تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

ليس نعيا لباسم صبري

خليل العناني
4 دقيقة قراءة
ليس نعيا لباسم صبري

لا نتذكر الموت إلا عندما يقترب منا أو يخطف أحد أقاربنا أو أصدقائنا. ولكننا لا نشعر بقسوته إلا عندما يصيب أفضل من حولنا وهكذا كان الحال مع الصديق باسم صبري الذي رحل بالأمس فجأة. كانت الساعة حوالي الخامسة والنصف بتوقيت واشنطن (الحادية عشرة والنصف بتوقيت القاهرة) عندما كتب الصديق حسام بهجت على صفحته "وباسم صبري كمان؟ مع السلامة يا باسم" في البداية اعتقدت أن حسام يتحدث عن شخص آخر يتشابه اسمه مع اسم باسم، ولكنني عندما قرأت التعليقات تأكدت أنه يقصد باسم صبري الذي نعرفه. هرولت إلى صفحة باسم على الفيس بوك ونبضات قلبي تتسارع ويحدوها الأمل أن يكون الخبر غير صحيح لكنه للأسف كان صحيحا.

رغم أن الموت أصبح طقسا يوميا في مصر خاصة خلال الشهور الماضية، واختطف من هم قريبين من شخصية باسم مثل محمد يسري سلامة وعلي شعث ومحمد رمضان لكنني لم أشعر بوطأة الموت كما شعرت بها مع رحيل باسم. وحتى كتابة هذه السطور فإن عقلي لا يزال في حالة شتات يلملم بعضا من الذكريات مع باسم.

نعته الزميلة مي شمس الدين على صفحتها على الفيس بوك فسألتها صديقة من هو؟ فكتبت لها "كفاية تقولي عليه إنه كان إنسان". هكذا عاش باسم "الإنسان" منفتحا على الآخرين، ومتسامحا مع الجميع، ومتفهما لمواقفهم دون مزايدة أو تعصب. يكفي أن تطالع صفتحه على تويتر كي تعرف حجم محبيه ومتابعيه من مشارق الأرض ومغاربها.

تعرفت على باسم من خلال العالم الافتراضي في تويتر أوائل عام ٢٠١٢ عبر الصديقة داليا عزت التي هي أقرب لباسم روحا وعقلا وفكرا. معرفتهما على تويتر كانت بالنسبة لي مكسب كبير ومصدر أمل في الثورة وشبابها، ليس فقط بسبب ذكاءهما وموضوعيتهما في نقل الأخبار والتعليقات المهمة في أوقات الأزمات والشدائد التي مرت بها مصر طيلة السنوات الثلاث الماضية، وما كان أكثرها، وإنما أيضا بسبب قدرتهما على بث التفاؤل في وقت كان يسود فيه التشاؤم بين كثيرين بسبب عثرات الثورة وانكساراتها. كثيرا ما كنت أهرب لصفحة باسم أو داليا أبحث عن خبر أو تعليق أو "تويتة" عقلانية وسط بحر الجنون الذي ضرب مصر منذ الثالث من يوليو.

 البعض تعرفه في العالم الافتراضي وتتمني لو تراه في الواقع كي تعرف مدى التطابق بين الأصل والصورة. وهكذا كان الحال مع باسم. فبعد عام من التواصل في العالم الافتراضي كان لابد من اللقاء وجها لوجه، وهو ما حدث الصيف الماضي حين قابلته بعد عودتي إلى مصر من انجلترا وكان ذلك أوائل يونيو ٢٠١٣ وقبل الأحداث الشهيرة التي ستقلب مصر رأسا على عقب لاحقا. حينها كنت أجلس مع الصديقة سارة السرجاني في إحدى كافتيريات الزمالك واتصلنا بباسم كي ينضم إلينا ففعل. ذهبت سارة وجلست أنا وباسم نتجاذب أطراف الحديث فشعرت بأنني أتحدث لرجل حكيم وليس شاب يصغرني بعقد من الزمن. كانت رؤيته للأوضاع في مصر صافية وموزونة، تشعر في صوته بعشقه للوطن، وبحرصه على كل تياراته. لذا فلم يكن غريبا أن يكون على صلة طيبة ووثيقة بهم جميعا بدءا من السلفيين مرورا بالليبراليين والعلمانيين وانتهاء بالاشتراكيين والثوريين فقد كان مصدر ثقة للجميع. رن هاتفه ونحن جالسين وكان على الطرف الآخر الأستاذ نادر بكار. وبعد أن أنهى مكالمته ابتسمت وسألته "إنت مع مين بالظبط؟" فقالي لي وهو يبتسم "مش مع حد، أنا مع البلد دي."

بعد أحداث "رابعة والنهضة" توترت الأجواء وفاحت رائحة القتل والعنف في كل مكان، وكان من الصعب أن تجد صوتا عاقلا وسط صراخ الجميع. فكان باسم يمثل الصوت الهادئ، صوت الثورة الحقيقي الذي يغرق وسط فوضى العنف والتخوين والتخويف.

هاتفني منتصف يوليو يستشريني في موضوع يتعلق بقرار مهم يريد اتخاذه بشأن مستقبله السياسي. وقد فوجئت بسؤاله عن رأيي في هذا الموضوع رغم أننا لم نلتق سوى لمرة واحدة فقط، ولكنها كانت وكأن كلانا يعرف البعض منذ سنين. فأشرت عليه بما رأيته صوابا وقتها، فرد ممتنا وشاكرا.

كان لقاءنا الثاني في واشنطن بعد أن زارها في أكتوبر الماضي وآثر ألا يغادرها دون أن نلتقي وهو ما قد حدث. وقتها بدا لي باسم أقل تفاؤلا وإقبالا عما كان عليه في لقاءنا الأول. وربما كان هذا جزءا من تأثير المناخ العام الذي تلى أحداث الصيف القاتمة التي انعكست على الجميع بمن فيهم أكثرنا تفاؤلا.

عرفت شباب كثر بعد ثورة يناير، واقترتب من بعضهم. لكن باسم كان من "خميرة" مختلفة. لا تشعر معه بالاغتراب أو الغرور مثلما قد تشعر مع غيره من أبناء الطبقة الوسطى العليا ميسوري الحال. ولا ترى في تحركاته ونشاطه أي سلوك انتهازي أو متاجرة بالثورة مثلما فعل آخرون.

باسم كان جزء من الثورة بفرحها وحزنها، بانتصاراتها وانكساراتها، بحلوها ومرها. كان دائما ضاحكا باسما، مترفعا عن الصغائر، كبيرا في نفسه ومعتزا برأيه دون تعصب، ومتمسكا بأهداب الأمل في أن تصلح الثورة نفسها بنفسها، ومتمنيا أن يتوب الجميع عن أخطاءهم في حقها وحق شبابها.

لن أجد كلمات أصف بها باسم سوى ما كتبته على صفحة الصديق محمد آدم بعدما علمت بخبر وفاته "باسم كان طاقة نور وسط العتمة، ومصدر أمل وسط اليأس، وصوت عقل وسط الجنون. بلا مبالغة كان حاجة مختلفة عن الآخرين. الله يرحمه ويصبرنا على فراقه".

هذا ليس نعيا لباسم وإنما نعيا لمن تركهم خلفه ورحل. 

عن الكاتب

خليل العناني

باحث متخصص فى النظم السياسية والعلاقات الدولية. يعمل كأستاذ للعلوم السياسية بكلية الدراسات الدولية المتقدمة، جامعة جونز هوبكنز الأمريكية بواشنطن. عمل ككبير باحثين فى معهد الشرق الأوسط، وباحثا فى كلية…

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

باسم الأم: أفعال الطبقة

«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).