باسم الأم: مقاومة سرية ويومية
أجهضت جيهان مرتين، لم تكن متزوجة في الأولى، والثانية كانت خلال زواجها قبل أن تحصل على الطلاق: «المرة التانية مش مأثرة عليا قد الأولانية. الأولاني كنت حاسة نوعًا ما إن أنا عايزاه، مكناش لسه اتجوزنا بس كنت مبسوطة. لو كنا في ظرف تاني، لو كنا متجوزين، لو نعرف نهرب حتى، لو نعرف نعمل أي حاجة نخليه. التاني كنت مش عايزاه خالص».
تتعدد الأسباب التي تدفع النساء للإجهاض، لكن الدافع الأكثر حضورًا هو الاضطرار، كما في حمل جيهان الأول، الذي اضطرت إلى إجهاضه رغم رغبتها الشديدة في الاحتفاظ به؛ فقد وجدت نفسها واقعة بين مجتمع لا يترك لها خيارًا سوى الإجهاض من جهة، ويمنعها من الوصول إليه من جهة أخرى. وفي هذا التوتر المربك بين الرغبة والاضطرار، وبين ما يفرضه المجتمع وما يتيحه، تتشكل مساحة هشة، يمكن تسميتها مقاومة، مقاومة تُنتجها اللحظة نفسها، لا من موقع التحدّي المباشر، بل من ضرورة البقاء في عالم يضيق على الأجساد والاختيارات.
عادةً ما يُطرح مفهوم المقاومة باعتباره نقيضًا للسلطة، غير أن هذا التصوّر الثنائي يُغفل الطبيعة الجدلية التي يوضحها ميشيل فوكو، إذ يرى أن «كل سلطة تنتج مقاومة»، لكن هذه المقاومة لا توجد خارج السلطة أو في مواجهتها من موقع مستقل، بل تنشأ من داخلها؛ من خلال استغلال المساحات البينية والمتروكة والمتناقضة في هياكل السلطة. فالنساء اللواتي يجهضن يتعرضن لهذه التحكمات السلطوية التي تؤثر على اختياراتهن وتجبرهن على تغيير مساراتهن، لكنها في الوقت نفسه يمكن استغلالها في الوصول إلى الإجهاض. فالقانون مثلًا يجرم الإجهاض لكنه يتحايل عليه بالفساد، وصمت الدولة عن تنفيذ التجريم القانوني يسمح لهذه المساحة بالازدهار، والآراء الدينية يُنتقى منها الفتاوى التي تبيح الإجهاض رغم وجود أخرى تحرمه، والوصاية الذكورية توظف لحماية النساء.
في هذه المساحات السلطوية غير المحكمة، تظهر أشكال متعددة من المقاومة، بعضها واعٍ ومباشر، وبعضها الآخر صامت وعابر وغير مقصود، لكنه مع ذلك يتحايل على السلطة ويساهم في تشكيلها.
بعض النساء اللواتي قابلتهن ينطلقن من موقف نسوي واضح، يرى في الإجهاض حقًا أساسيًا ضمن حريتهن في التحكم في أجسادهن ومسار حياتهن، بما يشمل اختيار الأمومة أو رفضها بالكلية، لكن هذا الوعي النسوي لم يُعفِهن من اللجوء إلى ما تسمّيه دنيز كانديوتي «التفاوض مع النظام الأبوي»؛ فلكي يتمكّنّ من تأمين العملية أو الحصول على الدواء، احتجن غالبًا إلى استدعاء سلطة الرجال في حياتهن، ﻷن «طول ما فيه راجل في الصورة الحاجات بتمشي سلسة وسهلة ومبيبقاش فيه تعنيف كبير أو معاملة وحشة» كما توضح جيهان، وهي الملاحظة التي أكدتها أمنية: «أدوية الإجهاض أصلًا بتتعامل معاملة المخدرات، واستحالة واحدة تعرف تجيبها، لازم راجل هو اللي يجيبها، وهيدور عليها بردو». قد يكون الرجل الموجود زوجًا حقيقيًا أو مجرد شكل لاستكمال الصورة التي يريدها المجتمع، مثل أميرة التي ذهبت إلى عيادة الإجهاض مع صاحبها، «وكان شكلنا عرسان صغيرين عادي، فمحدش كان بيسأل عن الجواز».
استعانت أخريات بالآراء الدينية التي تبيح الإجهاض، سواء عن قناعة أو ادعاء، باعتبارها إحدى أدوات التفاوض مع السلطة الطبية أو الاجتماعية، فجيهان مثلًا حصلت على الدواء لكنها لم تكن تعرف طريقة استخدامه، فاتصلت بالصيدلية تسأل عن الجرعة الصحيحة وطريقة تناولها، وادعت أن لديها فتوى من الأزهر تجيز لها الإجهاض بسبب وجود تشوهات في الجنين، وقد نجحت هذه الوسيلة في إقناع الصيدلانية لتجيبها. في المقابل، لم تنجح نفس الوسيلة مع عصام الذي كان مقتنعًا بأن الإجهاض حلال ما دام الجنين لم يتم أربعة أشهر، فأحضر فتوى دينية ليقنع الطبيب الذي ولّد زوجته سابقًا بإجهاض حملها الثالث، لكن الطبيب رفض، لأنه «متشدد، وخايف على سمعته» كما أخبرني عصام.
حتى التجريم القانوني يتم التحايل عليه، بادعاء وجود خطر طبي يهدد حياة المرأة، وهي الطريقة التي أفلحت مع عصام وزوجته في نهاية المطاف: «أنا عندي تأمين تبع الشغل وعندنا مستشفى كويسة جدًا، سألت عن الموضوع [الإجهاض] قالوا نفس الكلام: ماينفعش إلا بتقرير طبي يثبت خطورة الحمل على صحة الأم. التقرير ده ممكن يتعمل مضروب مقابل فلوس بسيطة، وممضي ومختوم من دكتور قلب، إن المريضة فلانة عندها مشكلة في الصمام والحمل خطر على حياتها. وللأسف اضطريت أعمل كده خوفًا على حياة زوجتي لأن البديل المتاح كان برشام الدكتورة أو الدكتور بتاع العمليات الشمال، وفي الحالتين الله أعلم كان إيه ممكن يحصلها. عملنا إجهاض في مستشفى حكومي كبير جدًا رسمي وشرعي وقانوني، والتمريض والدكاترة شالوها من على الأرض شيل، لدرجة وجود دكتور قلب معاها في العمليات، وبتكلفة قليلة جدًا».
هذه التحايلات ليست معروفة سلفًا أو سهلة المنال، بل تُكتسب بعد تجارب مضنية ينتهي كثير منها بالفشل، وتعرض المرأة ومن يساعدها للمخاطر الصحية وأحيانًا للابتزاز والإهانة. كما أنها لا تشكل تحديًا مباشرًا للسلطة، بل استخدامًا لمواردها وتناقضاتها والفراغات التي تتركها، بما في ذلك الفساد الكامن فيها، لانتزاع مساحة ضيقة من الحرية داخل بنية القمع المهيمنة.
في كتابه «أسلحة الضعفاء: أشكال المقاومة اليومية للفلاحين» (1985)، يدرس الباحث الأمريكي، جيمس سكوت، مجتمع الفلاحين في قرية ماليزية اسمها صِداقة. لاحظ سكوت أن الفلاحين، رغم خضوعهم الظاهري أمام سلطة الطبقة المهيمنة، يمارسون أفعالًا خفية للإفلات من هذه الهيمنة، عبر التلكؤ والتهرب والتحايل، دون مواجهة مباشرة. يستفيد سكوت من أفكار فوكو حول توزع السلطة وانتشارها، وحول الوجود الدائم للمقاومة داخل نسيج هذه السلطة، ليستكشف الأشكال اليومية المستمرة والخفية لهذه المقاومة، التي يُعرّفها بأنها «أي فعل يقوم به أفراد من الطبقات الدنيا لتقليل أو إنكار مطالب الطبقات العليا أو لفرض مطالبهم الخاصة في مقابل هذه الطبقات المسيطرة».
أهمية عمل سكوت تكمن في شرحه بشكل عملي للمقاومة غير السياسية التي يمارسها الضعفاء حين يعجزون عن المواجهة، فالنساء اللاتي يلجأن إلى الإنهاء الإرادي لحملهن لا يقدمن على تحدي النظام الأبوي أو إسقاط السلطة القانونية والدينية والاجتماعية بشكل مباشر. ما يسعين إليه أولًا هو إنقاذ أنفسهن: حماية الجسد، النجاة من العنف، الحفاظ على الصحة النفسية، أو تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. المقاومة هنا ليست في الخطاب، بل في الفعل نفسه، في قرار تتخذه المرأة رغم التجريم القانوني، والتحريم الديني، والنبذ الاجتماعي، بل وأحيانًا رغم شعورها الشخصي بالذنب.
معظم النساء اللواتي قابلتهن خلال بحث الماجستير لم يصفن الإجهاض كمقاومة، فغالبيتهن كن مضطرات له ولا يملكن بديلًا، خصوصًا غير المتزوجات في مجتمع تنتشر فيه جرائم «الشرف» وقتل النساء، وفي أحسن الأحوال ينبذهن المجتمع ويصمهن باعتبارهن «زانيات» أو «عاهرات» هن وأطفالهن الذين سيُنظر إليهم على أنهم «أولاد حرام». في معظم الحالات، يكون الإجهاض وسيلة للبقاء أكثر من كونه اختيارًا، كما أخبرتني ريم: «كنت أعمل إيه لو ده حرام؟ أهرب من البيت؟ لو ما عملتش كده، أبويا كان هيكسر رقبتي، كان هيجهضني أنا شخصيًا».
أما المتزوجات، فيملكن خيار الاحتفاظ بالطفل، لكنهن كذلك كن مضطرات للإجهاض ﻷسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية وصحية. أجهضت تُقى مرتين: لم تكن متزوجة في المرة الأولى، «المرة التانية كنت متجوزة وبهرب من الضرب والإهانة، ولما كنت بدوّر على بيت اكتشفت إني حامل». وفي حالات أخرى يصبح الحمل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي للأسرة، كما في حالة أسرة عصام: «لو كانت مراتي طلبت إجازة تانية، كانت هتخسر شغلها. ماكناش نقدر نخلف تالت».
يوسع الباحث الإيراني آصف بيات هذا المنظور للمقاومة، من خلال عمله على دراسة التفاعلات اليومية في دول مختلفة من بينها مصر، ففي كتابه «الحياة سياسة: كيف يغير الناس العاديون الشرق الأوسط»، يجادل بيات بأن كثيرًا من المخالفات القانونية أو الممارسات اليومية العادية مثل افتراش الباعة للأرصفة أو حركة النساء في المجال العام لا يُنظر إليها على أنها فعل سياسي، لكنها في الحقيقة المساحة التي ينتزع بها الناس حقوقهم في ظل غياب أفق سياسي للتعبير عن هذه المطالب والاحتياجات، وللتعبير عن هذا الشكل اللاسياسي من المقاومة، يصك بيات مصطلح (quiet encroachment) الذي يمكن ترجمته إلى «التوسع أو التعدي الهادئ»، ليصف أشكالًا من المقاومة لا تنطلق من هدف سياسي محدد بل تقوم على «أفعال مباشرة وغير جماعية يقوم بها أفراد متفرقون للحصول على ضروريات حياتهم في شكل هادئ وغير قانوني»، فالنساء اللواتي يجهضن لا يفعلن ذلك ضمن حركة نسوية منظمة، ولا يرفعن شعارات سياسية، لكنهن يمارسن ما يسميه بيات «السياسة الصامتة للحياة اليومية»، أو «نسوية كل يوم» كما تترجمها الباحثة داليا عبد الحميد، فالسعي للإجهاض رغم التهديدات، والمداومة على إيجاد مسارات بديلة رغم الرقابة، هو نوع من الزحف البطيء نحو انتزاع مساحات للحرية.
في سبيل انتزاع هذه الضروريات، بحسب تعريف بيات، استخدمت النساء اللاتي قابلتهن وسائل متعددة -المساحات التي تتركها السلطة أو تعجز عن محاصرتها عبر تفاوض دائم معها، والتفاف على قواعدها، وإعادة تعريفها من الداخل-. بهذا المعنى، يفتح الإجهاض بابًا لقراءة مختلفة للمقاومة: مقاومة لا تعلن نفسها، ولا تُبنى على خطاب أيديولوجي واضح، لكنها متجذرة في ممارسة الحياة واستعادتها، عبر ممارسات لا تنطوي على مواجهة مباشرة، لكنها تحاول النجاة فعليًا عبر قرار فردي يواجه منظومات كاملة من السيطرة، حتى لو لم يُقصد به أن يكون فعلًا سياسيًا واعيًا، ومع ذلك فهو يتعدى على سلطة التحكم في الأجساد والحياة الاجتماعية.
لا تتحكم سلطة أو مؤسسة بعينها في منع الإجهاض أو إتاحته، بل ثمة شبكة معقدة ومتداخلة بل متناقضة ومتضاربة من العلاقات التي تحكم وتوجه حياة النساء الساعيات للإجهاض، لكن تنوع أشكال السلطة ينتج بدوره تنوعًا في أشكال المقاومة والسبل التي تسلكها، فرغم كل هذه القيود والعراقيل التي تكبل الوصول للإجهاض وتجعله خطرًا، فإن آلاف النساء في مصر يجهضن، بوسائل مختلفة كل يوم، من عمليات الإجهاض أو باستخدام الأدوية أو حتى بوصفات شعبية، متحدين القيود الرسمية والمجتمعية التي تحكم وتوجه حياتهن، لكنهن يقاومن ويعدن تشكيل هذه الشبكة وصياغة هذه العلاقات، والبحث عن الفراغات والمسافات بينها، لينقذن أنفسهن ويساعدن غيرهن، أو حتى يسعين عبر نضال منظم لتغيير جمعي للوضع القائم.
لقراءة ما نُشر سابقًا ضمن سلسلة باسم الأم للكاتب أحمد سمير سنطاوي، اضغطوا هنا.
آراء أخرى
باسم الأم: أفعال الطبقة
«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»
باسم الأم.. الحل الذي لا تذكره الدولة
«يتنافى تجريم الإجهاض مع رغبة الحكومة في الحد من الزيادة السكانية»
باسم الأم.. الإجهاض في نظر القانون
«كي نفهم القانون بشكل أنثروبولوجي، ينبغي دراسته كظاهرة اجتماعية وثقافية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد