقاف الحرب، في ظل معادلة إقليمية تحمّلت غزة بمقتضاها عبء القتال الرئيسي لمدة عشرة أشهر، يراهن خلالها الإسرائيليون على دفع القطاع حد الانهيار عسكريًا ولوجستيًا، بما يضمن لهم فرض شروطهم في نهاية المطاف.
إن الحرب تنتهي فقط في حالات ثلاث: الأولى هي الاستسلام الفلسطيني للشروط الإسرائيلية، فلطالما كان الأمريكيون يعبرون بغطرسة عن تصور مفاده «تنتهي الحرب بتسليم حركة حماس الرهائن وإلقاء السلاح»، وهو ما استهدفته البربرية الإسرائيلية عبر خلق معاناة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة أحالت الحياة في غزة إلى جحيم يومي متصل عبر مئات المجازر وفرض المجاعة، باختصار عملية إبادة جماعية محكمة تهدف إلى كسر الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية، بالتزامن مع حملات هدفها تحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية ما حل بالقطاع من خراب.
لكن الفلسطينيين يدركون جيدًا تبعات الاستسلام، إن استمرار القتال هو ضامنهم الأساسي في مواجهة عدو مجرم وشديد القسوة لم يتورع تاريخيًا كما الآن عن إنزال المذابح بالعُزل، وما جرى في مخيمي صبرا وشاتيلا بعد انسحاب قوات منظمة التحرير من بيروت يمثل درسًا لا يغيب عن البال.
الحالة الثانية هي استمرار المعادلة الحالية في موازين القوى التي لا تصب في المدى المتوسط لصالح القطاع ومقاومته، ففي ظل حصار كامل وغياب أي دعم لوجستي وضيق مساحة القطاع جغرافيًا، ليس بالإمكان تصور إمكانية استمرار المقاومة الفلسطينية في القتال طويلًا، وإن كان نضوب قدراتها غير مطروح في المدى القصير. وفي هذا السيناريو تستمر إسرائيل في تثبيت الجبهات الأخرى بمناوشات محدودة، بينما تسيطر على محور فيلادلفيا وتتحكم بالمعبر وتقوم بعمليات نوعية عبر قصف جوي يتزامن مع نشاط استخباراتي واسع. وتطور الأمور وفق هذه المعادلة سوف يفضي إلى هزيمة المقاومة الفلسطينية.
تبقى الحالة الثالثة هي المطروحة بقوة على جدول الأعمال، تصعيد من المقاومة على الجبهات الأخرى. وهي حالة تشكلت عناصرها وتكاثفت على مدى الأشهر الأخيرة. والعنصر الأساسي فيها أن ضربة السابع من أكتوبر أصابت مفهوم الردع الإسرائيلي في مقتل. فلأول مرة منذ تأسيسها، تدخل إسرائيل في اشتباك متصل مع ثلاث قوى إقليمية لمدة عشرة أشهر يُضرب فيها العُمق الإسرائيلي، ويضطر مجتمع المستوطنين للحياة بالقرب من الملاجئ، وينزح من المناطق الحدودية باتجاه الداخل، بل ويشهد حالة هجرة واسعة، حيث بلغت أعداد من غادروا إسرائيل في الشهور الستة الأولى من الحرب 550 ألف مستوطن، لا ينوي 80% منهم العودة، بخلاف الأجانب والبعثات الدبلوماسية. تلك الحالة تضرب الأساس الذي تشكلت عليه إسرائيل تحت دعاية «توفير وطن آمن لليهود».
بعد 75 عامًا من إنشائها بالأمر الاستعماري، وصلت إسرائيل إلى وضع تاريخي ظنت أنها تخطته منذ أمد طويل عبر عدة حروب وعملية تطبيع تاريخي مع الأنظمة العربية المجاورة ثبت أنها غير قادرة على منح إسرائيل الأمن، بل إنها الآن في وضع لم تواجهه منذ سنوات تأسيسها الأولى. هذا الوضع يرتب على الإسرائيلي رغبة ملحة في إعادة ترميم ما انهار منذ السابع من أكتوبر، وإسكات جبهة غزة، ودفع حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، بما يعني درء التهديد الإيراني الذي هو أساس الاستراتيجية التي تبنيها الولايات المتحدة في المنطقة منذ سنوات طويلة، بتقديم نفسها ومعها إسرائيل كضامنتين لأمن الخليج ضد التهديد الإيراني المزعوم.
هكذا يسعى نتنياهو بضربة واحدة إلى تحييد كل القوى التي توجه مدافعها نحو إسرائيل، وما الاستفزازات المتتالية كاغتيال العاروري وهنية وفؤاد شكر، والضربات على المصالح الإيرانية في سوريا، إلا محاولات لدفع ديناميكية تنتهي بإشعال حريق كبير في المنطقة، سوف تجد الولايات المتحدة نفسها بداخله ومضطرة مع حلفائها للانخراط فيه.
وعلى خلاف ما يبدو من أن نتنياهو الطامح الوحيد لجر حزب الله على الأقل إلى مواجهة مفتوحة، فإن المقاومة الفلسطينية هي الأخرى تحتاج إلى دخول الحزب الحرب بلا أسقف، فهذا هو الطريق الوحيد لقطع طريق هزيمتها التي هي هزيمة لكل قوى المقاومة في المنطقة.
إن نتنياهو يعتقد أنه سيربح الحرب الواسعة ويفرض شروطه على الجميع بدعم أمريكي أكيد، ليستعيد الردع المفقود ويخرج من السياسة الإسرائيلية كبطل استطاع ضرب التهديدين الشمالي والجنوبي، لكن تلك الحسابات الصهيونية لا تدخل في اعتبارها أمور أكثر خطورة، وهي ربما ما تراهن عليه المقاومة الفلسطينية، ليس من باب توريط أحد، بل من باب الضرورة الملحة.
إننا لا ندري على وجه الدقة بسبب غياب المعلومات، ما هي الحالة العسكرية للمقاومة الفلسطينية، وإلى أي مدى يمكنها الصمود، غير أننا نعتقد أن الحسابات المنطقية تشير إلى الأثر الذي يمكن أن تفرضه العزلة الجغرافية على الشعب والمقاومة الفلسطينية، وأن تخفيف الضغط العسكري الإسرائيلي ممكن فقط عبر فتح جبهة أكثر اتساعًا ومقدرة من الناحية العسكرية، جبهة قادرة على إلحاق ضرر شديد بالعمق الإسرائيلي يصيب إسرائيل بمزيد من الاختلال الذي يجبرها على إيقاف القتال دون تمرير أجندتها الاستسلامية على المقاومة.
غير أن الحسابات من ناحية الحزب وإيران تضع في اعتبارها قدرة إسرائيل، وتمتعها بدعم نيراني أمريكي وغربي هائل سوف يعرض لبنان ولا شك لدمار كبير، ولعل رهان الحزب وإيران كان منذ البداية ترك الأمور تتدحرج مع الاحتفاظ بمستوى منخفض من الاشتباك لا يستدعي حربًا شاملة، وبالتالي ذريعة للتدخل الأمريكي، على أمل أن يُجبَر نتنياهو بشكل ما على إيقاف القتال دون شروط ثقيلة، أو أن يندفع ويتصاعد بأعمال استفزازية تجعل الحرب تبدأ من الجانب الإسرائيلي، وبالتالي تنزع ذريعة الولايات المتحدة للتدخل.
تلك الافتراضات ترتبط بمراقبة تطور الأمور على الأرض في غزة عبر الوقت، بحيث يظل هناك نوع من التوازن بين السماح بانفراد إسرائيل بجبهة غزة، لكن إلى الحد الذي لا يقوض قدرتها على الصمود والقتال كليًا. وهو توازن شديد الهشاشة لأنه يدخل من ضمنه حالة الحاضنة الشعبية في القطاع، وتصور الحزب نفسه لشكل الهزيمة التي صرح حسن نصرالله مرارًا أنه لن يسمح بحدوثها في غزة. وهذا مرتبط أيضًا بوزن غزة النسبي في الاستراتيجية الكلية لمحور المقاومة -إن جازت التسمية الشائعة-، بمعنى إلى أي مدى سوف تقبل إيران والحزب بمبادلة غزة أو تسوية الوضع فيها بتحقيق مكسب إقليمي ما، ما شكل التسوية الممكنة، وإننا بطرح تلك الأسئلة إنما نضع في اعتبارنا جملة من العوامل، من ضمنها أن المحور يفضل من البداية استراتيجية الاستنزاف الطويل، غير أن طاقة غزة على الاستنزاف لا تقارن بطاقة حزب الله، والاستنزاف المتبادل بين الحزب والمقاومة الفلسطينية من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، لا يضع في الاعتبار أن إسرائيل تتلقى دعمًا غير محدود، إقليميًا ودوليًا، وأن غزة كما أسلفنا لا تتوافر لديها قدرة المناورة الجغرافية ولا تعويض قدراتها العسكرية بالمرونة اللازمة.
بالإضافة لما سبق، قد لا تفضل إيران انخراط حزب الله في مواجهة مفتوحة مع الكيان الصهيوني ورعاته بما قد يهدد قدرته أو وجوده كأحد أهم حلفائها في المنطقة، لكنها من جهة أخرى تدرك أن هامش المناورة يضيق بضغط نتنياهو المستمر وهرولته نحو التصعيد، الذي قد يطال إيران ذاتها وبنيتها التحتية، لكنه أيضًا تصعيد يضع مشروعية النظام الإيراني نفسه في خطر ضخم، إذا لم يستجب للاستفزاز الإسرائيلي بما يستحق، باعتبار أن نظام خامنئي بنى مشروعيته على معاداة الولايات المتحدة وبروباجندا تحرير فلسطين.
الأمور إذن بعد فشل المفاوضات قد تميل للتدحرج بوتيرة أكبر، على جبهة حزب الله يتزايد التصعيد، بينما تتراجع قدرات المقاومة على جبهة غزة بشكل تدريجي. لا يمكننا التقاط اللحظة التي قد تخرج فيها الأمور عن السيطرة، إلا أننا نعتقد أن اشتباكًا مفتوحًا بين الحزب وإسرائيل سوف يرافقه تدخل غربي، وإن كنا لا نعتقد أنه يمكن أن يكون واسعًا، لأنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة تسييل المنطقة تحت أقدام حلفائها غير الشعبيين الذين قد تكون أوضاعهم مهددة بفعل ما يحمله الصراع التاريخي ضد إسرائيل من ميول تثويرية ساهمت دومًا في تأجيج السخط الاجتماعي، وهو السخط الذي قد ينفجر بانفجار حرب إقليمية تشهد فيها الشعوب العربية المزيد من الاستباحة لبلادها، بما يعيد تجسيد مشاعر القهر الاستعماري شديدة الوضوح والتحديد، ما قد يحرك الكثير من المياه الراكدة.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد